«هل لاحظت وجودي؟!»... دعوة لاقتناص السعادة وسط هموم الحياة

معرض للفنانة المصرية فرح سلامة بمتحف أحمد شوقي

فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)
فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)
TT

«هل لاحظت وجودي؟!»... دعوة لاقتناص السعادة وسط هموم الحياة

فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)
فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)

يُجسِّد عنوان معرض الفنانة المصرية الشابة فرح سلامة، «هل لاحظت وجودي؟»، واقع الإنسان الذي قد يعيش سنوات طويلة بين الناس، فيما تبقى مشاعره ومخاوفه وأعباؤه مختبئة خلف طبقات لا يراها أحد، وربما لا يشعر أحد بوجوده هو نفسه.

في معرض فرح، المقام في مركز «كرمة ابن هانئ» داخل متحف أحمد شوقي، والمستمر حتى 15 أغسطس (آب) الحالي، لا ينبغي أن تبحث عن الإبهار البصري بقدر ما عليك اغتنام ما يتيحه أمامك من سكون ومساحة للتأمل.

ذلك أن كل لوحة تبدو كأنها محطة من محطات الحياة اليومية؛ لقاء عابر، أو وجع صامت، أو ذكرى لم تكتمل، أو محاولة جديدة للخروج من منطقة الاختباء إلى فضاء أكثر اتساعاً.

الفنانة الشابة فرح سلامة (الشرق الأوسط)

وعلى الرغم من تنوع مفردات المعرض، تبقى السمكة بطلة المشهد؛ فهي لا تظهر بوصفها كائناً مائياً فحسب، بل تتحول إلى سيرة ذاتية مرسومة، وإلى مرآة يمكن أن يرى فيها كل متلقٍّ شيئاً من نفسه.

ويتلاقى ذلك مع رؤية عالم النفس السويسري كارل يونغ إلى السمكة بوصفها أحد أقدم رموز اللاوعي. ففي لوحات فرح، تُصبح السمكة جزءاً لا يتجزأ من العمل، كاشفةً عن معانٍ رمزية عميقة تتشابك مع الذات والثقافة.

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «لم يكن اختياري السمكة، تحديداً، رمزاً أساسياً في معظم الأعمال وليد المصادفة؛ بل لأنها تُعبِّر عن ذاتي، وفي الوقت نفسه يمكن لأي شخص أن يجد نفسه فيها، حتى لو كان ذلك لا شعورياً».

وتشير إلى الحضور البارز للسمكة في الحضارات، لا سيما الحضارة المصرية القديمة، وإلى تحوُّلها إلى رمز متكرر في تاريخ الفن على مر عصوره.

وتوضح فرح: «استطعت التعبير، من خلال السمكة، عما يختلج في داخلي؛ فهي تشكّل اللغة التي أقول بها ما يصعب شرحه بالكلمات».

تسبح الأسماك في أعمالها، التي تتجاوز العشرين لوحة، لكنها لا تكون دائماً مرئية؛ فأحياناً تتوارى بين عناصر اللوحة، وأحياناً أخرى لا تشغل سوى مساحة صغيرة، رغم أنها مركز الحكاية كلها.

اللفائف ترمز إلى أشياء كثيرة تحاصر الإنسان المعاصر (الشرق الأوسط)

وتكتسب هذه الفكرة بُعداً أكثر وضوحاً في لوحة «الرحيل»، التي اختارتها الفنانة ملصقاً للمعرض؛ إذ تظهر فيها سمكة ملفوفة إلى جوار شخص يبدو جزء من جسده مغطى بالطريقة نفسها. ويبرز جزء من جسم السمكة مجسّماً، باستخدام مادة الفوم، وخارجاً من إطار اللوحة، وهو أسلوب تكرر في عمل آخر، في إشارة إلى تأكيد الحضور رغم عدم اعتراف البعض به.

وتتكرر فوق أجساد تلك الأسماك لفائف من القماش، حتى تبدو أحياناً كأنها مومياوات خرجت من زمن بعيد، أو أجساداً تنتظر طقساً أخيراً من طقوس الوداع. غير أن هذا الالتفاف لا يحيل إلى الموت بقدر ما يشير إلى ما يثقل كاهل الإنسان في حياته.

ووفق رؤيتها، فإن «اللفائف ترمز إلى أشياء كثيرة تحاصرنا وتضيِّق الخناق علينا، وتوقفنا وتجعلنا نتراجع خطوات إلى الوراء، لكنها لا ينبغي أن تدفعنا إلى الخوف من المواجهة أو من إثبات حضورنا في الحياة».

وبين اللفائف والأسماك، يبدو الإنسان في أعمال سلامة محاصراً بما يختاره أحياناً، وبما يُفرض عليه أحياناً أخرى. وقد تكون تلك الأغطية أوهاماً، أو ضغوطاً، أو أقنعة اعتاد ارتداءها حتى أصبحت جزءاً منه.

البلياتشو رمز للحزن المختبئ (الشرق الأوسط)

ولعل أكثر الشخصيات تعبيراً عن هذه الفكرة شخصية «البلياتشو»، التي يتكرر حضورها في عدد من اللوحات؛ فهو لا يأتي شخصية مرحة، بل رمزاً لذلك الإنسان الذي يبتسم، في حين يحمل في داخله ما لا يراه الآخرون.

تقول الفنانة: «يُضحك البلياتشو الناس، لكننا لا نعرف ما يجري في حياته، ولا حجم الحزن الذي يخفيه؛ فليس بالضرورة أن يكون سعيداً كما يبدو».

وتضيف أن هذه الشخصية تمنحها حرية كبيرة في الرسم؛ لأنها تمثل حالة إنسانية يعيشها الجميع بدرجات متفاوتة؛ حالة يحاول فيها المرء أن يبدو بخير، فيما يخوض في داخله معركة لا يسمع صوتها أحد.

وفي السياق نفسه، تحتفي الأعمال بالملجأ النفسي الذي توفره ذكريات الطفولة. فعلى سبيل المثال، تواصل القوارب الورقية في أعمال سلامة الإبحار نيابة عنا، حاملة معها بهجة اللعب وآفاق الخيال اللامتناهية.

وباستحضار تلك الذكريات، نتحرر للحظات من هموم الحياة المعاصرة وسرعتها وضجيجها، ونتواصل من جديد مع نوع من السعادة لا يناله إلا من يمنح نفسه فرصة لإحياء قدرته على التأمل والدهشة.

تقول فرح: «تمنحني المراكب الورقية إحساساً كبيراً بالحرية؛ فكلنا صنعناها في طفولتنا، وهي خفيفة جداً، ويمكن وضعها في أي مكان لتنطلق. هذا الإحساس بالانسياب هو ما يشغلني أكثر من فكرة البحر نفسها».

ولا تنشغل سلامة كثيراً بتحديد المدرسة الفنية التي تنتمي إليها أعمالها؛ فلوحاتها تتحرك بحرية بين الواقع والسريالية، وتجمع بين الشخوص والرموز، وبين الخيال وتفاصيل الحياة اليومية.

عيون الأسماك ونظراتها لا تبدو تفصيلاً تشكيلياً عابراً (الشرق الأوسط)

وحتى عيون الأسماك ونظراتها لا تبدو تفصيلاً تشكيلياً عابراً، بل تتحول إلى لغة كاملة؛ فهي تحدّق في المشاهد كما لو كانت تريد أن تتحدث، فيما تغيب تماماً في بعض اللوحات.

تقول: «اعتدنا أن تكون العيون وسيلة للتعبير لدى البشر، لكنني أحببت أن تتكلم السمكة أيضاً. ففي بعض الأعمال استخدمت عيناً أكثر واقعية؛ لأنني شعرت بأنني بدأت أتحدث عن نفسي بصورة مباشرة، فيما أخفيت العين في لوحة أخرى لأنها كانت سمكة خفية».

وبين سمكة تتوارى داخل اللوحة، و«بلياتشو» يخفي حزنه خلف ابتسامته، وقارب ورقي يواصل الإبحار في ذاكرة الطفولة، تنجح فرح عمرو سلامة في تحويل سؤال معرضها إلى تجربة وجدانية تتجاوز كونه مجرد عنوان فني.


مقالات ذات صلة

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق القاهرة التاريخية تجلَّت في المعرض (الشرق الأوسط)

«نوستالجيا»... معرض قاهري يغازل النيل والقاهرة التاريخية

من وحي الذكريات؛ يطلق الفنان المصري المقيم في إيطاليا، جمال مليكة، معرضه الأحدث الذي اختار له عنوان «نوستالجيا».

محمد الكفراوي (القاهرة)

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.