ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء التركيبي؟

يكتسب أهمية بالغة في نجاح إدارة العمل

ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء التركيبي؟
TT

ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء التركيبي؟

ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء التركيبي؟

تبدو أحجار الزركونيا المكعبة شبيهة بالألماس تماماً، لكنّ صائغي المجوهرات يطلقون عليها اسماً آخر: «الأحجار المُحاكية»، وهو تقليد لمنتج يشبه الشيء الحقيقي في مظهره دون أن يشاركه في جوهره ومادته. وفي المقابل، يمتلك الألماس المُصنّع مختبرياً التركيب الكربوني نفسه، والصلابة التي يتمتع بها الألماس المستخرج من المناجم. ورغم أنه مُصنّع، فإنه يظل ألماساً حقيقياً.

وهذا التمييز الدقيق هو الذي ألهم الفيلسوف جون هوغلاند قبل 40 عاماً، لاقتراح تسمية «الذكاء الاصطناعي» (artificial intelligence) بـ«الذكاء التركيبي» (synthetic intelligence)؛ نظراً لأن هذا العلم يهدف إلى الوصول إلى ذكاء حقيقي، وليس مجرد تقليد زائف.

واليوم، يكتسب هذا التمييز أهمية بالغة؛ حيث يلج قادة الأعمال حقبة تبدو فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي أقل شبهاً بالأدوات التي تحاكي الذكاء، وأكثر شبهاً بأداة تركيبية فاعلة تمتلك استقلالية حقيقية، وذاكرة، وقدرة على اتخاذ القرار، وإحداث نتائج ملموسة.

من الذكاء الاصطناعي إلى الذكاء التركيبي

تشير 5 علامات فارقة إلى الخط الفاصل بين محاكاة «الذكاء الاصطناعي»، ونظام «الذكاء التركيبي المتكامل».

1. الاستقلالية المستدامة: أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على العمل لفترات أطول دون تدخل بشري. وتشير الأبحاث إلى أن الأطر الزمنية لإنجاز المهام لدى الوكلاء الأذكياء المتقدمين تتزايد بسرعة كبيرة، في حين تتوقع شركة «غارتنر» أن تتمكن شركات «فورتشن 500» قريباً من إدارة أعداد هائلة من أنظمة الذكاء الاصطناعي للمؤسسات.

2. الهوية المستمرة: بينما تقيس الاستقلالية مدى القدرة على التحمل والاستمرار ضمن مهمة محددة؛ تبحث الهوية في مدى وجود الاستمرارية والتواصل عبر المهام المختلفة. ولا تزال أنظمة كثيرة تعيد ضبط نفسها بعد كل جلسة عمل، ولكن هذا الأمر يتغير حالياً مع تراكم الذاكرة لدى النماذج، ونقلها التاريخ المعرفي والعملي إلى الأمام، وتطوير سلوكيات واضحة تتشكل وفق الأنشطة والخبرات السابقة.

3. التأثير والفاعلية في الواقع: يكمن التحول الرئيسي هنا في الانتقال من مرحلة تقديم المشورة والتوصيات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي؛ فلم تعد الأنظمة تكتفي بمجرد اقتراح رد الأموال، أو صياغة رسائل البريد الإلكتروني، أو التوصية بتعديل الرموز البرمجية؛ وإنما يمكنها الآن رد الأموال بالفعل، وإرسال البريد الإلكتروني، وتشغيل الرموز، ونقل تذاكر الدعم الفني، واستخدام بيانات الاعتماد، والتعامل مباشرة مع الأموال أو البنية التحتية الرقمية.

4. التعديل الذاتي: لا تزال الأنظمة القادرة على تعديل نفسها غير شائعة بالقدر الكافي، ولكن هذا الاتجاه بات واضحاً وملموساً؛ فقد تمكن بعض وكلاء الأبحاث من إعادة كتابة الرموز البرمجية الخاصة بها، وإجراء مئات التجارب، والتوصل إلى تحسينات جوهرية في أنظمة تدريب كانت قد عُدّلت يدوياً بالفعل من قبل الخبراء.

ولا يزال هذا المجال في بداياته الأولى، ولا تزال مستويات أداء وكلاء التدريب المستقلين تماماً أقل بكثير من مستوى أداء الخبراء البشر. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يبدو واضحاً للغاية: بدأت الأنظمة بالمشاركة الفعالة في تحسين وتطوير الأنظمة التي تأتي بعدها.

5. الاستقلالية التوليدية: تقيس الاستقلالية المدة الزمنية التي يسعى فيها النظام بجدّ وراء تحقيق هدف معين؛ بينما تبحث الاستقلالية التوليدية في مقدار العمل الذي أنجزه النظام دون أن يحدده أو يمليه عليه الإنسان مسبقاً على الإطلاق.

ولذا، نجد أن الأنظمة تبادر وعلى نحو متزايد، بإنشاء أهداف فرعية، وتبني أدوات في منتصف المهمة، وتنسق مع وكلاء آخرين؛ فالإنسان يحدد الوجهة، بينما يضع النظام مسار العمل.

ومع نشر الشركات للوكلاء على نطاق واسع، فإن السلوك الأكثر تأثيراً وأهمية قد لا ينشأ داخل أي نظام بمفرده، وإنما بين الأنظمة وبعضها، من خلال تنسيق لم يصممه أحد، ولا يراقبه أي إنسان بشكل مباشر.

ولا يتطلب هذا الادعاء بأن الأنظمة تفكر، أو تمتلك وعياً، أو قريبة من الذكاء فائق النقاش؛ إذ إن ما يهم قطاع الأعمال هو ما تفعله هذه الأنظمة بشكل ملموس والاتجاه الذي تسير قدراتها فيه.

تحولات تكسر الافتراضات

إن التحول من الذكاء المحاكي نحو الذكاء التركيبي يكسر 3 افتراضات يعتمد عليها كثير من المؤسسات: وهي أن أدوات الرقابة سوف ترصد الأخطاء، وأن عملية الشراء تعتمد بالأساس على المفاضلة بين السعر مقابل الأداء، وأن الموقف التنافسي يتغير وفق تغير السرعة البشرية.

• أدوات الرقابة لديك ترصد الأخطاء، لكن الذكاء التركيبي يتخذ القرارات: قد يعطي النظام المحاكي مخرجات خاطئة، أما الذكاء التركيبي فقد يتخذ قراره الخاص.

إن أساليب ضمان الجودة والتقييم والمراقبة التقليدية مصممة لرصد المخرجات غير الصحيحة، وليست مصممة لتقييم كيفية موازنة النظام بين التوجيهات، والأهداف، والقيم، والمفاضلات. وقد أظهرت الاختبارات والأبحاث الموجهة أخيراً أن النماذج الذكية تتصرف بناء على تقديراتها الخاصة، بما في ذلك تنبيه أطراف خارجية، أو مقاومة إيقاف التشغيل، أو الابتزاز، أو التستر على الاحتيال عندما تتعارض الأهداف مع التعليمات.

لذا، يجب الإشراف على النماذج وتقييمها بطريقة تشبه تقييم الموظفين الجدد، بدلاً من التعامل معها بوصفها آلات؛ فلا يقتصر التقييم على الأداء التقني فحسب، وإنما يمتد ليشمل مدى الملاءمة، والقيم، وأنماط اتخاذ القرار، والسلوك عند حدوث تعارض.

• عليك بناء حوكمتك وسيادتك وتحمل المسؤولية: يأتي كل نظام ذكاء اصطناعي محملاً بفلسفة خاصة به، ويزيد الذكاء التركيبي من حجم المخاطر لأن القانون يحمّل المسؤولية بشكل متزايد على عاتق الشركة المستخدمة له. لذا، لا يمكن للمؤسسات الاعتماد على استقلالية النموذج نفسه بوصف ذلك دفاعاً للتهرب من المسؤولية القانونية.

وتوضح حادثة قاعدة بيانات «بوكيت أو إس» (PocketOS database) هذه النقطة؛ حيث واجه وكيل برمجيات يعمل بالذكاء الاصطناعي خطأ في بيانات الاعتماد، وحذف - دون تأكيد - قاعدة البيانات التشغيلية للشركة ونسخها الاحتياطية. ولم تكن المشكلة مجرد نموذج من شركة سيئة مسوقة له، وإنما كانت تكمن في نشر نموذج فاعل داخل بنية تحتية مصممة بالأساس لأداة ميكانيكية تقليدية.

إن القدرة على التقدير واتخاذ القرار لا يمكن شراؤها جاهزة، وإنما يجب تشكيلها من خلال حوكمة تمتلكها المؤسسة نفسها: مثل سلاسل مسؤولية مدونة، وحقوق اتخاذ قرار واضحة، وقواعد نشر محددة قبل تشغيل الأنظمة فعلياً.

• أدواتك التقليدية تحتفظ بقيمتها، لكن قيمة الذكاء التركيبي تتضاعف تراكمياً: تمتلك الأداة التقليدية القيمة نفسها تقريباً غداً كما هي اليوم، أما النظام التركيبي فيمكنه أن يتطور ويتحسن، كما يمكن لأنظمة المنافسين أن تتطور كذلك.

وتوضح تجربة «كارباثي» التي أُجريت بين عشية وضحاها، وجرى تكرارها سريعاً في بيئة تجارية، كيف يمكن لنتيجة بحثية أن تتحول إلى قدرة تجارية وميزة للأعمال في غضون أيام وبأقل تكلفة. وعندما تتضاعف القدرة وتتراكم بسرعة عالية، فإن المزايا الثابتة والمستقرة تتلاشى سريعاً. لذا، يجب أن تتوافق عمليات التخطيط والإشراف مع معدل التراكم المتسارع للتكنولوجيا، وليس مع إيقاع جدول الميزانية السنوية.

(قدم المطور أندريه كارباثي مشروع «autoresearch» مفتوح المصدر الذي يتيح لوكيل الذكاء الاصطناعي إجراء تجارب التعلم الآلي بشكل مستقل أثناء النوم؛ إذ تُمكّن هذه الآلية الوكيلَ من تعديل الرموز البرمجية واختبارها، والتعلم بسرعة تفوق سرعة الإنسان بـ12 ضعفاً - «غوغل إيه آي»).

النجاح في إدارة النموذج الفاعل

تسقط الافتراضات الثلاثة السابقة كلها للسبب نفسه: وهو أن المؤسسات لم تعد مجرد جهات تستخدم أدوات وأجهزة، وإنما باتت تدير أدوات فاعلة ذاتية الحركة. ويمكن لـ4 خطوات أن تساعد المؤسسات في مواكبة هذا التحول.

1.إجراء تدقيق للعتبة: قم بإجراء تدقيق مبدئي. غداً، أنشئ قائمة من صفحة واحدة تُقيّم كل نظام ذكاء اصطناعي لديك قيد التشغيل وفقاً للعلامات الخمس للذكاء الاصطناعي: هل هو مستقل؟ وهل لديه ذاكرة دائمة؟ وهل يعمل من خلال أدوات؟ وهل يُعدّل نفسه بنفسه؟ وهل يبتكر مهام لم يُسندها إليه أحد؟ أي نظام يحتوي على 3 علامات أو أكثر من «نعم»، يُرجّح أنه يُدار وفقاً لأسلوب خاطئ - أي عليك أن تديره بأسلوب جديد بوصفه أداة فاعلة.

2. إعادة تحديد صلاحيات اتخاذ القرار قبل أن تعيد الأنظمة رسمها: لكل نظام يتجاوز العتبة المحددة، ينبغي لك تحديد القرارات التي تتطلب موافقة بشرية، والجهة التي تملك مفتاح الإيقاف الفوري، ومدى السرعة التي يمكن بها استخدام هذا المفتاح.

3. تحديد ملكية السياق الخاص بك: ارسم خريطة تحدد مكان وجود الذاكرة، وسجلات الأحداث، وعمليات التنسيق، واتخاذ القرار بشأن ما تمتلكه مؤسستك وما تستأجره، ذلك أن السجل التاريخي الذي تراكمه الأنظمة سيتحول إما إلى خندق دفاعي يحميك... أو إلى تبعية تُقيّدُك.

4. إعادة تقييم وتيرة الحوكمة لديك: حدد أبطأ دورة إشراف ورقابة بمؤسستك، واسأل عما يمكن لنظام يُطوّر نفسه يومياً أن يفعله في الفترة الفاصلة بين الاجتماعات. ثم وبعد ذلك أنشئ أنظمة مراقبة تكتشف التغير السلوكي للنموذج فور حدوثه، بما في ذلك التنسيق الحاصل بين الوكلاء وبعضهم.

فجوة الاستخدام والإشراف

إن النظام المحاكي لا يتطلب منك عادة سوى مراجعة عمله وتصحيحه، أما الذكاء التركيبي فيأتي باستقلالية حقيقية، وأفعال حقيقية، وعواقب حقيقية.

ولا يكمن الخطر في الذكاء التركيبي ذاته، وإنما في الفجوة القائمة بين ما أصبحت عليه هذه الأنظمة والأسلوب الذي لا تزال المؤسسات تديرها به. تلك الفجوة هي المساحة التي تُحذف فيها قواعد البيانات، وتقع فيها المسؤولية القانونية، ويتسابق فيها المنافسون لتحقيق مزايا تتضاعف باستمرار.

• مجلة «فاست كومباني»


مقالات ذات صلة

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة اكتشاف الفعاليات وحجزها؟

خاص يضيف «webook.com» طبقة محادثية جديدة لاكتشاف الفعاليات خاصة عند كون نية المستخدم عامة أو غير محددة (أدوبي)

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة اكتشاف الفعاليات وحجزها؟

يستخدم «webook.com» الذكاء الاصطناعي لفهم نية المستخدم واقتراح فعاليات مناسبة مع إبقاء الحجز والدفع والتحقق النهائي داخل المنصة الرسمية الآمنة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يُعد التنبؤ بالطلب باستخدام تعلم الآلة أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في سلاسل الإمداد وتستخدمه 45 % من المؤسسات (أدوبي)

خاص سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

يكشف توسع الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد عن أن المرونة تعتمد على تكامل الأنظمة والبيانات، وتحويل التوصيات إلى قرارات تشغيلية سريعة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «أنثروبيك» على بصمة نصية خفية تُنشأ في أثناء التوليد عبر أنماط إحصائية في اختيار الكلمات وليست علامة مرئية داخل النص ( أدوبي)

كيف تعمل البصمة النصية في «Claude»... ومتى يمكن أن تختفي؟

تزداد قابلية اكتشاف البصمة في النصوص الأطول، في حين تكون الإشارة أضعف في المقاطع القصيرة أو المحتوى الذي يفرض صياغات محددة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «إيربودز» بكاميرات تتيح لـ«سيري» فَهم ما حولك (أبل)

«أبل» تختبر سماعة «إيربودز» مزوَّدة بكاميرا وذكاء بصري

كشفت «أبل» عن طريق الخطأ واحدة من أوضح الإشارات حتى الآن إلى خططها المستقبلية لسماعات «إيربودز»، (AirPods).

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)

خاص رئيس «مايكروسوفت العربية» يحدد أولويات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في السعودية

تدفع «مايكروسوفت العربية» نحو ربط توسع الذكاء الاصطناعي في السعودية بالإنتاجية والمهارات المحلية وبناء حلول وملكية فكرية من داخل المملكة.

نسيم رمضان (لندن)

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
TT

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

لسنوات، كان سباق الذكاء الاصطناعي العالمي يُقاس بحجم النماذج وقوة الحوسبة وكميات البيانات والقدرة على تطوير أنظمة أكثر كفاءة. لكن مع انتقال هذه التقنيات من المختبرات إلى المستشفيات والمدارس والمؤسسات الحكومية، ظهر سؤال أكثر تعقيداً: كيف نضمن أن تعمل هذه القوة بصورة آمنة ومسؤولة؟

من هنا، تكتسب موافقة مجلس الوزراء السعودي على النظام الأساس لـ«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض أهمية تتجاوز إنشاء مؤسسة بحثية جديدة. ويعمل المركز تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، بصفته مركزاً من الفئة الثانية، مع دور يمتد إلى البحث وبناء القدرات وتعزيز التعاون، ولا سيما في المنطقة العربية.

لكن أهمية الخطوة تكمن أيضاً في توقيتها؛ فالعالم ينتقل تدريجياً من السؤال عما تستطيع الخوارزميات فعله إلى السؤال عن الحدود التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

حين تصبح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قابلة للقياس

من المبادئ إلى التطبيق

> أخلاقيات قابلة للقياس. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، تبنت الدول الأعضاء في «يونيسكو» أول إطار معياري عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واضعةً حقوق الإنسان والكرامة البشرية في قلب العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.

لكن التحدي العلمي بدأ بعد ذلك: كيف يمكن تحويل مبدأ أخلاقي إلى شيء يمكن قياسه واختباره؟

فالقول إن نظاماً ما منصف لا يكفي علمياً؛ إذ تجب مقارنة أدائه بين مجموعات مختلفة، وقياس معدلات الخطأ والنتائج الإيجابية والسلبية الكاذبة، والتحقق من تأثير العمر أو الجنس أو الخلفية السكانية في نتائجه. ولهذا؛ طورت «يونيسكو» عام 2023 «منهجية تقييم الجاهزية» (RAM)، التي تضم 195 سؤالاً تغطي خمسة أبعاد: القانون والتنظيم، والمجتمع والثقافة، والعلوم والتعليم، والاقتصاد، والبنية التقنية، والتحتية. وطُبقت المنهجية في أكثر من 75 دولة.

وتكشف النتائج عن حجم الفجوة بين المبدأ والتطبيق. فقد بلغت تغطية الأسئلة المتعلقة بترتيبات الحوكمة نحو 71 في المائة، لكنها انخفضت إلى 48 في المائة في البعد التقني والبنية التحتية، و41 في المائة في الجانب القانوني والتنظيمي. وفي المقابل، حددت 96 في المائة من الدول المشمولة وزارات أو جهات مسؤولة. وهكذا لم يعد السؤال: ما القيم التي نريدها؟ بل كيف نعرف أن الأنظمة تلتزم بها فعلاً؟

منصة عالمية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

> الاختبار الأصعب... في المستشفى. وتصبح الإجابة أكثر إلحاحاً داخل المستشفى، حيث يمكن أن تتحول النتيجة الخاطئة من رقم في دراسة إلى قرار يمس حياة مريض. فقد يحقق نموذج لقراءة الأشعة أداءً مرتفعاً إجمالاً، لكنه يفشل بصورة أكبر لدى فئة سكانية لم تكن ممثلة بما يكفي في بيانات التدريب. كما أن تغيير عتبة الإنذار في نظام للتنبؤ السريري قد يزيد قدرته على اكتشاف الحالات، لكنه قد يرفع أيضاً عدد الإنذارات الكاذبة وما يتبعها من فحوص أو تدخلات غير ضرورية.

وتزداد الحساسية مع النماذج التوليدية؛ فالجواب قد يبدو مقنعاً لغوياً حتى عندما تكون المعلومة الطبية غير دقيقة.

وتظهر المعضلة عندما يختلف الطبيب والنظام. فإذا صنّف برنامج للأشعة آفةً بأنها منخفضة الخطورة، في حين يرى الاختصاصي ما يستدعي مزيداً من الفحص، فلا ينبغي أن يتحول التفوق الحسابي سلطةً تلغي الحكم السريري.

لهذا؛ يجب ألا ينتهي تقييم التقنيات الطبية عند إدخالها إلى المستشفى؛ فقد يتغير أداؤها باختلاف السكان والأجهزة وأنماط المرض. وهنا يصبح السؤال: متى نثق بالنتيجة، ومتى نراجعها، ومتى نتوقف عن استخدام النظام؟

من مواكبة الثورة إلى المشاركة في صياغة مستقبلها

سبتمبر... اختبار للدور الجديد

> لماذا الرياض؟ يأتي اختيار الرياض في بيئة تشهد توسعاً سريعاً في البنية الوطنية للبيانات والتقنيات الذكية ضمن التحول الرقمي الذي تقوده «رؤية السعودية 2030».

فالمملكة طورت استراتيجيتها الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، واستثمرت في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، بالتوازي مع تطوير نماذج عربية مثل «علّام» (ALLaM).

ويمنح تركيز المركز على منطقة الدول العربية مهمته بعداً إضافياً؛ فالأنظمة الذكية لا تعمل في فراغ. واللغة والبيانات والتركيبة السكانية والبيئة الصحية والتعليمية كلها متغيرات يمكن أن تؤثر في النتائج.

فنموذج دُرّب أساساً على بيانات من مجتمعات أخرى قد لا يلتقط الخصائص العربية اللغوية أو السكانية أو السريرية بالدقة نفسها. ولذلك؛ فإن نقل التقنية من بيئة إلى أخرى لا يعني انتقال صلاحيتها تلقائياً معها.

> منتدى عالمي. وسيأتي اختبار مبكر لهذا الدور عندما تستضيف الرياض، من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) 2026، النسخة الرابعة من «منتدى يونيسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، بالشراكة بين «يونيسكو» والمملكة ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) والمركز الدولي. وبعد خمس سنوات من اعتماد توصية 2021، يمكن للنقاش أن ينتقل من صياغة المبادئ إلى مقارنة ما حدث عند تطبيقها في عشرات الدول: ما الذي نجح؟ وأين ظهرت الفجوات؟ وما الذي يمكن نقله بين المجتمعات؟

«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» يفتح مرحلة جديدة

وبالنسبة إلى المنطقة، تبرز أسئلة أكثر تحديداً: كيف تُختبر النماذج التي تتعامل مع العربية ولهجاتها؟ وهل تمثل مجموعات البيانات سكان المنطقة بما يكفي؟ وكيف تُقيّم الأنظمة الطبية أو التعليمية المطورة في الخارج قبل استخدامها محلياً؟

هنا، قد تكمن القيمة الأبعد للمركز: أن تصبح الرياض منصة لإنتاج بيانات مقارنة وأدوات للاختبار وبناء شبكات بحثية تربط الخبرة العربية بالمعرفة الدولية.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المؤتمرات أو الوثائق التي تصدر، بل في المعرفة التي يمكن تحويلها ممارسةً.

وعندها قد يتغير السؤال من: هل يستطيع العالم العربي مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي؟

إلى سؤال أكثر طموحاً: هل يستطيع أن يشارك في كتابة قواعدها؟


«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان
TT

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

لطالما ركزت أبحاث السرطان على الجينات نفسها بصفتها المحرك الرئيس لنشوء الأورام، إلا أن العلماء يدركون اليوم أن تشغيل هذه الجينات أو إيقافها لا يقل أهمية عن الجينات ذاتها. ويقود هذا الدور في التشغيل أجزاء صغيرة من الحمض النووي تُعرف باسم «المعززات الوراثية»، وهي بمثابة «مفاتيح تشغيل» تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدة تعبيرها.

وقد كشفت دراسة جديدة عن أن هذه المفاتيح لا تعمل بصورة منفردة كما كان يُعتقد، بل تتعاون ضمن شبكات ثلاثية الأبعاد معقدة تتصدرها مجموعة محدودة من «المفاتيح الرئيسية» master switches التي تنسق عمل عشرات المفاتيح الأخرى. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Biology في 23 يوليو (تموز) 2026. وهي توفر فهماً أعمق للكيفية التي ينشأ بها سرطان البروستاتا، كما قد تمهد الطريق لتطوير جيل جديد من العلاجات الجينية الموجهة.

وقال الدكتور سوهن كيونغ ري، أستاذ بيولوجيا السرطان المساعد في كلية كيك للطب بجامعة جنوب كاليفورنيا والباحث الرئيس في الدراسة: أظهرنا للمرة الأولى أن المعززات الوراثية Enhancers تعمل وفق نظام هرمي، فبعضها يؤدي دور المفاتيح الرئيسية التي تنظم نشاط كثير من المعززات والجينات الأخرى، في حين يقتصر دور بعضها الآخر على دعم هذا النشاط.

معززات وراثية

• ما وراء الحمض النووي المهمل. وتعزز هذه النتائج أيضاً الفهم المتزايد لأهمية الحمض النووي غير المشفر الذي يشكل نحو 99 في المائة من الجينوم البشري. فبعد أن كان يُوصف لعقود بأنه «حمض نووي مهمل» أصبح من الواضح أنه يؤدي دوراً محورياً في تنظيم نشاط الجينات.

وتقع المعززات الوراثية ضمن هذه المناطق غير المشفرة؛ فهي لا تنتج بروتينات بنفسها وإنما تعمل كمفاتيح تتحكم في تشغيل الجينات المجاورة أو إيقافها تماماً، كما يتحكم مفتاح كهربائي في تشغيل دائرة كاملة.

ويرى الباحثون أن أي خلل في عمل هذه المفاتيح قد يؤدي إلى تنشيط الجينات المحفزة للسرطان، وبالتالي دفع الخلايا إلى النمو والانقسام بصورة غير طبيعية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لشبكات السرطان. ولفهم كيفية عمل هذه المعززات حلل الباحثون 201 مجموعة من البيانات الجينية المستخلصة من أنسجة بروستاتا سليمة وأخرى مصابة بالسرطان. وتمكنوا من تحديد 3216 معززاً وراثياً ينشط بصورة خاصة في خلايا سرطان البروستاتا.

وباستخدام تقنية متطورة لرسم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي بدقة عالية؛ اكتشف الفريق أن هذه المعززات لا تعمل بشكل منفصل، بل ترتبط ببعضها في شبكة ثلاثية الأبعاد معقدة لا توجد في الخلايا الطبيعية.

وتتيح هذه الشبكة للمعززات التعاون فيما بينها؛ ما يعزز نشاطها الجماعي ويؤدي إلى تشغيل عدد كبير من الجينات المسؤولة عن نمو الورم.

• مفاتيح تتحكم بالشبكة بأكملها. ولمعرفة أهمية كل معزز؛ استخدم الباحثون تقنية التحرير الجيني كريسبر CRISPR لحذف المعززات واحداً تلو الآخر ثم راقبوا تأثير ذلك في نشاط الجينات ونمو الخلايا السرطانية.

وأظهرت النتائج أن المعززات ليست جميعها متساوية في الأهمية. فحذف بعض المعززات لم يترك أثراً يُذكر، في حين أدى حذف عدد محدود من «المعززات المركزية» central enhancers إلى انهيار الشبكة بأكملها وانخفاض نشاط معززات أخرى وإيقاف تشغيل كثير من الجينات المحفزة للسرطان، فضلاً عن إبطاء نمو الخلايا السرطانية بشكل ملحوظ.

وتشير هذه النتائج إلى أن تلك المعززات تعمل كمراكز تحكم رئيسية تنسق نشاط شبكة واسعة من المفاتيح الوراثية.

«المعززات الوراثية» تعمل كمفاتيح تشغيل تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدته

هدف جديد لعلاج السرطان

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يغير طريقة تطوير علاجات السرطان مستقبلاً. فبدلاً من استهداف جين واحد في كل مرة قد يصبح بالإمكان تعديل هذه «المفاتيح الرئيسية» للتحكم في نشاط عشرات الجينات المرتبطة بالسرطان في آن واحد.

ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه الفكرة علاجاً سريرياً؛ إذ ينبغي أولاً التأكد من أن استهداف المعززات الصحيحة لن يؤدي إلى تأثيرات جانبية غير مرغوبة؛ نظراً إلى دورها الواسع في تنظيم وظائف الخلية.

ويعتقد الباحثون أن المبادئ التي كشفت عنها الدراسة لا تقتصر على سرطان البروستاتا، بل قد تنطبق على أنواع عدّة من السرطان وأمراض أخرى.

ويعمل الفريق حالياً على دراسة دور شبكات المعززات الوراثية في سرطان الثدي، إضافة إلى بحث علاقتها بمقاومة الأورام للعلاجات الحالية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل النجاح الذي حققه أول علاج معتمد يعتمد على تحرير الجينات وهو دواء Casgevy الذي يستهدف أحد المعززات الوراثية لعلاج فقر الدم المنجلي والثلاسيميا المعتمدة على نقل الدم؛ ما يؤكد أن استهداف هذه المفاتيح الجينية يمكن أن يتحول استراتيجيةً علاجية فعالة.

ورغم أن الدراسة لا تزال في إطار الأبحاث الأساسية، فإنها تقدم واحدة من أوضح الصور حتى الآن عن الكيفية التي تُدار بها شبكة التحكم الوراثية داخل الخلايا. كما تفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات الدقيقة التي قد تستهدف البنية التنظيمية للجينوم بدلاً من التركيز على الجينات منفردة في خطوة قد تغير مستقبل علاج السرطان.


ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة
TT

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

قد تشكل محدودية عمر البطارية عائقاً أمام الاستفادة الكاملة من الطائرات المسيّرة في حالات الاستجابة للكوارث، وفحص البنية التحتية، أو توصيل الإمدادات. وفي هذا السياق، نجح باحثون في الصين في تطوير نظام جديد يتيح نقل الطاقة إلى الطائرة المسيَّرة أثناء تحليقها باستخدام أشعة الليزر. وأكد الباحثون أن هذا الابتكار قد يُسهم في إطالة زمن الطيران بشكل كبير.

مستقبِلات أشعة الليزر

ومن المعلوم أن الكثير من الطائرات المسيَّرة تعتمد حالياً على بطاريات، لا تسمح لها بالبقاء محلقة لأكثر من ساعة في كثير من الحالات، قبل أن تضطر إلى الهبوط لإعادة التزود بالوقود أو الاستعانة ببطارية جديدة. ويفرض ذلك قيوداً صارمة على تنفيذ مهام طويلة، مثل توصيل الطرود لمسافات بعيدة، أو مسح مناطق واسعة، أو تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ.

وفي محاولة لتجاوز هذه العقبة، قدّم فريق بحثي من جامعة الطيران المدني الصينية، بمدينة تيانجين، وجامعة تسينغهوا في بكين، مقترحاً لبناء نظام ينقل الطاقة إلى الطائرة في أثناء تحليقها عبر أشعة الليزر. وصمّم الفريق مستقبلاً مبتكراً يعتمد على «البيروفسكايت»، وهي فئة من المواد تُستخدم عادة في الألواح الشمسية. ويتميّز جهاز الاستقبال هذا، البالغة مساحته سنتيمترين مربعين، بخفة وزنه بما يسمح بتركيبه أسفل جناح الطائرة، فضلاً عن كفاءته التي تمكّنه من تشغيل مروحة.

وكتب المؤلف الرئيس للدراسة جيان هوا هان، الأستاذ المشارك في جامعة الطيران المدني الصينية، في رسالة بريد إلكتروني مع مجلة «سبيكتروم» الأميركية: «يشكل نقص سعة البطارية عائقاً عملياً بالغ الخطورة أمام عمليات الطائرات المسيّرة طويلة المدى. وفي ظل هذا النظام الجديد، تُصدر أجهزة الإرسال الأرضية أو المحمولة جواً، أشعة ليزر لتزويد الطائرات المسيَّرة بالطاقة بشكل مستمر في أثناء تحليقها».

إن فكرة نقل الطاقة عبر أشعة الليزر ليست بالأمر الجديد. ويكمن التحدي الأكبر هنا في أنّ تعريض جهاز الاستقبال لكثافة عالية من الضوء، يؤدي إلى ارتفاع سريع في حرارته، مما يقلل من كفاءة التحويل بشدة، وقد يتسبب في تلفه نهاية الأمر. وعليه، سعى الباحثون إلى صياغة مستقبل قادر على تحمّل التشغيل لفترات طويلة، دون فقدان الكفاءة.

واعتمد الفريق البحثي على مركّب «بروميد الرصاص السيزيومي» من عائلة البيروفسكايت، لما يتمتع به من استقرار عالٍ، يجعله مناسباً للعمل في درجات حرارة مرتفعة، وفي ظل تعرّض مستمر للإشعاع. كما أنّ مواد البيروفسكايت عموماً أقل تكلفة وأسهل تصنيعاً، مقارنة بمواد كهروضوئية أخرى، إضافة إلى قدرتها العالية على امتصاص الضوء.

ويتكوّن التصميم من طبقة البيروفسكايت فوق قطب كربوني، يعمل على جمع التيار الكهربائي الناتج، بينما توضع أسفلها طبقة حرارية كهربائية تستفيد من الحرارة المهدرة، الناتجة عن تسليط الليزر لتوليد طاقة إضافية. وقد نُشرت تفاصيل هذا الابتكار في دراسة علمية أواخر يوليو (تموز) بدورية Matter & Light («المادة والضوء»).

غير أنّ القطب الكربوني يمتاز كذلك بقدرته العالية على تحويل الفوتونات الواردة إلى حرارة، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المستقبل بسرعة، لتصل إلى نحو 85 درجة مئوية. وهذا الأمر ينعكس سلباً على كفاءته. ولمعالجة هذه المشكلة، أضاف الباحثون قضباناً نانوية دقيقة من «سيلينيد الأنتيمون» إلى القطب الكربوني، يتراوح قطرها بين 50 و80 نانومتراً تقريباً، لحماية طبقة البيروفسكايت. وتمتاز هذه الجسيمات بانخفاض قدرتها على توصيل الحرارية، مما يجعلها تعمل بمثابة حاجز يقلل انتقال الحرارة، وفي الوقت نفسه تُحسّن من تدفّق التيار الكهربائي من طبقة البيروفسكايت إلى القطب.

اختبار «أرضي» ناجح

ولاختبار جهاز الاستقبال، أطلق الفريق شعاع ليزر أخضر بقدرة 5 واط على المنطقة النشطة في المستقبل، البالغ مساحتها 12 مليمتراً مربعاً، مع نفخ الهواء فوق سطحه لمحاكاة تدفق الهواء في أثناء التحليق، الأمر الذي يعزز كفاءة الطبقة الكهروحرارية. وأفاد الباحثون بكفاءة تحويل طاقة تقارب 39 في المائة، ما يكفي لتشغيل مروحة قطرها 6.7 سنتيمتر بسرعة 7820 دورة في الدقيقة.

وسعياً نحو مزيد من التطوير، حاول الفريق دمج جهاز الاستقبال في نموذج ثابت لطائرة مسيَّرة ذات جناح ثابت. ولتعزيز كفاءته، أنشأوا قنوات هوائية في جناح الطائرة لتوجيه الهواء فوق الطبقة الكهروحرارية، مما يُسهم في تبريدها. وعندما سلطوا شعاع الليزر الأخضر على جهاز الاستقبال، ولّد طاقة كافية لتشغيل مروحة مثبتة على الجناح بسرعة تتراوح بين 1200 و1450 دورة في الدقيقة لمدة نحو دقيقة.

ولم يختبر الباحثون الجهاز على طائرة مسيَّرة. وأقر هان بأنّ الاعتماد فقط على نتائج المحاكاة الأرضية يُعدّ أحد قيود الدراسة. وقال: «قد يتساءل الباحثون عمّا إذا كان بالإمكان الحفاظ على الأداء المختبري المتميز في الظروف الخارجية، بما في ذلك هبوب الرياح الطبيعية، وتغيّر درجات الحرارة، وتداخل ضوء الشمس، والاهتزازات والتذبذبات الطبيعية للطائرات المسيّرة».

وأقر هان كذلك بأنّ استهداف مركبة متحركة بشعاع ليزر عالي الطاقة بشكل آمن وفعَّال سينطوي على تحدٍ هندسي معقد، موضحاً أنه: «تُمثّل سلامة الليزر الشاغل الأبرز، ويقصد به كيفية منع أشعة الليزر من التداخل مع الطائرات الأخرى وتعريض حياة الكائنات الحية الأرضية للخطر».

ويركّز فريقه في الوقت الحاضر بشكل أساسي على تطوير جهاز الاستقبال. إلا أنه أشار إلى أن مجموعات أخرى تعمل على تقنيات استهداف الشعاع، بالإضافة إلى طرق لتفعيل إيقاف الليزر في غضون أجزاء من الثانية في حال عبور أي شيء مسار شعاع الليزر، عن غير قصد. كما يواصل فريقه العمل على المرحلة التالية من المشروع التي ستتضمن اختبارات طيران على طائرة مسيَّرة خفيفة الوزن. وقال: «هدفنا الواضح تحقيق طيران المسيرة باستخدام الليزر، إذ إنه حتى التحليق لفترة قصيرة يمثل نقلة نوعية من مرحلة اختبارات إثبات المفهوم إلى التحقق الفعلي من الطيران».