السعودية تتصدر «أولمبياد العلوم النووية»... وتنال لقب «سفير»

حصدت 4 جوائز دولية وسط منافسة 120 طالباً من 19 دولة

عبد العزيز الكريديس يتوّج الطالب السعودي أمجد آل درويش بالمركز الأول في «أولمبياد العلوم النووية الدولي» (واس)
عبد العزيز الكريديس يتوّج الطالب السعودي أمجد آل درويش بالمركز الأول في «أولمبياد العلوم النووية الدولي» (واس)
TT

السعودية تتصدر «أولمبياد العلوم النووية»... وتنال لقب «سفير»

عبد العزيز الكريديس يتوّج الطالب السعودي أمجد آل درويش بالمركز الأول في «أولمبياد العلوم النووية الدولي» (واس)
عبد العزيز الكريديس يتوّج الطالب السعودي أمجد آل درويش بالمركز الأول في «أولمبياد العلوم النووية الدولي» (واس)

تصدرت السعودية نتائج النسخة الثالثة من أولمبياد العلوم النووية الدولي «إنسو 2026»، محققةً المركز الأول ولقب «سفير العلوم النووية»، إلى جانب 4 جوائز دولية خلال المنافسات التي استضافتها جامعة الملك عبد العزيز في جدة، واختتمت أعمالها السبت.

ونالت السعودية ميداليتين ذهبيتين، وواحدة فضية، وأخرى برونزية، في إنجاز دولي جديد يعزز حضورها في المنافسات العلمية العالمية، ويؤكد تميز طلبتها في مجالات العلوم والتقنيات المتقدمة في الأولمبياد الذي شارك فيه 120 طالباً ومختصاً علمياً من 19 دولة خلال الفترة من 2 حتى 9 أغسطس (آب) الحالي.

وتُوّج الطالب السعودي أمجد آل درويش بالمركز الأول والميدالية الذهبية في الأولمبياد، كما حصد لقب «سفير العلوم النووية»، بعد تحقيقه أعلى مجموع في الاختبارين النظري والعملي بين المتنافسين.

كما حققت الطالبة جنى السبيل الميدالية الذهبية وفازت بجائزة أفضل طالبة في الأولمبياد المقدمة من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية». في حين حقق الطالب عبد العزيز الشريط الميدالية الفضية، وحاز الطالب صالح الحربي الميدالية البرونزية.

من جانبه، أكد عبد العزيز الكريديس الأمين العام لمؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع (موهبة)، أن هذا الإنجاز يأتي امتداداً للدعم والرعاية اللذين يحظى بهما أبناء وبنات الوطن من القيادة السعودية، وحرصها على الاستثمار في المواطن، وتنمية قدراته، وتمكينه من المنافسة عالمياً في المجالات العلمية ذات الأولوية، بما يعزز إسهامه في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

وثمّن الكريديس الشراكة الاستراتيجية مع وزارة التعليم، وما أثمرته من تكامل في اكتشاف الطلبة الموهوبين ورعايتهم وإعدادهم للمنافسات العلمية الدولية، مشيداً أيضاً بالشراكة مع مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، وجامعة الملك عبد العزيز، وجهود جميع الجهات واللجان الوطنية التي أسهمت في تنظيم واستضافة الأولمبياد.

 

الطلبة السعوديون الفائزون في الأولمبياد أمجد آل درويش وجنى السبيل وعبد العزيز الشريط وصالح الحربي (موهبة)

وأشار إلى أن نجاح المملكة في استضافة هذا الحدث الدولي، بالتزامن مع تصدر طلبتها نتائجه، يعكس تطور منظومة الموهبة والإبداع في المملكة، وكفاءة برامج إعداد المنتخبات العلمية الوطنية، إلى جانب ما تمتلكه المملكة من قدرات تنظيمية تؤهلها لاستضافة أبرز المحافل العلمية الدولية وفق أعلى المعايير.

وبيّن الكريديس أن تحقيق المركز الأول في تخصص علمي دقيق كالعلوم النووية يؤكد قدرة الطلبة السعوديين على المنافسة في المجالات العلمية المتقدمة، ويسهم في بناء قاعدة وطنية من الكفاءات البشرية المؤهلة للإسهام في مستقبل العلوم والتقنيات وتطبيقاتها السلمية، بما يواكب مستهدفات «رؤية السعودية 2030».

ويأتي الإنجاز ثمرة برامج إعداد وتأهيل علمية مكثفة نفذتها «موهبة» بالشراكة مع وزارة التعليم، تضمنت برامج تدريبية متخصصة لتنمية معارف الطلبة في العلوم النووية، وتطوير مهاراتهم في التحليل والاستدلال وحل المسائل العلمية المتقدمة، ورفع مستوى جاهزيتهم للمنافسة الدولية.

ويُعد أولمبياد العلوم النووية الدولي، الذي أقرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2024، منافسة علمية دولية تهدف إلى تنمية معارف الطلبة ومهاراتهم في العلوم النووية وتطبيقاتها السلمية، وتشجيع الأجيال الشابة على التخصص في المجالات العلمية المرتبطة بها، إلى جانب تعزيز التبادل العلمي والثقافي بين الطلبة من مختلف دول العالم.

واستضافت المملكة النسخة الثالثة من الأولمبياد للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط، حيث أقيم بتنظيم مشترك بين وزارة التعليم، ومؤسسة «موهبة»، ومدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، وذلك تحت شعار «عقول متوهجة لمستقبل واعد».


مقالات ذات صلة

وكالة الطاقة الدولية تخفض توقعاتها لإمدادات النفط في 2026 جراء الحرب

الاقتصاد حفارات نفط تعمل في حقل بميدلاند بولاية تكساس (رويترز)

وكالة الطاقة الدولية تخفض توقعاتها لإمدادات النفط في 2026 جراء الحرب

قالت وكالة الطاقة الدولية، إن إمدادات النفط العالمية ستنخفض 4.3 مليون برميل يومياً، أو بنحو 4 في المائة هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صهاريج لتخزين النفط بميناء في هامبورغ (رويترز)

وكالة الطاقة الدولية: 290 مليون برميل نفط حجم السحوبات من المخزونات منذ 11 مارس

أعلنت وكالة الطاقة ​الدولية، الثلاثاء، أن الدول الأعضاء سحبت ‌290 ‌مليون ​برميل ‌من ⁠النفط، منذ ​الإعلان الصادر ⁠بهذا الشأن في 11 مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» رافاييل غروسي (رويترز)

«الطاقة الذرية»: نتحقق من تقارير بشأن هجوم على موقع بناء محطة نووية في إيران

قالت «الوكالة ​الدولية للطاقة الذرية»، الأحد، إنها تتحقق من ‌تقارير ‌عن ​هجوم ‌وقع ⁠ليلاً ​على موقع ⁠بناء محطة «دارخوين» النووية قيد الإنشاء ⁠في إيران...

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الاقتصاد سفينة غاز طبيعي مسال في عرض البحر (رويترز)

وكالة الطاقة الدولية: الطلب العالمي على الغاز مرشح للتراجع 0.5 % العام الجاري

توقعت وكالة الطاقة الدولية، الثلاثاء، تراجع الاستهلاك العالمي للغاز الطبيعي بنسبة 0.5 في المائة خلال العام الجاري، مرجعةً ذلك بشكل أساسي إلى ارتفاع الأسعار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

تتشكّل خلف تطبيقات الذكاء الاصطناعي، منافسة عالمية على الرقائق ومراكز البيانات والطاقة، في سباق متصاعد قد يعيد رسم موازين القوى العالمية.

شادي عبد الساتر (بيروت)

لحماية الصحة والأحياء السكنية... الرياض تنتهج «إطاراً تنظيمياً ملزماً» يتحكم في غبار الأعمال الإنشائية

صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
TT

لحماية الصحة والأحياء السكنية... الرياض تنتهج «إطاراً تنظيمياً ملزماً» يتحكم في غبار الأعمال الإنشائية

صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)

أصدرت الهيئة الملكية لمدينة الرياض دليلاً لإجراءات التحكم والسيطرة على الغبار الناتج عن الأعمال الإنشائية، يشمل التخطيط وتهيئة الموقع والحفر وحركة المركبات وتخزين المواد والهدم وتشغيل الكسارات، ومراقبة جودة الهواء وتوثيق الإجراءات.

ويضع الدليل ضمن أهدافه الحفاظ على الصحة العامة من التأثيرات الناجمة عن الغبار المتطاير، وتقليل الأضرار التي قد يسببها للمواقع المحيطة بالأعمال الإنشائية، وحماية المناطق الحضرية والبنية التحتية ومرافق المدينة من ترسباته، مع ترشيد استهلاك المياه المستخدمة في تثبيطه.

3 فئات للمشاريع

يصنف الدليل المشاريع إلى 3 فئات وفق مستوى مخاطر الغبار، وتشمل الفئة الأولى، منخفضة الخطورة، المواقع التي تقل مساحتها عن 2000 متر مربع، فيما تضم الفئة الثانية، متوسطة الخطورة، المشاريع التي تتراوح مساحتها بين ألفين و5 آلاف متر مربع. أما الفئة الثالثة، عالية الخطورة، فتشمل المواقع التي تزيد مساحتها على 5 آلاف متر مربع، أو تتجاوز فيها حركة الشاحنات 50 رحلة يومياً، أو تحتوي على كسارات أو محطات خلط خرسانة.

ويطلب من المشاريع المتوسطة والعالية إعداد خرائط للحساسية البيئية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية لتحديد المناطق الأكثر عرضة للغبار بناءً على اتجاه الرياح. كما يطلب تحديد المدارس والمستشفيات والمساجد والأحياء السكنية القريبة التي قد تتأثر به، وتطبيق الإجراءات اللازمة لحمايتها.

الحفر والأسطح المكشوفة

تشمل إجراءات تجهيز الموقع تخصيص مسارات للشاحنات والمعدات مرصوفة بالحصى أو كشط الأسفلت المعاد تدويره أو مادة تحد من تطاير التربة، قبل بدء الأعمال. وتتضمن رش أسطح التربة أثناء التجهيز والحفر، مع تجنب غمرها بالمياه، ودك التربة بعد انتهاء الأعمال.

وإذا توقفت الأعمال الترابية أكثر من 5 أيام، يجب استخدام مثبتات للغبار، مثل البوليمرات والمياه والمحاليل الملحية. ويحدد الدليل ارتفاع تفريغ حمولة التربة من المعدات بما لا يتجاوز 1.5 متر، ويخفضه إلى متر واحد في حالات الرياح الشديدة، مع استخدام رذاذ المياه.

ويعطي الدليل الأولوية لمصادر المياه غير الصالحة للشرب، ومنها المياه المعالجة أو المعاد تدويرها، ويلزم مرافق غسل الإطارات بإعادة تدوير المياه قدر الإمكان. كما يشترط وجود مصدر مياه احتياطي، وإيقاف الأنشطة المولدة للغبار إذا تعطلت أنظمة الرذاذ أو الرشاشات.

حركة المركبات والطرق

حدد الدليل سرعة الشاحنات والمعدات داخل المواقع بما لا يتجاوز 10 كيلومترات في الساعة على الطرق غير المسفلتة، و20 كيلومتراً في الساعة على الطرق المسفلتة. كما ألزم برش الطرق غير المسفلتة بالماء يومياً أو استخدام مثبطات التربة، وكنس الطرق المجاورة للمشروع بالمعدات الآلية مرة كل ساعة للمشاريع المتوسطة والكبيرة. ويشترط تغطية جميع حمولات الشاحنات وفحصها قبل مغادرة الموقع، على أن تمتد الأغطية فوق جوانب صندوق الشاحنة بما لا يقل عن 30 سنتيمتراً. ويجب تنظيف أي مواد منسكبة على الطرق الخدمية خلال 15 دقيقة.

غسل الإطارات وضبط المخارج

ينص الدليل على سفلتة أو تمهيد الطرق الممتدة من الطرق القائمة إلى مدخل المشروع، وتركيب أجهزة لغسل الإطارات أو استخدام نظام غمر لإزالة التربة والعوالق من الشاحنات والمعدات قبل خروجها. وفي حال استخدام وحدة الغسل، يجب ألا تقل دورة غسل كل محور عن 20 ثانية، مع تركيب مصيدة للرمال وفاصل للزيوت. أما نظام الغمر، فيتطلب شبكة مانعة للانزلاق بطول لا يقل عن 8 أمتار وحوضاً سفلياً لجمع المخلفات. كما يشترط عدم وجود آثار للمخلفات أو المياه على مسافة تتجاوز 15 متراً من بوابة الخروج.

الأكوام والكسارات

يحظر الدليل تخزين المواد أو إنشاء محطات خلط على مسافة تقل عن 200 متر من المدارس والمستشفيات والمساجد والمناطق السكنية. ويحدد ارتفاع أكوام المواد بثلاثة أمتار كحد أقصى، مع تشكيلها بصورة منخفضة ومستديرة، وتغطية الأكوام غير المستخدمة.

ويشترط استخدام صوامع محكمة الإغلاق مزودة بمرشحات للجسيمات العالقة «PM10» بكفاءة لا تقل عن 99 في المائة لتخزين الإسمنت ومواد البناء. كما يقصر استخدام الكسارات على مشاريع الفئة الثالثة، ويلزم بتغطية وحداتها، وتزويد نقاط التحميل والتنزيل والنقل بأنظمة الرذاذ أو الضباب، وتغطية السيور الناقلة وتركيب أنظمة لشفط الغبار وفلترته.

الهدم والرياح

في مواقع الهدم الكبيرة، ينص الدليل على استخدام مدافع رذاذ يصل مداها إلى ما بين 20 و30 متراً، إلى جانب الرش المستمر أثناء الهدم واستخدام المناشير المزودة بالمياه أو أنظمة شفط الغبار. كما تقتصر مساحة الهدم النشطة على 100 متر مربع في المرة الواحدة، وتتوقف أعمال الهدم إذا تجاوزت سرعة الرياح 15 كيلومتراً في الساعة.

وعند تراوح سرعة الرياح بين 15 و25 كيلومتراً في الساعة، تطبق إجراءات تثبيط إضافية، تشمل رش الطرق الترابية كل ساعة، وكنس الطرق المعبدة مرتين في كل وردية، وفحص نظام غسل الإطارات كل ساعة. وإذا تجاوزت السرعة 25 كيلومتراً في الساعة، تعلق أعمال الحفر والتسوية والخنادق والهدم والتكسير ومناولة الأكوام وتحميل النفايات.

الرصد وتوثيق الإجراءات

يلزم الدليل المشاريع متوسطة الخطورة بتركيب جهاز واحد أو أكثر لرصد جودة الهواء، والمشاريع عالية الخطورة بجهازين أو أكثر، لقياس الجسيمات العالقة «PM10» وسرعة الرياح واتجاهها، وربط البيانات بالمنصة الموحدة للهيئة والمركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي. كما يوجب تركيب كاميرات عند جميع نقاط الدخول والخروج والاحتفاظ بالمقاطع لمدة لا تقل عن 90 يوماً.

ويصدر تحذير عند وصول تركيز «PM10» إلى 250 ميكروغراماً للمتر المكعب. وإذا تجاوز 340 ميكروغراماً لأكثر من دقيقتين، تسجل مخالفة وتوقف الأعمال المسببة للغبار، فيما يستدعي استمرار التجاوز 30 دقيقة تطبيق بروتوكول تعليق الأعمال. وقبل تجهيز الموقع، يجب رصد بيانات «PM10» والرياح لمدة لا تقل عن أسبوعين على حدود المشروع، كما يلزم المقاولين باستخدام سجل يومي يوثق الرش، وحالة الأكوام والطرق وغسل الإطارات والرياح وأعطال المعدات والإجراءات التصحيحية، وحفظ النماذج ضمن سجلات خطة إدارة الغبار وتقديمها إلى الجهات التنظيمية عند طلبها.


«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
TT

«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)

يعود الفيلم الوثائقي القصير البوسني «فخر الدين» (Fakhrudin) إلى واحدة من أكثر الصفحات ألماً في تاريخ البوسنة والهرسك الحديث، من خلال قصة طفل كان في السابعة من عمره عندما نجا من إبادة «سربرنيتسا» عام 1995، وعُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «سراييفو السينمائي» في البوسنة والهرسك، مقدماً حكاية شخصية ومكثفة عن النجاة وسط واحدة من أكبر مآسي الحرب البوسنية، من خلال لغة سينمائية مبتكرة تجمع بين الرسوم المتحركة والمواد الأرشيفية والشهادات المرتبطة بمحاكمات جرائم الحرب.

ولا يتعامل الفيلم مع سربرنيتسا باعتبارها حدثاً تاريخياً واسعاً فحسب، بل يختار الاقتراب منها من خلال مصير شخص واحد، فخلف الأرقام والوقائع والشهادات التي ارتبطت بالمجزرة، يقف طفل كان في السابعة، وجد نفسه وسط أحداث أكبر من قدرته على الاستيعاب، ثم نجا ليحمل ذاكرة تلك الأيام معه حتى مرحلة الرشد، ومن خلال هذا المدخل، يحاول الفيلم استعادة الجانب الإنساني من المأساة، وإبقاء الذاكرة حية عبر قصة فردية يمكن للمشاهد أن يقترب منها ويتفاعل معها.

بداية القصة

ويقول كاتب ومخرج الفيلم ألن درلييفيتش في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عبر تطبيق «زووم»، إن المشروع لم يبدأ من فكرة كانت في ذهنه، وإنما جاء بعد أن طلب منه المنتج الرئيسي دينيس دريديتش، من شبكة التحقيقات البلقانية «BIRN»، صناعة فيلم عن فخر الدين، موضحاً أنه لم يكن يعرف الكثير عن القصة في البداية، رغم سماعه عنها من قبل، لكنه عندما بدأ في قراءة المواد المتعلقة بالطفل الذي نجا من الإبادة «اهتز تماماً» أمام تفاصيل الحكاية.

كان وقع القصة سريعاً على المخرج إلى درجة أنه كتب السيناريو خلال يومين فقط، ويؤكد أن تلك الفترة شهدت انغماسه في المواد التي كانت متاحة أمامه، وهو ما سمح له بتكوين تصور أولي سريع عن الشكل الذي يمكن أن يتخذه الفيلم.

لكن المشروع لم يكن تقليدياً منذ البداية؛ فقد كان لدى المنتج فكرة مختلفة تتمثل في صناعة فيلم رسوم متحركة، ويعترف المخرج بأن الفكرة بدت له في البداية غريبة بعض الشيء؛ إذ لم يكن من السهل، للوهلة الأولى، تصور استخدام الرسوم المتحركة لتناول موضوع يرتبط بالإبادة والحرب والموت.

غير أن هذا الانطباع تغير عندما بدأ في البحث بصورة أعمق عن القصة، وعثر على مواد وشهادات مرتبطة بمحكمة جرائم الحرب الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي. وكان من بين المواد التي أثارت اهتمامه شهادة جندي من جيش صرب البوسنة، وهو الرجل الذي أنقذ فخر الدين.

هنا، كما يقول المخرج، بدأت الصورة تتضح أمامه، وأدرك أن الرسوم المتحركة يمكن أن تصبح جزءاً من معالجة وثائقية أكثر اتساعاً، بدلاً من أن تكون مجرد أسلوب بصري. ومن ثم تشكلت فكرة الفيلم باعتباره مزيجاً من «الوثائقي والأرشيف والرسوم المتحركة».

استغرق العمل على الفيلم عامين (الشركة المنتجة)

واستغرق العمل على الفيلم نحو عام ونصف العام، بينما امتدت العملية كاملة، بما في ذلك المراحل السابقة للإنتاج، نحو عامين. ويشير المخرج إلى أن المنتج دينيس دريديتش كان قد أمضى وقتاً طويلاً في الإعداد للمشروع وإجراء مقابلات مع فخر الدين نفسه، قبل أن يبدأ هو في بناء الفيلم اعتماداً على المواد التي جُمعت.

ورغم خبرته الطويلة في الإخراج وكتابة السيناريو والعمل الوثائقي والروائي، كان «فخر الدين» أول مشروع يخوض فيه المخرج تجربة العمل بالرسوم المتحركة، ولا يصف التجربة بأنها كانت صعبة بالمعنى المباشر، لكنه يقر بأنها كانت تتطلب جهداً كبيراً ولم تكن سهلة. ومع ذلك، يرى أن هذا الأسلوب فتح أمامه مساحة إبداعية مختلفة، خصوصاً أن الرسوم المتحركة حملت معنى إضافياً داخل الفيلم.

سنوات البراءة

فالرسوم المتحركة، في وعي الجمهور، ترتبط عادة بالطفولة، وبسنوات البراءة الأولى، وبالأفلام التي يشاهدها الأطفال. وفي «فخر الدين»، يصبح هذا الارتباط جزءاً من البناء الدرامي والإنساني للعمل؛ لأن الشخصية الرئيسية نفسها كانت طفلاً في السابعة عندما وقعت الأحداث.

ويقول المخرج إن هذه العلاقة بين الرسوم المتحركة والطفولة ساعدت الفريق على الوصول إلى جوهر القصة، موضحاً أن الأسلوب البصري أصبح بمثابة جسر نحو «براءة الطفل» في مواجهة المأساة التي أحاطت به.

لكن الجانب الأصعب في صناعة الفيلم، وفقاً للمخرج، لم يكن تقنياً بقدر ما كان إنسانياً، فسربرنيتسا ليست بالنسبة إلى البوسنيين مجرد واقعة تاريخية يمكن التعامل معها من مسافة آمنة، وإنما تمثل مأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية.

ويقول المخرج إن العمل على أي موضوع يرتبط بسربرنيتسا يظل أمراً صعباً؛ لأنها تمثل نوعاً من المأساة الكبرى أو «المأساة الملحمية» في الذاكرة البوسنية. لكن الأمر كان أكثر حساسية في حالة «فخر الدين»؛ لأن الفيلم يضع طفلاً في قلب هذه المأساة.

ويضيف أن أحد أكبر مخاوفه أثناء العمل كان ألا يرتكب خطأ في التعامل مع قصة فخر الدين، وألا يضيف شيئاً إلى الصدمة التي عاشها، فالشخصية التي يتناولها الفيلم لم تعد طفلاً اليوم، بل أصبح رجلاً بالغاً، لكن تجربة الطفل هي جوهر الفيلم.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولهذا، كان المخرج يفكر باستمرار في المسؤولية التي تقع على عاتقه عندما يعيد تمثيل تجربة شخص حقيقية، خصوصاً تجربة مرتبطة بحدث بالغ القسوة. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد اختيار زوايا أو صور أو أسلوب سرد، وإنما محاولة للعثور على الطريقة الأكثر احتراماً لقصة الناجي.

ويبدو هذا الحرص واضحاً في اختيار الفيلم ألا يقدم سربرنيتسا من خلال خطاب سياسي أو تاريخي واسع، وإنما من خلال قصة إنسان واحد، فبدلاً من محاولة اختصار تاريخ الإبادة في دقائق محدودة، يركز الفيلم على مصير طفل، وعلى الشهادة التي توثق لحظة إنقاذه.

مشاهد مكثفة

ويعتقد المخرج أن هذا المزيج بين اللحظة التاريخية المحددة، والشهادة القضائية، والرسوم المتحركة، والمواد الأرشيفية، يمنح الفيلم كثافة تسمح له بتناول قصة أكبر من زمنه القصير، مشيراً إلى أن هذا النوع من المزج ليس شائعاً بالضرورة في الأفلام، سواء كانت قصيرة أو طويلة، ولذلك كان التحدي هو الوصول إلى صيغة تستطيع أن تختصر المأساة من دون أن تفقد معناها، فالهدف لم يكن أن يخرج المشاهد من الفيلم وهو يمتلك كل المعلومات عن سربرنيتسا، وإنما أن يخرج وهو يتذكر فخر الدين.


من توثيق التراث إلى الفنون التفاعلية... الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القطاع الثقافي

فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
TT

من توثيق التراث إلى الفنون التفاعلية... الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القطاع الثقافي

فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)

تشهد أروقة المؤسسات الثقافية تحولاً صامتاً ومحتوماً، مع تدفق أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مختلف مجالات الإبداع وإدارة التراث. ورغم خصوصية القطاع الثقافي، فإنه لم يكن بمنأى عن التحولات التقنية الكبرى التي يشهدها العالم، إذ بدأ الذكاء الاصطناعي يؤثر في كثير من مجالات الثقافة والصناعات الإبداعية.

وفي المتاحف والمواقع التراثية، تُستخدم تقنيات التحليل البصري والنمذجة الرقمية في توثيق التراث وإعادة تفسيره، وفي قطاع النشر تُستخدم النماذج اللغوية في تحليل النصوص وتطوير أدوات التحرير. أما في الفنون البصرية والموسيقى والأداء المسرحي، فقد ظهرت أشكال جديدة من التعبير الفني تعتمد على الخوارزميات التوليدية والتجارب التفاعلية. كما أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مهمة لتحليل البيانات الثقافية، وفهم سلوك الجمهور، وتطوير تجارب ثقافية أكثر تفاعلاً وثراءً.

واستعرض تقرير حديث بعنوان «الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي» تحديات فكرية ومهنية تتعلق بكيفية استخدام هذه التقنيات داخل القطاع بطريقة مسؤولة ومتوازنة. وينظر التقرير إلى الثقافة بوصفها منظومة من المعاني والرموز والقيم التي تعكس هوية المجتمع وتاريخه، مؤكداً أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال يتطلب قدراً كبيراً من الوعي الثقافي والمهني، بحيث تُستخدم هذه التقنيات لتعزيز الإبداع وحفظ التراث، لا لتقويض أصالته أو إضعاف قيمه.

أطلقت السعودية «حوافز الذكاء الاصطناعي» لدعم المشروعات الثقافية لديها (الصندوق الثقافي)

وقال رائد العيد، مؤسس منصة الإدارة الثقافية ومحرر التقرير، إن العالم يعيش مرحلة أصبح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي جزءاً من الممارسة اليومية، وسيزداد حضوره في السنوات المقبلة. وأوضح أن القطاع الثقافي معني بهذا التحول بصورة خاصة؛ لأنه يتعامل مع اللغة والهوية والذاكرة والتراث والإبداع والحقوق والمعنى، مشيراً إلى أن التقرير يوازن بين استكشاف الفرص المتاحة والوعي بالمسؤولية.

وقال العيد: «أظهر التقرير حجم الفرص المتاحة أمام القطاع؛ فعندما جمعنا بعض التطبيقات عبر 16 قطاعاً، وجدنا أن إمكانات الذكاء الاصطناعي تمتد عبر سلسلة العمل الثقافي كاملة، من الإبداع والإنتاج إلى الحفظ والتوثيق، ومن الإدارة والتشغيل إلى الوصول والتعليم والبحث والتسويق».

وأشار العيد إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب من المؤسسات والممارسين الثقافيين الانتقال من سؤال «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟» إلى سؤال أكثر نضجاً يتعلق بالقيمة الثقافية المراد تحقيقها، وبالكيفية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد بها على تحقيق هذه القيمة بصورة مسؤولة.

تطوير المرجعية ومواجهة التحديات المعرفية

تناول التقرير مجموعة من المحاور التي تستعرض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات الثقافية الـ16، مثل المتاحف، والمكتبات، والفنون البصرية، والمسرح، والموسيقى، والعمارة، والتراث الثقافي وغيرها. كما ناقش التحديات الأخلاقية والمهنية المرتبطة باستخدام هذه التقنيات، وقدم مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تشكل إطاراً مرجعياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الثقافة.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في القطاع الثقافي السعودي، بالتزامن مع إعلان السعودية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، وهو إعلان يعكس التوجه الوطني نحو تعزيز الابتكار التقني وتطوير الاقتصاد المعرفي.

وأبرز التقرير أهمية تطوير مرجعيات معرفية ومهنية تساعد العاملين في القطاع الثقافي على فهم طبيعة الذكاء الاصطناعي وإمكاناته وحدوده. وكشف أن الممارسين في الحقول الثقافية اليوم، سواء كانوا باحثين أم فنانين أم مديري مؤسسات ثقافية، يواجهون واقعاً جديداً تتداخل فيه التقنيات الرقمية مع العمل الثقافي، الأمر الذي يستدعي تطوير أدوات معرفية تمكِّنهم من التعامل مع هذه التحولات بوعي منهجي.

وشدَّد التقرير على أن غياب التأصيل المعرفي المحلي لهذا الموضوع يشكل تحدياً مهماً، وأن معالجة هذا الغياب تُمثل خطوة أساسية لضمان تطور الممارسة الثقافية بصورة متوازنة ومستدامة، خصوصاً في ظل التوسع في استخدام التقنيات الذكية داخل المؤسسات الثقافية والمشروعات الإبداعية. وأوضح أن الممارسة التي تنشأ من دون إطار معرفي واضح قد تكون عرضة للأخطاء أو لسوء التقدير في التعامل مع القضايا المرتبطة بالملكية الفكرية، أو حماية التراث، أو أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي.

ولفت التقرير إلى تحديات السياق العربي، بدءاً من تفاوت أداء النماذج في اللغة العربية واللهجات، وصولاً إلى حساسية المواد الدينية والتراثية والتاريخية، والحاجة إلى بيانات عربية موثوقة ومراجعة ثقافية متخصصة.

إطار لصون القيم الثقافية

أعلنت السعودية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي (واس)

وفي مقابل الفرص التي تتيحها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي، وضع التقرير مجموعة من المبادئ التي تراعي خصوصية الثقافة، وتجعل جودة الاستخدام مرتبطة بحماية المعنى والهوية والحقوق والتنوع، إلى جانب الكفاءة التقنية.

وتشكل المبادئ التي اقترحها التقرير إطاراً يوازن بين الابتكار الرقمي وحماية القيم الثقافية والمعرفية للمجتمع.

وتبدأ هذه المنظومة بثلاثة مبادئ أساسية، أولها «مركزية الإنسان في الابتكار الثقافي»، بحيث يبقى الإنسان محور العملية الإبداعية، وتظل القرارات الثقافية الجوهرية تحت إشراف الخبراء. ويتمثل المبدأ الثاني في «حماية التنوع الثقافي»، من خلال تجنب انحياز النماذج إلى الثقافات الأكثر حضوراً في البيانات، وضمان تمثيل الثقافات المحلية والتراثية. أما المبدأ الثالث فهو «صون التراث الثقافي»، بحيث تخضع تطبيقات التوثيق والترميم وإعادة البناء للمعايير العلمية، وتحترم أصالة المادة التاريخية.

ويمتد هذا الإطار ليشمل الشفافية، وحماية الملكية الفكرية، والمسؤولية الثقافية والأخلاقية، وإتاحة المعرفة، والابتكار المسؤول، والتكامل بين الخبرتين الثقافية والتقنية، وبناء القدرات الرقمية.

ويخلص التقرير الصادر عن منصة الإدارة الثقافية إلى أن أهمية الذكاء الاصطناعي في الثقافة لا تُقاس بمجرد حداثة التقنية المستخدمة، بل بقدرته على خدمة قيمة ثقافية واضحة، وتحقيق منفعة قابلة للقياس، واحترام الحقوق والسياق والمجتمع.