مائدة الطعام بين الواقع والتمثيل الفني

في أعمال منى حاطوم وفيصل لعيبي صاحي وسلطان بن فهد

جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)
جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)
TT

مائدة الطعام بين الواقع والتمثيل الفني

جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)
جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)

لطالما مثلت مائدة الطعام المساحة الآمنة التي يجتمع حولها الأهل والأصدقاء في جو حميمي دافئ، ومع اختلاف الظروف والسياقات تختلف رمزية المائدة من مكان لآخر.

ولكن في السياق الفني تختلف التأويلات، والتصورات، ويتجلى هذا في أعمال فنانين تناولوا المائدة، وأدوات الطعام والطهي في أعمالهم، منهم الفنانة منى حاطوم، والفنان فيصل لعيبي صاحي، والفنان سلطان بن فهد.

نتأمل هذه الأعمال حاملين معنا إدراكاً بالمساحة التي تحتلها الموائد وأدوات الطعام في حياتنا، والأثر العميق والخاص الذي يتركه حضورها الأليف على ذاكرتنا، وشعورنا. ولكن بالنظر للدلالات التي تحملها المائدة وأدوات الطهي في هذه الأعمال، يتشكل إدراك بأن مكونات الحياة اليومية لا تحمل المعاني نفسها بالنسبة للجميع.

عشاء القصر

كانت تلك هي المرة الأولى التي يُفْتَتَح فيها القصر الأحمر في الرياض للجمهور منذ إخلائه في أواخر الثمانينات، حيث أقام الفنان السعودي سلطان بن فهد معرضه الشخصي في شهر مارس (آذار) من عام 2019. عرض الفنان أعمالاً تسلط الضوء على الحياة اليومية، والأحداث التاريخية والسياسية التي شهدها القصر، ومن ضمنها عمل بعنوان: «عشاء القصر»، وهو عمل تركيبي يتكون من طاولة طعام ممتدة، ومرصوص عليها عدد كبير من الأطباق الخزفية المذهبة التي تحمل ختم المملكة، بالإضافة إلى أدوات مائدة، وأباريق فضية، وأكواب زجاجية، وكراسي نُجدَت خصيصاً للعمل.

«عشاء القصر» لسلطان بن فهد (موقع الفنان)

عند تأمل المائدة يكاد خيالك يستحضر روائح الأطباق المعدّة بعناية، ورنين أدوات الطعام، والشخصيات المرموقة التي اجتمعت حولها خلال حفلات العشاء. إلا أن الفيديو المصاحب للعمل يأخذك إلى بعد آخر، إذ يسلط الضوء على كواليس إعداد هذه الموائد، ويوجه الانتباه إلى الأشخاص الذين يعملون على تحضيرها. يعرض الفيديو عشاء افتراضياً يتسع لـ32 شخصاً على أربع طاولات ممتدة، أُعِدَّ لعمال وخدم القصر. يظهر الفيديو الأطباق الرئيسة من الأرز، واللحم، بالإضافة إلى أطباق جانبية، ونرى أيضاً أدوات المائدة الأصلية. أمضى الفنان سنوات في جمع أدوات المائدة، والتدقيق في صور حفلات العشاء التي أقيمت في القصر، والبحث في أصناف الطعام، والثياب، والاستعدادات لهذه الموائد، ثم حاول تجسيد هذه التفاصيل في حفل العشاء المتخيل. يركز الفيديو بشكل خاص على أيادي الرجال والنساء الذين يستمتعون بوجبة الطعام، في إشارة لارتباط الأيدي بالعمل، وكذلك لإبراز دور العاملين في الروايات التي تناولت القصر، وتاريخه.

مقهى بغداد

في عام 2016 قدم الفنان العراقي فيصل لعيبي صاحي بانوراما اجتماعية تاريخية سياسية في عمله: «مقهى بغداد». يمتد العمل على طول 616سم، وارتفاع 206سم، ويعد ذروة سلسلته الفنية عن المقاهي العراقية، والتي بدأها منذ ثمانينات القرن الماضي. تلعب أدوات المائدة في هذه السلسلة دور الوسيط الحيوي الذي يجمع أبطال أعماله.

جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)

بأسلوب يميل إلى السخرية، وبألوان مرحة، يقدم العمل شخوصاً متنوعة تقضي وقتها في مقهى شعبي عراقي. نرى استكانة شاي، وكوب قهوة على الموائد، ومشروبات مختلفة يحملها النادل على صينية في وسط العمل. يسرد المشهد الحافل زمناً ممتداً للعراق، وشرائح اجتماعية مختلفة، من خلال الأزياء التي يرتديها رواد المقهى، ومنها العمامة التقليدية، والطربوش العثماني، و«السدارة»، وهي قلنسوة ارتبطت بالعهد الملكي. تشترك أيضاً الأواني وأدوات الضيافة في هذا السرد التاريخي، على سبيل المثال، نرى زير الماء، والسماور البغدادي. يأخذ هذا السرد بعداً ودلالات سياسية من خلال الصحيفة المعاصرة التي يحملها أحد الزبائن، وتشير إلى حادثة تدمير متحف الموصل عام 2015. وفي طرح متباين نرى في الطرف الآخر من اللوحة كتاب «ملحمة جلجامش» للتذكير بحضارة بلاد الرافدين. تجد صور السياسيين طريقها أيضاً إلى أباريق الشاي في خلفية اللوحة.

على مائدة واحدة اختار الفنان أن يجمع بين رجل الدين والشخصية العسكرية، في إشارة لتأثير هذه الشخصيات على حياة الإنسان العراقي، أو ربما لإظهار دور المقاهي في تغيير المشهد السياسي. كما ارتبطت المقاهي تاريخياً بالحضور الذكوري، وهذا ما قد يفسر وجود سيدة وحيدة تقف على استحياء في طرف اللوحة.

قد ينظر إلى العمل على أنه يقدم نقداً ساخراً عن الحالة السياسية، والاجتماعية، أو يعرض مقارنة بين الماضي والحاضر. ويمكن القول أيضاً إن أدوات المائدة والضيافة رغم أنها ليست مركزية في العمل، فإنّها -وبحضورها المكثف- استطاعت أن تلعب دور القاسم المشترك الذي يجمع المتناقضات، كما استطاعت أن تخلق جواً من الألفة، وتسهم في تقديم مشهد مؤنس، ومتناغم.

البيت

تتحدى الفنانة الفلسطينية البريطانية منى حاطوم الفكرة التقليدية عن المطبخ بوصفة مساحة دفء، ورعاية، وتعيد تقديمه في عملها «البيت» كمكان خطر يهدد الحياة. أنتج العمل في عام 1999، ويتكون من مشهد لأدوات مطبخ معدنية موصلة ببعضها البعض بأسلاك كهربائية، ومصابيح موضوعة على طاولة متحركة. يسري شعور بالانزعاج، وربما الخوف، حين يمر التيار الكهربائي من خلال الأسلاك، وينطلق صوت أزيزه عبر مكبر الصوت، وكأن المشاهد يُستَدعى لجلسة تعذيب. تمتد أسلاك فولاذية مشدودة لتحميك من الكهرباء القاتلة المحتملة، وتخلق في الوقت نفسه حيزاً معزولاً. هذا الجو الخانق لا يخلو من لمسة جمالية حين يتسلل ضوء المصابيح من ثقوب أدوات المطبخ.

عمل «بيت» لمنى حاطوم (موقع غاليري White Cube)

يقدم العمل عناصر بسيطة، ومختزلة، ولكنها تنطوي على مشاعر ودلالات متناقضة، ومركبة. فلو بدأنا بعلاقة حاطوم بالمطبخ نجد أنها علاقة ليست وثيقة، بل هي تنظر إلى أدوات الطهي بوصفها أشياء غريبة وجميلة. أما القلق والتهديد الذي يخلقه العمل، فهو نتيجة نزوح مركب، بدأ من حياة مع عائلة مهجرة، ثم اضطرارها للبقاء في لندن بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وقد تركتها هذه التجربة بين رغبة في التجذر وغربة روحية، وجسدية.

ومن منظور نسوي، فقد يوحي العمل بتحول المطبخ من مساحة للتعبير عن الحب إلى مكان للأسر. وحتى عنوان العمل «البيت» قد يخلق حواراً خاصاً مع المتلقي عن مفهوم وذاكرة البيت، ومساحاته. وهنا تتجلى أقصى غايات أعمال حاطوم، وهي خلق مواقف تزعزع المسلّمات، في محاولة لإبقاء الإنسان في حالة من الشك، وإعادة تقييم علاقته بالأشياء من حوله، ومساءلة كل ما يتحكم بحياته. تستعين حاطوم بجسد المتلقي وعاطفته كوسيلة للبحث، والتأمل، فالجسد من وجهة نظرها هو مركز التجربة الفنية، وهذا ما يبقي المجال مفتوحاً لمزيد من التأويلات والتفسيرات لمدلولات العمل الفني.



8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.