عادت شرايين الحياة السياسية تنبض مجدداً في فرنسا بعد انتهاء العطلة الصيفية، وعادت الانتخابات الرئاسية، التي ستجرى الربيع المقبل، لتفرض نفسها حدثاً رئيسياً تتّجه نحوه الأنظار والطموحات.
والعلامة البارزة اليوم تتمثل في العدد غير المسبوق من المرشحين الذي لم تعرفه أي انتخابات سابقة. فما بين الذين أعلنوا ترشحهم لخوضها يميناً ويساراً، والذين يتهيأون للإقدام على هذه الخطوة، والذين يكتفون بالقول إنهم جاهزون في حال استدعت الحاجة، يجد الناخبون الفرنسيون أنفسهم أمام صورة التشظي السياسي؛ حيث إن الأحزاب التقليدية تراجع حضورها أمام الطموحات الشخصية وأحياناً الفئوية.
وينطبق التوصيف على اليمين واليسار والوسط، إلى درجة أن المؤسسات المتخصصة باستطلاع آراء الناخبين تعاني من صعوبات «تقنية» في اختيار عيّناتها أو تحديد المرشحين الواجب إدراجهم في دراساتها، وتفسير النتائج التي تحصل عليها.
التواقيع والتكاليف
خلال انتخابات عام 2017 و2022، كانت الأمور أيسر مما هي عليه اليوم. ذلك أن هناك ما لا يقل عن أربعين مرشحاً، غالبيتهم تعرف سلفاً أن ثمة عوائق ستكون عاجزة عن تخطيها؛ وأولها توفير العدد الضروري من التواقيع الصادرة عن نواب أو أعضاء مجلس الشيوخ أو المجالس المحلية لخوض المنافسة.

تلي ذلك صعوبة توافر الأموال الضرورية للقيام بحملة انتخابية، الأمر الذي يعاني منه المرشحون غير الحزبيين. ومؤخراً، صدرت عن عدد من البنوك الفرنسية قرارات ترفض تمويل المرشحين بسبب تخوفها من عجزهم عن إيفاء ديونهم الانتخابية. وثمّة قاعدة معمول بها في فرنسا تفرض أن يحصل المرشح، على الأقل، على 5 في المائة من أصوات المقترعين ليحقّ له الإفادة من الأموال العامة المخصصة للانتخابات.
ومؤخراً، طرحت الحكومة مشروعاً يقوم على إيجاد تحالف مصارف يلتزم بمهمة تمويل المرشحين. لكنه حتى اليوم لم ير النور. وتجدر الإشارة إلى أن مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية الثلاثة السابقة، اضطرت للاستدانة من مصارف روسية ومجرية لأن المصارف الفرنسية رفضت تمويلها. كذلك، فإن إيمانويل ماكرون، الرئيس الحالي، اضطر في عام 2017، إلى البحث عن شركة تأمين تضمن قدرته على ردّ أموال المصارف.
مرشحون بالجملة
بكّر المرشحون اليساريون في إعلان ترشحهم فوصل عديدهم إلى 12 مرشحاً، أبرزهم جان لوك ميلونشون «حزب فرنسا الأبية، يسار متشدد»، والرئيس السابق فرنسوا هولاند «اليسار الاشتراكي»، الذي لم يعلن ترشحه رسمياً حتى اليوم. وينافسه على تموضعه اليساري المعتدل النائب الأوروبي رافاييل غلوكسمان، مؤسس حزب «الساحة العامة» والمتمتع بدعم جناح كبير من الحزب الاشتراكي، رغم أن أمينه العام أوليفيه فور لم يستبعد ترشحه. ثم هناك مرشحة البيئيين مارين توندوليه، ومرشح الحزب الشيوعي فابيان روسيل، وآخرون منشقون عن «فرنسا الأبية» مثل المرشح فرنسوا روفان.

أما في الكتلة الوسطية المتشكلة من ثلاثة أحزاب، فهناك مرشحان رئيسيان يتنافسان؛ هما إدوار فيليب وغبريال أتال. كلاهما شغل منصب رئيس حكومة في عهدي ماكرون، لكنهما يجنحان نحو التملص من إرثه السياسي والاقتصادي، ما يدفع الرئيس الحالي - وفق المعلومات المتوافرة لدى الطبقة السياسية - إلى دعم ترشيح رئيس الحكومة الحالي سيباستيان لوكورنو. ورغم أن الأخير ينفي تماماً رغبته بالترشح، فإن ذلك لا يبطل الإشاعة الرائجة.
وإلى هؤلاء، تتعيّن إضافة رئيسة الجمعية الوطنية «البرلمان» يائيل براون بيفيه، ووزير الاقتصاد الأسبق برونو لومير، ووزيرة المساواة بين الرجال والنساء أورور بيرجيه. بيد أن الأحدث تمثل بإعلان وزير العدل جيرالد درامان تأييده للمرشح إدوارد فيليب، علماً بأنه كان يمنِّي النفس بخوض المنافسة الرئاسية. غير أنه عدل عن ذلك لـ«تجنب مزيد من الانقسامات»، كما قال، الاثنين، في مقابلة مع صحيفة محلية. وحتى اليوم، تشير استطلاعات الرأي أن إدوارد فيليب يتقدم على غبريال أتال، أقرب منافسيه. إلا أن الاستحقاق ما زال بعيداً والأمور قابلة للحراك.

ما يصح على اليسار والوسط، يصحّ أيضاً على اليمين الكلاسيكي «حزب الجمهوريون»؛ حيث رئيسه وزير الداخلية السابق برونو روتايو يجد من ينافسه من داخل عائلته السياسية رغم الاستفتاء الداخلي الذي ثبته في موقعه. فوزير الشؤون الاجتماعية الأسبق كزافيه برتراند، يتهيأ للمنافسة، فيما لوران فوكييز، رئيس مجموعة الحزب البرلمانية، أعرب عن دعمه لفيليب.
ويجهد رئيس بلدية مدينة «كان» المتوسطية، ديفيد ليسنارد لطرح نفسه مرشحاً جدياً يحمل دماً جديداً للسياسة. كذلك، فإن دومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء الأسبق أطلق حراكاً سياسياً منذ مطلع العام الحالي يعمل على تحريك الأمور، حيث جهَّز مضبطة اتهامات بحق الحكومات المتعاقبة التي تشكلت خلال عهدي ماكرون، وحجته أنها لم تكن بحجم التحديات التي يطرحها عالم اليوم على فرنسا.
كذلك، فإن رئيس الحكومة السابق ميشال بارنيه الذي بقي في منصبه شهراً واحداً قبل أن يضطر للاستقالة نهاية العام الماضي، يتهيأ بدوره، وكذلك يفعل النائب اليميني فيليب جوفان.
دور القضاء
يبقى اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني» وزعيمته مارين لوبان، التي تترشح للانتخابات - كما ميلونشون - للمرة الرابعة.
وبعد أن سمح لها الحكم القضائي الصادر عن محكمة الاستئناف بالترشح، فإن رئيس حزبها، جوردان بارديلا، أخلى لها الساحة. ولوبان تسيطر بشكل غير مسبوق على المشهد السياسي، وفق ما تظهره استطلاعات الرأي للجولة الأولى التي ستجرى في 18 أبريل (نيسان). بيد أنها تنتظر قرار محكمة التمييز بشأن الحكم الذي صدر بحقها عن محكمة الاستئناف، والذي قضى بحبسها ثلاث سنوات مع سنتين مع وقف التنفيذ، فيما السنة الثالثة تحوّلت إلى ما يشبه الإقامة الجبرية مع ارتداء السوار الإلكتروني.

ويمكن للمحكمة العليا أن تكسر الحكم وتفرض عليها تنفيذ حكم الاستئناف، ما سيعيد الأمور إلى المربع الأول، أي إلى انسحابها من المنافسة لصالح بارديلا. كذلك، تجدر الإشارة إلى وجود منافسين للوبان في أقصى اليمين؛ على رأسهم أريك زمور، رئيس حزب «الاسترداد». وزمور صاحب نظرية «الاستبدال الرائجة في أوروبا والتي تعني حلول أجانب من عرب وأفارقة محلّ الشعب الفرنسي، وإلى جانبه رفيقة دربة سارة كنافو.
ما يميز الاستحقاق المقبل عن سابقيه غياب ماكرون الذي لا يحقّ له الترشح لولاية ثالثة. لكن بعض المحيطين به يقولون إن طباعه لن تسمح له بأن يبقى بعيداً عن المعركة السياسية المقبلة، وخصوصاً أنه لا يريد أن يُسلّم مفاتيح قصر الإليزيه لمرشحة «أو مرشح» التجمع الوطني؛ لأن ذلك سيعني هزيمة كل ما سعى لبنائه. وأعلن ماكرون أكثر من مرة أنه ترشّح لمنع اليمين المتطرف من الفوز بالرئاسة، وهدم ما بناه خلال عشر سنوات.
وحتى اليوم، ثمة أربع شخصيات تبرز من بين هذا الكم من المرشحين: مارين لوبان، وإدوارد فيليب، وجان لوك ميلونشون، وغبريال أتال. لكن المشهد السياسي مقبل بلا شك على متغيرات؛ أوّلها سيكون انسحاب فيليب لصالح أتال أو العكس.
وثمّة من يدعو للتوافق على مرشح مُوحّد للوسط واليمين المعتدل، وبعضهم يرى رئيس الحكومة الراهن مرشحاً لهذا الدور. وفي معسكر اليسار، تبدو القطيعة شبه نهائية بين الاشتراكيين وميلونشون، فيما توندوليه، مرشحة البيئويين، تسعى لحلول توافقية. وتبدو الدينامية السياسية أنها تعمل حتى اليوم لصالح زعيم «فرنسا الأبية». وأخيراً، قد يلعب القضاء دوراً ما في هذه الانتخابات، ليس فقط بصدد مصير لوبان، ولكن أيضاً بخصوص إدوارد فيليب ودومينيك دو فيلبان وميلونشون.








