أعاد تجديد تكليف محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، تسليط الضوء على السياسات النقدية التي حافظت على قدر من الاستقرار النسبي للجنيه المصري، بعد سنوات من التراجع.
وأصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً جمهورياً، الثلاثاء، بإعادة تكليف عبد الله قائماً بأعمال محافظ البنك المركزي لمدة عام تنتهي في 17 أغسطس (آب) 2027 للمرة الخامسة على التوالي.
وشغل حسن عبد الله المنصب خلفاً لطارق عامر الذي تولى المنصب بين عامي 2015 و2022، وهي الفترة التي شهدت تخفيضات حادة في سعر الصرف، فضلاً عن تكرار أزمة توافر العملات الأجنبية حتى مع اتخاذ قرار تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.
وخلال فترة تولي حسن عبد الله منصب محافظ البنك المركزي اتخذ عدة قرارات مرتبطة بالسياسات النقدية، منها تحرير سعر الصرف في مارس (آذار) 2024 ضمن سلسلة من الإجراءات الاقتصادية التي اتخذت لتنفيذ اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
وانتقل الدولار من نحو 7.82 جنيه قبل قرار تحرير سعر الصرف في عام 2016، ووصل إلى 24 جنيهاً في نهاية عام 2022، ومند مارس (آذار) 2024 يحافظ الجنيه المصري على حدود تتراوح ما بين 47 جنيهاً وأقل من 55 جنيهاً لكل دولار صعوداً وهبوطاً.

واعتبر عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب (البرلمان) محمد فؤاد لـ«الشرق الأوسط» أن تجديد الثقة في حسن عبد الله «يمثل قراراً منطقياً بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تولى خلالها المسؤولية، حيث نجح في إعادة قدر من الانضباط إلى إدارة السياسة النقدية، واستعادة الثقة في سوق الصرف بعد فترة اتسمت بحدة الاختلالات».
ويرى فؤاد «أن الفارق بين تجربة حسن عبد الله وسلفه طارق عامر يعكس اختلافاً في فلسفة إدارة السياسة النقدية، وليس خلافاً شخصياً، واتجه عبد الله إلى إدارة أكثر هدوءاً، وترك آليات السوق تقوم بدور أكبر في تحديد قيمة الجنيه».
ويؤكد «أن تقييم أداء محافظ البنك المركزي يجب أن ينطلق من الأدوات المتاحة له، لا من تحميله مسؤولية جميع مشكلات الاقتصاد»، مشيراً إلى أن أداء حسن عبد الله «أسهم في إعادة موارد النقد الأجنبي إلى القنوات الرسمية، وتحسين انتظام سوق الصرف، وتعزيز مصداقية السياسة النقدية، ما جعل السوق والمؤشرات الاقتصادية أكثر تعبيراً عن أداء البنك المركزي من التصريحات المباشرة للمحافظ».
وهنا يشير المصرفي وعضو مجلس النواب حسن عمار لـ«الشرق الأوسط» إلى «التقييم الإيجابي لأداء البنك المركزي خلال الفترة الماضية مع تبني سياسة أكثر مرونة في تحديد سعر الصرف، ما عزز قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات، خصوصاً في ظل الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة بالمنطقة».
وأوضح عمار «أن إدارة حسن عبد الله أسهمت في دعم قوة الجهاز المصرفي، وتحسين قدرته على التعامل مع متطلبات التمويل، والاقتراض، بالتوازي مع تحسن أداء عدد من البنوك الحكومية، وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، واستقرار أوضاع القطاع المصرفي»، مشيراً إلى أن «مؤشرات الشمول المالي وأداء البنوك تعكس اتجاهاً إيجابياً، حتى وإن كانت بعض المستهدفات لم تتحقق بالكامل».
ويرى عمار أن «أهم ما يميز المرحلة الحالية هو الانتقال إلى إدارة أكثر مرونة لسوق الصرف، مع الحفاظ على قوة الاحتياطي النقدي»، معتبراً أن ذلك «ساعد الاقتصاد على تجاوز جزء كبير من آثار الاختلالات السابقة، ووضع السياسة النقدية في موقع أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات والأزمات دون اللجوء إلى تثبيت سعر الصرف بصورة مصطنعة».

وزاد الاحتياطي النقدي المصري من 23.2 مليار دولار في منتصف 2022 إلى 56.29 مليار دولار في يوليو (تموز) الماضي وفق البيانات الرسمية للبنك المصري، فيما عدل «المركزي» مستهدفات التضخم لتصبح 7 في المائة (± 2 نقطة مئوية) في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2026، مقارنة بالمستهدف السابق البالغ 5 في المائة (± 2 نقطة مئوية) وهو التعديل الذي أرجعه في بيان رسمي إلى «الأثر الممتد للصدمات الخارجية لأسعار السلع الأساسية العالمية، والإجراءات المحلية لضبط المالية العامة».
وهنا يشير عمار إلى «نجاح عبد الله بفضل السياسات المتبعة في التعامل مع صدمات خارجية عدة غير متوقعة أثرت بشكل كبير على الاقتصاد المصري بوقت كانت نسبة التغيير في سعر الصرف لا تزيد عن 15 في المائة صعوداً وهبوطاً، الأمر الذي كانت له آثار إيجابية على الاقتصاد المصري».
وقال الخبير الاقتصادي محمد أنيس لـ«الشرق الأوسط» إن أداء حسن عبد الله «يعكس تحولاً نحو إدارة أكثر مؤسسية للبنك المركزي، سواء في الإشراف على صلابة القطاع المصرفي وتطويره، أو في إدارة السياسة النقدية وسوق الصرف»، معتبراً أن القرارات الأخيرة اتسمت بالوضوح والاستقرار دون إنتاج اختلالات جديدة.
وأوضح أنيس أن أبرز التحولات تمثلت في التطبيق الجاد لمرونة سعر الصرف، والانتقال من استهداف سعر ثابت إلى استهداف التضخم، وهو ما ساعد على استقرار سوق الصرف، وتحسين توافر العملة الأجنبية، ومنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، مشيراً إلى أن هذا النهج، إلى جانب دعم التحول الرقمي والشمول المالي، يعكس سياسة واضحة تستهدف بناء نتائج مستدامة على المديين المتوسط والطويل، وهو ما لم يكن متوافراً من قبل.
لكن في المقابل، فإن مراقبين يرون أن سعر العملة المحلية الذي سجل في منتصف أغسطس الجاري نحو 51 جنيهاً مقابل الدولار الواحد يشكل عبئاً على المواطنين، وكذلك على الموازنة العامة للدولة، وهو ما يتطلب مزيداً من الإجراءات التي تدعم الحفاظ على قيمة العملة المحلية، وكذلك اتباع سياسات اقتصادية من شأنها دعم الجنيه لكي يسترد جزءاً من خسائره خلال السنوات الماضية.




