أحداث سبتة تبرز الانقسامات الأوروبية... وتدفع «الاتحاد» للبحث عن خطط جديدة

اجتماع عن بُعد لوزراء داخلية أوروبا... وميلوني تقود الحرب على سانشيز

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (د.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (د.ب.أ)
TT

أحداث سبتة تبرز الانقسامات الأوروبية... وتدفع «الاتحاد» للبحث عن خطط جديدة

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (د.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (د.ب.أ)

ما حدث نهاية الأسبوع الماضي في جيب سبتة التابع لإسبانيا والقائم على الطرف الشمالي للأراضي المغربية لم يكن حدثاً عادياً؛ ذلك أن تدفق ما قد يصل إلى 60 ألف شخص من المواطنين المغاربة والأفارقة إلى الجيب الصغير بموجات مكثفة، يُعد خارجاً عن المألوف في ميدان الهجرات غير الشرعية بين المغرب وإسبانيا.

ونفى البيان الصادر عن وزارة الداخلية المغربية أي مسؤولية للرباط في الأمر، خصوصاً أنه جاء يوم الاحتفال بارتقاء الملك محمد السادس سدة العرش، ما عكس صورة سلبية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المغربية، وعن طموحات شريحة واسعة من الشباب للهجرة، حتى وإن لم تكن شرعية، وتحمُّل المخاطر المترتبة على ذلك. وبلغت حصيلة يومَي الفوضى، وفق السلطات الإسبانية، 72 حالة وفاة.

جنود في سبتة يراقبون يوم السبت مهاجرين جالسين على الرصيف قبل إعادتهم إلى المغرب (أ.ف.ب)

ولا شك أن التدفق الكثيف لآلاف الشبان فاجأ السلطات الأمنية في جيب سبتة التي لم تكن تتوقع حدثاً من هذا النوع. وتفيد الإحصاءات الرسمية الإسبانية بأن أعداد المتدفقين على سبتة يزيد بنحو 15 ألف شخص على الأقل على الذين دخلوا البلاد بصورة غير شرعية طيلة عام 2025، والذين بلغ عددهم 36775 شخصاً.

مَن المسؤول؟

تمت السيطرة على الأمر سريعاً من خلال تعزيز الحضور العسكري والأمني وإرجاع أغلبية المتسللين إلى الجانب المغربي من الحدود بالسرعة نفسها التي دخلوا بها.

ولم تُحدد الأسباب الحقيقية التي أفضت إلى ظاهرة بهذا الحجم، ولم يُفهم ما إذا كانت وسيلة ضغط مغربية على إسبانيا رداً على تقاربها المستجد مع الجزائر، والذي تجلى في الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر يوم 20 يوليو (تموز) الماضي، سعياً لطي صفحة التوتر بين البلدين بعد أن تبنى الخطة المغربية لمستقبل الصحراء.

كذلك طُرحت من بين الأسباب الممكنة إلغاء الخط البحري الذي كان يربط بين محمية جبل طارق البريطانية والمغرب بعد أن دخلت حيز التنفيذ يوم 15 يوليو الماضي الاتفاقية المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وبموجبها أُلغيت الحواجز المادية بين جبل طارق وإسبانيا، ما يعني أن المحمية أصبحت عملياً جزءاً من معاهدة شنغن للتنقل الحر بين دول الاتحاد.

وترى الرباط أن الاتفاقية تمس بمصالح المواطنين المغاربة الذين يقيمون في جبل طارق والمتمسكين بالتواصل مع موطنهم الأول.

يبقى أخيراً العنصر الذي يُراد له أن يكون في أساس موجات التدفق، والمتمثل في القرار الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية والذي ينص على أنه لا يجوز الترحيل الفوري لمن بلغ الأراضي الإسبانية من غير أن يواجه أي حاجز مادي. وترجمة ذلك عملياً أن من يصل إلى سبتة بحراً لا يمكن طرده، الأمر الذي يفسر أن الآلاف رموا بأنفسهم في البحر ليجتازوا المسافة الفاصلة عن سبتة سباحة.

مهاجرون ينتظرون السبت الماضي خارج المركز المخصص للمهاجرين المقيمين لفترات قصيرة في جيب سبتة الإسباني (أ.ف.ب)

ويُبرز البيان الصادر عن «الداخلية المغربية»، الأحد، هذا العنصر ويربطه بعوامل متداخلة، منها استغلال الفضاء الرقمي في ترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر، والتفسير الخاطئ لمعطيات قانونية.

وجاء الرد الإسباني على الثغرة القانونية سريعاً؛ إذ بادرت سلطات سبتة إلى بناء ما يشبه «الحائط المادي» الذي من شأنه أن يحول دون الوصول الحر إلى شاطئ سبتة بحراً.

التشظّي الأوروبي

وكثرت التبعات السياسية المترتبة على موجات الهجرة إلى سبتة؛ إذ سعت أطراف غير أوروبية، منها الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى استغلالها في سياق التصويب على حكومة سانشيز المعروف بتشدده إزاء الممارسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وإدانته لسياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحربه على إيران.

بيد أن الطرف الأول المعني بها هو قطعاً الاتحاد الأوروبي وسياساته العامة إزاء الهجرات وحماية حدوده الخارجية.

والواقع أن صور عشرات الآلاف من المتدفقين على سبتة أخافت الأوروبيين وأعادت إلى أذهانهم ما شاهدوه عامَي 2015 و2016 حيث تدفق مئات الآلاف من اللاجئين من سوريا وغيرها من البلدان التي كانت تشهد نزاعات وحروباً نحو حدود القارة القديمة بحثاً عن ملجأ.

وبعد أن كان قرار الحكومة الإسبانية الأخير، القاضي بتسوية أوضاع 500 ألف مهاجر غير شرعي في البلاد بموجب معايير محددة، موضع انتقادات عنيفة من الحكومات اليمينية المتشددة ممن اعتبرته بمنزلة دعوة للمجيء إلى أوروبا؛ جاءت أحداث سبتة لتكثيف الاتهامات بحق سانشيز.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (أ.ف.ب)

وتزعمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني حملة التنديد به وبسياساته، والمطالبة بإخراج إسبانيا مؤقتاً من معاهدة شنغن، بدعم من الدنمارك وفنلندا. وقال وزير خارجيتها أنطونيو تاياني إن التعليق المؤقت «خيار ضروري؛ إذ إن أزمة الهجرة في سبتة تذكّرنا بأن إدارة حدود الاتحاد الأوروبي مسؤولية مشتركة».

وكانت إيطاليا قد عجّلت بفرض الرقابة على الرحلات الجوية والبحرية القادمة من إسبانيا لمدة شهر. وتشاركها هذا الموقف رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي دعت إلى «دراسة جميع الخيارات، بما في ذلك التعليق». كما تؤيد هذا التوجه كل من فنلندا والتشيك والسويد.

وكتب رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، ووزير الهجرة يوهان فورسيل، يوم الأحد: «إن سياسة الهجرة غير المسؤولة التي تنتهجها إسبانيا أصبحت الآن تهدد حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي. ولن تقبل السويد المهاجرين الذين، بعد عبورهم عبر إسبانيا، يواصلون طريقهم نحو شمال أوروبا».

اجتماع الثلاثاء

وكانت النتيجة الأولى للتطورات الأخيرة أن الاتحاد الأوروبي عكس للخارج صورة التشظّي من الداخل. فإذا كانت 22 دولة أوروبية بزعامة إيطاليا والدنمارك ودعم فنلندا قد وجهت رسالة للدعوة إلى عقد اجتماع طارئ عبر تقنية الفيديو لوزراء داخلية الاتحاد، سيُعقد الثلاثاء، فإن فرنسا والبرتغال ولوكسمبورغ رفضت توقيعها، مركّزة من جانبها على ضرورة التضامن مع مدريد.

رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وأمين عام «حلف الأطلسي» مارك روته في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

وتدعو الرسالة المشتركة إلى «اتخاذ إجراءات مشتركة لتعزيز الحدود الخارجية، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والتصدي لشبكات تهريب البشر، وجعل عمليات إعادة المهاجرين أكثر فاعلية، والقضاء على أي عوامل قد تشجع على مزيد من الدخول غير القانوني».

وحمل هذا التشظّي أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إلى التدخل عبر رسالة موجهة إلى سانشيز تدعو إلى البحث عن «رد أوروبي موحد» من أجل تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد. وأعربت عن أملها في أن يفضي الاجتماع إلى «استجابة أوروبية مشتركة» لتحديات الهجرات غير النظامية.


مقالات ذات صلة

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

شمال افريقيا عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

أقرّ البرلمان الأوروبي، اليوم الخميس، نصّاً تقدّمت به قوى اليمين بدعم من اليمين المتطرف، يدعو إسبانيا والمغرب إلى تسريع إجراءات ترحيل المهاجرين الذين دخلوا سبتة

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر المروحية الرئاسية «مارين وان» في منطقة الإليبْس (أ.ب)

ترمب يهدد الاتحاد الأوروبي برسوم جمركية بسبب عضوية كندا المحتملة

هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتخاذ إجراءات ضد الاتحاد الأوروبي إذا مضى التكتل قدماً في مقترح لجعل كندا أول «عضو منتسب».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)

المهاجرون الإريتريون في سجون ليبيا... تعذيب وتجويع واغتصاب

وجد مهاجرون إريتريون كانوا يأملون في الوصول إلى أوروبا، أنفسهم محتجزين في سجن بشرق ليبيا تحت رحمة سجّانين يطالبون عائلاتهم بدفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
الاقتصاد شعار بنك الاستثمار الأوروبي في لوكسمبورغ (رويترز)

بنك الاستثمار الأوروبي ينهي 40 عاماً من عدم تمويل مشروعات الطاقة النووية

وافق بنك الاستثمار الأوروبي على ضخ 40 مليون يورو بشركة فنلندية ناشئة لتطوير مفاعل نووي، منهياً حظراً استمر على مدار أربعة عقود على تمويل مشروعات الطاقة النووية

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا قادة أوروبيون خلال مؤتمر صحافي بختام قمة في روفانييمي (فنلندا) الاثنين (إ.ب.أ)

قمة أوروبية لتعزيز الحضور في القطب الشمالي

دعا بيان ختامي لقمة أوروبية أمس «الاتحاد الأوروبي إلى الاضطلاع بدور أكثر استراتيجية واستباقية في منطقة القطب الشمالي الأوروبية».

«الشرق الأوسط» (روفانييمي (فنلندا))

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض


العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض


العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

بدأت مستشفيات كبرى في الخرطوم تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة السودانية، فيما لا تزال الصورة أكثر قتامة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى. وبينما يسعى قطاع الصحة للنهوض بصعوبة من تحت الأنقاض، لا يزال القتال ونقص التمويل وصعوبة الوصول للمرافق الصحية تحرم قطاعات واسعة من السكان من الرعاية الطبية الأساسية.

وتشير بيانات «منظمة الصحة العالمية» إلى أن نحو 37 في المائة من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة، فيما يحتاج نحو 21 مليون شخص إلى خدمات طبية، وسط نقص الأدوية وارتفاع تكلفة الوصول إلى العلاج سواء من المُكمّلات الغذائية أو حتى أدوية الأمراض المزمنة كالسرطان.

ويبدو أنه أُعيد ترميم بعض المباني والأقسام في مشافٍ مرجعية في العاصمة، إلا أن ذلك لا يعني ضمان توفير الرعاية والخدمة الصحية.


26 قتيلاً في أعمال عنف عرقية في منطقة متنازع عليها بين السودان وجنوب السودان

مدينة أبيي الحدودية الغنية بالنفط بين السودان وجمهورية جنوب السودان (رويترز)
مدينة أبيي الحدودية الغنية بالنفط بين السودان وجمهورية جنوب السودان (رويترز)
TT

26 قتيلاً في أعمال عنف عرقية في منطقة متنازع عليها بين السودان وجنوب السودان

مدينة أبيي الحدودية الغنية بالنفط بين السودان وجمهورية جنوب السودان (رويترز)
مدينة أبيي الحدودية الغنية بالنفط بين السودان وجمهورية جنوب السودان (رويترز)

قُتل 26 شخصاً وجُرح 82 آخرون في أعمال عنف عرقية وقعت في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، وفق ما أفادت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في المنطقة الخميس.

وغالباً ما تشهد أبيي اشتباكات مسلحة بين قوات سودانية وأخرى جنوب سودانية، علماً بأن المنطقة متنازع عليها منذ استقلال جنوب السودان في العام 2011.

وقالت قوة الأمم المتحدة الأمنية الموقتة لأبيي إن أعمال العنف التي وقعت الثلاثاء في سوق أمييت المشتركة، جاءت عقب مقتل رجل من قبيلة دينكا نقوك ورجل من قبيلة المسيرية في الشهر الجاري في واقعتين منفصلتين «ما أدى إلى تصاعد التوتر بين المجموعتين».

عناصر قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لمنطقة آبيي الحدودية (الأمم المتحدة)

وقال اللفتنانت جنرال في قوة الأمم المتحدة الأمنية الموقتة لأبيي غانيش كومار شريشتا: «نُجري اتصالات مكثّفة مع قادة المجموعتين الذين جدّدوا التزامهم الحوار والتوصل إلى تسوية سلمية للأعمال العدائية».

وأضاف: «تتمثل أولويتنا في منع سقوط مزيد من الضحايا. ونحضّ جميع قادة المجتمعات المحلية على تغليب الحوار وتعزيز التعايش السلمي». وأوضح البيان أن القوة الأممية عززت انتشارها في السوق ومحيطها.

وتتألف قوة الأمم المتحدة الأمنية الموقتة لأبيي من ثلاثة آلاف شرطي وجندي مكلّفين حماية المدنيين.


ما هي أجندة المؤتمر الوطني المصري المرتقب؟

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

ما هي أجندة المؤتمر الوطني المصري المرتقب؟

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

في وقت أكد فيه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بدء استعدادات الحكومة لتنظيم مؤتمر وطني، دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي لمصارحة الرأي العام بإنجازات وتحديات الحكومة، توقعت دوائر قريبة من الحكومة المصرية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن يكون الملف الاقتصادي على رأس أولويات المؤتمر، إلى جانب تقديم كشف حساب بما قدمته الحكومة في مجال تحسين الخدمات المختلفة.

وأعلن مدبولي خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة، الأربعاء، بدء استعدادات الحكومة لتنظيم المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس، والمقرر عقده الشهر المقبل، مشيراً إلى أن فلسفة المؤتمر تتبلور في الرد على استفسارات وتساؤلات الرأي العام إزاء مختلف القضايا والملفات، وشرح ما تم إنجازه خلال الفترة الماضية.

وشدد مدبولي على أن حكومته سوف تسلط الضوء على التحديات التي تواجهها في المرحلة الحالية، مع توضيح الرؤية المستقبلية حيال مختلف القضايا والملفات، مؤكداً أن هدف الحكومة هو «إشراك الجميع في كل خطوة نخطوها من أجل بلدنا، ولصالح أبناء الوطن».

مدبولي يؤكد بدء الاستعداد لمؤتمر يهدف إلى مصارحة الرأي العام بشأن جهود الحكومة (مجلس الوزراء المصري)

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجّه، خلال احتفال بمناسبة «المولد النبوي» الشهر الماضي، الحكومة بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات الفعلية، التي تحققت في مختلف قطاعات الدولة خلال السنوات الماضية، وعرضه على المواطنين خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وطالب السيسي بأن يتضمن التقرير حجم الجهود التي بذلتها الدولة، والأموال التي تم إنفاقها، والنتائج التي تحققت على أرض الواقع، ودعا إلى تناول مختلف الملفات والمشروعات والتحديات خلال مؤتمر موسع، بمشاركة الحكومة والمفكرين والمتخصصين، وأساتذة الجامعات والمهتمين بالشأن المصري.

في هذا السياق، كشف المتحدث باسم حزب «حماة الوطن» الدكتور عمرو سليمان، أنه من المتوقع أن يسلط المؤتمر الحكومي الضوء على الخطوات التنموية المهمة، ومشروعات البنية التحتية التي تم تنفيذها، وكذلك المشروعات التي هدفت إلى تحسين جودة الحياة، وفي مقدمتها مشروع «حياة كريمة» في الريف المصري، والإجابة عن تساؤل «كيف كنا؟ وأين أصبحنا؟» بشأن الإجراءات الحكومية في مجال التنمية.

وأوضح سليمان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة أقدمت على مشروعات مهمة، مثل «تحسين جودة الطرق، ومشروع إصلاح الترع الذي ساهم في مرور المياه بسلاسة إلى قرى ومناطق كانت تعاني شحاً في المياه»، مشيراً إلى أن بعض هذه المشاريع واجهت انتقادات، وأنه سيتوجب على الحكومة الرد عليها.

من جهته، يرى رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «الجبهة الوطنية» النائب سليمان وهدان، أن الملف الاقتصادي وتداعياته على الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، سيكون على رأس القضايا التي سوف تبرز فيها الحكومة جهودها، لكن سيكون عليها الإجابة أيضاً عن تساؤلات ترتبط بكيفية إدارة هذا الملف الذي ينعكس على حياة المواطن، من خلال الخدمات المقدمة له وجودتها في ظل شكاوى عديدة من تلك الخدمات.

وأوضح وهدان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن لدى الحكومة مشروعات في مجال الصحة مثلاً، وتظل أمام اختبار إنجاح منظومة «التأمين الصحي الشامل» الذي يبدأ تطبيقه لأول مرة في محافظة المنيا (جنوباً)، ذات الكثافة السكانية المرتفعة، إلى جانب جهود إحداث تحول في ملف التعليم، مع ربط المنظومة التعليمية بالتكنولوجيا.

وتواجه الحكومة المصرية انتقادات شعبية وبرلمانية بسبب السياسات الاقتصادية، التي يترتب عليها تراجع الدعم الحكومي المقدم للخدمات، وتبنّي سياسة يتم فيها تحرير الاقتصاد على نحو أكبر، كما تواجه انتقادات بشأن استمرار الغلاء، وضعف الرقابة على الأسواق، رغم المؤشرات التي تؤكد تراجع معدلات التضخم، الذي تباطأ في مدن مصر إلى 14.5 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي.

رئيس الوزراء المصري خلال متابعة تنفيذ بعض المشروعات التنموية (مجلس الوزراء المصري)

بدوره، أوضح النائب البرلماني والإعلامي مصطفى بكري، أن المؤتمر لن يكون مخصصاً للحديث عن الإنجازات، ولكن سوف يكون التركيز على «ماذا حدث؟ وكيف نتفادى الأخطاء؟»، وخاصة أن رئيس الوزراء اعترف بذلك مؤخراً. وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن المؤتمر «فرصة لتقييم حقيقي للإيجابيات والسلبيات، ليس من أجل الإدانة، ولكن لكي يكون هناك برنامج عمل صحيح يمكن خلاله تحسين الأوضاع ومحاسبة من أخطأ».

وكان مدبولي قد أكد خلال اجتماع حكومي عُقد في 3 سبتمبر (أيلول) الحالي، أن المؤتمر «لن يهدف للحديث عن أرقام، ولكن توثيق ما شهدته الدولة المصرية خلال الفترة الماضية، والرد على ما وُجّه من تحفظات أو انتقادات في كل المجالات خلال تلك الفترة».

في سياق ذلك، لمّح مدبولي إلى أخطاء في التقدير بشأن بعض المشروعات، قائلاً: «هناك بعض المشروعات والقضايا التي كان من الممكن تناولها بطريقة مختلفة»، بحسب تعبيره.

وبحسب عمرو سليمان، فإن الحكومة ستكون مطالبة بإعلام الرأي العام وإخباره كيف تعاملت مع التحديات، في وقت كان فيه الجميع يتفق على أن هناك أزمات تحدث في دول مجاورة للتأثير على مصر، وضرب مثالاً بما يجري في السودان وليبيا.

ولفت المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري المستشار محمد عادل، في تصريحات متلفزة، مساء الأربعاء، إلى أن «الهدف من المؤتمر هو شرح كيفية اتخاذ الدولة القرارات، التي تم اتخاذها خلال السنوات الماضية، وما تم تحقيقه وإنجازه، والتحديات القائمة، ورؤية الحكومة للسنوات القادمة»، مشيراً إلى أن هناك قضايا ذات أولوية لدى الرأي العام، إلى جانب تساؤلات ترد إلى الحكومة من المواطنين والنواب، وكذلك ردود الفعل التي يتم رصدها في الشارع، ومؤكداً أن المؤتمر «سيكون المنصة الأساسية للحوار».

في المقابل، يخشى أستاذ العلوم السياسية في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتور حسن سلامة، من أن يكون المؤتمر مثل «الحوار الوطني» الذي انتهى بمخرجات في ملفات عديدة، لكن جزءاً كبيراً منها لم يجد سبيلاً للتنفيذ، وقال إن «المواطنين ينتظرون الحديث عن أثر ملموس لما تقوم به الحكومة، وليس الاستماع لأرقام لن يفهموها».

وأضاف سلامة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان هدف المؤتمر تقديم كشف حساب قبل رحيل الحكومة، فمن الصعب التعويل عليه، لكن إذا كان هدفه المصارحة والمكاشفة بهدف التطوير وتحسين الأداء، ففي هذه الحالة يمكن أن يحقق نتائج جيدة»، مشدداً على ضرورة إطلاع المواطنين بشكل مستمر على خطوات الإعداد للمؤتمر.