كيف نجا ترافيس باركر من حادث طائرة «ليرجيت 60» المنكوبة؟

من الموت المحقق ورماد الطائرة إلى كورتني كارداشيان ومنصات العرض... الموسيقي الأميركي يواجه جروح 27 جراحة بـ«أعلى من الخوف»

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
TT

كيف نجا ترافيس باركر من حادث طائرة «ليرجيت 60» المنكوبة؟

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

لم تكن العودة إلى تفاصيل ليلة الـ19 من سبتمبر (أيلول) عام 2008 مجرد استعادة لحدث عابر في حياة عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر، بل كانت أشبه بنبش في رماد محرقة كادت تبتلع حياته وحياة رفاقه، لولا العناية الإلهية التي كتبت له عُمراً جديداً من رحم الرماد والنار.

وفي وقت يستعد فيه قطاع واسع من الجمهور وصنّاع الموسيقى لمتابعة الوثائقي الجديد «ترافيس باركر: أعلى من الخوف (Travis Barker: Louder Than Fear)»، الذي بدأ عرضه على منصتَي «هولو» و«ديزني بلس» في الـ13 من أغسطس (آب) الحالي، خرج النجم العالمي بتصريحات صحافية غير مسبوقة، واصفاً تفاصيل الحادث اللعين بأنَّها ندوب أبدية محفورة في ذاكرته، مؤكداً أنَّ النيران لم تلتهم الطائرة فحسب، بل التهمت معها 65 في المائة من جسده، ليدخل في رحلة عذاب ومواجهة مع الموت امتدت لسنوات طويلة.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

وكان باركر قد عاش قرابة 13 عاماً في أسر فوبيا الطيران، رافضاً بشكل قاطع ركوب أي طائرة، ومفضِّلاً التنقل عبر السفن والبر، مما حدَّ كثيراً من جولاته الفنية العالمية، قبل أن يتمكَّن من كسر هذا القيد الحديدي بمساعدة زوجته كورتني كارداشيان.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر بمعية زوجته كورتني كارداشيان (أسوشييتد برس)

وتأتي التفاصيل الجديدة اليوم، المتزامنة مع إطلاق الوثائقي، لتعيد تسليط الضوء على تلك اللحظات المأساوية التي تفصل بين الحياة والموت في ثوانٍ معدودة، مقدمةً سرداً حياً لرحلة التعافي الجسدي والنفسي، وكيف يمكن للإنسان أن ينهض من وسط النيران ليعيد بناء حياته من جديد.

ليلة الهبوط في الجحيم والتسلسل الزمني للفاجعة

تعود وقائع الفاجعة إلى ليلة الجمعة، وتحديداً قبيل منتصف الليل، في تمام الساعة الـ11 و53 دقيقة مساءً، عندما كانت طائرة خاصة من طراز «ليرجيت 60» تستعد للإقلاع من مطار كولومبيا في ولاية كارولاينا الجنوبية، متوجهةً صوب لوس أنجليس.

وبحسب التحقيقات الرسمية، بينما كانت الطائرة تندفع على المدرج بسرعة فائقة تجاوزت 150 ميلاً في الساعة، انفجرت إطاراتها فجأة محدثة دويّاً هائلاً، مما دفع طاقم القيادة لاتخاذ قرار عاجل بإلغاء عملية الإقلاع، إلا أنَّ الوقت كان قد فات ولم تسعفهم المسافة المتبقية من المدرج، لتندفع الطائرة بسرعة جنونية خارج السياج الأمني للمطار، وتتحطَّم فوق طريق سريع مجاور، متحولةً في لمح البصر إلى كتلة مستعرة من اللهب التهمت كل شيء.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

وفي تلك اللحظات الرهيبة، تحوَّلت مقصورة الطائرة إلى زنزانة من نار، حيث روى باركر كيف قفز هو وصديقه المقرب الفنان الموسيقي الراحل «دي جي آدامز» (آدم غولدشتاين) من الطائرة وهي تتحرَّك وتشتعل، ليركضا على الأسفلت والنيران تمسك بملابسهما وأطرافهما، في مشهد هوليوودي مرعب تجسَّد على أرض الواقع، مخلفاً وراءه ألسنة لهب أضاءت عتمة الليل في كارولاينا الجنوبية، وظلت شاهدةً على واحدة من أسوأ كوارث الطيران الخاص في ذلك العام.

الفنان الموسيقي الراحل «دي جي آدامز» (آدم غولدشتاين) (ويكيبيديا)

حصيلة الدماء وأسماء في ذاكرة الغياب

أسفر الحادث الأليم فوراً عن مصرع 4 أشخاص من أصل 6 كانوا على متن الرحلة المشؤومة، حيث غيَّب الموت كلاً من رئيسة طاقم الضيافة سارة ليميل البالغة من العمر 31 عاماً، ومساعد الطيار جيمس بلاند البالغ من العمر 52 عاماً، واللذين قضيا نحبهما في قمرة القيادة نتيجة شدة الارتطام واشتعال النيران الفوري.

طائرة عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر المنكوبة (ويكيبيديا)

ولم تتوقف الحصيلة عند طاقم الطائرة، بل امتدت لتخطف أعزَّ رفاق عازف الطبول الشهير، حيث توفي مساعده الشخصي كريس بيكر عن عمر ناهز 29 عاماً، وحارسه الشخصي تشارلز ستيل البالغ من العمر 26 عاماً، واللذين لم يتمكَّنا من مغادرة الهيكل المحترق في الوقت المناسب.

ولم ينجُ من هذه المحرقة سوى ترافيس باركر وصديقه غولدشتاين، اللذين نجوا بأعجوبة وصفتها الأوساط الطبية حينها بأنها خارقة للطبيعة، غير أنَّ النجاة لم تكن نهاية المطاف بل كانت بداية لرحلة عذاب أخرى، خصوصاً أن غولدشتاين نجا من النيران لكنه لم يستطع تحمل التداعيات النفسية العميقة للصدمة، ليرحل عن عالمنا بعد عام واحد فقط، وتحديداً في عام 2009، إثر جرعة زائدة من الدواء ارتبطت بشكل وثيق بمعاناته من اضطرابات ما بعد الصدمة، مما ترك باركر وحيداً في مواجهة عقدة ذنب الناجي.

رحلة العذاب الطبوغرافي و27 جراحة

تحدَّث باركر بكثير من الشجن والألم عن الجروح الجسدية التي خلَّفها الحادث، موضحاً أنَّ النيران التهمت 65 في المائة من جسده، مصيبةً إياه بحروق شديدة من الدرجتين الثانية والثالثة، الأمر الذي تطلب أن يمكث طويلاً في المستشفى ومركز الحروق المتخصص، تجاوز 4 أشهر كاملة قضى معظمها تحت تأثير المخدر القوي والأجهزة الطبية.

وخلال تلك الفترة العصيبة، خضع الموسيقي لـ27 عملية جراحية معقَّدة لإعادة بناء الجلد وترقيع الأنسجة التالفة، حيث كان الأطباء يسابقون الزمن لإنقاذ أطرافه من البتر ومكافحة الالتهابات الحادة التي هدَّدت حياته في أكثر من مناسبة.

ولم تقتصر المعاناة على المشرط والجراحة، بل تعدتها إلى جحيم نفسي وعلاجات مكثفة للتصالح مع شكل جسده الجديد ومعايشة الفقد الكبير لأصدقائه، حيث أكد باركر في تصريحاته الجديدة للوثائقي أنَّ الندوب النفسية كانت أعمق بكثير من تلك المحفورة على جلده، وأنَّ تجاوز تلك المرحلة تطلب إرادةً فولاذيةً ودعماً عائلياً غير مشروط، ليتحوَّل اليوم من مجرد ضحية لحادث طيران إلى رمز حي للقدرة على النجاة والتعافي والانتصار على الخوف مهما بلغت شدته.


مقالات ذات صلة

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

يوميات الشرق باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

من خلال مشروعه، يحاول سعيد محاربة بعض الفوضى السائدة في الساحة الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم...

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
يوميات الشرق هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

مع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
الوتر السادس لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

كانت لين الحايك لا تزال في الحادية عشرة من عمرها عندما أطلّت للمرة الأولى على خشبة «ذا فويس كيدز» عام 2016، واليوم، وبعد مرور عشر سنوات على مشوارها الفني...

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس سعد رمضان: لا أُفضِّل توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالي

سعد رمضان: لا أُفضِّل توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالي

تحدث الفنان اللبناني سعد رمضان عن كواليس إحيائه للحفل الختامي لمسابقة Miss Elite، معبراً عن سعادته بالمشاركة في هذه الأمسية بمصر

داليا ماهر (القاهرة)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.