بدأ كل شيء برسالة نصية خلال كأس العالم. كان أرطغرل دوغان، رئيس طرابزون سبور، يتابع منتخب مصر عندما أمسك هاتفه وأرسل إلى مدرب الفريق فاتح تكه: «كابتن، هل تريد محمد صلاح؟».
جاء رد تكه بحماس فوري، إلا أن التحركات الأولى لطرابزون سبور نحو صلاح بقيت بعيدة عن الأنظار. ولأسابيع، بدا بشكتاش الأقرب للحصول على خدمات مهاجم ليفربول السابق، في ظل الهيمنة المالية والثقافية التاريخية للثلاثي الكبير في إسطنبول؛ غلاطة سراي وفنربخشة وبشكتاش، على أبرز صفقات الدوري التركي.

إسطنبول ليست عاصمة تركيا، إلا أنها القلب المالي والثقافي والتجاري بلا منازع للبلاد والمنطقة المحيطة بها. لذلك كان قرار صلاح اختيار طرابزون سبور مفاجأة كبيرة.
ولا يمكن اعتبار طرابزون سبور نادياً صغيراً، فهو يشكل مع أندية إسطنبول الثلاثة ما يعرف تاريخياً بـ«الأربعة الكبار» في تركيا. غير أن مدينة طرابزون الساحلية على البحر الأسود لا تملك نمط الحياة العالمي الذي توفره إسطنبول. وفي المقابل، تملك شيئاً مختلفاً: الولاء المطلق لكرة القدم.
ففي الوقت الذي تفتقر فيه مدن تركية كثيرة إلى هوية كروية محلية قوية، ويميل سكانها إلى تشجيع أحد أندية إسطنبول الكبرى من بعيد، تمثل طرابزون استثناءً واضحاً، إذ تعيش المنطقة بأكملها على إيقاع فريقها.

ويمكن تشبيه طرابزون بمدينة نيوكاسل الإنجليزية؛ مدينة عمالية فخورة تقع في شمال شرقي البلاد، تحمل تاريخاً صناعياً وبحرياً، وترتبط ارتباطاً عميقاً بناديها، بينما تحاول بناء هوية جديدة تتلاءم مع العالم الحديث.
ووضع وصول صلاح مدينة تشعر في كثير من الأحيان بأنها بعيدة سياسياً وجغرافياً عن المركز تحت الأضواء العالمية. فالصفقة بالنسبة إلى طرابزون تتجاوز كرة القدم، في وقت تسعى فيه المدينة إلى تنشيط دورها مركزاً للتجارة البحرية والسياحة والخدمات اللوجستية، ويمنحها وصول النجم المصري حضوراً عالمياً غير مسبوق.

وجسدت المشاهد الصاخبة في مطار طرابزون، الأربعاء، حجم الحماس. فقد حول المشجعون محيط المطار إلى بحر من الشعلات الحمراء، قبل أن يحتشد عشرات الآلاف في ملعب بابارا بارك لحضور مراسم تقديم صلاح.
وكان بإمكان اللاعب المصري قبول عروض مالية جيدة من الدوري الأميركي ودوريات كبيرة أخرى، غير أن الثقافة الجماهيرية هناك لا تضاهي، بحسب «الغارديان»، ما وجده في طرابزون. كما أن صلاح، البالغ 34 عاماً، سيواصل اللعب في مسابقة تنافسية ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي، بينما يحتاج طرابزون سبور فقط إلى تجاوز الأدوار الفاصلة للوصول إلى المرحلة الرئيسية للدوري الأوروبي.

وقال صلاح أمام الجماهير خلال تقديمه: «أرى استقبالاً كهذا للمرة الأولى في حياتي. جئت إلى هنا من أجل الفوز بالبطولات. أنا هنا لجلب الألقاب لهذا النادي».
ولطالما أدى طرابزون سبور دور المتمرد على هيمنة إسطنبول في كرة القدم التركية. فقد كسر احتكار أنديتها في سبعينات القرن الماضي، وكان آخر تتويج له بالدوري في موسم 2021-2022. ومع ذلك، لم يسبق لنجم بحجم صلاح أن رفض إسطنبول من أجل الانتقال إلى طرابزون.
ويأتي انتقاله في مرحلة تشهد فيها الكرة التركية انتعاشاً لافتاً. فقد انضم لياندرو تروسارد إلى بشكتاش بعد موسم توج خلاله بالدوري مع آرسنال، بينما يواصل فيكتور أوسيمين قيادة هجوم غلاطة سراي، وأصبح ناثان آكي وماسون غرينوود ضمن صفوف فنربخشة. كما تواصل تركيا إنتاج مواهب بارزة، يتقدمها أردا غولر مع ريال مدريد وفيردي كاديوغلو مع برايتون.
وأدار طرابزون سبور مفاوضاته مع صلاح بعيداً عن الأضواء، مستعيناً بجناحه السابق محمود حسن (تريزيغيه) للقيام بدور محوري خلف الكواليس. وكان زميل صلاح في المنتخب المصري يتحدث معه يومياً في محاولة لإقناعه بالتفكير جدياً في الانتقال.

وكان للجانب الثقافي تأثير أيضاً؛ فالانتقال إلى بلد ذي أغلبية مسلمة ويوفر أجواء مرحبة يمكن لصلاح وعائلته التأقلم معها سريعاً، شكل عنصراً إضافياً في القرار.
ووقع صلاح عقداً لمدة عامين حتى يونيو (حزيران) 2028، وكشف طرابزون سبور التفاصيل المالية عبر منصة الإفصاح العام التركية. وسيحصل اللاعب على راتب أساسي يبلغ 10 ملايين يورو سنوياً، إلى جانب مكافأة توقيع مضمونة قيمتها 7 ملايين يورو كل عام، لترتفع حصيلته إلى 17 مليون يورو في الموسم، أي 34 مليوناً صافية خلال عامين.
ونظراً إلى أن الرواتب في تركيا تُدفع صافية ويتحمل النادي الالتزامات الضريبية، فإن ما سيحصل عليه صلاح فعلياً يزيد بنحو 50 في المائة على عقده الأخير مع ليفربول.
ويتضمن الاتفاق أيضاً مكافآت مرتبطة بالأداء، وعمولة لوكيل اللاعب تبلغ 5 في المائة من إجمالي الأجور، إلى جانب اتفاق استثنائي لحقوق الصورة يمنح صلاح 20 في المائة من مبيعات المنتجات الشخصية المرتبطة به عبر شبكة متاجر النادي الرسمية.

ولم يتأخر العائد التجاري للصفقة. ففي غضون 24 ساعة من وصول صلاح، باع طرابزون سبور أكثر من 17 ألف تذكرة موسمية، بعائدات بلغت 11 مليون جنيه إسترليني. وأكد الرئيس دوغان أن الإيرادات المتوقعة من التذاكر والرعايات والمنتجات خلال فترة وجود صلاح قد تقترب من 22 مليون جنيه إسترليني، بما يجعل الصفقة تمول نفسها عملياً.
وفي الوقت نفسه، لم يغامر طرابزون سبور بما يتجاوز قدرته المالية، إذ جمع نحو 95 مليون يورو من بيع اللاعبين منذ الموسم الماضي، مما يجعل تكلفة الصفقة قابلة للإدارة.
وينضم صلاح إلى فريق يسير في اتجاه تصاعدي تحت قيادة فاتح تكه. فعندما تولى المدرب المسؤولية في مارس (آذار) 2025، كان طرابزون سبور في المركز الثالث عشر، قبل أن ينتفض وينهي الموسم ثالثاً بفارق ثماني نقاط فقط عن البطل غلاطة سراي، إضافة إلى تتويجه بكأس تركيا.

وعزز تكه فريقه بالمدافع جنك أوزكاجار القادم من فالنسيا، والحارس أندريه أونانا المعار من مانشستر يونايتد، بينما يجري النادي محادثات للتعاقد مع داروين نونيز.
وسيرتدي صلاح قميصه المفضل رقم 10 مع فريق يعيش مرحلة صعود، غير أن المهمة لن تكون سهلة. فقد أحرز غلاطة سراي لقب الدوري أربعة مواسم متتالية، بينما أنفق بشكتاش وفنربخشة بسخاء خلال سوق الانتقالات الصيفية.

ويأمل طرابزون سبور أن يكون وصول صلاح الشرارة التي تغير موازين المنافسة المحلية، إلا أن قيمة الصفقة بالنسبة إلى طرابزون ومنطقة شرق البحر الأسود تتجاوز النتائج والألقاب.
فبعد عقود من هيمنة إسطنبول، تراهن المدينة على أن يكون النجم المصري رمزاً لمرحلة جديدة، وأن تبدأ «عاصفة البحر الأسود» في تغيير اتجاه كرة القدم التركية من جديد.
* «خدمة الغاردان»
