عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة

حصاد الأسبوع ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة

شوقي الريّس (مدريد)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قناة السويس (رويترز)
قناة السويس (رويترز)
TT

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قناة السويس (رويترز)
قناة السويس (رويترز)

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها، فقد تغيّر السؤال: ماذا كشفت الزيارة فعلاً عن طبيعة هذه العلاقة؟ وإلى أين يمكن أن تذهب بعد 70 سنة من الصداقة وعقد كامل من الشراكة الاستراتيجية الشاملة؟ لا تكمن الإجابة في عدد الاتفاقات وحده، ولا في إعادة تعداد المشاريع التي أنجزتها الشركات الصينية في مصر، بل في التحوّل الذي ظهر في طبيعة المجالات المطروحة للتعاون. إذ إن العلاقة التي بدأت سياسية، ثم ترسخت اقتصادياً من خلال البنية التحتية والمشاريع الكبرى، تتقدم اليوم نحو التصنيع المحلي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد. ولقد لخّص الرئيس الصيني هذا التوجّه في مقاله الذي نشره في الصحف المصرية عشية وصوله إلى القاهرة بقوله: «علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة في التنمية المشتركة».

لم تكن كلمات الرئيس الصيني شي جينبينغ: «علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة في التنمية المشتركة»، في العاصمة المصرية القاهرة، مجرد تحية دبلوماسية، بل جاءت منسجمة مع مضمون الزيارة والبيان المشترك وما تضمّنه من قطاعات تحدد مواقع الدول في اقتصاد المستقبل.

ومن خلال متابعة مراقبين جيّدي الاطلاع للتحوّلات الميدانية الطويلة الأمد التي شهدتها مدن ومناطق صناعية صينية عديدة، يبدو أن بكين تنظر إلى الشراكات البعيدة المدى على أنها عملية «تراكم» تبدأ ببناء الثقة. ومن ثم تنتقل إلى المشاريع، قبل أن تبلغ مستوى التشابك الصناعي والتكنولوجي. وفي هذا السياق، قطعت العلاقات المصرية - الصينية المرحلتين الأوليين، ورسمت زيارة سبتمبر (أيلول) 2026 طريق المرحلة الثالثة.

من المشاريع الكبرى إلى الإنتاج المشترك

ارتبط الحضور الصيني في مصر خلال العقد الماضي بمشاريع كبيرة وواضحة، من «منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري» في السويس، إلى الحي المالي والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي، ومشاريع الطاقة والفضاء والنقل.

وحقاً، بنت هذه الإنجازات قاعدة من الثقة العملية والمصالح المتبادلة، وأثبتت أن التقارب بين القاهرة وبكين لا يستند إلى المواقف السياسية وحدها. غير أن الجديد في الزيارة هو اتجاه قائمة التعاون إلى قطاعات أكثر تقدّماً، تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والألواح الشمسية وأبراج الرياح، وتحلية مياه البحر، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وأشباه الموصِّلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار من بُعد، وسلاسل إمداد المعادن الحرجة.

لا تبدو هذه المجالات «مجموعة عشوائية» من المشاريع، بل تشكّل أجزاء مترابطة من اقتصاد عالمي يتمحوّر حول التكنولوجيا والطاقة النظيفة والبيانات والصناعات المتقدمة. ولذلك، فإن وضعها ضمن أولويات المرحلة المقبلة يكشف عن تطلع مشترك إلى تجاوز العلاقة التقليدية بين مستثمر وسوق، أو مموِّل ومشروع، نحو بناء قاعدة إنتاجية ذات امتداد إقليمي. بل، وتكتسب فكرة توطين الصناعة بذلك معناها الأوسع، لأنها تتجاوز إقامة خطوط لتجميع المنتجات لتشمل زيادة المكوّن المحلي، وربط الشركات المصرية بسلاسل التوريد، وتأهيل العمال والمهندسين، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، ونقل المعرفة التقنية والإدارية.

الرئيسان شي والسيسي في مصافحة تقليدية (الرئاسة المصرية)

موقع مصر المستقبلي داخل سلسلة الإنتاج

ثم إن القيمة المُضافة المتوقّعة لا تقتصر على حجم الاستثمارات أو عدد المصانع، بل تمتد إلى الموقع الذي تستطيع مصر أن تحتله داخل سلسلة الإنتاج، من التجميع إلى التصنيع، وصولاً إلى المشاركة في التصميم والتكنولوجيا والتصدير. ويجمع البيان في هذا الصدد بين مشاريع أثبتت نجاحها على الأرض ومجالات جديدة يُراد لها أن تقود التعاون في السنوات المقبلة، في حين يمنح إدراج السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات ومراكز البيانات في وثيقة سياسية مشتركة هذه القطاعات «قوة دفع» واضحة، ويمهِّد لتحويلها إلى استثمارات وشراكات وبرامج لتدريب الكفاءات ونقل المعرفة.

قناة السويس: الموقع يتحوّل لوظيفة اقتصادية

من جهة ثانية، تقدّم الزيارة قراءة أوسع للموقع المصري في الحسابات الصينية. فمصر ليست سوقاً كبيرة فحسب، ولا هي مجرّد محطة جغرافية على طريق التجارة، بل تشكّل نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومركزاً مرشحاً للجمع بين الصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي.

وتعطي «منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية (تيدا)» في السويس دليلاً عمليّاً على هذا الاتجاه؛ إذ أصبحت تضم نحو مائتي شركة، ووفّرت نحو عشرة آلاف فرصة عمل، باستثمارات تراكُمية تجاوزت 4.7 مليار دولار، وفق التقارير الصينية المنشورة بالتزامن مع الزيارة. وبذا تحوّلت أرضٌ كانت صحراوية إلى تجمّع صناعي يربط الشركات الصينية بالسوق المصرية ومحيطها الإقليمي.

والأهم، أن وظيفة المنطقة نفسها تتطوّر، ذلك أن بعض الاستثمارات الجديدة لم يعُد يستهدف تلبية الطلب المحلي وحده، بل بات يُنظر إلى مصر معه بوصفها «قاعدة للإنتاج والتصدير» تستفيد من قناة السويس، والموانئ المصرية، وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.

وهكذا، يتغيّر معنى قناة السويس داخل الشراكة: من طريق تعبره السلع الصينية إلى مساحة يُنتج ويُخزن ويُعاد تصدير جزء منها عبرها، وتقام حولها خدمات مالية ورقمية ولوجستية.

الفارق بين الحالتين كبير؛ فالدولة التي يمرّ عبرها جزءٌ من التجارة العالمية تحصل على عوائد المَمرّ، أما الدولة التي تدخل في إنتاج هذه التجارة وخدمتها فتضيف إلى تلك العوائد فرص العمل والتكنولوجيا والصادرات والنفوذ الاقتصادي. ومن ثم، يمنح التقارب بين مبادرة الحزام والطريق» الصينية و«رؤية مصر 2030» المصرية هذا التحوّل مرجعية سياسية وتنموية مشتركة، ويساعد على توزيع الاستثمارات وفق الأولويات الصناعية المصرية، وزيادة المكوّن المحلي، وتوسيع برامج التدريب، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصنّعة في مصر، مع دور أكبر للشركات المصرية في المشاريع المشتركة.

غير أن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يصنع مركزاً اقتصادياً بمفرده، بل تتضاعف قيمته حين يرتبط بموانئ حديثة، وشبكات نقل فعّالة، وإجراءات جمركية مرنة، وقاعدة صناعية قادرة على تلبية احتياجات المستثمرين. وهذا ما تعمل مصر على بنائه حول قناة السويس، بحيث تتحوّل من طريق لعبور التجارة إلى مساحة لإنتاجها وخدمتها وإعادة توزيعها.

وأيضاً، لا يكتمل هذا التحوّل بالخدمات اللوجستية والصناعات التقليدية وحدها، لأن موقع الدول في سلاسل القيمة الجديدة يتحدّد بقدر متزايد بما تمتلكه من معرفة وتكنولوجيا، وهو ما يفسّر الحضور اللافت للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات في نتائج الزيارة.

الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يصنع مركزاً اقتصادياً بمفرده،

بل تتضاعف قيمته حين يرتبط بموانئ حديثة، وشبكات نقل فعّالة

التكنولوجيا تدخل صلب العلاقة

ينقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء التعاون إلى مستوى مختلف عن مشاريع البناء والنقل. فالصين تمتلك منظومة صناعية وتكنولوجية واسعة ومتكاملة، بينما تمتلك مصر سوقاً كبيرة، وموقعاً جغرافياً فريداً، وقاعدة متنامية من المهندسين والمتخصّصين، وروابط مباشرة بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية؛ والجمع بين هذه العناصر يمنح البلدين قدرة حقيقية على تطوير مركز إقليمي للخدمات الرقمية والصناعات التكنولوجية.

هذه المجالات، لا تنفصل بالطبع عن بناء القدرات البشرية والسيادة الرقمية وحماية البيانات، ولذلك يحمل التعاون في الذكاء الاصطناعي قيمة تتجاوز استيراد الأجهزة أو استخدام المنصات، ليمتد إلى تأهيل الكفاءات المصرية، ودعم الشركات الناشئة، وإنشاء مراكز للبحث والابتكار، وتطوير تطبيقات محلية تخدم الاقتصاد المصري وتعزز موقعه الرقمي في المنطقة. وهنا يبرز الدور الذي تستطيع الجامعات ومراكز البحوث أن تؤديه، لأن التكنولوجيا لا تنتقل بعقود شراء المعدات وحدها، بل من خلال الباحثين والطلاب والمهندسين وبرامج التدريب والمختبرات والبحث المشترك، وعندما تلتقي الاستثمارات الصناعية بالتعاون الأكاديمي تصبح المعرفة جزءاً دائماً من المشروع، لا خدمة مؤقتة مرتبطة بمرحلة تشغيله.

هذه النقلة التكنولوجية لا تضيف قطاعاً جديداً إلى مجالات التعاون وحسب، بل تساعد على تغيير بنية العلاقة الاقتصادية نفسها؛ فكلما زادت حصّة المعرفة والتصنيع في المشاريع المشتركة، ارتفعت قدرة مصر على التصدير، وتحولت التجارة بين البلدين من تبادل غير متوازن للسلع إلى علاقة أوسع تشمل الإنتاج والخدمات والتكنولوجيا.

نمو التجارة... وبداية تغيير بنيتها

هنا، تدعم الأرقام التجارية صورة العلاقة المتنامية؛ إذ بلغ حجم التجارة السلعية بين الصين ومصر 95.19 مليار يوان، أي نحو 14.16 مليار دولار أميركي، خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بزيادة قدرها 18.7 في المئة مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية.

وارتفعت الصادرات الصينية إلى مصر بنسبة 17.5 في المئة، بينما نمت واردات الصين من مصر بنسبة 49.4 في المائة، أما واردات الصين من المنتجات الزراعية المصرية فارتفعت بنسبة 82.6 في المائة، وشكّلت 41.7 في المائة من إجمالي وارداتها من مصر خلال الفترة نفسها.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كون نمو الواردات الصينية من مصر فاق نموّ الصادرات الصينية إليها، وإن ظل الميزان التجاري يميل بوضوح لمصلحة الصين. ويظهر الاهتمام بمعالجة هذا الاختلال في دعوة البيان المشترك إلى استقبال مزيد من المنتجات المصرية داخل السوق الصينية، ومواصلة التشاور بشأن اتفاقية «الحصاد المبكّر»، وزيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار.

مع هذا، فإن اتساع العلاقة الاقتصادية لا يفسّر وحده المكانة التي باتت تحتلها مصر في الحسابات الصينية، لكون الزيارة أظهرت أن التعاون تجاوز التجارة والاستثمار ليلامس الشواغل الاستراتيجية المصرية وقضايا الإقليم.

 

شواغل لمصر والصين... من تايوان إلى فلسطين وأمن البحر الأحمر

دخلت الشواغل الاستراتيجية المصرية صلب البيان المصري - الصيني المشترك، وفي مقدمتها نهر النيل. إذ أكد الجانب الصيني إدراك أهميته بوصفه شريان الحياة لمصر، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي، والغذائي، ومصالحها التنموية، مع دعوة دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، وتحاشي التسبب في ضرر. ويحمل هذا الموقف وزناً سياسياً واضحاً، لأنه يضع الأمن المائي المصري ضمن القضايا التي تحظى بتفهّم الصين، ودعمها، ويعزّز المبادئ القانونية التي تستند إليها القاهرة، كما يدعم البحث عن حلول تحمي حق التنمية لجميع دول الحوض من دون المساس بالحقوق والمصالح الحيوية لمصر. وفي تأكيد متبادل لاحترام المصالح الجوهرية للبلدين، جدّدت مصر التزامها الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأكدت أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، مع رفض التدخل في الشؤون الداخلية للصين، ودعم سيادتها، ووحدة أراضيها. ويعكس ذلك طبيعة الشراكة بين القاهرة وبكين، حيث يقترن التعاون الاقتصادي والتنموي بتفهم كل طرف للقضايا المرتبطة بسيادة الطرف الآخر، وأمنه، ومصالحه الأساسية. أيضاً جدد البلدان موقفهما من القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية في الشرق الأوسط، وتمسّكا بـ«حل الدولتين»، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط 4 يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، كما رفضا تهجير الفلسطينيين، ودعوا إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية. ولم يبقَ التقارب السياسي محصوراً في هذه القضايا، بل امتد إلى السودان، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، حيث شدّد البيان على احترام سيادة دول المنطقة، ووحدة أراضيها، وعلى أن المسؤولية الرئيسة عن أمن البحر الأحمر تقع على الدول المشاطئة له. وتتقاطع هذه المواقف مع رؤية مصر لأمنها القومي، ومع المقاربة الصينية التي تربط الاستقرار بالتنمية، وتفضل الحلول السياسية على إدارة النزاعات بالقوة. ولا يحتاج هذا التقارب إلى أن يتحول لتحالف عسكري بالمعنى التقليدي حتى يكتسب أهميته؛ فقيمته تكمن في التقاء الرؤى حول السيادة، وعدم التدخل، ورفض التهجير، والمعايير المزدوجة، وفي القدرة على تحويل هذا الالتقاء إلى تنسيق أوسع داخل الأمم المتحدة، ومجموعة «بريكس»، وغيرهما من المنصات الدولية. ما يتجاوز مصر والصين لا تقف نتائج الزيارة عند حدود العلاقة الثنائية، فتحول مصر إلى قاعدة للإنتاج والتكنولوجيا بالشراكة مع الصين يقدم للتعاون العربي - الصيني نموذجاً أوسع من العلاقة القائمة على تبادل الطاقة، والسلع، كما يمنح مصر فرصة أن تصبح حلقة وصل إنتاجية بين التعاون الصيني - العربي والتعاون الصيني - الأفريقي، لا مجرد جسر جغرافي بينهما. ولا ينفصل هذا الدور عن البعد الحضاري في العلاقة؛ فمصر والصين لا تقدمان نفسيهما بوصفهما دولتين ناميتين كبيرتين فقط، بل إنهما حضارتان تركتا أثراً عميقاً في التاريخ الإنساني، وهو ما أعطى زيارة الرئيسين وقرينتيهما إلى المتحف المصري الكبير معنى تجاوز حدود البروتوكول.

 

* رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل ورئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث