مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قراءة في العلاقات الثنائية... ومستقبلها

قناة السويس (رويترز)
قناة السويس (رويترز)
TT

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قناة السويس (رويترز)
قناة السويس (رويترز)

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها، فقد تغيّر السؤال: ماذا كشفت الزيارة فعلاً عن طبيعة هذه العلاقة؟ وإلى أين يمكن أن تذهب بعد 70 سنة من الصداقة وعقد كامل من الشراكة الاستراتيجية الشاملة؟ لا تكمن الإجابة في عدد الاتفاقات وحده، ولا في إعادة تعداد المشاريع التي أنجزتها الشركات الصينية في مصر، بل في التحوّل الذي ظهر في طبيعة المجالات المطروحة للتعاون. إذ إن العلاقة التي بدأت سياسية، ثم ترسخت اقتصادياً من خلال البنية التحتية والمشاريع الكبرى، تتقدم اليوم نحو التصنيع المحلي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد. ولقد لخّص الرئيس الصيني هذا التوجّه في مقاله الذي نشره في الصحف المصرية عشية وصوله إلى القاهرة بقوله: «علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة في التنمية المشتركة».

لم تكن كلمات الرئيس الصيني شي جينبينغ: «علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة في التنمية المشتركة»، في العاصمة المصرية القاهرة، مجرد تحية دبلوماسية، بل جاءت منسجمة مع مضمون الزيارة والبيان المشترك وما تضمّنه من قطاعات تحدد مواقع الدول في اقتصاد المستقبل.

ومن خلال متابعة مراقبين جيّدي الاطلاع للتحوّلات الميدانية الطويلة الأمد التي شهدتها مدن ومناطق صناعية صينية عديدة، يبدو أن بكين تنظر إلى الشراكات البعيدة المدى على أنها عملية «تراكم» تبدأ ببناء الثقة. ومن ثم تنتقل إلى المشاريع، قبل أن تبلغ مستوى التشابك الصناعي والتكنولوجي. وفي هذا السياق، قطعت العلاقات المصرية - الصينية المرحلتين الأوليين، ورسمت زيارة سبتمبر (أيلول) 2026 طريق المرحلة الثالثة.

من المشاريع الكبرى إلى الإنتاج المشترك

ارتبط الحضور الصيني في مصر خلال العقد الماضي بمشاريع كبيرة وواضحة، من «منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري» في السويس، إلى الحي المالي والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي، ومشاريع الطاقة والفضاء والنقل.

وحقاً، بنت هذه الإنجازات قاعدة من الثقة العملية والمصالح المتبادلة، وأثبتت أن التقارب بين القاهرة وبكين لا يستند إلى المواقف السياسية وحدها. غير أن الجديد في الزيارة هو اتجاه قائمة التعاون إلى قطاعات أكثر تقدّماً، تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والألواح الشمسية وأبراج الرياح، وتحلية مياه البحر، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وأشباه الموصِّلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار من بُعد، وسلاسل إمداد المعادن الحرجة.

لا تبدو هذه المجالات «مجموعة عشوائية» من المشاريع، بل تشكّل أجزاء مترابطة من اقتصاد عالمي يتمحوّر حول التكنولوجيا والطاقة النظيفة والبيانات والصناعات المتقدمة. ولذلك، فإن وضعها ضمن أولويات المرحلة المقبلة يكشف عن تطلع مشترك إلى تجاوز العلاقة التقليدية بين مستثمر وسوق، أو مموِّل ومشروع، نحو بناء قاعدة إنتاجية ذات امتداد إقليمي. بل، وتكتسب فكرة توطين الصناعة بذلك معناها الأوسع، لأنها تتجاوز إقامة خطوط لتجميع المنتجات لتشمل زيادة المكوّن المحلي، وربط الشركات المصرية بسلاسل التوريد، وتأهيل العمال والمهندسين، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، ونقل المعرفة التقنية والإدارية.

الرئيسان شي والسيسي في مصافحة تقليدية (الرئاسة المصرية)

موقع مصر المستقبلي داخل سلسلة الإنتاج

ثم إن القيمة المُضافة المتوقّعة لا تقتصر على حجم الاستثمارات أو عدد المصانع، بل تمتد إلى الموقع الذي تستطيع مصر أن تحتله داخل سلسلة الإنتاج، من التجميع إلى التصنيع، وصولاً إلى المشاركة في التصميم والتكنولوجيا والتصدير. ويجمع البيان في هذا الصدد بين مشاريع أثبتت نجاحها على الأرض ومجالات جديدة يُراد لها أن تقود التعاون في السنوات المقبلة، في حين يمنح إدراج السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات ومراكز البيانات في وثيقة سياسية مشتركة هذه القطاعات «قوة دفع» واضحة، ويمهِّد لتحويلها إلى استثمارات وشراكات وبرامج لتدريب الكفاءات ونقل المعرفة.

قناة السويس: الموقع يتحوّل لوظيفة اقتصادية

من جهة ثانية، تقدّم الزيارة قراءة أوسع للموقع المصري في الحسابات الصينية. فمصر ليست سوقاً كبيرة فحسب، ولا هي مجرّد محطة جغرافية على طريق التجارة، بل تشكّل نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومركزاً مرشحاً للجمع بين الصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي.

وتعطي «منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية (تيدا)» في السويس دليلاً عمليّاً على هذا الاتجاه؛ إذ أصبحت تضم نحو مائتي شركة، ووفّرت نحو عشرة آلاف فرصة عمل، باستثمارات تراكُمية تجاوزت 4.7 مليار دولار، وفق التقارير الصينية المنشورة بالتزامن مع الزيارة. وبذا تحوّلت أرضٌ كانت صحراوية إلى تجمّع صناعي يربط الشركات الصينية بالسوق المصرية ومحيطها الإقليمي.

والأهم، أن وظيفة المنطقة نفسها تتطوّر، ذلك أن بعض الاستثمارات الجديدة لم يعُد يستهدف تلبية الطلب المحلي وحده، بل بات يُنظر إلى مصر معه بوصفها «قاعدة للإنتاج والتصدير» تستفيد من قناة السويس، والموانئ المصرية، وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.

وهكذا، يتغيّر معنى قناة السويس داخل الشراكة: من طريق تعبره السلع الصينية إلى مساحة يُنتج ويُخزن ويُعاد تصدير جزء منها عبرها، وتقام حولها خدمات مالية ورقمية ولوجستية.

الفارق بين الحالتين كبير؛ فالدولة التي يمرّ عبرها جزءٌ من التجارة العالمية تحصل على عوائد المَمرّ، أما الدولة التي تدخل في إنتاج هذه التجارة وخدمتها فتضيف إلى تلك العوائد فرص العمل والتكنولوجيا والصادرات والنفوذ الاقتصادي. ومن ثم، يمنح التقارب بين مبادرة الحزام والطريق» الصينية و«رؤية مصر 2030» المصرية هذا التحوّل مرجعية سياسية وتنموية مشتركة، ويساعد على توزيع الاستثمارات وفق الأولويات الصناعية المصرية، وزيادة المكوّن المحلي، وتوسيع برامج التدريب، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصنّعة في مصر، مع دور أكبر للشركات المصرية في المشاريع المشتركة.

غير أن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يصنع مركزاً اقتصادياً بمفرده، بل تتضاعف قيمته حين يرتبط بموانئ حديثة، وشبكات نقل فعّالة، وإجراءات جمركية مرنة، وقاعدة صناعية قادرة على تلبية احتياجات المستثمرين. وهذا ما تعمل مصر على بنائه حول قناة السويس، بحيث تتحوّل من طريق لعبور التجارة إلى مساحة لإنتاجها وخدمتها وإعادة توزيعها.

وأيضاً، لا يكتمل هذا التحوّل بالخدمات اللوجستية والصناعات التقليدية وحدها، لأن موقع الدول في سلاسل القيمة الجديدة يتحدّد بقدر متزايد بما تمتلكه من معرفة وتكنولوجيا، وهو ما يفسّر الحضور اللافت للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات في نتائج الزيارة.

الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يصنع مركزاً اقتصادياً بمفرده،

بل تتضاعف قيمته حين يرتبط بموانئ حديثة، وشبكات نقل فعّالة

التكنولوجيا تدخل صلب العلاقة

ينقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء التعاون إلى مستوى مختلف عن مشاريع البناء والنقل. فالصين تمتلك منظومة صناعية وتكنولوجية واسعة ومتكاملة، بينما تمتلك مصر سوقاً كبيرة، وموقعاً جغرافياً فريداً، وقاعدة متنامية من المهندسين والمتخصّصين، وروابط مباشرة بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية؛ والجمع بين هذه العناصر يمنح البلدين قدرة حقيقية على تطوير مركز إقليمي للخدمات الرقمية والصناعات التكنولوجية.

هذه المجالات، لا تنفصل بالطبع عن بناء القدرات البشرية والسيادة الرقمية وحماية البيانات، ولذلك يحمل التعاون في الذكاء الاصطناعي قيمة تتجاوز استيراد الأجهزة أو استخدام المنصات، ليمتد إلى تأهيل الكفاءات المصرية، ودعم الشركات الناشئة، وإنشاء مراكز للبحث والابتكار، وتطوير تطبيقات محلية تخدم الاقتصاد المصري وتعزز موقعه الرقمي في المنطقة. وهنا يبرز الدور الذي تستطيع الجامعات ومراكز البحوث أن تؤديه، لأن التكنولوجيا لا تنتقل بعقود شراء المعدات وحدها، بل من خلال الباحثين والطلاب والمهندسين وبرامج التدريب والمختبرات والبحث المشترك، وعندما تلتقي الاستثمارات الصناعية بالتعاون الأكاديمي تصبح المعرفة جزءاً دائماً من المشروع، لا خدمة مؤقتة مرتبطة بمرحلة تشغيله.

هذه النقلة التكنولوجية لا تضيف قطاعاً جديداً إلى مجالات التعاون وحسب، بل تساعد على تغيير بنية العلاقة الاقتصادية نفسها؛ فكلما زادت حصّة المعرفة والتصنيع في المشاريع المشتركة، ارتفعت قدرة مصر على التصدير، وتحولت التجارة بين البلدين من تبادل غير متوازن للسلع إلى علاقة أوسع تشمل الإنتاج والخدمات والتكنولوجيا.

نمو التجارة... وبداية تغيير بنيتها

هنا، تدعم الأرقام التجارية صورة العلاقة المتنامية؛ إذ بلغ حجم التجارة السلعية بين الصين ومصر 95.19 مليار يوان، أي نحو 14.16 مليار دولار أميركي، خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بزيادة قدرها 18.7 في المئة مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية.

وارتفعت الصادرات الصينية إلى مصر بنسبة 17.5 في المئة، بينما نمت واردات الصين من مصر بنسبة 49.4 في المائة، أما واردات الصين من المنتجات الزراعية المصرية فارتفعت بنسبة 82.6 في المائة، وشكّلت 41.7 في المائة من إجمالي وارداتها من مصر خلال الفترة نفسها.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كون نمو الواردات الصينية من مصر فاق نموّ الصادرات الصينية إليها، وإن ظل الميزان التجاري يميل بوضوح لمصلحة الصين. ويظهر الاهتمام بمعالجة هذا الاختلال في دعوة البيان المشترك إلى استقبال مزيد من المنتجات المصرية داخل السوق الصينية، ومواصلة التشاور بشأن اتفاقية «الحصاد المبكّر»، وزيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار.

مع هذا، فإن اتساع العلاقة الاقتصادية لا يفسّر وحده المكانة التي باتت تحتلها مصر في الحسابات الصينية، لكون الزيارة أظهرت أن التعاون تجاوز التجارة والاستثمار ليلامس الشواغل الاستراتيجية المصرية وقضايا الإقليم.

 

شواغل لمصر والصين... من تايوان إلى فلسطين وأمن البحر الأحمر

دخلت الشواغل الاستراتيجية المصرية صلب البيان المصري - الصيني المشترك، وفي مقدمتها نهر النيل. إذ أكد الجانب الصيني إدراك أهميته بوصفه شريان الحياة لمصر، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي، والغذائي، ومصالحها التنموية، مع دعوة دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، وتحاشي التسبب في ضرر. ويحمل هذا الموقف وزناً سياسياً واضحاً، لأنه يضع الأمن المائي المصري ضمن القضايا التي تحظى بتفهّم الصين، ودعمها، ويعزّز المبادئ القانونية التي تستند إليها القاهرة، كما يدعم البحث عن حلول تحمي حق التنمية لجميع دول الحوض من دون المساس بالحقوق والمصالح الحيوية لمصر. وفي تأكيد متبادل لاحترام المصالح الجوهرية للبلدين، جدّدت مصر التزامها الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأكدت أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، مع رفض التدخل في الشؤون الداخلية للصين، ودعم سيادتها، ووحدة أراضيها. ويعكس ذلك طبيعة الشراكة بين القاهرة وبكين، حيث يقترن التعاون الاقتصادي والتنموي بتفهم كل طرف للقضايا المرتبطة بسيادة الطرف الآخر، وأمنه، ومصالحه الأساسية. أيضاً جدد البلدان موقفهما من القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية في الشرق الأوسط، وتمسّكا بـ«حل الدولتين»، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط 4 يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، كما رفضا تهجير الفلسطينيين، ودعوا إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية. ولم يبقَ التقارب السياسي محصوراً في هذه القضايا، بل امتد إلى السودان، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، حيث شدّد البيان على احترام سيادة دول المنطقة، ووحدة أراضيها، وعلى أن المسؤولية الرئيسة عن أمن البحر الأحمر تقع على الدول المشاطئة له. وتتقاطع هذه المواقف مع رؤية مصر لأمنها القومي، ومع المقاربة الصينية التي تربط الاستقرار بالتنمية، وتفضل الحلول السياسية على إدارة النزاعات بالقوة. ولا يحتاج هذا التقارب إلى أن يتحول لتحالف عسكري بالمعنى التقليدي حتى يكتسب أهميته؛ فقيمته تكمن في التقاء الرؤى حول السيادة، وعدم التدخل، ورفض التهجير، والمعايير المزدوجة، وفي القدرة على تحويل هذا الالتقاء إلى تنسيق أوسع داخل الأمم المتحدة، ومجموعة «بريكس»، وغيرهما من المنصات الدولية. ما يتجاوز مصر والصين لا تقف نتائج الزيارة عند حدود العلاقة الثنائية، فتحول مصر إلى قاعدة للإنتاج والتكنولوجيا بالشراكة مع الصين يقدم للتعاون العربي - الصيني نموذجاً أوسع من العلاقة القائمة على تبادل الطاقة، والسلع، كما يمنح مصر فرصة أن تصبح حلقة وصل إنتاجية بين التعاون الصيني - العربي والتعاون الصيني - الأفريقي، لا مجرد جسر جغرافي بينهما. ولا ينفصل هذا الدور عن البعد الحضاري في العلاقة؛ فمصر والصين لا تقدمان نفسيهما بوصفهما دولتين ناميتين كبيرتين فقط، بل إنهما حضارتان تركتا أثراً عميقاً في التاريخ الإنساني، وهو ما أعطى زيارة الرئيسين وقرينتيهما إلى المتحف المصري الكبير معنى تجاوز حدود البروتوكول.

 

* رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل ورئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث


مقالات ذات صلة

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

حصاد الأسبوع جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها

محمد الريس ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار

كوثر وكيل (لندن)
حصاد الأسبوع مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس

كوثر وكيل (لندن)
حصاد الأسبوع هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، المقرر إجراء دورها الأول يوم 18 أبريل (نيسان) 2027 ودورها الثاني يوم 2 مايو (أيار)، ما عاد النقاش في باريس يدور

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض

إيلي يوسف (واشنطن)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.