حمل إلبريدج كولبي إلى مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل رسالتين متوازيتين: أوروبا لا تزال «مصلحة أساسية» للولايات المتحدة، لكن استمرار العلاقة بصورتها الحالية لم يعد مضموناً. فوكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات، الذي أطلع سفراء الحلف، الخميس، على مراجعة الانتشار العسكري الأميركي، أشاد بتقدم الأوروبيين في تحمل مسؤولية دفاعهم التقليدي، لكنه قال إن قضايا استخدام القواعد والتحليق والعبور لا تزال تحتاج إلى تسوية، فيما تمنح واشنطن الأولوية لنصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
لا تعني هذه الرسالة أن الولايات المتحدة تتجه بالضرورة إلى الانسحاب من «الناتو» أو التخلي رسمياً عن الدفاع المشترك. لكنها تكشف تحوّلاً أعمق: من التزام مؤسسي تُوزع أعباؤه جماعياً إلى علاقة أكثر انتقائية، يمكن أن يتأثر فيها حجم الحماية والانتشار العسكري بإنفاق كل دولة، وتسهيلها العمليات الأميركية، وانسجامها مع أولويات واشنطن خارج أوروبا.

أربع خرائط للقوات
تكتسب زيارة كولبي أهميتها من كونها جزءاً من مراجعة مدتها ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا.
وكشفت وثيقة «الشروط المرجعية» التي اطلعت عليها «رويترز» أن البنتاغون سيعد أربعة بدائل على الأقل، تتناول أعداد القوات ومواقعها وسرعة تعديل الانتشار وكلفة كل خيار، لعرضها على وزير الدفاع بيت هيغسيث بحلول 6 نوفمبر (تشرين الثاني)، قبل الموعد النهائي للمراجعة في ديسمبر (كانون الأول).
وبحلول 18 سبتمبر (أيلول)، سيشارك القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا مع كولبي في إحاطة لتحديد الخيارات التي ستُرفع إلى هيغسيث. وقال مسؤول رفيع في البنتاغون إن الإدارة تنتقل نحو دعم أميركي «حاسم ولكن أكثر محدودية»، مع وضع الحلفاء في موقع القيادة.
ولم تنتظر إعادة التموضع اكتمال المراجعة. فقد أشار تحليل لـ«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» إلى بدء خفض القوات الأميركية في ألمانيا ورومانيا وإستونيا، وإلغاء نشر قدرات للضربات البعيدة المدى في ألمانيا. وتشمل الخيارات المتداولة أيضاً تقليص طائرات مقاتلة ومنصات للتزود بالوقود والاستطلاع والقاذفات والقطع البحرية المخصصة لخطط الحلف، وإن لم تتحول كلها إلى قرارات نهائية.

اختبار يتجاوز الإنفاق
لطالما طالبت الإدارات الأميركية أوروبا بزيادة موازناتها الدفاعية. الجديد أن مراجعة ترمب لا تقيس المساهمات العسكرية والإنفاق فقط. فقد أرسلت واشنطن إلى أعضاء الحلف استبياناً يسأل عن القيود المفروضة على وصول القوات الأميركية إلى القواعد والمجال الجوي، ومدى استعداد الحكومات لإلغائها، وعن القواعد التي قد تعرقل التعاون الصناعي الدفاعي عبر الأطلسي.
وبحسب «رويترز»، تطلب أسئلة أخرى لتحديد ما إذا كانت الدولة أيدت علناً سياسات الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط ونصف الكرة الغربي. وبذلك يدخل الموقف السياسي ضمن معايير قد تؤثر في قرارات الانتشار. ووصفت مصادر دبلوماسية أوروبية هذا الربط بأنه نهج «تعاملي»، محذرة من تحول المراجعة إلى «مسابقة جمال» تتنافس فيها الدول على تقديم شروط أفضل للاحتفاظ بالقوات الأميركية.
برز هذا البعد بعد حرب إيران، حين اتهم ترمب وهيغسيث بعض الحلفاء بالتأخر أو الامتناع عن السماح للطائرات الأميركية باستخدام قواعدهم وأجوائهم. وأعلن هيغسيث ربط مساهمة واشنطن في موازنة «الناتو» بوفاء الآخرين بتعهدات الإنفاق، قائلاً إن دولاً ستنجح في المراجعة وأخرى ستفشل. ومن منظور الإدارة، لا يمكن مطالبة الولايات المتحدة بضمان أمن دول ترفض تسهيل عملياتها؛ أما الاعتراض الأوروبي، فيقوم على أن المادة الخامسة تخص الدفاع عن أراضي الحلف، ولا تمنح واشنطن تلقائياً تأييداً لحروب خارجه.
وعلى المستوى الرسمي، جدد قادة «الناتو»، بمن فيهم ترمب، في قمة أنقرة الأخيرة التزامهم «الصلب» بالمادة الخامسة التي تعد الهجوم على عضو هجوماً على الجميع. لكن مصداقية الدفاع المشترك لا تتحدد بالنص وحده، بل أيضاً بالقوات والقواعد والقدرات الموضوعة مسبقاً لتنفيذه.
«الناتو 3.0»
يسمي كولبي هذا التحول «الناتو 3.0»؛ فأوروبا تتولى المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بالمظلة النووية وبحضور تقليدي أصغر وقدرات استراتيجية يصعب تعويضها سريعاً. ويعرض الأمين العام للحلف مارك روته المفهوم باعتباره إعادة توازن داخل «الناتو»، لا انفصالاً عنه، مشيراً إلى ارتفاع الإنفاق الأوروبي وتولي الحلفاء معظم الالتزامات التي خفضتها واشنطن.

لكن المال وحده لا يسد الفجوة. فبحسب «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، لا تزال أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في شبكات القيادة والسيطرة ودمج المعلومات الاستخباراتية والدفاع الجوي والصاروخي والذخائر الدقيقة. كما تعوق محدودية القدرة الصناعية استبدال هذه الإمكانات، فيما قد يؤدي قياس الحلفاء وفق قربهم السياسي من واشنطن إلى منافسة بينهم، بدلاً من تعزيز التكامل وتقاسم الأدوار.
ويقول جون هاردي، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات لـ«الشرق الأوسط»، إن من الطبيعي أن تكون لواشنطن توقعات معينة من حلفائها، لكن «الناتو طريق ذو اتجاهين. وإذا أردنا من أصدقائنا أن يكونوا حلفاء جيدين، فعلينا نحن أيضاً أن نكون كذلك».
وأضاف أن قرارات الانتشار الأميركي في أوروبا ينبغي أن تستند إلى «تحليل واقعي للتهديدات وللمواضع الأفضل لتخصيص الموارد»، لأن التهديد الروسي سيستمر، فيما تحتاج أوروبا إلى وقت لإعادة التسلح. وحذر من أن ترك الأوروبيين أمام فجوات رئيسية في القدرات «قد يغري بالعدوان»، مشدداً على أنه لا ينبغي معاقبة حلفاء نموذجيين مثل بولندا ودول البلطيق بسحب وحدات من الجيش الأميركي لا تحتاج إليها ساحة المحيط الهادئ.

ويرى «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» أن الفصل بين المظلة النووية والوجود التقليدي مصطنع جزئياً. فالقوات الأميركية تؤدي دور «سلك الإنذار» الذي يجعل تدخل واشنطن في مواجهة روسيا أكثر صدقية، وتوفر خيارات بين الاستسلام والانتقال مباشرة إلى التصعيد النووي. ولذلك قد يؤدي تقليص القدرات التقليدية المتقدمة إلى إضعاف المظلة النووية التي تقول الإدارة إنها ستبقيها سليمة.
لذلك يرى البعض أن مستقبل «الناتو» لا يتوقف على العدد الذي سيختاره هيغسيث من الجنود، بل على المعيار الذي سيحكم الاختيار. فإذا بقيت المراجعة وسيلة لإعادة توزيع الأعباء مع الحفاظ على قدرات الردع والتماسك السياسي، فقد تنتج تحالفاً أكثر توازناً. أما إذا أصبحت القواعد والحماية مكافأة للدول الأكثر توافقاً مع ترمب، فسيبقى الدفاع المشترك قائماً في المعاهدة، لكنه يتحول عملياً إلى ضمان متفاوت، تحدده درجة الولاء بقدر ما تحدده مقتضيات الأمن الجماعي.





