الأوروبيون سعوا لتجاوز انقساماتهم والتضامن مع إسبانيا في أزمة سبتة

إيطاليا تركز على ضرورة إنشاء «مراكز العودة» خارج أوروبا لتسهيل ترحيل اللاجئين غير المرغوب بهم

لاجئون ينتظرون الاثنين تلقيهم المساعدات الإنسانية في سبتة قبل ترحيلهم إلى المغرب (رويترز)
لاجئون ينتظرون الاثنين تلقيهم المساعدات الإنسانية في سبتة قبل ترحيلهم إلى المغرب (رويترز)
TT

الأوروبيون سعوا لتجاوز انقساماتهم والتضامن مع إسبانيا في أزمة سبتة

لاجئون ينتظرون الاثنين تلقيهم المساعدات الإنسانية في سبتة قبل ترحيلهم إلى المغرب (رويترز)
لاجئون ينتظرون الاثنين تلقيهم المساعدات الإنسانية في سبتة قبل ترحيلهم إلى المغرب (رويترز)

نجح وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم، اليوم الثلاثاء، عبر تقنية الفيديو الذي دام طيلة ثلاث ساعات، في إطفاء الأزمة الحادة التي اندلعت عقب الانتقادات الحادة، التي وجهت لإسبانيا بسبب تدفق أفواج الهجرات على جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب.

الاتهامات التي انصبت على بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، في الرسالة التي وجهها 22 رئيس دولة وحكومة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي، التي حمّلت سياسة حكومته في ملف الهجرات مسؤولية ما حصل في سبتة تبخرت.

كذلك، فإن مطالبة إيطاليا والدنمارك، بدعم من السويد والتشيك، بإخراج إسبانيا مؤقتاً من «فضاء شنغن» للتنقل الحر داخله اختفت بدورها من المشهد الوزاري. وعوضاً عن ذلك، سعى الوزراء والمسؤولون الأوروبيون إلى التغطية على التشظي المقلق للنادي الأوروبي، كما برز في الأيام الأربعة الأخيرة، والتركيز على التضامن في ما بينهم وفي قلب صفحة الأزمة الحادة التي واجهها الاتحاد.

عدد من المهاجرين الذين وصلوا سبتة بطريقة غير شرعية (إ.ب.أ)

إسبانيا تدافع عن نفسها

اجتماع الثلاثاء كان الغرض الأول منه استخلاص العبر من أزمة سبتة، والعمل على عدم تكرارها، وإعادة التمسك باتفاقية «شنغن»، والنظر في المعلومات المتوافرة التي تتحدث عن تدخل أجنبي ساهم في تأجيج الأزمة، والقلق الذي أثاره تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين من المغاربة والأفارقة على سبتة.

من هنا، فإن المهمة الأولى التي تكفل بها وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي - مارلاسكا، كانت من جهة نظرائه الأوروبيين أن مدريد سيطرت سريعاً على الوضع، ونجحت في إعادة أفواج المهاجرين من حيث أتوا. ومن جهة ثانية، التأكيد على أن «فضاء شنغن» لم يمس بتاتاً.

وبعد أن كانت إسبانيا تتحدث عن وصول ما بين 50 إلى 60 ألف مهاجر إلى سبتة يومي السبت والأحد الماضيين، فإن الوزير الإسباني أكد الثلاثاء أن 72 ألف مهاجر دخلوا الجيب المذكور، وأن 70 ألفاً منهم أعيدوا إلى المغرب.

وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي وألاسكا متحدثاً للصحافة الثلاثاء عقب اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي المخصص لأزمة سبتة (إ.ب.أ)

أما بالنسبة لـ«شنغن»، فقد أكد الوزير خلال مؤتمر صحافي في مدريد أن «فضاء شنغن لم يكن معرضاً في أي لحظة من اللحظات لأي تهديد ولو كان ضعيفاً للغاية».

تجدر الإشارة إلى أن القواعد المعمول بها في إطار «شنغن» لا تنطبق على جيبي سبتة ومليلة، اللتين تخضعان لترتيبات خاصة لا تعطي الدخول إليهما الحق في التنقل الحر داخل الفضاء الأوروبي.

ويوم الأحد الماضي، رفضت فرنسا (كما البرتغال واللوكسمبوغ وآيرلندا) التوقيع على الرسالة الأوروبية الجماعية. لذا كان من المنتظر أن يقف لوران نونيز، وزير الداخلية الفرنسي، إلى جانب نظيره الإسباني في الرد على الانتقادات التي تعرضت لها مدريد.

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده في باريس عقب انتهاء الاجتماع، حرص نونيز على توجيه مجموعة من الرسائل، أولاها التأكيد على أن «لا دولة عضواً (في الاتحاد) لديها مصلحة في الانقسام، وأن الجميع لديه مصلحة في التضامن». وبالفعل، اعتبر نونيز أن ما قيل خلال هذا الاجتماع كان «مطمئناً جداً من هذه الناحية»، إذ صدرت «رسائل تضامن قوية مع مدريد».

وقال ما حرفيته: «جميع الدول الأعضاء، دون أي استثناء، عبّرت عن تضامنها مع إسبانيا. كما أشادت بإدارة الحكومة الإسبانية للأزمة، وبالتعاون اللافت مع المغرب».

وما قاله وزير شؤون الهجرة والاندماج الدنماركي صب في هذا الاتجاه، علماً بأن الدنمارك كانت من أكثر الدول انتقاداً لإسبانيا. وقال مورتن بودسكوف، الثلاثاء: «أنا راض تماماً عن ردة الفعل السريعة لإسبانيا (في مواجهة الأزمة) من خلال نشر أفراد الشرطة والجيش، والعديد من الذين تسللوا إلى سبتة أعيدوا إلى المغرب». غير أنه أضاف أن الأحداث بينت «كم من الضروري أن تبقى لنا السيطرة على الحدود (الخارجية) للاتحاد»، إذ تعد سبتة أحد المداخل إليه.

المفوض الأوروبي ماغنوس برونر المسؤول عن ملف الهجرات والانخراط في إطار المفوضية الأوروبية خلال مؤتمره الصحافي بعد انتهاء الاجتماع الوزاري المخصص لأزمة سبتة (إ.ب.أ)

هل ما حدث في سبتة نتيجة تدخل خارجي؟

رسالة نونيز الثانية تناولت «شنغن»، إذ أفاد بأن جميع الوزراء «اتفقوا على أن مسألة فضاء (شنغن) لم تكن هي المشكلة حقاً، بل كانت بالأحرى جزءاً من الحل».

وسبق لباريس أن أعلنت، رداً على دعوة إيطاليا والدنمارك، رفضها المطلق تعليق عضوية إسبانيا.

وأكد نونيز، الأحد، أن مدريد «لا تحتاج لمغادرة منطقة (شنغن). هذا الأمر ليس مطروحاً إطلاقاً. لدينا تعاون ممتاز مع إسبانيا».

وفي ثالث رسائله أعرب نونيز عن أسفه لـ«الانقسامات» التي برزت داخل صفوف الاتحاد، ووجه أصابع الاتهام إلى أن «عدداً من الدول التي تمارس التدخل الأجنبي تعرف كيف تستغل المواقف المتباينة بين الدول المختلفة، من أجل مهاجمة الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف».

وأفاد الوزير الفرنسي بوجود «عدد من عمليات التدخل المعلوماتي من جانب دول أجنبية، استخدمت هذه الصور لانتقاد سياسة إدارة الهجرة في الاتحاد الأوروبي، ومحاولة تقسيم الدول الأعضاء فيما بينها».

وكان الوزير الفرنسي يلمح إلى مسؤولية روسية، ودول أخرى لم يسمها في هذا الملف. بيد أن المفوض الأوروبي لشؤون الهجرة، ماغنوس برونر، اعتبر أنه «من المبكر جداً ربط حملة التضليل الإعلامي بشأن سبتة بروسيا». وأضاف برونر، في مؤتمر صحافي في بروكسل، أن الأزمة وضعت أوروبا أمام اختبارين: «أولاً من حيث سرعة التحرك، وثانياً من حيث التضامن، وكذلك من حيث قدرتنا على مقاومة حملات التضليل الإعلامي». وبرأيه فإن أوروبا نجحت أيضاً في اختبار «الصمود» الذي تعرضت له.

مقترحات إيطالية

لم يكن اجتماع الثلاثاء، رسمياً، ما يعني أن غرضه ليس الخروج بقرارات وتدابير، بل تبادل الرأي وطرح الأفكار الجديدة. والمهم في أزمة سبتة أنها الأولى التي تحصل بعد أن تبنى الاتحاد الأوروبي «ميثاق الهجرات واللجوء»، الذي يتيح إجراءات إضافية لمواجهة تدفق الهجرات، علماً بأنها تناقصت إلى حد كبير في السنوات الأخيرة.

من هنا، تكمن أهمية الكلمة التي أدلى بها وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي، والتي نشرها مكتبه، وجاء في إحدى فقراتها ما حرفيته: «لم يعد بإمكاننا، كاتحاد أوروبي، الاكتفاء بردّ الفعل على الأزمات داخل حدودنا. بل يجب أن نتحرك ككتلة موحدة ومتماسكة لوقف انطلاق المهاجرين من المصدر، وإعادة من لا يملكون حق البقاء على أراضي الاتحاد الأوروبي»، مضيفاً أنه «حان الوقت لتطبيق نماذج جديدة لمراكز خارجية لمعالجة طلبات اللجوء، وكذلك مراكز لإعادة المهاجرين في دول ثالثة آمنة».

وسبق لإيطاليا أن عملت فردياً، في هذا السياق، على إبرام اتفاق مع ألبانيا. إلا أن ما تريده هو التحرك الأوروبي الجماعي والتمويل الأوروبي لهذه التوجهات التي يتيحها «ميثاق الهجرات واللجوء». وحسب صحيفة «كورييري ديلا سير» الإيطالية، فإن الوزير بيانتيدوزي يسعى لإنشاء شبكة أوروبية من «مراكز العودة»، وهي مراكز احتجاز تُقام في دول ثالثة، لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

آلاف المهاجرين السريين ما زالوا ينتظرون الحسم في ملف عودتهم إلى المغرب (د.ب.أ)

فضلاً عن ذلك، تسعى الحكومة الإيطالية، وفي إطار رغبتها المناهضة للهجرات، الدفع باتجاه التطبيق الصارم لما يسمى «نظام الأفضليات المعمم المعزز»، الذي سيدخل حيز التنفيذ العام المقبل، ويربط بين توفير الدعم للدول النامية وبين قبولها استرداد مواطنيها، الذين يفشلون في الحصول على اللجوء في الاتحاد الأوروبي.

يبقى أن أزمة سبتة ما زال يلفها الغموض، وقد بدأت تثير اتهامات، وتتناول الدور الذي قد يكون كل طرف من على جانبي مضيق جبل طارق قد لعبه في استثارتها. ولا شك أن القادم من الأيام سيوفر بعض الأدلة، التي ستمكن من جلاء صورة ما زالت، حتى اليوم، يلفها الغموض.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

اتفاق موريتاني - مغربي لإعادة تأهيل أهم طريق يربط البلدين

شمال افريقيا وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)

اتفاق موريتاني - مغربي لإعادة تأهيل أهم طريق يربط البلدين

وقعت الحكومتان المغربية والموريتانية اتفاق إطار لإعادة تأهيل وتوسعة الطريق الوطني رقم 4 الذي يربط البلدين، ويعد جزءاً من محور نقل استراتيجي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا شبان يشاركون في الحملة الانتخابية لحزب الاستقلال في العاصمة الرباط (إ.ب.أ)

المغاربة يتطلعون لبرلمان يفرز حكومة تستجيب لانتظاراتهم الكبيرة

يأمل الناخبون أن يشكل البرلمان القادم نقطة تحول في أداء المؤسسة التشريعية، ودورها في معالجة التحديات، وأن يفرز حكومة قادرة على الاستجابة لانتظاراتهم الكبيرة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا عناصر الشرطة خلال تأمين عملية نقل المهاجرين من شواطئ سبتة إلى مخيم في منطقة الميناء (رويترز)

إسبانيا تجلي المهاجرين من شواطئ سبتة وسط انتقادات للحكومة

نقلت الشرطة مئات المهاجرين من شواطئ سبتة إلى مخيم في منطقة الميناء بالجيب الإسباني، بعد أسابيع من تدفق قياسي فاق قدرة الإقليم الصغير على الاستيعاب.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شمال افريقيا عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

أقرّ البرلمان الأوروبي، اليوم الخميس، نصّاً تقدّمت به قوى اليمين بدعم من اليمين المتطرف، يدعو إسبانيا والمغرب إلى تسريع إجراءات ترحيل المهاجرين الذين دخلوا سبتة

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
شمال افريقيا تحاول الأحزاب المغربية استمالة ‌الشباب للمشاركة في الانتخابات التشريعية عبر وعود بخلق فرص عمل (إ.ب.أ)

الأحزاب المغربية تتجند لاستمالة الشباب للمشاركة في الانتخابات التشريعية

تحاول أحزاب سياسية مغربية استمالة الناخبين ‌الشباب للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة الأسبوع المقبل، عبر وعود بخلق فرص عمل، وتوفير سكن بأسعار مناسبة...

«الشرق الأوسط» (الرباط - القاهرة)

البعثة الأممية تستقطب شباباً ليبيين لدعم اتفاق «4+4»

تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
TT

البعثة الأممية تستقطب شباباً ليبيين لدعم اتفاق «4+4»

تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)

كثّفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اتصالاتها مع الفعاليات الشبابية والمحلية في غرب وجنوب البلاد، في تحرك يتزامن مع مساعيها لتوسيع قاعدة التأييد لمسار «4+4» الذي أفضى إلى اتفاق بين ممثلين لطرفي الصراع في ليبيا، ويستهدف تعديل الإطار الانتخابي وإعادة تفعيل المسار المؤدي إلى الانتخابات.

وبدا لافتاً خلال تحركات مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري، التركيز على التواصل المباشر مع القيادات الشبابية والبلديات، إلى جانب شخصيات أمنية ومحلية نافذة، في محاولة لإشراك مزيد من الأطراف في المرحلة المقبلة من العملية السياسية.

وجاء تحرك تيتيه في مدينة الزاوية، الاثنين، بالتزامن مع اليوم الدولي للسلام، إذ عقدت لقاءات مع عمداء البلديات وممثلي المجالس الشبابية في 8 بلديات بالمنطقة، هي الزاوية المركز، والزاوية الشمال، والزاوية الجنوب، والزاوية الغرب، والزاوية الوسط، وصبراتة، وصرمان، وأبوصرة.

وركّزت المناقشات وفق ما أعلنته بعثة الأمم المتحدة، الثلاثاء، على التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها انتشار السلاح والمخدرات، إلى جانب دور الشباب والبلديات في المرحلة المقبلة. وأبدى ممثلو المجالس الشبابية رغبتهم في زيادة تمثيلهم في العملية السياسية والمساهمة في جهود السلام والتنمية.

وفي إشارة مباشرة إلى الاتفاق، نقلت البعثة عن أحد ممثلي المجالس الشبابية الثمانية تقديره لجهود «4+4»، معرباً عن رغبة أبناء مدن المنطقة في أن يكون لهم تمثيل في العملية السياسية والعمل على إنهاء الصراعات.

وتزامن اللقاء مع اتصالات لافتة أجرتها تيتيه مع شخصيات محلية في الزاوية، من بينها محمد بحرون، نائب رئيس ما يعرف بـ«جهاز التهديدات الأمنية»، وعميد بلدية الزاوية المركز سمير عاشور. وأظهرت صور اللقاء التي نشرتها بلدية الزاوية حضور بحرون، المعروف بلقب «الفار»، إلى جانب تيتيه وعاشور، فيما لم يرد ذكر اللقاء مع بحرون في البيان الذي نشرته البعثة بشأن زيارة الممثلة الأممية للمدينة.

ويُعد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية، وهي مدينة شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات متكررة بين مجموعات مسلحة، فضلاً عن توترات أثَّرت في منشآت حيوية، بينها مصفاة الزاوية.

وكانت تيتيه قد أشارت في إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن إلى هشاشة الوضع الأمني في المنطقة الغربية، بما في ذلك تجدد العنف في الزاوية، ودعت الأطراف المحلية إلى خفض التصعيد وضبط النفس.

ولا يقتصر انفتاح البعثة على الفاعلين المحليين في الغرب. ففي الجنوب، عقدت خوري اجتماعاً عبر الإنترنت مع نحو 65 شاباً وشابة ومسؤولين وصحافيين من المنطقة، تَرَكز على العملية السياسية ومسار «4+4». وأظهرت المداخلات التي نشرتها البعثة، الثلاثاء، وجود تأييد بين مشاركين للاتفاق باعتباره فرصة لتحريك المسار السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة.

وتأتي هذه الاتصالات في سياق ما تقول البعثة الأممية إنه اهتمام متزايد بإشراك الشباب في العملية السياسية. وكانت البعثة قد أطلقت منصة رقمية للشباب بهدف توسيع المشاركة في الحوار المهيكل خارج دائرة الأعضاء المحدودة للحوار، مع إتاحة المجال للشباب في مختلف المناطق لطرح أفكارهم ومطالبهم ومتابعة أداء ممثليهم.

وقد كثّفت البعثة الأممية هذه الاتصالات بعد توقيع ممثلي «الاجتماع المصغر»، المعروف باسم «4+4»، اتفاقهم في طرابلس في 30 أغسطس (آب) الماضي، الذي يتناول إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي، ضمن المسار الذي تيسره الأمم المتحدة.

وينص الاتفاق، بحسب ما أعلنته الأطراف الموقعة، على العمل باتجاه إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً، إلى جانب تعديلات على قواعد الترشح، من بينها السماح للعسكريين بالترشح، وتنظيم وضع مزدوجي الجنسية في حال الفوز.

ورغم موافقة مجلس النواب في جلسة جرى التشكيك في نصابها على اتفاق «4+4»، رفض المجلس الأعلى الدولة وعدد من الأحزاب والقوى السياسية، الاثنين، هذا الاتفاق رفضاً قاطعاً، وتحديداً ما يخص اعتماد قانون الانتخاب رقم 10 لسنة 2014 أساساً للانتخابات المقبلة، وتمسكوا بالقوانين التي أقرها مجلس النواب في 2023، وذلك خلال ملتقى وطني عقد في طرابلس، في موقف قد يعقِّد مساعي الأمم المتحدة لدفع العملية الانتخابية.

وأكد رئيس مجلس الدولة محمد تكالة أن حل الأزمة الليبية يجب أن يكون «ليبياً خالصاً»، قائماً على الإرادة الوطنية والمصلحة العليا للشعب، ومرتكزاً إلى أسس قانونية ودستورية، بما يمكّن البلاد من تجاوز المراحل الانتقالية والوصول إلى انتخابات شاملة ومستدامة.

وتعكس تحركات البعثة في الزاوية وسبها، ووسط، رفض بعض القوى السياسية الليبية، اتجاهاً نحو توسيع دائرة الأطراف المنخرطة في تنفيذ الاتفاق، في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة الانتقال به من تفاهم بين عدد محدود من ممثلي المؤسسات والقوى المتنافسة إلى مسار يحظى بقبول محلي أوسع.


البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، إنه طرح، أمام مجلس الأمن الدولي، خطة لوقف دائم لإطلاق النار، والانتقال إلى الحكم المدني، بإشراف ومساعدة الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة بناء جيش وطني واحد تحت إشراف سلطة مدنية، في وقت دفعت فيه قوى سياسية سودانية بمطالب لفرض هدنة إنسانية. ودعت بريطانيا إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان.

ورأى البرهان، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بعنوان «كيف يتحقق السلام في السودان»، أن «الوقت حان» لوضع نهاية دائمة للحرب، وقال: «هذا ما يطلبه مني السودانيون بصفتي رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي»، مضيفاً أن الحرب «يجب أن تنتهي... حتى لا يعود إطلاق النار بمجرد أن يصرف العالم نظره عنها».

ومن المقرر أن يُلقي البرهان خطاب السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حين لم يتأكد رسمياً، حتى الآن، مغادرته البلاد متوجهاً إلى نيويورك. لكن «رويترز» نقلت عن دبلوماسيين سودانيين ومحلل غربي مطلع قولهم إن الولايات المتحدة حجبت، حتى الآن، الثلاثاء، تأشيرة دخول البرهان نيويورك، قبل أيام فقط من الموعد المقرر لإلقائه كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الخميس المقبل.

وأشارت «رويترز» إلى أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على وقف لإطلاق النار لمدة 90 يوماً اقترحه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. ولم يجرِ التأكد من هذه المعلومات من «الخارجية» الأميركية أو السلطات السودانية.

في الجانب الآخر، التقى وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، مسؤول الإغاثة الأممي توم فليتشر، ومسؤولي وكالات الأمم المتحدة، في نيويورك، يوم الاثنين، بحضور حاكم دارفور مني أركو مناوي.

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية ذكرى تأسيس الجيش 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأكد البرهان، في مقاله، أن الحرب ليست صراعاً بين «فصيلين» أو «حرباً أهلية»، وإنما وصفها بأنها عدوان تشنُّه «قوات الدعم السريع» على دولة عضو بالأمم المتحدة، متهماً إياها بارتكاب جرائم قتل وتطهير عِرقي ونهب. ودعا المجتمع الدولي إلى عدم إضفاء الشرعية على «الدعم السريع» أو التعامل معها بوصفها طرفاً مساوياً للجيش، وربط بين قياداتها وجرائم «الجنجويد»، خلال حرب دارفور.

كما استشهد بما شهدته الفاشر، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبصور الأقمار الاصطناعية التي نشرها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل، وتقارير بعثة تقصي الحقائق، التابعة للأمم المتحدة، لدعم اتهاماته بوقوع انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

واتهم البرهان «الدعم السريع» بالاستعانة بمئات المقاتلين الأجانب، وقال إن «شبكات وكيانات» عابرة للحدود في دول لم يُسمِّها تُوفر التمويل والدعم. وربط ذلك بازدياد استخدام الطائرات المسيّرة وقدراتها المتطورة في الهجمات على الخرطوم ومدن أخرى.

وقال إن خطته للسلام تقوم على وقف إطلاق النار وإخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية، تمهيداً لتسوية سياسية، وتكوين جيش وطني واحد وإنهاء تعدد الجيوش والجماعات المسلَّحة.

وأضاف أن التسوية السياسية ينبغي أن تأتي عبر «حوار سوداني - سوداني»، وأن يضع السودانيون دستورهم المقبل دون تدخل خارجي.

عودة خمسة ملايين

تأتي التحركات السياسية في وقت كشفت فيه «الأمم المتحدة» عن تحول لافت في خريطة النزوح، إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد السودانيين الذين عادوا إلى مناطقهم تجاوز خمسة ملايين شخص، رغم استمرار الحرب وهشاشة الأوضاع الأمنية والخِدمية. وقالت المنظمة إن بياناتها الجديدة تشير إلى عودة 5.15 مليون شخص إلى 76 محلية في تسع ولايات، بزيادة 4 في المائة خلال شهر، بينما لا يزال 8.58 مليون شخص نازحين داخل البلاد، بانخفاض واحد في المائة عن الشهر السابق، ونحو الربع مقارنة بذروة أزمة النزوح.

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (يونيسيف)

وكانت الحرب قد دفعت، في ذروتها، نحو 12 مليون شخص إلى النزوح داخل السودان، في حين فرّ نحو خمسة ملايين إلى دول الجوار. وأوضحت المنظمة أن 82 في المائة من العائدين كانوا نازحين داخل البلاد، بينما عاد نحو 930 ألفاً من الخارج، خصوصاً من مصر وجنوب السودان وليبيا، وأن نصف العائدين تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً.

ورحبت المنظمة بتجاوز عدد العائدين حاجز خمسة ملايين، ووصفته بأنه «إشارة نادرة إلى إحراز تقدم» وسط الأزمة، لكنها حذرت من أن كثيرين يعودون إلى مناطق تضررت فيها المنازل والمدارس والمرافق الصحية.

وقالت المديرة العامة للمنظمة، إيمي بوب: «إذا لم نساعدهم، الآن، فسيُجبر كثيرون منهم على النزوح مرة أخرى».

وفي موازاة ذلك، دفعت قوى سياسية ومدنية مناهضة للحرب، منضوية في «إعلان المبادئ السوداني»، بمذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأعضاء مجلس الأمن، تطالب بهدنة إنسانية فورية وشاملة، وتوسيع حظر السلاح ليشمل جميع أنحاء السودان.

وشارك وفد، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في تحركات، على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

لندن: الحظر الحالي لا يكفي

وفي موقف يتقاطع مع الدعوات إلى تشديد القيود على تدفق السلاح، دعا وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، خلال اجتماع بشأن السودان في نيويورك، إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل البلاد بأكملها، وعَدَّ أن «مجرد تمديد الحظر ليس كافياً».

وقال ميليباند إن انتشار المسيّرات غيّر طبيعة الحرب، مشيراً إلى أن ضرباتها قتلت، وفق تقارير، أكثر من ألف مدني، خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، واستهدفت مستشفيات وأسواقاً ومستودعات وقود ومحطات كهرباء وطرق إمداد إنسانية.

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)

وأضاف أن قدرات المسيّرات الجديدة «لا تظهر بمحض المصادفة»، بل «تُشترى وتُموّل وتُنقل» عبر شبكات في خارج السودان، دون أن يسمّيها.

وأكد الوزير البريطاني أنه «لا يوجد حل عسكري في السودان»، داعياً إلى وقف لإطلاق النار وعملية سياسية بقيادة مدنية، وممارسة ضغط فعلي على الجهات التي تُمول الحرب وتُزود أطرافها بالسلاح، ومحاسبة «من يربحون منها ويسهمون في استمرارها».


اتفاق موريتاني - مغربي لإعادة تأهيل أهم طريق يربط البلدين

وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
TT

اتفاق موريتاني - مغربي لإعادة تأهيل أهم طريق يربط البلدين

وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)

وقعت الحكومتان المغربية والموريتانية اتفاق إطار لإعادة تأهيل وتوسعة الطريق الوطني رقم 4 الذي يربط البلدين، ويعد جزءاً من محور نقل استراتيجي يربط دول الاتحاد الأفريقي بدول أفريقيا جنوب الصحراء مروراً بالمغرب وموريتانيا.

وقع الاتفاق وزير التجهيز والنقل الموريتاني أعل ولد الفيرك، ووزير التجهيز والماء المغربي نزار بركة، في العاصمة المغربية الرباط، يوم الاثنين.

وأعلنت وزارة التجهيز والنقل الموريتانية أن «الاتفاق يجسد التعاون الاستراتيجي المثمر والعلاقات المتميزة بين البلدين».

وأضافت أن التعاون القائم بين الحكومتين يأتي «تنفيذاً للتوجهات السامية لقائدي البلدين»، في إشارة إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس، والرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني.

وأكدت الوزارة الموريتانية أن إعادة تأهيل الطريق سيكون له أثر كبير على «تحسين خدمات النقل والربط الاقتصادي بين العاصمة الاقتصادية نواذيبو والعاصمة السياسية نواكشوط»، حيث إنه يربط أهم مدينتين في موريتانيا، مروراً بأهم معبر حدودي يربطها بالمغرب.

ولم تُعلن تفاصيل إضافية رسمية حول التكلفة الدقيقة، أو الجدول الزمني للتنفيذ، أو التمويل المحدد، أو المواصفات الفنية؛ فيما وصف وزير النقل الموريتاني توقيع الاتفاق بأنه «حدث تاريخي».

جانب من توقيع الاتفاق بين وزيري النقل المغربي والموريتاني يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)

ويأتي الاتفاق في سياق تعاون أوسع بين المغرب وموريتانيا في البنية التحتية، يشمل مشاريع أخرى تتضمن الربط الكهربائي، ومشاريع سكك حديدية محتملة، ومعابر حدودية إضافية، ومنطقة صناعية مشتركة محتملة.

ويعد الطريق الوطني رقم 4، الذي يربط البلدين، شرياناً اقتصادياً رئيسياً، تسلكه يومياً عشرات الشاحنات المغربية والأوروبية المتجهة نحو أسواق موريتانيا ومنها إلى الأسواق في دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث توجد المنطقة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي تضم سوقها أكثر من 350 مليون نسمة.

ويمتد الطريق على مسافة 480 كيلومتراً، تم تعبيده وافتتاحه رسمياً عام 2004، بتكلفة تقديرية تجاوزت آنذاك 72 مليون دولار، وساهم في إنعاش الحركة الاقتصادية بين شمال وغرب القارة الأفريقية، وفي فتح الأسواق الأفريقية على الاتحاد الأوروبي.

وفي السنوات الأخيرة، عانى الطريق من تدهور في بعض المقاطع بسبب حركة الشاحنات الثقيلة والظروف الصحراوية القاسية. ورغم أنه شهد أعمال صيانة وترميم جزئية في السنوات الأخيرة، أصبح يعرف في موريتانيا باسم «طريق الموت» لتكرار حوادث السير المميتة عليه.