قال المخرج الفلسطيني مهند يعقوبي إن علاقته بالمخرجة اللبنانية الراحلة جوسلين صعب بدأت برسالة إلكترونية تلقّاها منها عام 2018، اقترحت فيها التعاون معه في مشروع سينمائي، لكنه لم يتمكن من الرد عليها في الوقت المناسب. وأوضح أنه كان، في تلك الفترة، يتنقل بين بلدان عدة ويعمل على مشروع آخر، فضاعت الرسالة بين رسائل بريده الإلكتروني، قبل أن يعود إليها لاحقاً متسائلاً عمّا يمكن أن يكتبه لمخرجة من جيل الكبار تقترح عليه التعاون معها.
وأضاف يعقوبي، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن الأمر اكتسب بُعداً مختلفاً تماماً عندما توفيت جوسلين صعب بعد نحو شهرين من إرسال الرسالة. ولفت إلى أن شعوره لم يقتصر على الإحساس بالفقد، بل صاحبه إدراك بأن فرصة للتعاون مع شخصية سينمائية مهمة كانت متاحة أمامه، لكنه لم يتمكن من اغتنامها في حينها.

وأخرج مهند يعقوبي الفيلم الوثائقي «الثوار لا يموتون أبداً»، الذي قدّم فيه علاقة سينمائية مؤجَّلة مع المخرجة اللبنانية الراحلة جوسلين صعب، بعدما دعته عام 2018 إلى التعاون معها في مشروع، قبل وفاتها بشهرين. وانطلق يعقوبي في فيلمه من أرشيف صعب، الذي يضم 115 بكرة توثّق أعمالها بين عامي 1973 و1983.
ويعيد الفيلم بناء حوار سينمائي متخيَّل معها، مستعيداً أفلامها التي وثّقت الثورات والنضالات العربية، ولا سيما القضية الفلسطينية والحرب اللبنانية، ومركّزاً على العلاقة بين السينما والذاكرة والمقاومة. كما يتقاطع الفيلم مع تجربة يعقوبي الشخصية، ولا سيما بعد تدمير منزل عائلته في غزة عام 2024، في استعادة لتجربة جوسلين صعب حين دُمّر منزلها في بيروت. وعُرض الفيلم ضمن الدورة الـ79 من «مهرجان لوكارنو السينمائي»، وفاز بـ«جائزة لجنة التحكيم الخاصة».
وأكد يعقوبي أن فهمه الحقيقي لشخصية جوسلين صعب بدأ بعد نحو عام، عندما التقى ماتيلد روكسيل، التي عملت مساعدةً لها خلال الفترة الأخيرة من حياتها. وجلس معها في مقهى بمدينة «كان» الفرنسية، على هامش المهرجان، للحديث عن صعب والأسباب التي دفعتها إلى إرسال تلك الرسالة إليه.

وقال إن روكسيل أخبرته عن مجموعة الأفلام التي تركتها صعب، فاقترح الاطلاع عليها، ومن هنا بدأت معرفته الحقيقية بالمخرجة اللبنانية. وأضاف أنه، مع بدء عملية فهرسة الأفلام وترميمها، أخذ يشاهد لقطاتها يومياً وببطء شديد، منتبهاً إلى تفاصيل قد لا تظهر في المشاهدة العادية؛ بدءاً من القطع بين اللقطات والوصلات التي تجمع بينها، وصولاً إلى الطريقة التي رتّبت بها صعب المواد، والملاحظات التي دوّنتها على أغلفة البكرات.
ولفت إلى أن هذه المواد لم تكن، بالنسبة إليه، مجرد أفلام، بل كانت مدخلاً إلى عالم جوسلين صعب، موضحاً: «لم يكن الفريق يفتح البكرات فحسب، بل كان يفتح معها عالماً يكشف طريقة المخرجة في التفكير والعمل، وكيفية ترتيبها اللقطات، وما كانت تدوّنه على أغلفة الأفلام».
وأضاف: «جعلتني هذه العملية أشعر كأنني أعيش معها في المنزل وفي غرفة المونتاج، وهو ما أتاح لي، تدريجياً، فهم شخصيتها وما كانت تريده من التعاون الذي اقترحته عليّ». وأكد أنه لولا هذا العمل، لخرج الفيلم سطحياً أو اقتصر على التعزية والتأبين، وهو ما لم يكن يرغب في تقديمه، وفق قوله.
وقال يعقوبي إن ما كان يسعى إليه هو الحديث عن عالمه أيضاً؛ لأن العالم الذي عاشته جوسلين صعب لم يكن بعيداً عن عالمه، فكلاهما ينتمي إلى دائرة متواصلة من الحروب والهجمات والثورات والارتباك والعجز عن استيعاب الأحداث أو الرد عليها. وأضاف: «كانت الفكرة المثيرة بالنسبة إليّ هي النظر إلى الأحداث نفسها، ولكن من زمن آخر. فالفيلم، في نهاية المطاف، لا يتناول جوسلين صعب فحسب، بل يتناولني ويتناول تاريخي أيضاً».
وأوضح أنه لا ينظر إليها بوصفها مخرجة لبنانية فحسب، بل بوصفها مخرجة وثّقت جانباً كبيراً من نضال الفلسطينيين في مرحلة شديدة الصعوبة، ولا سيما خلال الحرب في لبنان.
وتابع أن ذلك قاده إلى طرح سؤال أوسع عن إرث جوسلين صعب: هل هو إرث لبناني بالمعنى القومي، أم إرث فلسطيني أيضاً، أم إرث عربي؟ وأوضح أن جانباً من تجربتها يرتبط به وبالفلسطينيين، وأن جوسلين كانت تعدّ نفسها جزءاً من المشروع القومي العربي أو داعمة له.

وأشار إلى أن هذا الأمر يتقاطع مع رؤيته الشخصية لهويته وانتمائه؛ فهو فلسطيني في الأساس، لكنه عربي أيضاً. ولذلك كان لافتاً بالنسبة إليه أن يرى مخرجة تعمل على امتداد الوطن العربي، وأن تكون، في الوقت نفسه، امرأة اختارت منح صوتها لفئات لم يمنحها المخرجون العرب مساحة كافية للتعبير، مثل النساء والأطفال وكبار السن والمهمَّشين.
وأوضح يعقوبي أن الفيلم لم يبدأ بوصفه فيلماً بالمعنى التقليدي، بل كان في الأساس مشروعاً بحثياً، مضيفاً: «يمثّل الفيلم أحد العناصر التي انبثقت من هذا المشروع؛ إذ كانت المواد قد خضعت بالفعل للرقمنة والترميم ومعالجة الصوت عندما وصلنا إلى مرحلة صناعة الفيلم».
وأشار إلى أن المشروع البحثي بأكمله استغرق نحو 6 سنوات، لكن فكرة تحويله إلى فيلم لم تتبلور إلا بعد تدمير منزل عائلته في غزة عام 2024. وبدأ إنتاج الفيلم فعلياً في منتصف ذلك العام، واستغرق نحو عامين.
وأوضح أن «طبيعة العمل داخل غرفة المونتاج فرضت عزلة طويلة؛ إذ يكون المخرج بعيداً عن العالم الخارجي، ويتعامل بصورة أساسية مع المادة الموجودة أمامه». وأشار إلى أن حجم المواد التي عمل عليها لم يكن ضخماً بالمقاييس التقليدية للأفلام الوثائقية؛ إذ تعامل مع 16 فيلماً بلغ مجموع مدتها نحو 9 ساعات، خرج منها، في نهاية المطاف، فيلم مدته نحو ساعة ونصف الساعة.

