تحذيرات مصرية من تصاعد استخدام «الإخوان» لـ«سلاح التشكيك»

«الداخلية» نفت ادعاءات الجماعة بوجود «إضرابات» في أحد السجون

مصر أقامت منذ فترة «مراكز إصلاح وتأهيل» في مختلف المحافظات (وزارة الداخلية - أرشيفية)
مصر أقامت منذ فترة «مراكز إصلاح وتأهيل» في مختلف المحافظات (وزارة الداخلية - أرشيفية)
TT

تحذيرات مصرية من تصاعد استخدام «الإخوان» لـ«سلاح التشكيك»

مصر أقامت منذ فترة «مراكز إصلاح وتأهيل» في مختلف المحافظات (وزارة الداخلية - أرشيفية)
مصر أقامت منذ فترة «مراكز إصلاح وتأهيل» في مختلف المحافظات (وزارة الداخلية - أرشيفية)

حذَّر مصدر أمني مصري من «محاولات جماعة الإخوان المستمرة واليائسة التشكيك في السياسة العقابية الحديثة بالبلاد». وقال المصدر، الجمعة، إن الجماعة «دأبت على اختلاق الأكاذيب، وترويج الشائعات».

وتحظر السلطات المصرية «الإخوان» وتُصنِّفها «إرهابية» منذ عام 2013، وسُجن المئات من أعضائها، بينهم مرشدها محمد بديع، ومساعده خيرت الشاطر، بينما فرَّ آخرون إلى الخارج.

ونفت وزارة الداخلية، في إفادة الجمعة، ما تمَّ تداوله في عدد من الصفحات التابعة للجماعة في الخارج بمواقع التواصل الاجتماعي بشأن الزعم بـ«تعرُّض عدد من نزلاء أحد (مراكز الإصلاح والتأهيل) لانتهاكات، وإضراب عدد منهم عن الطعام».

وأكد المصدر الأمني أن «تلك الادعاءات لا أساس لها من الصحة، ولا توجد إضرابات داخل أي من (مراكز الإصلاح والتأهيل) في البلاد».

واتهمت «الداخلية» الجماعة أكثر من مرة بنشر «شائعات» تتعلَّق بـ«مراكز الإصلاح والتأهيل»، مؤكدة أن «جميع (المراكز) تتوافر بها الإمكانات المعيشية والصحية اللازمة، ويتم تقديم الرعاية الكاملة للنزلاء وفقاً لأعلى معايير حقوق الإنسان الدولية».

وأقامت مصر منذ فترة «مراكز إصلاح وتأهيل» في مختلف المحافظات.

«مراكز الإصلاح»

والأربعاء، نفت «الداخلية» ما تمَّ تداوله بإحدى الصفحات التابعة لـ«الإخوان» حول الزعم بـ«تعرُّض أهالي نزلاء (سجن العقرب) للتعنت في تسليم الدواء لذويهم». وقالت حينها إن «تلك الأكاذيب لا أساس لها من الصحة، حيث إن (سجن العقرب) تمَّ هدمه منذ سنوات عدة».

خبير مكافحة الإرهاب والمخاطر الأمنية اللواء إيهاب يوسف يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن وزارة الداخلية قامت بإجراءات كثيرة خلال السنوات الماضية في تطوير المنظومة العقابية، وتمَّ تغيير اسم السجون إلى (مراكز الإصلاح والتأهيل)، كما تمَّ تدريب السجناء على حِرف معينة، ويتقاضون أجراً عليها».

لكنه يضيف: «أحياناً يحدث (أمر) في وقت معين تستغله (الإخوان)، أو لا يكون هناك أي شيء حدث بالمرة؛ إلا أن الجماعة تقوم باختلاق واقعة معينة ثم البناء عليها عبر سيناريوهات وأقاويل لاستهداف المصريين».

وبحسب يوسف، فإن الهدف الذي تسعى إليه «الإخوان» الآن هو «محاولة إحباط الروح المعنوية، وتشكيك المجتمع المصري في الإنجازات الحالية». ويضيف: «في الوقت نفسه تحاول الجماعة استقطاب أشخاص جدد عبر الادعاءات وسلاح التشكيك... لذا تعمل (الإخوان) على فكرة ترويج الإشاعات وتعظيمها ونقلها بصورة متعددة من خلال أكثر من مصدر على وسائل التواصل أو الإعلام الخاص بها».

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

«إعلام مناوئ»

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: «إن مَن يتناول الشأن المصري في الإعلام المناوئ (لم يحدده) غير صادق، ومَن يتحدث بغير صدق أو يروِّج الشائعات بهدف خراب الأمة سوف يُحاسَب أمام الله، فلا يوجد دين يُقام بالخراب والفساد والدمار والقتل».

كما أشار خلال كلمته في احتفالية ذكرى المولد النبوي الشريف، الأربعاء الماضي، إلى أن «هناك فوضى في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام في المعرفة والطرح والإلمام بالتحديات التي واجهت مصر خلال الخمسين عاماً الماضية».

وحول التحذيرات المتصاعدة من استخدام «الإخوان» لـ«التشكيك»، يرى خبير مكافحة الإرهاب أن بعض المصريين سوف يستمعون لهذه التحذيرات ويتعاملون معها بمحمل الجد، لكن هناك آخرين لن يستمعوا لها، لذا حتى تصل هذه التحذيرات للجميع «لا بد من تداول المعلومات بشفافية، والنقاش حول أي قضية بصورة موضوعية سواء في الإعلام أو (السوشيال ميديا)، لأن ذلك سيكشف وجه الجماعة، ويحد من الشائعات».

ويشرح أن «المصداقية والشفافية في أي إجراءات تقوم بها الحكومة، هو المنهج الذي نحتاج إليه لمواجهة أي ادعاءات خلال الفترة المقبلة».

استغلال الأحداث

كما يوضح أن جماعة «الإخوان» تستغل الأحداث العالمية والإقليمية من أجل ترويج مكثف للشائعات، كما تستغل أيضاً الظروف الاقتصادية في البلاد من أجل تخويف المصريين». ويتابع: «لكن إظهار المعلومات الحقيقية سوف يبعد المصريين عن أي شائعات تروجها منصات وصفحات الجماعة».

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

«معدل الشائعات»

ووفق تقرير حكومي في يوليو (تموز) الماضي فإن «التوترات الإقليمية رفعت معدلات الشائعات بالبلاد بنسبة 113 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي، في حين تصدرت «التداعيات السلبية» للأزمات الخارجية قائمة الشائعات.

وتقوم وزارة الداخلية بشكل يومي بنشر توضيحات عدة حول مقاطع فيديو جرى تداولها عبر بعض مواقع التواصل، مع إصدار بيانات توضيحية بشأن تفاصيل الفيديوهات التي احتوت على مخالفات قانونية، في حين تتم إحالة الوقائع للجهات المختصة لاستكمال التحقيقات، ونشر تفاصيل ضبط المتورطين فيها، واعترافاتهم عبر بيانات رسمية.

والخميس، نفت «الداخلية» ما تمَّ تداوله بإحدى القنوات الفضائية التابعة لـ«الإخوان» بشأن عرض صور لبعض البنايات بمدينة العلمين الجديدة بالساحل الشمالي، والزعم بكونها «استراحات خاصة بضباط الشرطة».

وأفادت الوزارة بأن «تلك البنايات لا تتبع (الداخلية)». وذكرت أن «هذه الادعاءات تأتى في إطار ما اعتادت عليه الجماعة من ترويج الشائعات ونشر الأكاذيب والأخبار المفبركة، في محاولات يائسة لإثارة البلبلة بعد أن فقدت مصداقيتها، وهو ما يدركه الرأي العام المصري».


مقالات ذات صلة

المصريون يخشون ارتفاع «رغيف العيش»

شمال افريقيا عامل يحمل أرغفة من الخبز وسط العاصمة القاهرة (رويترز)

المصريون يخشون ارتفاع «رغيف العيش»

أثار اضطراب إمدادات القمح، على خلفية التوترات في منطقة البحر الأسود وارتفاع الأسعار في البورصات العالمية، مخاوف مصرية من انعكاس ذلك على سعر «رغيف العيش».

عصام فضل (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

رياضة عربية لاعبو بعثة المصارعة المصرية المشاركة بدورة ألعاب البحر المتوسط (اللجنة الأولمبية المصرية)

غليان في الرياضة المصرية بعد هروب لاعب مصارعة ثانٍ بأوروبا

حالة من الغليان المتصاعد تشهدها الساحة الرياضية المصرية إثر تسارع الأحداث على مدار الساعات الأخيرة بعد تكرار وقائع مغادرة المصارعين للبعثة.

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا أحد المشاريع في العاصمة الإدارية (العاصمة الإدارية الجديدة)

توجيه «رئاسي حاد»... ماذا يحدث في السوق العقارية المصرية؟

تعاني السوق العقارية المصرية أزمة حادة في ظل تأخر العديد من شركات التطوير عن مواعيد تسليم الشقق والوحدات للمشترين، وفق العقود المبرمة.

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم العربي جانب من تدريب «نسور الحضارة 2025» في مصر (أرشيفية - الهيئة العامة للاستعلامات بمصر)

تجدد التكهنات بانضمام طائرة «جي - 10» الصينية لسلاح الجو المصري

تجددت التكهنات حول انضمام مقاتلات «جي - 10» الصينية إلى سلاح الجو المصري تزامناً مع انطلاق تدريبات «نسور الحضارة 2026» في دورتها الثانية.

أحمد جمال (القاهرة)

المصريون يخشون ارتفاع «رغيف العيش»

عامل يحمل أرغفة من الخبز وسط العاصمة القاهرة (رويترز)
عامل يحمل أرغفة من الخبز وسط العاصمة القاهرة (رويترز)
TT

المصريون يخشون ارتفاع «رغيف العيش»

عامل يحمل أرغفة من الخبز وسط العاصمة القاهرة (رويترز)
عامل يحمل أرغفة من الخبز وسط العاصمة القاهرة (رويترز)

أثار اضطراب إمدادات القمح، على خلفية التوترات في منطقة البحر الأسود وارتفاع الأسعار في البورصات العالمية، مخاوف مصرية من انعكاس ذلك على سعر «رغيف العيش»، الذي يمثل مكوناً رئيسياً على موائد ملايين المصريين.

ومع تصاعد الهجمات الروسية - الأوكرانية المتبادلة، التي ألحقت أضراراً جسيمة بالموانئ ومرافق تخزين الحبوب، تحدثت تقارير صحافية دولية عن اضطرابات في إمدادات القمح. كما سجلت أسعار القمح في بورصة «شيكاغو» ارتفاعاً هو الأعلى منذ نحو 3 سنوات، بعدما بلغت نسبة الزيادة خلال الشهر الحالي 19 في المائة.

وفي مصر، أثيرت مخاوف بشأن سعر «رغيف العيش»، لا سيما في ظل اعتماد البلاد على نسبة كبيرة من واردات القمح من روسيا وأوكرانيا؛ إذ استوردت مصر خلال النصف الأول من العام الحالي أكثر من 82 في المائة من احتياجاتها من القمح من البلدين، وفق بيانات رسمية.

التأثير آتٍ

أستاذ الاقتصاد الزراعي شريف سمير فياض يرى أن أزمة إمدادات القمح وارتفاع أسعاره ستنعكس على مصر، ومن ثم على أسعار الخبز.

وقال فياض لـ«الشرق الأوسط» إن «المخزون الاستراتيجي من القمح سيحول دون حدوث تأثير مباشر، لكن لاحقاً سيحدث تأثر كبير سيصل إلى رغيف الخبز غير المدعم، الذي من المتوقع أن يرتفع سعره، على عكس الخبز المدعوم الذي تتحمل الدولة فروق تكلفة إنتاجه، خصوصاً أن مصر تعتمد بشكل أساسي على القمح الروسي والأوكراني». ولم يحدد فياض معدل الزيادة المتوقعة في سعر «الرغيف».

إحدى صوامع تخزين القمح بدلتا مصر (الشرق الأوسط)

وسبق أن رفعت الحكومة المصرية، في مايو (أيار) 2024، سعر «الخبز الشعبي المدعم» من 5 قروش إلى 20 قرشاً للرغيف، في خطوة قالت حينها إنها تستهدف «خفض فاتورة دعم رغيف الخبز بنحو 130 مليار جنيه سنوياً». وكانت الحكومة قد أشارت في وقت سابق إلى أن «تكلفة رغيف الخبز على الدولة المصرية تبلغ 1.25 جنيه».

تحوط حكومي

وأكد وزير الزراعة علاء فاروق، في يونيو (حزيران) الماضي، أن «واردات مصر من القمح انخفضت إلى 12.5 مليون طن خلال العام المالي الحالي، مقارنة بنحو 13.2 مليون طن في العام المالي السابق، أي بانخفاض قدره نحو 700 ألف طن».

ويعتقد فياض أن «تحوط الحكومة، من خلال وجود مخزون استراتيجي من القمح وزيادة الإنتاج المحلي، سوف يقلل من تأثير اضطراب الإمدادات»، لكنه حذّر من أن استمرار الحرب الروسية - الأوكرانية «سوف يؤدي إلى ارتفاع جديد في الأسعار بسبب زيادة تكاليف النقل والتأمين».

كما يشير إلى أن «الاتفاقيات المصرية - الروسية لاستيراد القمح لن تتأثر بارتفاع الأسعار في البورصات العالمية».

اضطراب إمدادات القمح يُثير مخاوف مصرية من تأثر رغيف العيش (الشرق الأوسط)

ويستهلك المصريون نحو 270 مليون رغيف خبز يومياً، وفق تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مارس (آذار) الماضي. كما تستورد مصر نحو 65 في المائة من احتياجاتها من القمح؛ حيث تستهلك نحو 20 مليون طن سنوياً، وفق التقديرات الرسمية، وسط استراتيجية حكومية لزيادة الإنتاج المحلي.

مخزون استراتيجي

من جانبه، يقلل رئيس شعبة المخابز في «الاتحاد العام للغرف التجارية» عبد الله غراب من تأثير اضطراب إمدادات القمح وارتفاع أسعاره على «رغيف العيش».

وأوضح غراب لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر لديها مخزون استراتيجي من القمح يكفي عدة أشهر، ما يحول دون حدوث أي تأثير على رغيف الخبز أو سعره في الوقت الراهن».

وتتصدر مصر قائمة الدول العربية المنتجة للقمح. ووفقاً لتقرير صادر عن «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، ونشره المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري الأسبوع الماضي، بلغ إنتاج مصر من القمح خلال الموسم الحالي 2026 نحو 10.2 مليون طن.


هل تتراجع سلطات شرق ليبيا عن إعدام مدانين بـ«الإرهاب»؟

أهالي ضحايا «العمليات الإرهابية» ينظمون وقفة تأييد لتنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين في بنغازي - 27 أغسطس (لقطة من مقطع فيديو)
أهالي ضحايا «العمليات الإرهابية» ينظمون وقفة تأييد لتنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين في بنغازي - 27 أغسطس (لقطة من مقطع فيديو)
TT

هل تتراجع سلطات شرق ليبيا عن إعدام مدانين بـ«الإرهاب»؟

أهالي ضحايا «العمليات الإرهابية» ينظمون وقفة تأييد لتنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين في بنغازي - 27 أغسطس (لقطة من مقطع فيديو)
أهالي ضحايا «العمليات الإرهابية» ينظمون وقفة تأييد لتنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين في بنغازي - 27 أغسطس (لقطة من مقطع فيديو)

لم تُغلق أحكام بإعدام مدانين بارتكاب «جرائم إرهابية» في شرق ليبيا باب الجدل، بل فتحته منذ مطلع الأسبوع على مصراعيه؛ فبعد تنفيذ الأحكام بسجون عسكرية الأحد الماضي، تصاعدت الانتقادات الأممية والحقوقية لتطرح سؤالاً يتجاوز مصير من تم إعدامهم: هل تستطيع هذه الانتقادات الحيلولة دون تنفيذ أحكام إعدام أخرى؟ أم أن سلطات بنغازي ماضية في هذا المسار؟

وفي صدارة الأصوات المنتقدة لتنفيذ الأحكام، جاءت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي دعت السلطات إلى «عدم تكرار تنفيذ أحكام الإعدام»، وأعربت عن «فزعها» إزاء إعدام 11 متهماً في شرق ليبيا، عقب محاكمات قالت إنها «شابتها عيوب».

يأتي ذلك وسط تضارب بشأن عدد من نُفذت بحقهم الأحكام؛ إذ تحدثت المفوضية الأممية عن 11 شخصاً، فيما أعلنت السلطات العسكرية في شرق ليبيا أن من صدرت بحقهم أحكام 10 مدانين فقط.

مسلحون يرفعون راية «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية من «رويترز»)

ويزيد من غموض الملف غياب أرقام رسمية محدثة بشأن أعداد عناصر تنظيم «داعش»، وباقي الجماعات المتطرفة المحتجزين في السجون العسكرية بشرق ليبيا، والذين تم توقيفهم بعد معارك طاحنة في بنغازي ودرنة بين عامي 2014 و2018. كما لا تتوافر معلومات معلنة بصورة كافية عن جنسياتهم وأوضاعهم القانونية والأحكام الصادرة بحقهم، بما في ذلك ما إذا كان بعضهم يواجه أحكاماً بالإعدام.

لكن الانتقاد الأممي لم يقابله، حتى الآن، أي تراجع معلن من جانب السلطات في بنغازي. وفي مؤشر على أن الانتقادات الخارجية لم تُحدث، على الأقل حتى الآن، تغييراً في موقف وحسابات القيادة العسكرية، أشاد القائد المكلف لـ«الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول صدام حفتر، بجهود منتسبي الهيئة العامة للقضاء العسكري والشرطة العسكرية ومكتب المدعي العام العسكري، بل وأكد حفتر «أهمية مواصلة العمل وفق أحكام القانون بما يضمن تحقيق العدالة».

وبالنسبة إلى أنصار هذا المسار، ترتبط القضية بمقتضيات الأمن وحقوق ضحايا الإرهاب. ويقول الناشط السياسي الليبي عمر بو سعيّدة، المقرب من «الجيش الوطني»، إن الانتقادات الدولية «لن يكون لها تأثير يغير مسار القيادة العامة للجيش بشأن هذه الفئة».

ويضيف لـ «الشرق الأوسط»، أن «الأولوية المطلقة والواجب الدستوري للجيش والمؤسسة القضائية تتمثل في حماية الأمن القومي الليبي، وصون أرواح المواطنين، وضمان عدم عودة التنظيمات الإرهابية التي عانى منها الشعب الليبي ويلات الإرهاب وسفك الدماء».

ويعتبر بو سعيّدة أن تنفيذ الأحكام القضائية بحق عناصر «ثبت تورطها في جرائم إرهابية»، يمثل «استحقاقاً عادلاً لتطبيق سيادة القانون وإرساء العدالة وإنصاف أهالي الضحايا، وليس قضية قابلة للمساومة أو الخضوع لـ«الضغوط والبيانات الخارجية».

المدعي العام العسكري بشرق ليبيا فرج الصوصاع (القيادة العامة)

في المقابل، دعا عبد المنعم الحر، أمين المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام إلى حين استكمال المصالحة وإجراء مراجعات شاملة للقضايا. وقال في بيان الخميس، إن الإعدام لم يثبت أنه يوفر الردع الكافي لمنع تكرار الجرائم، مستشهداً باستمرار الجرائم، كمّاً ونوعاً، في دول تطبق العقوبة.

لكن الانتقادات الدولية والحقوقية قد لا تكون وحدها كافية لتعطيل توجه السلطات والقيادة العسكرية في شرق ليبيا نحو تنفيذ المزيد من الأحكام، إذا توافرت إرادة سياسية للاستمرار في هذا المسار، وفق الناشط الحقوقي طارق لملوم.

ويرى لملوم في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «التجربة الليبية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن ما يؤثر فعلياً في حسابات الأطراف المحلية هو موقف الدول والجهات الدولية، التي تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً مباشراً، وليس البيانات الحقوقية وحدها».

ويلفت لملوم إلى أهمية مراقبة مواقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خصوصاً في ظل التواصل والتقارب اللذين شهدتهما الفترات الأخيرة مع قيادة شرق ليبيا، معتبراً أن مواقف هذه الدول «قد تكون أكثر تأثيراً في الحسابات الليبية من الانتقادات الصادرة عن المنظمات الحقوقية».

وفي قلب الجدل تقف عائلات ضحايا الهجمات الإرهابية، التي شهدتها ليبيا في السنوات التي أعقبت سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي عام 2011، أو من يعرفون بـ«أولياء الدم»؛ إذ يرى ذوو الضحايا في تنفيذ الأحكام شكلاً من أشكال العدالة التي انتظروها سنوات، وهو ما أظهرته وقفات تأييد وتصريحات إعلامية استمرت حتى نهاية الأسبوع الماضي.

ويرى الحر أن «أي مقاربة لملف الإعدامات لا ينبغي أن تتجاهل حقوق ذوي الضحايا وحاجتهم إلى الإنصاف»، مشيراً إلى أن «ثقافة المجتمع الليبي وموقف أولياء الدم يمثلان عنصراً لا يمكن تجاهله، غير أنه يشير إلى ضرورة وقف تنفيذ أحكام الإعدام القائمة إلى حين استكمال مسار المصالحة، وإجراء مراجعات شاملة للقضايا».

ويرى الحر أن المصالحة الوطنية قد توفر مدخلاً لمعالجة الملف، من خلال إصدار عفو عام عمن لم يتورطوا في أعمال قتل، وإعادة النظر في أحكام الإعدام بحق من تورطوا في سفك الدماء، بعد إجراء مساعٍ مع أولياء الدم.

أما لملوم فيرى أن الاعتراض على عقوبة الإعدام «ليس دفاعاً عن (داعش) أو عن أي شخص ارتكب جرائم إرهابية»، مشدداً على أن من تثبت مسؤوليته عن الجرائم «تجب محاسبته»، لكن عبر محاكمة قانونية ومستقلة تتوافر فيها ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.

وكان مكتب المدعي العام العسكري التابع لإشراف «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، أعلن الأسبوع الماضي، تنفيذ أحكام الإعدام بحق 10 مدانين، استناداً إلى أحكام صادرة عن المحكمة العسكرية العليا، موضحاً أن القضايا خضعت لمداولات قضائية استمرت سنوات، وأن المدانين أدينوا بتهم تتراوح بين الانتماء إلى جماعات إرهابية، واغتيال عسكريين ومدنيين.


قطر توسع تحركاتها في ليبيا سياسياً واقتصادياً... وتنفتح على بنغازي

صدام حفتر القائد العام المكلف لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي (القيادة العامة)
صدام حفتر القائد العام المكلف لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي (القيادة العامة)
TT

قطر توسع تحركاتها في ليبيا سياسياً واقتصادياً... وتنفتح على بنغازي

صدام حفتر القائد العام المكلف لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي (القيادة العامة)
صدام حفتر القائد العام المكلف لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي (القيادة العامة)

وسَّعت قطر، على نحو ملحوظ، حضورها الدبلوماسي والسياسي في ليبيا، وبدا أنها تتجه نحو مزيد من التعاون والشراكة مع مختلف الأطراف السياسية شرقاً وغرباً، وتأسيس علاقات مستقبلية تعويضاً عن فترات ماضية، شهدت جموداً في العلاقات، لا سيما مع بنغازي.

وما بين طرابلس العاصمة وبنغازي، أجرى الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي، وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، لقاءات متنوعة استهدفت بحث سبل التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري المشترك، بالإضافة إلى مباحثات مع المبعوثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه.

بالقاسم حفتر رئيس «صندوق إعادة الإعمار في ليبيا» مستقبلاً وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي (الصندوق)

واختتم الخليفي جولته في ليبيا، التي دامت يومين، بزيارة بنغازي، ولقاء الفريق أول صدام حفتر، القائد العام المكلّف لـ«الجيش الوطني» في مقر القيادة في بنغازي، وتناولا آخر مستجدات الأوضاع السياسية محلياً ودولياً، إلى جانب «سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين».

ولقطر علاقات وتعاون وثيق مع سلطات طرابلس (غرباً)، لكن هذه أول زيارة لمسؤول قطري رفيع إلى بنغازي (شرقاً) منذ الانقسام السياسي، الذي ضرب البلاد قبل 14 عاماً.

وللسفير القطري خالد الدوسري، تحركات دبلوماسية في ليبيا تستهدف «تعزيز أواصر التعاون المشترك بما يخدم المصالح المتبادلة، ويدعم الاستقرار في ليبيا».

ورحَّب صدام حفتر بالوفد القطري الذي ترأسه الخليفي، مشدداً على «عمق العلاقات الأخوية التي تجمع بين البلدين الشقيقين، ومثمناً الجهود التي تبذلها دولة قطر لدعم استقرار ووحدة ليبيا».

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي (مكتب الدبيبة)

ونقلت القيادة العامة، مساء الخميس، عن الخليفي «سعادته بزيارة بنغازي، وإشادته بما تشهده المدينة من استقرار ونهضة عمرانية»، كما وجّه دعوة رسمية إلى صدام حفتر لزيارة دولة قطر «لمواصلة التشاور والتنسيق بين الجانبين».

وزار صدام الدوحة في 16 يوليو (تموز) الماضي لتقديم واجب العزاء إلى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في وفاة والده الشيخ حمد.

وكان الخليفي استبق لقاء صدام حفتر بلقاء شقيقه بالقاسم، مدير عام «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا»، برفقة سفير قطر لدى ليبيا، خالد الدوسري. وتركزت المباحثات حول «أهمية التعاون في مجالات التنمية والإعمار، والشراكات الاقتصادية، ومشاركة المؤسسات والشركات القطرية في المشروعات التنموية التي ينفذها الصندوق».

وأوضح المكتب الإعلامي للصندوق، مساء الخميس، أن الجانبين ناقشا «تعزيز مجالات التعاون ذات الاهتمام المشترك، واستمرار التواصل والتنسيق المستمر خلال المرحلة المقبلة، بما يترجم العلاقات بين البلدين إلى تعاون عملي وشراكات في مجالات التنمية والإعمار».

وقبل انتقال الخليفي إلى بنغازي، أجرى لقاءات عدة على مستويات مختلفة في طرابلس، نهاية الأسبوع الماضي، بداية من مباحثات مع عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، ونائبه سالم الزادمة، بجانب مباحثات أجراها مع صلاح النمروش رئيس الأركان العامة بغرب ليبيا.

وتمحورت مباحثات الدبيبة والخليفي حول «تطورات العلاقات الثنائية، وسبل تعزيز الدور القطري في دعم الاستقرار والمسارات السياسية والاقتصادية في ليبيا».

وفي حين رحَّب الدبيبة بزيارة الوزير القطري إلى طرابلس وبنغازي، شدَّد على «أهمية استمرار التواصل مع مختلف الأطراف الليبية»؛ وتطلع حكومته إلى «دور قطري أكبر خلال المرحلة المقبلة، بما يدعم جهود الاستقرار والتوافق، ويعزز التنسيق الإقليمي والدولي بشأن ليبيا».

وتناول اللقاء، بحسب مكتب الدبيبة، تطوير التعاون الثنائي في عدد من القطاعات، وفي مقدمتها الطاقة والخدمات الصحية، والانتقال بالتعاون الاقتصادي بين البلدين إلى برامج ومشروعات عملية أوسع.

كما ناقش الجانبان تطورات آلية التعاون الرباعي بين ليبيا وقطر وتركيا وإيطاليا في ملف الهجرة غير النظامية، والبناء على انطلاق غرفة العمليات التجريبية، وتعزيز برامج التعاون المشترك في بناء القدرات، ومكافحة الهجرة، ودعم برامج العودة الطوعية.

وحظي الجنوب الليبي بإطلالة على طاولة لقاء الخليفي والزادمة، نائب الدبيبة، الذي قال إنه «قدم إحاطة للوزير القطري حول الأوضاع في الجنوب (فزان)، تناولت أبرز التحديات والعقبات في مختلف المجالات»، إلى جانب بحث آفاق التعاون الاقتصادي والتنموي، وتطورات ملف الهجرة غير النظامية، وسبل تعزيز التنسيق بين البلدين.

سالم الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي (مكتب الزادمة)

وتحدث الزادمة عن «أهمية قطر بوصفها طرفاً فاعلاً في دعم التعاون مع ليبيا، وضرورة توسيع مجالات التواصل والشراكة بما يخدم الاستقرار والتنمية»، مشيراً إلى ضرورة استمرار التواصل والتنسيق بما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك.

وكان الخليفي والوفد القطري قد بحثا مع النمروش بمقر رئاسة الأركان في طرابلس سبل تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية بين ليبيا وقطر في مختلف المجالات، و«دعم الجهود المبذولة لتوحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون المشترك بما يسهم في دعم الأمن وترسيخ الاستقرار في ليبيا».

وتبادلت المبعوثة الأممية مع الخليفي وجهات النظر بشأن آخر التطورات السياسية والأمنية في ليبيا. وقالت البعثة، مساء الخميس، إن تيتيه أطلعت الخليفي على توصيات «الحوار المُهيكل»، الذي رعته البعثة لحلحلة الأزمة السياسية، وسبل البناء عليها، مشيرة إلى أنها أطلعته أيضاً على نتائج أعمال الاجتماع المصغّر المعروف بـ«لجنة 4+4» والخطوات المقبلة، مسلطة الضوء على «دور الفاعلية الإقليمية والدولية في دعم جهود الأمم المتحدة، الرامية إلى الوصول إلى الانتخابات».

وانتهى الوزير القطري معرباً عن دعمه «لجهود الممثلة الخاصة للأمين العام، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا»، مشدداً على «ضرورة التكامل بين جميع المبادرات الهادفة إلى إيجاد حل للجمود السياسي في ليبيا وصولاً إلى الانتخابات».

النمروش رئيس الأركان العامة بغرب ليبيا مستقبلاً وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي (الصندوق)

وكانت الأجواء التي تلت إسقاط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في 2011، قد تخللتها تباينات في مواقف الدول سياسياً؛ فمنها من فضَّل مساندة طرابلس على خلفية آيديولوجية، بينما كرَّس آخرون اهتمامهم بمؤازرة المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» الذي يتخذ من بنغازي مقراً له.