معركة السندات... بيسنت يضغط و«الاحتياطي الفيدرالي» يقاوم

شراء مزيد من الديون يهدف إلى خفض تكلفة الاقتراض... ولكنه قد يصطدم بمساعي وارش لكبح الأسعار

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)
TT

معركة السندات... بيسنت يضغط و«الاحتياطي الفيدرالي» يقاوم

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)

​في سوق السندات الأميركية؛ حيث يُفترض أن تحدِّد قوى العرض والطلب سعر الاقتراض للحكومة الكبرى في العالم، بدأت واشنطن ترسل إشارات متناقضة.

من جهة، يتحرك وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لتهدئة العوائد على السندات طويلة الأجل، بعدما قفزت تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها في 19 عاماً. ومن جهة أخرى، يستعد رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش للدفاع عن نهج يقوم على ترك الأسواق تقرأ إشارات الأسعار والبيانات الاقتصادية، حتى لو قادت تلك الإشارات إلى أسعار فائدة أعلى.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة، فخطة بيسنت لزيادة مشتريات الخزانة من الديون طويلة الأجل، التي تستهدف على الأقل مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات لتصل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، تهدف إلى تخفيف الضغوط عن سوق تبلغ قيمتها نحو 32 تريليون دولار.

لكن مستثمرين كباراً يرون أن الخطوة قد تفعل العكس تماماً: أن تجعل السياستين المالية والنقدية في الولايات المتحدة تسيران في اتجاهين متعارضين، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى بكثير من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

وزير الخزانة سكوت بيسنت يجيب عن أسئلة الصحافيين خلال مؤتمر صحافي في واشنطن العاصمة يوم 24 أغسطس (أ.ف.ب)

اتجاهان معاكسان

اللافت أن الرجلين ليسا غريبين بعضهما عن بعض. فبيسنت ووارش -وكلاهما من تلامذة الملياردير ومدير صناديق التحوط ستانلي دراكنميلر- يحافظان على علاقة ودية، ويلتقيان بصورة منتظمة. ولكن ذلك لا يخفي اتساع الفجوة بين أولويات وزارة الخزانة و«الاحتياطي الفيدرالي»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

فبالنسبة إلى بيسنت، ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة والأُسَر والشركات، من الرهون العقارية إلى تمويل الاستثمارات. ولذلك، فإن تهدئة السوق تبدو هدفاً اقتصادياً ومالياً مهماً.

أما بالنسبة إلى وارش، فإن ارتفاع عوائد السندات قد يكون في حد ذاته إشارة من السوق إلى الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية، إذا كان يعكس مخاوف بشأن التضخم أو قوة الاقتصاد أو حجم الاقتراض الحكومي.

ولهذا يرى مستثمرون أن السؤال الذي سيواجهه وارش في خطابه المرتقب يوم الجمعة، في «جاكسون هول» يتجاوز مجرد مستقبل أسعار الفائدة.

إنه سؤال عمَّن يحدد سعر المال في الولايات المتحدة: السوق أم الخزانة أم «الاحتياطي الفيدرالي»؟

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يتحدث إلى الصحافيين بعد اجتماع لجنة السياسة النقدية في يوليو الماضي (رويترز)

«استراتيجية ذاتية الهزيمة»

انتقادات «وول ستريت» لتدخل الخزانة جاءت حادة.

وقال غريغ بيترز، الرئيس المشارك للاستثمار في «بي جي آي إم كريديت»، إن لديه «رؤية قاتمة جداً» تجاه مبررات الخزانة وتدخلها في السوق، واصفاً الاستراتيجية بأنها محدودة الأثر وذاتية الهزيمة.

أما ليزا شاليت، كبيرة مسؤولي الاستثمار في «مورغان ستانلي ويلث مانجمنت»، فترى أن تدخل الخزانة في السوق لمجرد الانزعاج من ارتفاع العوائد ليس مبرراً مقنعاً.

وتحذِّر شاليت من أن استمرار بيسنت في محاولة التأثير في عوائد السندات قد يحمل رسالة أكثر خطورة: أن المسؤولين في واشنطن بدأوا يشعرون بالقلق فعلياً بشأن استدامة الدين الأميركي. وهذه نقطة حساسة للغاية بالنسبة إلى أكبر سوق سندات في العالم.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

حين تصبح الخزانة في مواجهة إشارة السوق

المفارقة أن تدخُّل بيسنت جاء في وقت كان وارش يحاول فيه إقناع المستثمرين بأهمية قراءة إشارات السوق بدلاً من انتظار ما يعرف باسم «التوجيه المستقبلي» من مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي».

وكان وارش قد أشار في وقت سابق إلى أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة يعكس تطورات اقتصادية قد تستدعي ارتفاع تكاليف الاقتراض، مؤكداً أن «الاحتياطي الفيدرالي» في عهده لا يريد التدخل في إشارة السوق.

وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحاً: وارش يقول للسوق: استمعوا إلى الأسعار. بينما يقول بيسنت، عملياً: الأسعار الحالية لا تعكس الأساسيات الاقتصادية.

ويرى كريشنا غوها، نائب الرئيس في «إيفركور آي إس آي»، أن هذا التناقض يصعب التوفيق بينه وبين موقف وارش.

فإذا كانت وزارة الخزانة تقول إن أسعار السندات خاطئة وتتدخل لتصحيحها، يصبح من الصعب على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» أن يطلب من المستثمرين في الوقت نفسه الاعتماد على حركة الأسعار بوصفها إشارة اقتصادية.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

المفارقة الأكبر

قد يبدو خفض عوائد السندات خبراً جيداً للاقتصاد. فإذا نجحت الخزانة في خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، فقد تنخفض معدلات الرهن العقاري وتكاليف تمويل الشركات، ما يدعم النشاط الاقتصادي والاستهلاك والاستثمار.

لكن المشكلة أن هذا الدعم يأتي في الوقت الخطأ إذا كان التضخم لا يزال مرتفعاً. فقد أظهرت أحدث قراءة أن التضخم الأميركي بلغ 3.7 في المائة، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف «الاحتياطي الفيدرالي».

كما أن 3 أعضاء في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أيَّدوا بالفعل رفع أسعار الفائدة في اجتماع يوليو، بينما أشار رؤساء بنوك احتياطي إقليمية آخرون لاحقاً إلى استعدادهم لدعم زيادة قدرها ربع نقطة مئوية.

وهكذا، فإن ما تحاول الخزانة تحقيقه في سوق السندات قد يدفع الاقتصاد في الاتجاه المعاكس لما يرغب فيه بعض صناع السياسة النقدية.

دراكنميلر نفسه يقول: «خطأ»

ولعل المفارقة الأكثر إثارة، أن ستانلي دراكنميلر، الشخصية التي جمعت بين بيسنت ووارش في مسيرتيهما، انتقد خطة الخزانة. ووصف زيادة إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل بأنها «خطأ». وقال إن ما يحدث ليس مجرد إدارة للسيولة؛ بل أقرب إلى إدارة للأسعار، معتبراً أن المشكلة ستكون أكبر بكثير إذا تجاوز حجم التدخل هذا المستوى.

وهذا الانتقاد يسلط الضوء على جوهر المعركة: هل تستطيع وزارة الخزانة التأثير في أسعار سوق ضخمة من دون أن تترك انطباعاً بأنها تحاول إدارة السوق نفسها؟

ترمب والانتخابات يزيدان حساسية الموقف

هناك أيضاً بُعد سياسي لا يمكن تجاهله. فإدارة الرئيس دونالد ترمب لديها مصلحة واضحة في خفض تكاليف الاقتراض؛ خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

فارتفاع عوائد السندات يعني زيادة فاتورة خدمة الدين الحكومي، بينما يؤدي انخفاضها إلى تخفيف تكلفة التمويل على الحكومة والاقتصاد.

لكن إذا استمرت الخزانة في محاولة كبح العوائد ولم تنجح، فقد تزداد الضغوط على «الاحتياطي الفيدرالي» للتدخل أيضاً.

وهنا تظهر المخاوف من مفهوم يعرف باسم «الهيمنة المالية»؛ أي أن تصبح السياسة النقدية مصممة، ولو جزئياً، لمساعدة الحكومة في إدارة ديونها بدلاً من التركيز حصراً على التضخم واستقرار الأسعار.

وحذَّر جيسون فورمان، الأستاذ في جامعة هارفارد، والرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، من أن قيام «الاحتياطي الفيدرالي» بإدارة السياسة النقدية بهدف مساعدة الحكومة في إدارة ديونها، سيكون بمثابة علامة على هذه الهيمنة المالية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وارش في يوم تنصيبه (أرشيفية- رويترز)

اختبار وارش في «جاكسون هول»

ولهذا يأتي خطاب كيفن وارش في «جاكسون هول» في توقيت بالغ الحساسية. فهو لا يواجه فقط سؤالاً حول متى يمكن أن يخفض أو يرفع أسعار الفائدة؛ بل يواجه أيضاً سوق سندات تحاول وزارة الخزانة التأثير فيها، وحكومة تحتاج إلى خفض تكلفة اقتراضها، وتضخماً لا يزال بعيداً عن هدف البنك المركزي.

والسؤال الذي يترقبه المستثمرون؛ ليس فقط ما إذا كان وارش سيبدو متشدداً أو متساهلاً؛ بل ما إذا كان سيتمكن من إقناع الأسواق بأن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يزال صاحب القرار المستقل في السياسة النقدية، حتى ووزارة الخزانة تتحرك في الاتجاه الآخر.

وفي سوق تبلغ قيمتها 32 تريليون دولار، قد تكون المواجهة الحقيقية المقبلة ليست بين واشنطن و«وول ستريت»؛ بل بين جناحين داخل واشنطن نفسها: جناح يريد سندات أرخص واقتراضاً أقل تكلفة، وآخر يريد أسعار فائدة كافية لإعادة التضخم إلى هدفه.

وهنا، قد لا تكون معركة السندات مجرد معركة على العوائد؛ بل قد تكون اختباراً لحدود استقلال السياسة النقدية الأميركية.


مقالات ذات صلة

هل تحسم بيانات التضخم اليوم مصير الفائدة الأميركية؟

الاقتصاد عرض منتجات زراعية للبيع في متجر في أوستن بولاية تكساس الأميركية (أ.ف.ب)

هل تحسم بيانات التضخم اليوم مصير الفائدة الأميركية؟

تترقب الأسواق الأميركية صدور بيانات التضخم لشهر يوليو، في وقت يواجه فيه «الاحتياطي الفيدرالي» اختباراً جديداً بشأن مسار أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عرض رقائق الذهب بمتجر تجزئة للذهب مملوك للدولة في سورابايا بجاوة الشرقية (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع قليلاً وسط ترقب بيانات التضخم الأميركي

تراجع الذهب يوم الأربعاء، بعد أن سجل في الجلسة السابقة أعلى مستوى له في أكثر من 3 أشهر، مع ترقب المستثمرين بيانات تضخم أميركية مهمة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

الخزانة الأميركية قد تستخدم 950 مليار دولار لدعم سوق السندات

تدرس وزارة الخزانة الأميركية الاستفادة من رصيد حسابها العام لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، البالغ نحو 950 مليار دولار، لتمويل عمليات شراء السندات الحكومية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عرض مجوهرات في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

الذهب يتجاوز 4640 دولاراً لأعلى مستوى في أكثر من 3 أشهر ترقباً للتضخم الأميركي

ارتفعت أسعار الذهب إلى أعلى مستوى في أكثر من ثلاثة أشهر خلال تعاملات يوم الاثنين، مدعومة بضعف الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار «إنفيديا» (رويترز)

هل أصبح «رئيس الذكاء الاصطناعي» أكثر تأثيراً من رئيس الاحتياطي الفيدرالي؟

في أسبوع تتجه فيه الأسواق إلى ترقب حديث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في جاكسون هول، جاء إعلان آخر من عالم التكنولوجيا يستحق القدر نفسه من الاهتمام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأسهم الصينية تنتعش واليوان يختبر حدود القوة

شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

الأسهم الصينية تنتعش واليوان يختبر حدود القوة

شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

تحركت الأسواق الصينية، الأربعاء، على وقع معادلة دقيقة تجمع بين انتعاش أسهم التكنولوجيا وقوة اليوان من جهة، ومحاولات السلطات النقدية منع ارتفاع العملة بوتيرة قد تضر بالصادرات من جهة أخرى، بينما يترقب المستثمرون بيانات التضخم الأميركية، وإشارات السياسة النقدية من ندوة «جاكسون هول».

وأنهى مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية الجلسة مرتفعاً 0.9 في المائة، متعافياً من أدنى مستوياته في نحو شهر، بينما صعد مؤشر «شنغهاي المركب» 0.6 في المائة، وارتفع «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بالنسبة نفسها. وقاد قطاع التكنولوجيا التحسن مستفيداً من انتعاش أسهم التكنولوجيا الأميركية؛ إذ ارتفع مؤشر «ستار 50» بنسبة 1.7 في المائة، وصعد مؤشر أشباه الموصلات 1.8 في المائة، بعدما أنهت «إنفيديا» سلسلة خسائر استمرت 7 جلسات بارتفاع تجاوز 2 في المائة.

لكن عودة الزخم إلى أسهم الذكاء الاصطناعي لا تلغي التساؤلات المتعلقة بالتقييمات. ويرى محللو «إتش إس بي سي» أن تقييمات قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني لا تزال مرتفعة، وأن استمرار الصعود سيتطلب أدلة أقوى على توسع التطبيقات، والقدرة على تحقيق إيرادات وأرباح فعلية من التكنولوجيا.

وبرزت شركات الوساطة بين أكبر المستفيدين، مدعومة بنتائج قوية للنصف الأول وتوزيعات أرباح ونشاط التداول. وقفز سهم «سي آي سي سي» في هونغ كونغ بأكثر من 8 في المائة. كما ارتفعت أسهم «علي بابا» بنحو 2 في المائة بعد إفصاح أظهر شراء رئيس مجلس إدارتها أسهماً في الشركة، وسط تقارير عن قيام المؤسس جاك ما بالشراء أيضاً.

وفي المقابل، تراجع مؤشر الطاقة الصيني 0.7 في المائة، مع انخفاض العقود الآجلة لخام برنت، وتوقعات تحسن تدفقات الإمدادات عبر مضيق هرمز، بينما ارتفعت أسهم العقارات في هونغ كونغ بأكثر من 2 في المائة.

وفي سوق العملات، استقر اليوان قرب أعلى مستوى له في 3 سنوات ونصف عند نحو 6.7210 يوان للدولار، بعدما سجل الثلاثاء أقوى مستوياته منذ فبراير (شباط) 2023. وارتفعت العملة الصينية نحو 1 في المائة خلال أغسطس (آب)، ونحو 4.1 في المائة منذ بداية العام، لتصبح بين أفضل العملات الآسيوية أداءً.

غير أن قوة العملة باتت تضع بنك الشعب الصيني أمام تحدٍّ مختلف. فقد حدد البنك السعر المرجعي اليومي عند 6.7829 يوان للدولار، أضعف بـ663 نقطة من تقديرات السوق، في أكبر انحراف باتجاه الضعف منذ الفجوة القياسية المسجلة في فبراير. وتشير هذه السياسة إلى أن بكين لا تستهدف بالضرورة عكس اتجاه ارتفاع اليوان، ولكنها تريد إبطاء وتيرته. فالعملة الأقوى تساعد على خفض تكلفة الواردات وتحد من التضخم المستورد، ولكنها في المقابل قد تضغط على القدرة التنافسية للمصدِّرين الصينيين، في وقت لا يزال فيه الطلب المحلي والنمو الاقتصادي تحت الضغوط.

وتزداد حساسية هذه الموازنة مع ضعف الدولار عالمياً؛ إذ استقر مؤشر العملة الأميركية حول 98.9 نقطة، ولكنه يتجه إلى خسارة تقارب 1 في المائة خلال أغسطس. وتتحول الأنظار الآن إلى الولايات المتحدة؛ حيث ينتظر المستثمرون مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يوليو (تموز)، ثم إشارات «جاكسون هول» بشأن مسار «الاحتياطي الفيدرالي». وستحدد هذه التطورات إلى حد بعيد المساحة المتاحة أمام اليوان لمواصلة الصعود، ومدى قدرة بكين على إدارة قوة عملتها، من دون الإضرار بالصادرات أو زعزعة ثقة المستثمرين.


هل تكشف نتائج «إنفيديا» قوة طفرة الذكاء الاصطناعي أم حدودها؟

شعار «إنفيديا» (رويترز)
شعار «إنفيديا» (رويترز)
TT

هل تكشف نتائج «إنفيديا» قوة طفرة الذكاء الاصطناعي أم حدودها؟

شعار «إنفيديا» (رويترز)
شعار «إنفيديا» (رويترز)

تتجه أنظار «وول ستريت» يوم الأربعاء إلى نتائج «إنفيديا» الفصلية، في اختبار جديد لقوة طفرة الذكاء الاصطناعي وقدرتها على مواصلة دعم أسهم شركات التكنولوجيا، وسط تزايد التساؤلات حول العوائد التي يمكن أن تحققها الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والحوسبة اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتأتي نتائج الربع الثاني للشركة في وقت حساس، بعدما شهد سهم «إنفيديا» أطول سلسلة من التراجعات منذ عام 2022، قبل أن يستعيد بعض مكاسبه في جلسة الثلاثاء، مرتفعاً بنحو 2.19 في المائة. كما تواجه أسهم شركات الرقائق ضغوطاً منذ الشهر الماضي، مع تجدد المخاوف بشأن قدرة شركات التكنولوجيا على تحقيق عوائد تبرر الإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي.

وتتوقع تقديرات المحللين، وفق بيانات «بلومبرغ»، أن تعلن «إنفيديا» أرباحاً معدلة للسهم تبلغ 2.09 دولار، وإيرادات عند نحو 92 مليار دولار خلال الربع الثاني، ما يعني نمواً في الإيرادات بنسبة 96 في المائة على أساس سنوي، مع استمرار تسارع النمو مقارنة بالربع السابق.

وتستحوذ أعمال مراكز البيانات على الجزء الأكبر من هذا النمو، إذ تشير التوقعات إلى ارتفاع إيراداتها إلى أكثر من 85.4 مليار دولار، بنمو سنوي يبلغ 107 في المائة. ومن المتوقع أن تبلغ إيرادات شركات الحوسبة السحابية العملاقة «هايبرسكيلرز» نحو 43.5 مليار دولار، في حين قد تصل إيرادات قطاع الشركات والصناعة والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة إلى نحو 41.7 مليار دولار.

وتكتسب نتائج مراكز البيانات أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين، باعتبارها المؤشر الأبرز على استمرار الطلب على وحدات معالجة الرسوميات التي تنتجها «إنفيديا»، والتي تشكل العمود الفقري للبنية التحتية اللازمة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

اختبار جديد لطفرة الذكاء الاصطناعي

وتأتي النتائج بعد أن ساعدت الأرباح القوية لشركات التكنولوجيا الكبرى، خلال الأسابيع الماضية، في تهدئة بعض المخاوف بشأن جدوى الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع النمو القوي الذي سجلته أعمال الحوسبة السحابية لدى «مايكروسوفت» و«أمازون» و«غوغل».

لكن المخاوف لم تختفِ بالكامل، إذ أثارت الزيادة الكبيرة في الإنفاق الرأسمالي لدى بعض شركات التكنولوجيا تساؤلات جديدة حول حجم الاستثمارات المطلوبة ومتى تبدأ في تحقيق عوائد ملموسة.

وتشكل هذه المعادلة تحدياً متزايداً أمام «إنفيديا»، التي تستفيد بصورة مباشرة من موجة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لكنها تعتمد في الوقت نفسه بدرجة كبيرة على شركات الحوسبة السحابية العملاقة، مثل «أمازون» و«غوغل» و«مايكروسوفت»، التي بدأت بدورها تطوير رقائقها الخاصة بهدف تقليص الاعتماد على «إنفيديا».

وقد يشكل هذا الاتجاه ضغطاً على الشركة على المدى الطويل، خصوصاً إذا تمكنت شركات التكنولوجيا الكبرى من تطوير بدائل أكثر كفاءة أو طرح رقائقها الخاصة على نطاق أوسع.

نصف تريليون دولار لتمويل بنية الذكاء الاصطناعي

وفي المقابل، تواصل «إنفيديا» توسيع دورها في منظومة الذكاء الاصطناعي، متجاوزة بيع الرقائق إلى المشاركة في تمويل وبناء البنية التحتية التي تحتاج إليها هذه الصناعة.

وأعلنت الشركة في وقت سابق من الشهر تعاونها مع «بلاك روك» و«بلاكستون» و«كيه كيه آر» و«أبولو» و«بروكفيلد» و«غولدمان ساكس» لإنشاء منصة تمويل لبنية الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، بهدف تعبئة أكثر من 500 مليار دولار من رؤوس الأموال من أطراف ثالثة.

كما أعلنت دعم جهود شركة «إس بي إنرجي» و«أوبن إيه آي» لإنشاء مركز بيانات ضخم في ولاية أوهايو بقدرة تصل إلى 8 غيغاواط، مع استثمارات قد تصل إلى 150 مليار دولار.

وتعكس هذه التحركات اتجاهاً أوسع في صناعة التكنولوجيا، إذ لم تعد المنافسة مقتصرة على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي أو تصنيع الرقائق، وإنما تمتد إلى امتلاك وتشغيل مراكز البيانات وشبكات الطاقة وقدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل هذه النماذج.

السؤال الأكبر: إلى أين تتجه الاستثمارات؟

وبالنسبة إلى المستثمرين، لن تقتصر أهمية نتائج «إنفيديا» على مقارنة الإيرادات والأرباح بالتوقعات، بل ستمتد إلى مؤشرات الطلب المستقبلية وهوامش الربح وحجم الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

فكلما استمر نمو الطلب على رقائق «إنفيديا» ومراكز البيانات، تعززت الرهانات على أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تزال في مراحلها الأولى. أما إذا ظهرت مؤشرات على تباطؤ الطلب أو تراجع هوامش الربح أو تشدد العملاء في الإنفاق، فقد تعود المخاوف بشأن ما إذا كانت الاستثمارات الحالية في الذكاء الاصطناعي قادرة على تحقيق عوائد تتناسب مع حجم الأموال التي تُضخ فيها.

وبذلك، تبدو نتائج «إنفيديا» اليوم اختباراً لا للشركة وحدها، بل للسوق بأكملها: هل لا يزال الإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج نمو يبرر هذه الموجة الاستثمارية، أم بدأت حدود الطفرة تظهر؟


المصافي الهندية توسع البحث عن النفط مع نقص الإمدادات الروسية

صهاريج لتخزين النفط في مصفاة نفط تابعة لشركة إيسار أويل الهندية في فادنار بالهند (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في مصفاة نفط تابعة لشركة إيسار أويل الهندية في فادنار بالهند (رويترز)
TT

المصافي الهندية توسع البحث عن النفط مع نقص الإمدادات الروسية

صهاريج لتخزين النفط في مصفاة نفط تابعة لشركة إيسار أويل الهندية في فادنار بالهند (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في مصفاة نفط تابعة لشركة إيسار أويل الهندية في فادنار بالهند (رويترز)

تتجه المصافي الهندية إلى خفض مشترياتها من الخام الروسي بعد بلوغها مستويات مرتفعة، مع تضرر تدفقات النفط من روسيا، أكبر مورد للهند، من جراء الهجمات الأوكرانية.

ونظراً للضغوط التي تواجه صادرات موسكو من النفط الخام، تسعى شركات التكرير إلى الحصول على شحنات بديلة من مناطق تشمل غرب أفريقيا وحتى الأميركتين، كما تتجه أيضاً إلى موردي النفط في الخليج العربي، رغم استمرار القيود على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وفقاً لما ذكرته وكالة «بلومبرغ» الأربعاء.

ويتزامن تحول أنماط شراء شركات التكرير الهندية مع توقعات بارتفاع الطلب على مستوى البلاد مع انتهاء أعمال الصيانة في عدد من المصانع، مما يتيح لشركات التكرير رفع معدلات تشغيلها وزيادة الإنتاج.

وتواجه سوق النفط الخام العالمية اضطرابات ناجمة عن الصراعات بين موسكو وكييف، وكذلك في الشرق الأوسط. وأصبحت روسيا المورد الرئيسي للهند بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، والشهر الماضي، شكلت التدفقات من الدولة المنتجة للنفط العضو في تجمع «أوبك بلس» أكثر من نصف واردات الهند.

ومن المتوقع أن تنخفض واردات الهند من الخام الروسي هذا الشهر إلى نحو مليوني برميل يومياً، مقارنة بنحو 2.8 مليون برميل يومياً في يوليو (تموز)، وفقاً لما ذكره سوميت ريتوليا، كبير محللي النمذجة في شركة «كبلر» لتحليل البيانات.

وقال ريتوليا إن هذا التراجع يعكس «عودة جزئية إلى المستويات الطبيعية بعد الزيادة الكبيرة في مشتريات الخام خلال الأشهر الأخيرة، وانخفاض توافر الخام الروسي للتصدير، واشتداد المنافسة من جانب الصين»، إلى جانب أعمال الصيانة.

وأضاف أنه من المتوقع أن تعود تدفقات النفط من روسيا إلى الهند إلى مستوياتها المعتادة التي تتجاوز مليوني برميل يومياً خلال الأشهر المقبلة.