ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء التركيبي؟

يكتسب أهمية بالغة في نجاح إدارة العمل

ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء التركيبي؟
TT

ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء التركيبي؟

ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء التركيبي؟

تبدو أحجار الزركونيا المكعبة شبيهة بالألماس تماماً، لكنّ صائغي المجوهرات يطلقون عليها اسماً آخر: «الأحجار المُحاكية»، وهو تقليد لمنتج يشبه الشيء الحقيقي في مظهره دون أن يشاركه في جوهره ومادته. وفي المقابل، يمتلك الألماس المُصنّع مختبرياً التركيب الكربوني نفسه، والصلابة التي يتمتع بها الألماس المستخرج من المناجم. ورغم أنه مُصنّع، فإنه يظل ألماساً حقيقياً.

وهذا التمييز الدقيق هو الذي ألهم الفيلسوف جون هوغلاند قبل 40 عاماً، لاقتراح تسمية «الذكاء الاصطناعي» (artificial intelligence) بـ«الذكاء التركيبي» (synthetic intelligence)؛ نظراً لأن هذا العلم يهدف إلى الوصول إلى ذكاء حقيقي، وليس مجرد تقليد زائف.

واليوم، يكتسب هذا التمييز أهمية بالغة؛ حيث يلج قادة الأعمال حقبة تبدو فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي أقل شبهاً بالأدوات التي تحاكي الذكاء، وأكثر شبهاً بأداة تركيبية فاعلة تمتلك استقلالية حقيقية، وذاكرة، وقدرة على اتخاذ القرار، وإحداث نتائج ملموسة.

من الذكاء الاصطناعي إلى الذكاء التركيبي

تشير 5 علامات فارقة إلى الخط الفاصل بين محاكاة «الذكاء الاصطناعي»، ونظام «الذكاء التركيبي المتكامل».

1. الاستقلالية المستدامة: أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على العمل لفترات أطول دون تدخل بشري. وتشير الأبحاث إلى أن الأطر الزمنية لإنجاز المهام لدى الوكلاء الأذكياء المتقدمين تتزايد بسرعة كبيرة، في حين تتوقع شركة «غارتنر» أن تتمكن شركات «فورتشن 500» قريباً من إدارة أعداد هائلة من أنظمة الذكاء الاصطناعي للمؤسسات.

2. الهوية المستمرة: بينما تقيس الاستقلالية مدى القدرة على التحمل والاستمرار ضمن مهمة محددة؛ تبحث الهوية في مدى وجود الاستمرارية والتواصل عبر المهام المختلفة. ولا تزال أنظمة كثيرة تعيد ضبط نفسها بعد كل جلسة عمل، ولكن هذا الأمر يتغير حالياً مع تراكم الذاكرة لدى النماذج، ونقلها التاريخ المعرفي والعملي إلى الأمام، وتطوير سلوكيات واضحة تتشكل وفق الأنشطة والخبرات السابقة.

3. التأثير والفاعلية في الواقع: يكمن التحول الرئيسي هنا في الانتقال من مرحلة تقديم المشورة والتوصيات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي؛ فلم تعد الأنظمة تكتفي بمجرد اقتراح رد الأموال، أو صياغة رسائل البريد الإلكتروني، أو التوصية بتعديل الرموز البرمجية؛ وإنما يمكنها الآن رد الأموال بالفعل، وإرسال البريد الإلكتروني، وتشغيل الرموز، ونقل تذاكر الدعم الفني، واستخدام بيانات الاعتماد، والتعامل مباشرة مع الأموال أو البنية التحتية الرقمية.

4. التعديل الذاتي: لا تزال الأنظمة القادرة على تعديل نفسها غير شائعة بالقدر الكافي، ولكن هذا الاتجاه بات واضحاً وملموساً؛ فقد تمكن بعض وكلاء الأبحاث من إعادة كتابة الرموز البرمجية الخاصة بها، وإجراء مئات التجارب، والتوصل إلى تحسينات جوهرية في أنظمة تدريب كانت قد عُدّلت يدوياً بالفعل من قبل الخبراء.

ولا يزال هذا المجال في بداياته الأولى، ولا تزال مستويات أداء وكلاء التدريب المستقلين تماماً أقل بكثير من مستوى أداء الخبراء البشر. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يبدو واضحاً للغاية: بدأت الأنظمة بالمشاركة الفعالة في تحسين وتطوير الأنظمة التي تأتي بعدها.

5. الاستقلالية التوليدية: تقيس الاستقلالية المدة الزمنية التي يسعى فيها النظام بجدّ وراء تحقيق هدف معين؛ بينما تبحث الاستقلالية التوليدية في مقدار العمل الذي أنجزه النظام دون أن يحدده أو يمليه عليه الإنسان مسبقاً على الإطلاق.

ولذا، نجد أن الأنظمة تبادر وعلى نحو متزايد، بإنشاء أهداف فرعية، وتبني أدوات في منتصف المهمة، وتنسق مع وكلاء آخرين؛ فالإنسان يحدد الوجهة، بينما يضع النظام مسار العمل.

ومع نشر الشركات للوكلاء على نطاق واسع، فإن السلوك الأكثر تأثيراً وأهمية قد لا ينشأ داخل أي نظام بمفرده، وإنما بين الأنظمة وبعضها، من خلال تنسيق لم يصممه أحد، ولا يراقبه أي إنسان بشكل مباشر.

ولا يتطلب هذا الادعاء بأن الأنظمة تفكر، أو تمتلك وعياً، أو قريبة من الذكاء فائق النقاش؛ إذ إن ما يهم قطاع الأعمال هو ما تفعله هذه الأنظمة بشكل ملموس والاتجاه الذي تسير قدراتها فيه.

تحولات تكسر الافتراضات

إن التحول من الذكاء المحاكي نحو الذكاء التركيبي يكسر 3 افتراضات يعتمد عليها كثير من المؤسسات: وهي أن أدوات الرقابة سوف ترصد الأخطاء، وأن عملية الشراء تعتمد بالأساس على المفاضلة بين السعر مقابل الأداء، وأن الموقف التنافسي يتغير وفق تغير السرعة البشرية.

• أدوات الرقابة لديك ترصد الأخطاء، لكن الذكاء التركيبي يتخذ القرارات: قد يعطي النظام المحاكي مخرجات خاطئة، أما الذكاء التركيبي فقد يتخذ قراره الخاص.

إن أساليب ضمان الجودة والتقييم والمراقبة التقليدية مصممة لرصد المخرجات غير الصحيحة، وليست مصممة لتقييم كيفية موازنة النظام بين التوجيهات، والأهداف، والقيم، والمفاضلات. وقد أظهرت الاختبارات والأبحاث الموجهة أخيراً أن النماذج الذكية تتصرف بناء على تقديراتها الخاصة، بما في ذلك تنبيه أطراف خارجية، أو مقاومة إيقاف التشغيل، أو الابتزاز، أو التستر على الاحتيال عندما تتعارض الأهداف مع التعليمات.

لذا، يجب الإشراف على النماذج وتقييمها بطريقة تشبه تقييم الموظفين الجدد، بدلاً من التعامل معها بوصفها آلات؛ فلا يقتصر التقييم على الأداء التقني فحسب، وإنما يمتد ليشمل مدى الملاءمة، والقيم، وأنماط اتخاذ القرار، والسلوك عند حدوث تعارض.

• عليك بناء حوكمتك وسيادتك وتحمل المسؤولية: يأتي كل نظام ذكاء اصطناعي محملاً بفلسفة خاصة به، ويزيد الذكاء التركيبي من حجم المخاطر لأن القانون يحمّل المسؤولية بشكل متزايد على عاتق الشركة المستخدمة له. لذا، لا يمكن للمؤسسات الاعتماد على استقلالية النموذج نفسه بوصف ذلك دفاعاً للتهرب من المسؤولية القانونية.

وتوضح حادثة قاعدة بيانات «بوكيت أو إس» (PocketOS database) هذه النقطة؛ حيث واجه وكيل برمجيات يعمل بالذكاء الاصطناعي خطأ في بيانات الاعتماد، وحذف - دون تأكيد - قاعدة البيانات التشغيلية للشركة ونسخها الاحتياطية. ولم تكن المشكلة مجرد نموذج من شركة سيئة مسوقة له، وإنما كانت تكمن في نشر نموذج فاعل داخل بنية تحتية مصممة بالأساس لأداة ميكانيكية تقليدية.

إن القدرة على التقدير واتخاذ القرار لا يمكن شراؤها جاهزة، وإنما يجب تشكيلها من خلال حوكمة تمتلكها المؤسسة نفسها: مثل سلاسل مسؤولية مدونة، وحقوق اتخاذ قرار واضحة، وقواعد نشر محددة قبل تشغيل الأنظمة فعلياً.

• أدواتك التقليدية تحتفظ بقيمتها، لكن قيمة الذكاء التركيبي تتضاعف تراكمياً: تمتلك الأداة التقليدية القيمة نفسها تقريباً غداً كما هي اليوم، أما النظام التركيبي فيمكنه أن يتطور ويتحسن، كما يمكن لأنظمة المنافسين أن تتطور كذلك.

وتوضح تجربة «كارباثي» التي أُجريت بين عشية وضحاها، وجرى تكرارها سريعاً في بيئة تجارية، كيف يمكن لنتيجة بحثية أن تتحول إلى قدرة تجارية وميزة للأعمال في غضون أيام وبأقل تكلفة. وعندما تتضاعف القدرة وتتراكم بسرعة عالية، فإن المزايا الثابتة والمستقرة تتلاشى سريعاً. لذا، يجب أن تتوافق عمليات التخطيط والإشراف مع معدل التراكم المتسارع للتكنولوجيا، وليس مع إيقاع جدول الميزانية السنوية.

(قدم المطور أندريه كارباثي مشروع «autoresearch» مفتوح المصدر الذي يتيح لوكيل الذكاء الاصطناعي إجراء تجارب التعلم الآلي بشكل مستقل أثناء النوم؛ إذ تُمكّن هذه الآلية الوكيلَ من تعديل الرموز البرمجية واختبارها، والتعلم بسرعة تفوق سرعة الإنسان بـ12 ضعفاً - «غوغل إيه آي»).

النجاح في إدارة النموذج الفاعل

تسقط الافتراضات الثلاثة السابقة كلها للسبب نفسه: وهو أن المؤسسات لم تعد مجرد جهات تستخدم أدوات وأجهزة، وإنما باتت تدير أدوات فاعلة ذاتية الحركة. ويمكن لـ4 خطوات أن تساعد المؤسسات في مواكبة هذا التحول.

1.إجراء تدقيق للعتبة: قم بإجراء تدقيق مبدئي. غداً، أنشئ قائمة من صفحة واحدة تُقيّم كل نظام ذكاء اصطناعي لديك قيد التشغيل وفقاً للعلامات الخمس للذكاء الاصطناعي: هل هو مستقل؟ وهل لديه ذاكرة دائمة؟ وهل يعمل من خلال أدوات؟ وهل يُعدّل نفسه بنفسه؟ وهل يبتكر مهام لم يُسندها إليه أحد؟ أي نظام يحتوي على 3 علامات أو أكثر من «نعم»، يُرجّح أنه يُدار وفقاً لأسلوب خاطئ - أي عليك أن تديره بأسلوب جديد بوصفه أداة فاعلة.

2. إعادة تحديد صلاحيات اتخاذ القرار قبل أن تعيد الأنظمة رسمها: لكل نظام يتجاوز العتبة المحددة، ينبغي لك تحديد القرارات التي تتطلب موافقة بشرية، والجهة التي تملك مفتاح الإيقاف الفوري، ومدى السرعة التي يمكن بها استخدام هذا المفتاح.

3. تحديد ملكية السياق الخاص بك: ارسم خريطة تحدد مكان وجود الذاكرة، وسجلات الأحداث، وعمليات التنسيق، واتخاذ القرار بشأن ما تمتلكه مؤسستك وما تستأجره، ذلك أن السجل التاريخي الذي تراكمه الأنظمة سيتحول إما إلى خندق دفاعي يحميك... أو إلى تبعية تُقيّدُك.

4. إعادة تقييم وتيرة الحوكمة لديك: حدد أبطأ دورة إشراف ورقابة بمؤسستك، واسأل عما يمكن لنظام يُطوّر نفسه يومياً أن يفعله في الفترة الفاصلة بين الاجتماعات. ثم وبعد ذلك أنشئ أنظمة مراقبة تكتشف التغير السلوكي للنموذج فور حدوثه، بما في ذلك التنسيق الحاصل بين الوكلاء وبعضهم.

فجوة الاستخدام والإشراف

إن النظام المحاكي لا يتطلب منك عادة سوى مراجعة عمله وتصحيحه، أما الذكاء التركيبي فيأتي باستقلالية حقيقية، وأفعال حقيقية، وعواقب حقيقية.

ولا يكمن الخطر في الذكاء التركيبي ذاته، وإنما في الفجوة القائمة بين ما أصبحت عليه هذه الأنظمة والأسلوب الذي لا تزال المؤسسات تديرها به. تلك الفجوة هي المساحة التي تُحذف فيها قواعد البيانات، وتقع فيها المسؤولية القانونية، ويتسابق فيها المنافسون لتحقيق مزايا تتضاعف باستمرار.

• مجلة «فاست كومباني»


مقالات ذات صلة

ثلاث تجارب من «آي بي إم» تعيد تعريف «الميزة الكمومية» بالنتائج الموثوقة

خاص تعيد التجارب تعريف «الميزة الكمومية» بوصفها تفوقاً حسابياً مقروناً بإمكان التحقق الصارم من صحة النتائج (أدوبي)

ثلاث تجارب من «آي بي إم» تعيد تعريف «الميزة الكمومية» بالنتائج الموثوقة

تعلن «آي بي إم» ثلاث تجارب كمومية تتجاوز المحاكاة التقليدية وتبني الثقة في النتائج عبر التحقق وتصحيح الأخطاء وتخفيف الضوضاء.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «أبل» تدخل عصر اشتراكات الأجهزة... الآيفون والماك والآيباد مقابل رسوم شهرية (أبل)

«أبل» تغيّر مفهوم امتلاك الآيفون... إطلاق خدمة اشتراك شهري للأجهزة

تبدأ تكلفة الاشتراك في أجهزة «آيفون» من 17.99 دولار شهرياً، فيما تختلف الأسعار بحسب نوع الجهاز وسعته التخزينية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا حللت دراسة «أطلس» نحو 15 مليون تفاعل مع أدوات «غوغل» عبر أكثر من 150 دولة و800 مهنة (أدوبي)

دراسة لـ«غوغل»: الذكاء الاصطناعي يساعد الموظفين أكثر مما يستبدلهم

ترصد دراسة «غوغل» انتشار الذكاء الاصطناعي في معظم المهن مع بقائه أداة مساعدة للمهام أكثر من كونه بديلاً عن الموظفين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يتوفر الآن تحديث «iOS 26.6» ويتضمن تحسينات للاستقرار وإصلاحات أمنية مهمة (أبل)

«أبل» تطلق «iOS 26.6» مع أكثر من 40 إصلاحاً أمنياً وتحسينات للاستقرار

يتضمن التحديث إصلاحات للأخطاء البرمجية، إلى جانب تحديثات أمنية مهمة تعالج أكثر من 40 ثغرة في مكونات مختلفة من النظام

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)

خاص تحت قناع الإعلانات الرقمية... كيف تُستغل بيانات المستخدمين في الهجمات السيبرانية الموجّهة؟

تكشف «كاسبرسكي» عن كيف تُستغل بيانات الإعلانات والمنصات الموثوقة لتحديد الضحايا وإخفاء الاتصالات وتنفيذ هجمات موجهة يصعب اكتشافها في المنطقة رقمياً.

نسيم رمضان (تبليسي)