هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

مشروع إسباني متعثّر يُعيد الجدل حول استزراعه

ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
TT

هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)

عام 2022، أعلنت شركة «نويفا بيسكانوفا»، أكبر شركة للصيد البحري في إسبانيا، تخصيص 65 مليون يورو لإنشاء أول مزرعة أخطبوط صناعية في العالم، إلى جانب منشأة للمعالجة، بالقرب من ميناء لاس بالماس في جزر الكناري.

ورغم أنّ هذه الكائنات معروفة بصعوبة تربيتها، توقَّعت الشركة أن تتمكن، بحلول عام 2025، من إنتاج 3 آلاف طن من لحم الأخطبوط سنوياً في جزيرة غران كناريا.

وأعقب ذلك سنوات من الجدل؛ إذ ندَّد ناشطون وعلماء بخطط تربية حيوان يحظى بإشادة واسعة لما يتمتّع به من «ذكاء»، بعدما اقترب من مكانة النجوم قبل 5 أعوام، بفضل الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة «الأوسكار»، «أستاذي الأخطبوط».

وذكرت «الغارديان» أنه مع حلول نهاية يوليو (تموز) 2026، تراجعت «نويفا بيسكانوفا» عن خطط إنشاء المزرعة. فما أسباب ذلك؟ وما التداعيات المُحتملة على مستقبل صناعة تربية الأخطبوط؟

أبلغت «نويفا بيسكانوفا» هيئة ميناء جزر الكناري بأنها تنسحب من المشروع لأسباب «تجارية وتنظيمية». وفي المقابل، سارع الناشطون، الذين لطالما عارضوا مشروع المزرعة، إلى إعلان القرار انتصاراً لهم. وأكد حزب «باكما» الإسباني المعني بحقوق الحيوان في بيان: «أثمرت جهود الضغط الاجتماعي والعلمي والسياسي في مواجهة هذه الفظاعة الأخلاقية والبيئية».

وقال عالم الأحياء البحرية المشرف على أنشطة الاستزراع المائي في «نويفا بيسكانوفا»، روبرتو روميرو بيريز، في تصريح سابق: «الحقيقة أننا نجد أن الموقف أشد عداءً قليلاً ممّا توقعنا».

من جهتها، عبَّرت الصحافية في صحيفة «كانارياس7»، سيلفيا فرنانديز دياز، التي تابعت القضية منذ بدايتها، عن اعتقادها بأن الاحتجاجات ضدّ المشروع في الجزيرة لم تكن حركة جماهيرية؛ إذ نادراً ما تجاوز عدد المشاركين فيها بضع عشرات. وقالت: «في اعتقادي، الحقيقة أن مشروع المزرعة لم يُنجز لأنه غير مجدٍ، وليس بسبب الرفض الشعبي».

وفي سياق متصل، كشفت مصادر في هيئة ميناء لاس بالماس أنّ أحداً من «نويفا بيسكانوفا» لم يتواصل معها، وأنه لم تُنفذ أي أعمال لإنشاء المزرعة.

وفي السياق عينه، أكد عالم الأحياء البحرية في جامعة توهوكو باليابان، إيان جليدال، الذي أمضى 50 عاماً في دراسة الأخطبوط، أنه حاول على مدى عامين الحصول على ردّ من «نويفا بيسكانوفا» بشأن مشروع جزر الكناري، من دون جدوى.

وأشار إلى أنه «حدث الشيء نفسه هنا في اليابان، مع شركة الصيد (نيسوي). ومع أنّ الشركة ادعت أنها نجحت في حلّ المشكلة، وأنها ستنتج كميات هائلة من الأخطبوط، فإنّ ذلك لم يحدث قط.

وأوضح جليدال أنّ تربية الأخطبوط ظلَّت حتى الآن مهمّة شبه مستحيلة؛ لأنّ يرقات الأخطبوط الشائع تقضي ما لا يقلّ عن 20 يوماً طافية في الماء قبل أن تستقر في قاع البحر، ممّا يجعل الانتقال إلى المرحلة التالية أمراً صعباً. وحتى بعد ذلك، تكون صغار الأخطبوط شديدة الحساسية، ممّا يعرّضها للموت عند حدوث أي خلل.

وأضاف أنّ هناك مشكلة كبيرة أخرى تتمثّل في غذاء الأخطبوط: «أحد أنواع الغذاء معجون مصنوع من الأسماك. إلا أنه حتى لو أكل الأخطبوط هذا الغذاء، فلن يستمر في تناوله، لأنه شديد الانتقائية في طعامه؛ فهو لا يحب أن يأكل الشيء نفسه يوماً بعد يوم».

وقال: «حتى لو تمكنت من حلّ مشكلة الغذاء، فإن الاحتمال الأكبر أن تنفق على العلف أكثر من القيمة التي يمكن أن يحققها الأخطبوط في السوق».

من ناحية أخرى، ثمة اعتراضات أخلاقية على تربية الأخطبوط، تتركز حول أنّ هذه الكائنات تعيش منفردة ولا تميل إلى الاختلاط، فضلاً عن دراسات خلصت إلى وجود «أدلّة قوية» على امتلاكها القدرة على الإحساس والوعي.

وفي هذا الصدد، قال مؤلِّف كتاب «الحياة في مزرعة الأخطبوط»، ريتشارد شوايد، إن كثيراً من علماء الأحياء البحريّة يرون أن للأخطبوط ليس 9 أدمغة فحسب، وإنما عقل كذلك، مضيفاً: «هذا أمر نربطه عادةً بالكائنات الأعلى مرتبة من الثدييات، مثل الكلاب والقطط والرئيسيات والبشر».

وفكرة أنّ الأخطبوط يُشبهنا بطريقة ما، أو على الأقل يُشبه بعض حيواناتنا الأليفة، لاقت رواجاً بفضل فيلم «أستاذي الأخطبوط» لكريغ فوستر، الذي بدا فيه أن فوستر نفسه يُقيم علاقة متبادلة مع أنثى أخطبوط.

وعن ذلك، قال شوايد: «يُعدّ الأخطبوط نموذجاً مثالياً أمام البشر لإضفاء الصفات البشرية عليه، فهو ذكي جداً، وسريع الاستجابة، ومع ذلك مختلف إلى درجة يصعب معها فهمه».

وبغضّ النظر عن حقيقة أسباب توقّف المشروع الإسباني، لم ينجح أحد حتى الآن في استزراع الأخطبوط، باستثناء مشروع صغير في المكسيك استزرع نوعاً مختلفاً عن الأخطبوط الشائع (Octopus vulgaris) الموجود في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

ومع أنّ الأخطبوط يبدو في مأمن من الاستزراع حالياً، فإنّ منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تُقدّر أن نحو 370 ألف طن من الأخطبوط تُصطاد سنوياً، معظمها قبالة سواحل المغرب وموريتانيا. وتُعدّ الصين واليابان من أهم أسواق الأخطبوط، بينما تستهلك إسبانيا نحو 40 ألف طن سنوياً، أي نحو كيلوغرام واحد للفرد.

ومع ارتفاع درجة حرارة المياه عالمياً، يجد الأخطبوط طريقه إلى موائد الطعام في مناطق جديدة. فعلى سبيل المثال، شهدت المملكة المتحدة خلال العامين الماضيين أكبر ازدهار لصيد الأخطبوط منذ عام 1950.

يُذكر أنّ الأخطبوط يتميّز بنموه السريع ودورة حياته القصيرة، علاوة على أنه غني بالعناصر الغذائية ويحظى بطلب كبير، ممّا يشجع على إيجاد طرق لتربيته.

وعن ذلك، قال شوايد: «إنّ معدل تحويل ما يأكله الأخطبوط إلى لحم غني بالبروتين وقليل الدسم أفضل بكثير من أي نوع من الماشية البرّية». واستطرد: «يمكن أن يوفر الأخطبوط لحماً مستزرعاً أكثر استدامة، من الناحية البيئية، من لحم البقر أو الدواجن، وفي عالم يتأثر بارتفاع درجات الحرارة، قد يصبح خياراً مفضلاً للحوم».

وفي غضون ذلك، يُرجّح أن تبقى قوة الحجة الأخلاقية ضد تربية الأخطبوط سلاحاً قوياً في ترسانة معارضيها. وعن ذلك، قالت الناشطة في منظمة «الرحمة في الزراعة العالمية» (كمباشن إن وورلد فارمينغ)، شارلوت ريد: «الأخطبوط حيوان برّي شديد الذكاء، ويعيش بطبيعته في عزلة. هذه حيوانات برّية، ومكانها الطبيعي البرية، وليس تلك السجون تحت الماء».


مقالات ذات صلة

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

يوميات الشرق ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

فرضت السلطات النرويجية غرامةً ماليةً على شخص استخدم بوق الضباب لإيقاظ دب قطبي كان نائماً في أرخبيل سفالبارد.

«الشرق الأوسط» (سفالبارد (النرويج))
يوميات الشرق غزي وبحر في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«محمود التاني»... كوميديا شبابية تبرز التفاوت الطبقي في مصر

الفيلم كان يحتاج إلى قدر أكبر من المفاجأة والابتكار في صناعة مواقفه...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق شواطئ العلمين تجتذب العديد من السائحين (مدينة العلمين الجديدة)

روسيا تعزز حضورها السياحي في مصر برحلات مباشرة للساحل الشمالي

تشهد حركة الطيران بين روسيا ومصر نشاطاً ملحوظاً، مع تسيير رحلات مباشرة من موسكو ومدن روسية عدة إلى القاهرة، والغردقة، وشرم الشيخ

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «بنج كلي» من مسلسلات «أوف سيزون» (الملصق الترويجي للمسلسل)

الإثارة والكوميديا تسيطران على مسلسلات «الأوف سيزون» بمصر

تفرض دراما «الأوف سيزون» المصرية حضورها بمسلسلات التشويق والإثارة والكوميديا عبر المنصات الرقمية.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق ارتبط التعرض المستمر للحرارة بزيادة احتمالية الإصابة بآلام حادة (شاترستوك)

موجات الحر تزيد من شعور الكبار بالألم المزمن

كشفت الدراسة أن التعرُّض المُطوَّل للحرارة الشديدة يرتبط بزيادة الألم المزمن لدى كبار السن، خصوصاً بين الفئات الأكثر فقراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

كيف نجا ترافيس باركر من حادث طائرة «ليرجيت 60» المنكوبة؟

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
TT

كيف نجا ترافيس باركر من حادث طائرة «ليرجيت 60» المنكوبة؟

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

لم تكن العودة إلى تفاصيل ليلة الـ19 من سبتمبر (أيلول) عام 2008 مجرد استعادة لحدث عابر في حياة عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر، بل كانت أشبه بنبش في رماد محرقة كادت تبتلع حياته وحياة رفاقه، لولا العناية الإلهية التي كتبت له عُمراً جديداً من رحم الرماد والنار.

وفي وقت يستعد فيه قطاع واسع من الجمهور وصنّاع الموسيقى لمتابعة الوثائقي الجديد «ترافيس باركر: أعلى من الخوف (Travis Barker: Louder Than Fear)»، الذي بدأ عرضه على منصتَي «هولو» و«ديزني بلس» في الـ13 من أغسطس (آب) الحالي، خرج النجم العالمي بتصريحات صحافية غير مسبوقة، واصفاً تفاصيل الحادث اللعين بأنَّها ندوب أبدية محفورة في ذاكرته، مؤكداً أنَّ النيران لم تلتهم الطائرة فحسب، بل التهمت معها 65 في المائة من جسده، ليدخل في رحلة عذاب ومواجهة مع الموت امتدت لسنوات طويلة.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

وكان باركر قد عاش قرابة 13 عاماً في أسر فوبيا الطيران، رافضاً بشكل قاطع ركوب أي طائرة، ومفضِّلاً التنقل عبر السفن والبر، مما حدَّ كثيراً من جولاته الفنية العالمية، قبل أن يتمكَّن من كسر هذا القيد الحديدي بمساعدة زوجته كورتني كارداشيان.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر بمعية زوجته كورتني كارداشيان (أسوشييتد برس)

وتأتي التفاصيل الجديدة اليوم، المتزامنة مع إطلاق الوثائقي، لتعيد تسليط الضوء على تلك اللحظات المأساوية التي تفصل بين الحياة والموت في ثوانٍ معدودة، مقدمةً سرداً حياً لرحلة التعافي الجسدي والنفسي، وكيف يمكن للإنسان أن ينهض من وسط النيران ليعيد بناء حياته من جديد.

ليلة الهبوط في الجحيم والتسلسل الزمني للفاجعة

تعود وقائع الفاجعة إلى ليلة الجمعة، وتحديداً قبيل منتصف الليل، في تمام الساعة الـ11 و53 دقيقة مساءً، عندما كانت طائرة خاصة من طراز «ليرجيت 60» تستعد للإقلاع من مطار كولومبيا في ولاية كارولاينا الجنوبية، متوجهةً صوب لوس أنجليس.

وبحسب التحقيقات الرسمية، بينما كانت الطائرة تندفع على المدرج بسرعة فائقة تجاوزت 150 ميلاً في الساعة، انفجرت إطاراتها فجأة محدثة دويّاً هائلاً، مما دفع طاقم القيادة لاتخاذ قرار عاجل بإلغاء عملية الإقلاع، إلا أنَّ الوقت كان قد فات ولم تسعفهم المسافة المتبقية من المدرج، لتندفع الطائرة بسرعة جنونية خارج السياج الأمني للمطار، وتتحطَّم فوق طريق سريع مجاور، متحولةً في لمح البصر إلى كتلة مستعرة من اللهب التهمت كل شيء.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

وفي تلك اللحظات الرهيبة، تحوَّلت مقصورة الطائرة إلى زنزانة من نار، حيث روى باركر كيف قفز هو وصديقه المقرب الفنان الموسيقي الراحل «دي جي آدامز» (آدم غولدشتاين) من الطائرة وهي تتحرَّك وتشتعل، ليركضا على الأسفلت والنيران تمسك بملابسهما وأطرافهما، في مشهد هوليوودي مرعب تجسَّد على أرض الواقع، مخلفاً وراءه ألسنة لهب أضاءت عتمة الليل في كارولاينا الجنوبية، وظلت شاهدةً على واحدة من أسوأ كوارث الطيران الخاص في ذلك العام.

الفنان الموسيقي الراحل «دي جي آدامز» (آدم غولدشتاين) (ويكيبيديا)

حصيلة الدماء وأسماء في ذاكرة الغياب

أسفر الحادث الأليم فوراً عن مصرع 4 أشخاص من أصل 6 كانوا على متن الرحلة المشؤومة، حيث غيَّب الموت كلاً من رئيسة طاقم الضيافة سارة ليميل البالغة من العمر 31 عاماً، ومساعد الطيار جيمس بلاند البالغ من العمر 52 عاماً، واللذين قضيا نحبهما في قمرة القيادة نتيجة شدة الارتطام واشتعال النيران الفوري.

طائرة عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر المنكوبة (ويكيبيديا)

ولم تتوقف الحصيلة عند طاقم الطائرة، بل امتدت لتخطف أعزَّ رفاق عازف الطبول الشهير، حيث توفي مساعده الشخصي كريس بيكر عن عمر ناهز 29 عاماً، وحارسه الشخصي تشارلز ستيل البالغ من العمر 26 عاماً، واللذين لم يتمكَّنا من مغادرة الهيكل المحترق في الوقت المناسب.

ولم ينجُ من هذه المحرقة سوى ترافيس باركر وصديقه غولدشتاين، اللذين نجوا بأعجوبة وصفتها الأوساط الطبية حينها بأنها خارقة للطبيعة، غير أنَّ النجاة لم تكن نهاية المطاف بل كانت بداية لرحلة عذاب أخرى، خصوصاً أن غولدشتاين نجا من النيران لكنه لم يستطع تحمل التداعيات النفسية العميقة للصدمة، ليرحل عن عالمنا بعد عام واحد فقط، وتحديداً في عام 2009، إثر جرعة زائدة من الدواء ارتبطت بشكل وثيق بمعاناته من اضطرابات ما بعد الصدمة، مما ترك باركر وحيداً في مواجهة عقدة ذنب الناجي.

رحلة العذاب الطبوغرافي و27 جراحة

تحدَّث باركر بكثير من الشجن والألم عن الجروح الجسدية التي خلَّفها الحادث، موضحاً أنَّ النيران التهمت 65 في المائة من جسده، مصيبةً إياه بحروق شديدة من الدرجتين الثانية والثالثة، الأمر الذي تطلب أن يمكث طويلاً في المستشفى ومركز الحروق المتخصص، تجاوز 4 أشهر كاملة قضى معظمها تحت تأثير المخدر القوي والأجهزة الطبية.

وخلال تلك الفترة العصيبة، خضع الموسيقي لـ27 عملية جراحية معقَّدة لإعادة بناء الجلد وترقيع الأنسجة التالفة، حيث كان الأطباء يسابقون الزمن لإنقاذ أطرافه من البتر ومكافحة الالتهابات الحادة التي هدَّدت حياته في أكثر من مناسبة.

ولم تقتصر المعاناة على المشرط والجراحة، بل تعدتها إلى جحيم نفسي وعلاجات مكثفة للتصالح مع شكل جسده الجديد ومعايشة الفقد الكبير لأصدقائه، حيث أكد باركر في تصريحاته الجديدة للوثائقي أنَّ الندوب النفسية كانت أعمق بكثير من تلك المحفورة على جلده، وأنَّ تجاوز تلك المرحلة تطلب إرادةً فولاذيةً ودعماً عائلياً غير مشروط، ليتحوَّل اليوم من مجرد ضحية لحادث طيران إلى رمز حي للقدرة على النجاة والتعافي والانتصار على الخوف مهما بلغت شدته.


أحمد عبد العزيز: أحلم بتجسيد السادات... والمسرح المصري «يمرض ولا يموت»

تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
TT

أحمد عبد العزيز: أحلم بتجسيد السادات... والمسرح المصري «يمرض ولا يموت»

تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)

قال الفنان المصري أحمد عبد العزيز إنّ أبرز المسرحيات التي قدَّمها على مدار مشواره الفني لم تحظَ بفرصة للتصوير أو التوثيق اللازم، مؤكداً، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن عدم تصوير عروض عدة له ولزملائه من الفنانين أثَّر بشكل كبير في عملية التأريخ والأرشفة. كما تحدَّث عن تفاصيل إتقانه الشخصية الصعيدية، وعلاقته بمواقع التواصل الاجتماعي، ورغبته في تقديم شخصية الرئيس الراحل أنور السادات درامياً.

واستعاد أبرز المسرحيات التي قدَّمها، بعدما كُرِّم في الدورة الـ19 من «المهرجان القومي للمسرح المصري»، لافتاً إلى أنه بدأ مشواره المسرحي في مرحلة الطفولة، وامتد إلى المدرسة والجامعة، ثم «أكاديمية الفنون»، وبعدها مسرح «الطليعة» محترفاً. وأضاف: «في سنوات الدراسة الأولى قدّمتُ كثيراً من الأعمال، أبرزها أوبريت (موكب النصر)، وأوبريت (رمضان جانا)، ومسرحية (ثمن الحرية)».

وخلال سنوات الدراسة الجامعية والأكاديمية، قدَّم أحمد عبد العزيز مسرحيات عدة، من بينها «المنصورة واحد» ممثلاً، فيما أخرج «المخطّطين»، و«سور الصين العظيم»، و«سمك عسير الهضم»، و«عريس لبنت السلطان»، و«الابن الضال»، و«ميديا». وفي مسرح «الطليعة»، قدَّم «المغنية الصلعاء»، و«الواغش»، و«مسافر الظهر»، إلى جانب إخراجه مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور.

وأكد أنّ عدم تصوير بعض المسرحيات للعرض التلفزيوني كان سبباً في طمس مشوار مسرحي مهم، مضيفاً: «عدم التصوير، خصوصاً في عقدي الستينات والسبعينات، حين كان التصوير أمراً صعباً وليس كما هو في هذه الأيام، أثر سلباً بشكل كبير في تاريخ المسرح المصري وأرشيفه».

أحمد عبد العزيز قدَّم عدداً من الأعمال المسرحية (الشرق الأوسط)

وتابع: «هناك أعمال مسرحية مهمة عُرضت ولم تُصوَّر، سواء في المسرح الجامعي هاوياً أو في مسرح الدولة محترفاً، مثل (سمك عسير الهضم)، و(ميديا)، ثم (مأساة الحلاج). وبالنسبة إلى كثير من زملائي الفنانين، هناك أعمال كثيرة لم تنل حظها ولم تُصوَّر، مما أثر تأثيراً بالغاً في عملية التأريخ والأرشفة».

وعن رأيه في حال المسرح المصري راهناً في القطاعين العام والخاص، قال أحمد عبد العزيز: «من خلال متابعتي حركة المسرح في مصر خلال 50 عاماً، أرى أن المسرح المصري يمرض ولا يموت. فهو يمر بمراحل من الأزمات، وأخرى من الازدهار، وأخرى بين هذا وذاك. ولذلك أعتقد أنه آن الأوان لتهتمّ الدولة به، خصوصاً المسرح المدرسي، بوصفه رافداً مهماً في تغذية الحركة المسرحية».

الفنان المصري أحمد عبد العزيز يستعيد 50 عاماً مع المسرح (الشرق الأوسط)

وأكد الفنان المصري أن مشواره في الدراما التلفزيونية وتألقه فيها لسنوات طويلة لم يكونا على حساب وجوده بكثافة في المسرح والسينما، مضيفاً: «لست نادماً على وجودي الطاغي في التلفزيون، فكل هذه الوسائط الفنية تصبّ في مصلحة الفنّ والتأثير في الجمهور بشكل أو بآخر».

وعن تحضيراته وبراعته في تقديم الشخصية الصعيدية في كثير من الأعمال، قال: «في بداية مشواري، درستُ وحضّرت كثيراً للشخصية الصعيدية، خصوصاً خلال الإعداد لفيلم (الطوق والأسورة) في الأقصر عام 1985، حيث عكفنا على دراسة الشخصية واللهجة الصعيدية، وعادات المجتمع الصعيدي بشكل عام، والملابس على اختلاف محافظات الوجه القبلي. ثم بعد ذلك لم أكن بحاجة إلى تكرار هذه الدراسة عند تقديم أي شخصية صعيدية أخرى».

جانب من تكريم الفنان أحمد عبد العزيز (الشرق الأوسط)

وقدَّم أحمد عبد العزيز خلال مشواره الفني السيرة الذاتية لشخصيات تاريخية، مثل الإمام محمد عبده، لكنه لا يزال يحلم بتقديم سيرة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في دراما تلفزيونية طويلة، وفق قوله.

وفي حال اختياره لتقديم جزء جديد من مسلسلي «المال والبنون» أو «ذئاب الجبل»، علَّق: «لا أعتقد أن هناك امتداداً درامياً لأحداث (ذئاب الجبل)، ولكن الأمر يختلف بالنسبة إلى (المال والبنون)؛ لذلك هو الأقرب إلى وجود جزء آخر».

وإلى جانب مشواره المسرحي، قدَّم بطولات درامية تلفزيونية، من بينها «الوسية»، و«المال والبنون»، و«ذئاب الجبل»، و«الفرسان»، و«من الذي لا يحب فاطمة»، و«السيرة الهلالية»، و«سوق العصر». وفي السينما، قدَّم أفلاماً مثل «حارة برجوان»، و«القانون لا يعرف الحب»، و«المتهمون»، و«السياسي»، و«الشرسة»، و«الذئب»، و«حكمت فهمي»، إلى جانب عدد من السهرات التلفزيونية والمسلسلات الإذاعية.


محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
TT

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

تتكدَّس أجساد الدمى وأطرافها داخل لوحات محمد سهيل كما لو أنَّها نجت لتوّها من انفجار، ثم عادت فحاولت الانتظام في حياة جديدة. يستحضر الفنان العراقي الشاب محمد سهيل في معرضه «Altruism» عالم الطفولة، من خلال مفرداته المألوفة، من الدمى والألعاب والأجساد المصغَّرة والألوان، ثم يُعيد تركيبها وقد دخل عليها الخوف والعنف وذاكرة لا تنفصل عن الحرب.

أجساد تستعير من الآخر ما يُعيدها إلى الحياة (الشرق الأوسط)

وسط هذا الزحام تظهر الأرجل والأذرع المبتورة، دمى ناقصة وأخرى مركَّبة، أسلحة بلاستيكية، سيارات عسكرية، قنابل، سكاكين، سيارة إسعاف، وكوفية تتكرَّر لتصبح أرضية حاضنة للمشهد. كلّ شيء يبدو عادياً في البداية، ثم يتبدَّل مع طول النظر.

ينطلق سهيل المولود عام 2000 والمتخرّج في كلّية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 2023، من واقعية دقيقة لا تستخدم الإتقان التقني لطمأنة العين. على العكس، كلّما ازداد سطح الدمية لمعاناً ونعومة، ازدادت المفارقة قسوةً. هذه ألعاب يُفتَرض أن تنتمي إلى عالم اللهو، لكنها تحمل آثار الحرب والفَقْد والجسد الذي تعرَّض للنقص ومحاولة ترميم ما انكسر. وهو ابن العراق، لذلك يصعب فصل هذه الصور عن بلد خبرت أجياله الحرب منذ طفولتها، من دون أن تتحوّل اللوحات إلى سرد سياسي صريح أو شهادة توثيقية.

الأرزة تحية للمدينة التي تستقبل تجربة الفنان العراقي الشاب (الشرق الأوسط)

تتشكّل الفكرة المركزية للمعرض حول ما يُسميه المشروع «Cyborg Empathy». ومفهوم «السايبورغ»، الذي ظهر مصطلحه عام 1960، يُشير أساساً إلى كائن يجمع في جسده أجزاءً عضوية وأخرى اصطناعية تساعده على تجاوز حدود الجسد وقدراته. يستعير سهيل هذه الفكرة، ثم ينقلها من علاقة الإنسان بالآلة إلى علاقة الإنسان بالإنسان.

الطرف الاصطناعي بالمعرض ليس قطعة تكنولوجية باردة، والالتحام لا يحدُث بين معدن ولحم. نرى أجساداً تحمل أطرافاً تختلف ألوان بشرتها عن لون الجسد الذي التحقت به. ذراع داكنة في جسد فاتح أو جزء فاتح يستكمل جسداً أسمر. الاختلاف مُتعمَّد، ومنه تستمدّ هذه الأجساد معناها الأخلاقي والفكري، إذ يغدو اكتمال الجسد ممكناً من خلال الآخر.

الجسد يحتفظ بلون مَن أكمله (الشرق الأوسط)

هكذا تصبح البشرة، بدلاً من أن تفصل جسداً عن آخر، أثراً لِما جمع بينهما. لا يُحاول سهيل إخفاء الفارق اللوني كي يوهمنا بأنَّ الجسد «عاد كما كان». يترك أثر الاختلاف ظاهراً، لأنَّ النجاة ينبغي ألا تمحو تاريخ الجرح ولا هوية مَن منح جزءاً من نفسه. الطرف الجديد لا يُطابِق صاحبه لكنه يُنقذه من النقص. وفي هذا الخلل المرئي تنشأ صورة أكثر اتّساعاً للإنسان، يصبح فيها اكتمال الجسد فعلاً من أفعال الأخذ والعطاء، واعترافاً بأنَّ ما ينقص فرداً قد يمنحه إياه جسد آخر، بلون آخر ومن مكان آخر.

يضع مؤسِّس الغاليري الذي يستضيف الأعمال، كليم بشارة (منطقة ستاركو في بيروت)، «الإيثار» ضمن هذه الرؤية. يتحدَّث في تقديمه للمعرض عن خيار واعٍ يرتكز على رؤية معاناة الآخرين والشعور بالمسؤولية تجاهها. في اللوحات، يأخذ التضامن شكلاً محسوساً يتجاوز الفكرة المجرّدة. إنها تمنحه لحماً وأطرافاً وندوباً وخِياطة ظاهرة. يتحوّل التعاطف إلى عملية جسدية تقريباً. إلى انتقال جزء من إنسان ليستمرَّ إنسانٌ آخر.

اللعب وقد مرَّت عليها الحرب (الشرق الأوسط)

يحضر هذا المعنى أيضاً في الكوفية التي تتكرَّر في اللوحات، ويرى فيها الفنان علامةً على الهوية العربية. تظهر خلف الدمى والأجساد مثل خيط يمنح المشهد مرجعيّته العربية ويصل بين عناصره المختلفة. فوقها تلتقي ألعابٌ تنتمي إلى ثقافات وألوان وطفولات مختلفة لتصبح الهوية مساحة تجمع الاختلاف وتحتويه. ومع دخول الأسلحة البلاستيكية إلى اللوحة، تتغيَّر دلالة اللعب. فالأشياء التي تنتمي إلى عالم الطفل تختلط بالبنادق والقنابل والدبابات، ويصبح اللعب حاملاً لصور العنف التي فرضتها الحرب على مخيّلة الطفولة.

ففي إحدى اللوحات تظهر «ميني ماوس» جريحة ومضمَّدة، وفي أخرى تحضر الدمى إلى جانب قنبلة أو بندقية أو دبابة. الجرح يُصيب حتى الشخصيات التي صنعتها الثقافة الشعبية كي تكون مُبهِجة وآمنة، لتكشف المفارقة كيف امتدَّت صُوَر الحرب إلى عالم اللعب وأصبحت جزءاً من ذاكرته البصرية.

طفولة خرجت من الحرب بضمّاداتها (الشرق الأوسط)

وفي لوحة «Beirut Girl»، تحمل الدمية الأرزة اللبنانية على ثوبها، في إشارة مباشرة إلى المدينة التي تستقبل تجربة محمد سهيل للمرة الأولى. ويكتسب عرض أعمال فنان عراقي شاب في بيروت دلالةً تتّصل بما عاشته المدينتان من حروب وخسارات، وبقدرتهما المستمرّة على استعادة الحياة. عبرها، تأتي النجاة من واقع تعرفه بغداد كما تعرفه بيروت، ويمنح الفنّ لذاكرتين مُثقَلتين بالعنف فرصة اللقاء من دون أن تفقد أي منهما خصوصيتها.

اللعبة التي وُلدت للفرح تجد نفسها محاطةً بمفردات الحرب (الشرق الأوسط)

وتبدو لوحات «Altruism» مجتمعةً كأنَّها أجزاء من مشهد واحد تتّصل عناصره ودلالاته من عمل إلى آخر. إنها عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص. يرسم محمد سهيل واقعاً مرَّت الحرب فوق أجساده وتركت فيها ما لا يمكن محوه. شيء منها فُقِد، وشيء آخر جاء ليملأ الفراغ، فيما بقي أثر القِطَع ظاهراً ليشهد على الحكاية. فالجسد الذي عَبَرَ الكارثة لا يعود مُطالَباً باستعادة صورته السابقة. له أن يقبل شكله الجديد من دون خجل، ويحمل نقصه كما يحمل ما وهبه الآخرون له. عندها يتغيَّر معنى الاكتمال، ويستعيد الإنسان قدرته على مواصلة الحياة حتى وهو يحمل الدليل على أنه احتاج يوماً إلى إنسان آخر.