زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

استحواذ التشييد وتجارة الجملة والتجزئة والصناعات التحويلية على الأنشطة الداخلة إلى السوق في الربع الثاني

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

تواصل السعودية تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، عبر مزيج من التَّوسُّع في إصدار التراخيص، إذ قفزت نحو 252 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي، إلى جانب تطوير البيئة التنظيمية، وإطلاق المبادرات القطاعية، بالتوازي مع نمو ملحوظ في تكوين رأس المال والاستثمار الأجنبي المباشر.

ويُظهِر «راصد الاقتصاد والاستثمار السعودي» للرُّبع الثاني من عام 2026 أنَّ هذه المسارات بدأت تُشكِّل قاعدةً أوسع لنمو النشاط الاستثماري وتنويع الاقتصاد، بما يتسق مع مستهدفات «رؤية 2030».

وسجَّلت التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال الرُّبع الثاني قفزةً لافتةً بلغت 252 في المائة على أساس سنوي، لتتجاوز 9 آلاف ترخيصاً، مقارنة مع 2.5 ألف ترخيص في الفترة المماثلة من 2025.

ويعكس هذا الارتفاع تنامي ثقة المستثمرين، واستمرار جاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة، بما يدعم توجه السعودية نحو ترسيخ مكانتها وجهةً استثماريةً رائدةً.

وتشير البيانات إلى أنَّ النمو لم يكن محصوراً في نشاط واحد، بل امتدَّ إلى مجموعة واسعة من القطاعات، حيث استحوذت أنشطة التشييد، وتجارة الجملة والتجزئة، والصناعات التحويلية على نحو 66 في المائة من إجمالي التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال الرُّبع الثاني.

وجاء قطاع التشييد في الصدارة بـ2.6 ألف ترخيص مقابل 827 ترخيصاً قبل عام، بنمو بلغ 218 في المائة، تلاه قطاع تجارة الجملة والتجزئة بـ2.3 ألف ترخيص مقابل 607 تراخيص، وبنمو 285 في المائة، ثم الصناعات التحويلية بأكثر من ألف تراخيص مقابل 263 ترخيصاً، وبنمو 284 في المائة.

كما سجَّلت قطاعات أخرى زيادات قوية، من بينها النقل والتخزين الذي ارتفع عدد تراخيصه إلى 494 ترخيصاً بنمو 443 في المائة، وخدمات الإقامة والطعام إلى 705 تراخيص بنمو 393 في المائة، والعقارات إلى 118 ترخيصاً بنمو 436 في المائة، بينما سجَّلت الزراعة والغابات وصيد الأسماك أعلى معدل نمو بلغ 736 في المائة.

إصلاحات تنظيمية

بالتوازي مع زيادة التراخيص، واصلت المملكة تحديث البيئة التنظيمية بهدف جعل الاستثمار أكثر مرونة وتنافسية. وشملت أبرز التشريعات الداعمة خلال الرُّبع الثاني إلغاء عدد من الوثائق المتعلقة بالأنشطة التجريبية السياحية، بما في ذلك بعض القرارات واللوائح والأدلة الإجرائية المرتبطة بهذه الأنشطة.

كما جرى تمديد العمل بمبادرة إلغاء الغرامات والإعفاء من العقوبات المالية عن المكلفين لمدة 6 أشهر إضافية، اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) 2026، في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء وتحسين البيئة التنظيمية أمام المكلفين.

وتعكس هذه الإجراءات اتجاهاً أوسع نحو تطوير الأنظمة والإجراءات الاستثمارية بما يقلل التعقيدات، ويرفع كفاءة ممارسة الأعمال، ويعزِّز قدرة الاقتصاد السعودي على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

الاستثمار الرياضي

برز «منتدى الاستثمار الرياضي 2026» بوصفه إحدى المبادرات التي تستهدف توسيع قاعدة الاستثمار في القطاعات الواعدة. واستقطب المنتدى أصحاب الأعمال والمستثمرين والخبراء التنفيذيِّين وصُنَّاع القرار من مختلف دول العالم، في وقت يشهد فيه القطاع الرياضي السعودي تحولاً سريعاً، مدفوعاً بالإصلاحات التنظيمية وتطوير البنية التحتية.

ويعكس المنتدى تَوجُّه المملكة إلى تحويل الرياضة إلى أحد روافد الاقتصاد، إذ أشار التقرير إلى أنَّ الاستثمارات المستهدفة في القطاع تصل إلى 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، مع التأكيد على دور الإجراءات الحكومية والجهود الجارية في دفع نمو القطاع ورفع مشاركة القطاع الخاص.

البلاستيك والبتروكيماويات

كما سلَّط التقرير الضوء على «المعرض السعودي للبلاستيك والبتروكيماويات 2026»، الذي جمع بين الجهات الحكومية والمستثمرين وصُنَّاع القرار في قطاع يُعدُّ من الركائز الصناعية للمملكة. واستقطب المعرض 498 شركة عارضة من 24 دولة، بهدف تعزيز الشراكات وسلاسل الإمداد ورفع كفاءة الإنتاج ودعم نمو الصناعات التحويلية.

وفي قطاع الخدمات اللوجستية، جاء «المعرض السعودي للخدمات اللوجستية الذكية 2026» ليبرز الفرص المرتبطة بالتَّحوُّل نحو الخدمات اللوجستية الذكية، وتوظيف الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي في النقل والتخزين وسلاسل الإمداد، بما يعزِّز موقع المملكة مركزاً لوجستياً في المنطقة.

وعلى مستوى الاستثمار المحلي، ارتفع إجمالي تكوين رأس المال الثابت الاسمي خلال الرُّبع الأول من عام 2026 بنحو 5.1 في المائة على أساس سنوي، ليصل إلى 358 مليار ريال (95.4 مليار دولار).

وجاء النمو مدفوعاً بصورة رئيسية بتكوين رأس المال الثابت في القطاع غير الحكومي، الذي ارتفع بنحو 1.3 في المائة، مستحوذاً على نحو 89 في المائة من الإجمالي، بينما بلغت مساهمة تكوين رأس المال الثابت في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي نحو 28 في المائة.

جاذبية لرؤوس الأموال

وتكتسب هذه الأرقام أهميةً خاصةً في ظلِّ سعي السعودية إلى زيادة دور الاستثمار الخاص في النشاط الاقتصادي، إذ تشير البيانات إلى استمرار القطاع غير الحكومي في تشكيل الجزء الأكبر من قاعدة تكوين رأس المال، بما يعكس اتساع مساهمة القطاع الخاص في عملية النمو الاقتصادي.

وفي مؤشر آخر على تنامي جاذبية المملكة لرؤوس الأموال الدولية، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 1.1 تريليون ريال (293.3 مليار دولار) بنهاية عام 2025، مسجِّلاً ارتفاعاً بنحو 13 في المائة مقارنة بعام 2024، وأكثر من الضعف مقارنة برصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2017.

كما ارتفعت نسبة رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 28 في المائة خلال عام 2025.

وبحسب التقديرات الأولية للهيئة العامة للإحصاء، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025 نحو 136 مليار ريال (36.2 مليار دولار)، مُسجِّلة نمواً نحو 14 في المائة مقارنة بعام 2024.

وتكشف السلسلة الزمنية عن مسار تصاعدي واضح في رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ ارتفع من 502 مليار ريال (133.8 مليار دولار) في 2017 وصولاً إلى 1.1 تريليون ريال في 2025.

التوقعات الدولية

وفي هذا الإطار قال الأستاذ بجامعة الملك فيصل المتخصص في الاقتصاد، الدكتور محمد بن دليم القحطاني، إنه حين تتوقَّع المؤسسات الدولية أن يقفز نمو الاقتصاد السعودي في 2027 إلى 4.3 في المائة و4.9 في المائة طبقاً للبنك الدولي، و5.5 في المائة بحسب صندوق النقد الدولي؛ فالرسالة بين السطور واضحة، وهي أن ثمار التَّحوُّل الاقتصادي بدأت تنتقل من مرحلة البناء والاستثمار إلى مرحلة العوائد والنمو.

وأوضح الدكتور بن دليم في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن المؤسسات الـ3، رغم اختلاف تقديراتها، تتفق على اتجاه واحد وهو استمرار النمو بقوة في 2027. «وهنا تكمن القصة الحقيقية لرؤية المملكة، ليس أن ينمو الاقتصاد سنة واحدة، بل أن يصبح أكثر تنوعاً ومرونة وقدرة على صناعة النمو رغم اضطرابات العالم»، مؤكداً أن الرياض لا تنتظر مستقبل الاقتصاد العالمي، بل تبني موقعها فيه.

قراءة في الاتجاه العام

تعكس مؤشرات الرُّبع الثاني من 2026 انتقال البيئة الاستثمارية السعودية إلى مرحلة أكثر اتساعاً، لا تقتصر فيها الجهود على جذب رؤوس الأموال، وإنما تمتد إلى توسيع قاعدة القطاعات المستفيدة من الاستثمار، وتخفيف القيود التنظيمية، وتحفيز القطاع الخاص، ورفع مساهمة الاستثمارات المحلية والأجنبية في الاقتصاد.

وتبرز القفزة الكبيرة في التراخيص الاستثمارية، إلى جانب تجاوز رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز التريليون ريال، بوصفهما من أبرز مؤشرات التَّحوُّل في المشهد الاستثماري السعودي. كما أنَّ التركيز المتزايد على قطاعات التشييد والتجزئة والصناعة واللوجستيات والسياحة والرياضة يعكس اتساع نطاق الاقتصاد غير النفطي، وتوجُّه المملكة إلى بناء مصادر جديدة للنمو والاستثمار ضمن مستهدفات «رؤية 2030».


مقالات ذات صلة

الصادرات السعودية من النفط الخام تسجل أعلى مستوى في 5 أشهر خلال أغسطس

الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

الصادرات السعودية من النفط الخام تسجل أعلى مستوى في 5 أشهر خلال أغسطس

ارتفعت صادرات السعودية من النفط الخام في أغسطس (آب) بنحو 7.9 في المائة مقارنة بشهر يوليو (تموز)، لتبلغ 4.451 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ مارس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيس الهيئة العامة للنقل المهندس فواز السهلي خلال جولته في المعرض المصاحب للمؤتمر بجدة (الهيئة)

«النقل» السعودية: القطاع البحري أثبت صموده أمام اضطرابات التجارة العالمية

استطاع القطاع البحري السعودي إثبات قدرته على الصمود أمام الاضطرابات التي شهدتها حركة التجارة والملاحة العالمية خلال عام 2026.

أسماء الغابري (جدة)
خاص طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)

خاص القطاع الخاص يعزز نمو السعودية بين اقتصادات «العشرين»

مدفوعةً بزخم القطاع الخاص وتوسع الأنشطة غير النفطية، تتجه السعودية إلى تصدّر اقتصادات مجموعة العشرين من حيث النمو في عام 2027.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

السعودية تتصدَّر مجموعة العشرين بتوقعات نمو 7.9 % في 2027

تتصدَّر السعودية دول مجموعة العشرين في توقعات النمو الاقتصادي لعام 2027، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد المبنى الرئيسي لشركة كيان السعودية للبتروكيماويات (الشركة)

«كيان السعودية» تقلص خسائرها 72 % بدعم من ارتفاع أسعار بيع المنتجات

قلصت شركة «كيان السعودية للبتروكيماويات» خسائرها بنسبة 72 %، خلال الربع الثالث من عام 2026، لتبلغ 94.2 مليون ريال (25.1 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي بأكثر من التوقعات، في حين ارتفعت مخزونات المقطرات.

وأوضحت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام تراجعت بمقدار 3.06 مليون برميل لتصل إلى 412.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته وكالة «رويترز» بانخفاض قدره 820 ألف برميل.

كما أشارت الإدارة إلى ارتفاع مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بمقدار 987 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة أن كميات النفط الخام التي تمت معالجتها في المصافي ارتفعت بمقدار 34 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.1 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 93.4 في المائة. وفقاً للبيانات.

وفيما يتعلق بالبنزين، أفادت الإدارة بأن المخزونات الأميركية انخفضت بمقدار 2.95 مليون برميل لتصل إلى 205.3 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 443 ألف برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات المقطرات -التي تشمل الديزل وزيت التدفئة- بمقدار 1.68 مليون برميل لتصل إلى 104.3 مليون برميل، مخالفةً بذلك توقعات كانت تشير إلى انخفاض قدره 1.16 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 837 ألف برميل يومياً.

وعلى الفور، تحولت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي إلى الارتفاع وسط تداولات متقلبة شهدتها جلسة الأربعاء، وذلك فور صدور التقرير.


ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
TT

ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)

أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان إبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، استجابةً للطعن المقدّم من رئيس الجمهورية جوزيف عون، رسم مسار معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، بما قد ينعكس على صياغة القانون المرتقب والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق تمويلي.

ويعيد القرار مصرف لبنان إلى موقع محوري في إدارة عملية إعادة هيكلة المصارف، في تطور تتجاوز تداعياته قانون إصلاح المصارف إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يُعدّ من المرتكزات الأساسية لمعالجة الفجوة المالية وتحديد المسؤوليات عن الخسائر وتوزيع أعبائها.

وتكمن الأهمية الاستثنائية للقرار في إعادة الاعتبار إلى المضمون الأساسي للقانون رقم 23، الصادر في صيف العام الماضي، والذي يُلزم بالتقيد بأحكام قانون النقد والتسليف، ويستهدف «تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أي مصرف متعثر». وبذلك، يشطب القرار عملياً استهلالية التعديل المطعون به، والتي نصت على «وضع إطار قانوني حديث يتلاقى مع المعايير الدولية المتبعة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وليس خافياً، وفق قراءة مسؤول مالي معنيّ، أن تداعيات القرار لا تقتصر على بُعده القانوني البحت، ولا على واقع الرفض الضمني للتعديل الوارد من قبل فريق الصندوق الدولي، بل تمتدّ تلقائياً إلى اختلاف المقاربات السياسية والقطاعية في إعداد مندرجات مشروع قانون الفجوة المالية الذي يفترض أن تشرع اللجان النيابية بمناقشته قريباً، سواء بنسخته المحالة من الحكومة بنهاية العام الماضي، أو بعد اكتمال المراجعة المرتقبة من قبل الفريق الاقتصادي الحكومي، وبالاستناد إلى خلاصات المداولات مع حاكمية البنك المركزي ومؤسسات مالية دولية.

ويشير المسؤول المالي إلى أن القرار يشدد الضوابط القضائية على مسار المعالجات المطروحة، ويتكامل في هذا السياق مع مطالعة سابقة لمجلس شورى الدولة، تم إعادة تثبيتها قبل أشهر، وتقضي بأنه لا يمكن شطب الودائع أو إلغاء ديون والتزامات مصرف لبنان المركزي بقرار حكومي دون سند تشريعي صريح وضمانات دستورية تحفظ حق الملكية الفردية. كما رفض المجلس تحميل المودعين وحدهم كلفة الخسائر المالية، مؤكداً مسؤولية الدولة ومصرف لبنان في الأزمة المالية.

بذلك، اكتسبت الخشية من العودة إلى نقطة «الصفر» التي أوردتها «الشرق الأوسط» ضمن ترقباتها المسبقة لمنحى القرار، دفعاً قوياً بتأثيره الفوري واللاحق على القانون الارتكازي لمعالجة الفجوة، ولا سيما لجهة وصف المسؤوليات، وبالتبعية تحديد الأحمال على ثلاثي الدولة، والبنك المركزي، والمصارف، فيما تنحو توجيهات صندوق النقد، بتأييد حكومي غير مضمر وفقاً لما ورد في مشروع القانون، إلى تضييق المساهمة بالأموال العامة لأبعد حدود.

الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ومن المرجح، حسب مصادر معنية ومنحى المعطيات المحدثة، انحسار التطلعات لتجديد عقد اتفاق أولي مع صندوق النقد خلال الأشهر القليلة المقبلة، بالنظر إلى ربط توقيعه بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، والمشروط قانونياً بصدور قانون معالجة الفجوة المالية، مع اشتراط توافقها مع المعايير الدولية. فضلاً عن الحاجة إلى إقرار موازنة العام المقبل، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتوافق مع استدامة الدين العام في البلاد.

وتكشف الأرقام المرتبطة بالفجوة المالية عن حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة اللبنانية في ظل الضغوط المتواصلة من صندوق النقد الدولي، وسط تباين في وجهات النظر بشأن كيفية توزيع الخسائر ومعالجة العجز المالي لدى الأطراف المعنية، وهي الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وفي خضم هذه الخلافات، تبقى حقوق المودعين معلّقة إلى حين إقرار القانون الذي يحدد آليات التعامل مع مدخراتهم العالقة، المقدّرة بنحو 80 مليار دولار.

ويقابل هذه الودائع حجم مماثل من توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، استُخدم معظمها في تمويل الدولة، التي استجرّت أموالاً تُقدّر بنحو 64 مليار دولار، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المالية للأزمة.

وفي الأساس، ثمة «فجوة» عميقة في توصيف الأزمة وخلفياتها، حسب المسؤول المالي المعني، بينما تفترض التداعيات وموجبات إيفاء الحقوق، التوافق الناجز على تعريف «الأزمة النظامية» التي أقر بها صندوق النقد، وباعتبار أن المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، وفق تأكيد حاكم المركزي، كريم سعيد، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها، وصولاّ إلى انهيار شامل. كما ينبغي التنويه في سياق المقاربات العلاجية، بأن تخلّف الدولة عن سداد السندات الدولية في ربيع عام 2020، والبالغة حينها نحو 31 مليار دولار، ثم انهيار سعر صرف العملة الوطنية بنسبة قاربت 98 في المائة، الذي محا تقريباً ديون الدولة بالليرة، منحا الدولة فترة سماح طويلة نسبياً لعزل موجبات الديون عن الموازنة العامة، لكن ذلك يؤجل الاستحقاقات فقط ولا يشطبها، بأي حال، مع وجود شريحة واسعة من الدائنين الدوليين، مما يوجب ضم الملف إلى مشروع قانون الانتظام المالي.


الصادرات السعودية من النفط الخام تسجل أعلى مستوى في 5 أشهر خلال أغسطس

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

الصادرات السعودية من النفط الخام تسجل أعلى مستوى في 5 أشهر خلال أغسطس

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

ارتفعت صادرات السعودية من النفط الخام في أغسطس (آب) بنحو 7.9 في المائة مقارنة بشهر يوليو (تموز)، لتبلغ 4.451 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ مارس (آذار)، وفقاً لبيانات مبادرة البيانات المشتركة للمنظمات (جودي) الصادرة الأربعاء.

وجاء ارتفاع الصادرات رغم تراجع إنتاج النفط السعودي إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 6.24 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ8.135 مليون برميل يومياً في يوليو.

وتنشر السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، إلى جانب أعضاء آخرين في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، بيانات الصادرات الشهرية عبر موقع مبادرة «جودي».

وأظهرت البيانات انخفاض كميات النفط الخام التي عالجتها المصافي السعودية بمقدار 181 ألف برميل يومياً في أغسطس، إلى 2.297 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ2.478 مليون برميل يومياً في الشهر السابق. في المقابل، ارتفع الحرق المباشر للخام بمقدار 43 ألف برميل يومياً، إلى 604.097 ألف برميل يومياً.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه شحنات النفط من الشرق الأوسط اضطرابات حادة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير (شباط)، وما أعقبها من إغلاق إيران مضيق هرمز أمام الصادرات.

وقال جيوفاني ستاونوفو، المحلل لدى «يو بي إس»، إن السعودية تمكنت، رغم التوترات الإقليمية، من مواصلة استعادة مستويات صادراتها من الخام بالاستفادة من محطات التصدير على ساحليها الشرقي والغربي. وأضاف أنه يتوقع استمرار التعافي خلال سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول).