«الخزانة» الأميركية تدعم الين الياباني بـ10 مليارات دولار

أول تدخل من واشنطن منذ أكثر من عقد

شاشات تعرض سعر الين في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
شاشات تعرض سعر الين في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

«الخزانة» الأميركية تدعم الين الياباني بـ10 مليارات دولار

شاشات تعرض سعر الين في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
شاشات تعرض سعر الين في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اشترت وزارة الخزانة الأميركية الين، يوم الجمعة، لدعم العملة اليابانية المتراجعة، في أول تدخل أميركي مباشر لشراء الين بالتنسيق مع طوكيو منذ أكثر من عقد، في وقت يقترب فيه من أدنى مستوياته في نحو 40 عاماً، حسبما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».

وأضافت الصحيفة، نقلاً عن مصادر مطلعة السبت، أن بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك (البنك المركزي الأميركي بالولاية) باع اليورو مقابل الين نيابة عن وزارة الخزانة عبر غولدمان ساكس ومورغان ستانلي. ولم يتضمن التقرير أي إشارة إلى حجم مشتريات الين.

وقال مصدر مطلع لـ«رويترز»، إن وزارة الخزانة أبلغت عدداً من البنوك في وقت سابق من يوم الجمعة، بأنها قد تتدخل في سوق الين، وأن عليها أن «تكون مستعدة لأي تحرك مستقبلي».

وأظهرت صورة التقطتها «رويترز» لدفتر ملاحظات كان يحمله وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، خلال اجتماع للحكومة في كامب ديفيد بولاية ماريلاند، عبارة «مهام يجب إنجازها»، تلتها عبارة «شراء الين الياباني بقيمة 5-10 مليارات دولار».

ودعمت الولايات المتحدة الين بصورة مباشرة للمرة الأخيرة في عام 2011، عندما نسقت مع دول مجموعة السبع للمساعدة في استقرار الأسواق عقب كارثة الزلزال وأمواج تسونامي في اليابان. وساعدت أنباء التدخل المحتمل من جانب وزارة الخزانة في تعزيز الين؛ إذ سجل قفزة ملحوظة خلال تعاملات فترة ما بعد الظهر.

وأظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن الدولار تراجع إلى نحو 157.6 ين قبيل الساعة الخامسة مساء بتوقيت الساحل الشرقي الأميركي (21:00 بتوقيت غرينيتش)، من نحو 158.9 ين عند الساعة 04:14 مساء.

وصعد الدولار خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى ما يقرب من 164 يناً، وهو أعلى مستوى وصل إليه منذ عام 1986. وأشارت بيانات البنك المركزي الياباني الصادرة يوم الجمعة، إلى أن طوكيو ربما باعت ما يصل إلى 58.97 مليار دولار لشراء الين يوم الخميس، في إشارة إلى جهودها المتكررة لكبح ضعف العملة.

وذكرت صحيفة «نيكي»، السبت، أن طوكيو تدخلت مجدداً خلال ساعات التداول في نيويورك أمس.

وقالت وزارة المالية اليابانية، في منشور على منصة «إكس»، إن السلطات النقدية اليابانية تمتلك «مجموعة واسعة من الأدوات لتلبية احتياجات السيولة في السوق»، في خطوة بدت موجهة لطمأنة الأسواق بشأن قدرة طوكيو على مواصلة التدخل لدعم الين.

وأضافت الوزارة: «ما زلنا على استعداد لاستخدام الأدوات المتاحة حسب الضرورة لدعم استقرار للسوق»، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى آلية إعادة الشراء للسلطات النقدية الأجنبية والدولية.

وتسمح الآلية، التي جرى طرحها في عام 2020 لتهدئة الأسواق خلال جائحة «كوفيد-19»، لليابان، بزيادة السيولة بالدولار دون الاضطرار إلى البيع المباشر لسندات الخزانة الأميركية، مما قد يخفف من ضغوط التمويل التي تواجهها طوكيو عند التدخل في سوق الصرف لدعم الين.

استمرار ضعف الين

دخلت اليابان مرحلة جديدة من معركتها للدفاع عن عملتها، بعدما نفذت السلطات تدخلاً واسعاً في سوق الصرف لدعم الين، في خطوة جاءت قبيل قرار بنك اليابان تثبيت أسعار الفائدة.

ويأتي التحرك في وقت يواجه فيه الاقتصاد الياباني ضغوطاً متزايدة نتيجة استمرار ضعف الين، الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات، لا سيما الطاقة، في ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، وهو ما انعكس مباشرة على تكاليف المعيشة والتضخم.

ووفقاً لمصدر في السوق، نفذت السلطات اليابانية عملية شراء واسعة للين وبيع للدولار خلال تعاملات نيويورك الخميس، في أول تدخل رسمي منذ 3 أشهر. وتشير تقديرات مستندة إلى بيانات بنك اليابان، إلى أن قيمة التدخل ربما بلغت نحو 8.2 تريليون ين؛ أي ما يعادل نحو 59 مليار دولار، ما يجعله واحداً من أكبر التدخلات في تاريخ سوق الصرف اليابانية.

وأبقى بنك اليابان أسعار الفائدة ثابتة يوم الجمعة، لكنه حذر لأول مرة من أن التضخم الأساسي قد يتجاوز هدفه، مُشيراً إلى مزيد من رفع أسعار الفائدة في أعقاب تدخل الحكومة بشراء الين.


مقالات ذات صلة

تأخر أوروبا في تخزين الغاز يفاقم ضغوط الطاقة والاستياء الشعبي

الاقتصاد حارس أمن يقف أمام منشأة وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في لوبمين بألمانيا (رويترز)

تأخر أوروبا في تخزين الغاز يفاقم ضغوط الطاقة والاستياء الشعبي

تُعدُّ ألمانيا وهولندا، اللتان تمتلكان معاً 35 في المائة من سعة التخزين في الاتحاد الأوروبي، من بين الدول الأكثر تأخراً في إعادة ملء المخزونات.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (رويترز)

فانس: الفجوة بين المصالح الأميركية والإسرائيلية تتسع

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إن الرئيس دونالد ترمب لديه سجل «غير مسبوق» في معارضة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد ناقلات نفط قادمة من حقول رميلان اصطفت على طول أحد الطرق بعد أن أوقفها السكان المحليون خلال احتجاجات (أ.ب)

النفط يواصل التراجع مع انحسار مخاوف اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط

تراجعت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية، الخميس، مواصلة خسائرها، بعدما تراجعت بنحو 3 دولارات للبرميل، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

فانس: حرب إيران تدخل مرحلة «مختلفة تماماً» خلال شهرين

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الصراع سيدخل «مرحلة مختلفة تماماً» خلال شهرين، من دون أن يوضح طبيعة المرحلة الجديدة.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
المشرق العربي الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

عاد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى بغداد، الأربعاء، بعد جولة أوروبية شملت فرنسا وألمانيا، في وقت يسعى فيه إلى توسيع الشراكات مع الغرب.

حمزة مصطفى (بغداد)

اليابان وأميركا تدرسان إنشاء مصنع للرقائق

امرأة تحمل مظلة تسير في أحد شوارع العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
امرأة تحمل مظلة تسير في أحد شوارع العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

اليابان وأميركا تدرسان إنشاء مصنع للرقائق

امرأة تحمل مظلة تسير في أحد شوارع العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
امرأة تحمل مظلة تسير في أحد شوارع العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تبحث اليابان والولايات المتحدة إنشاء مصنع جديد لأشباه الموصلات؛ ضمن اتفاق استثماري بين البلدين تبلغ قيمته 550 مليار دولار، في خطوة من شأنها تعزيز التعاون في صناعة الرقائق وتوسيع قدرات الإنتاج في قطاع بات يمثل محوراً رئيسياً للأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد.

وذكرت صحيفة «نيكي» اليابانية، الخميس، أن المشروع المحتمل قد تتراوح قيمته بين تريليونين و3 تريليونات ين، ما يعادل ما بين 12.85 مليار و19.27 مليار دولار، من دون الكشف عن مصادر معلوماتها.

ووفق التقرير، فمن المتوقع أن تتولى شركة «غلوبال فاوندريز» لصناعة أشباه الموصلات تشغيل المصنع، على أن يركز على إنتاج «الرقائق المنطقية» التي تُعدّ «عقول الأجهزة الإلكترونية» وتعالج البيانات وتنفذ التعليمات وتُجري العمليات وتُستخدم في مجموعة واسعة من التطبيقات الإلكترونية والصناعية.

ويأتي المشروع المقترح في إطار المحادثات المتعلقة باتفاق الاستثمار الياباني - الأميركي البالغة قيمته 550 مليار دولار؛ مما يضع صناعة أشباه الموصلات ضمن القطاعات المستفيدة من تدفقات رأس المال المرتقبة بين البلدين.

وتكتسب «الرقائق المنطقية» أهمية خاصة نظراً إلى دورها في معالجة البيانات وتشغيل مجموعة واسعة من الأجهزة والأنظمة؛ مما يجعل توسيع القدرة على إنتاجها جزءاً مهماً من جهود تعزيز مرونة سلاسل التوريد.

ولم يحدد تقرير «نيكي» الموقع المحتمل للمصنع أو الجدول الزمني لبدء الإنشاء والتشغيل، كما لم يقدم تفاصيل عن هيكل التمويل أو حجم الإسهام الذي قد تقدمه الحكومتان أو الشركات المشاركة في المشروع.

وفي حال المضي بالمشروع وفق الحجم المالي المشار إليه، فإنه سيمثل استثماراً كبيراً في البنية التحتية لأشباه الموصلات، خصوصاً أن تكلفته المقدرة قد تصل إلى نحو 19.3 مليار دولار.

وتأتي المحادثات في وقت تعمل فيه اليابان والولايات المتحدة على تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، مع التركيز بصورة متنامية على القطاعات التي ترتبط بسلاسل الإمداد الاستراتيجية.

كما أن اختيار «غلوبال فاوندريز» لتشغيل المصنع المحتمل، وفق تقرير الصحيفة، من شأنه أن يضيف طاقة إنتاجية جديدة إلى «الرقائق المنطقية» ضمن شبكة التصنيع المرتبطة بالبلدين.

ولا تزال التفاصيل المتعلقة بالمشروع قيد المناقشة، وفق ما أوردته «نيكي»؛ مما يعني أن حجمه النهائي وآليات تنفيذه قد تتغير مع تقدم المفاوضات.

لكن إدراج مصنع لأشباه الموصلات ضمن المحادثات الاستثمارية يعكس المكانة المتنامية التي تحتلها صناعة الرقائق في العلاقات الاقتصادية بين طوكيو وواشنطن، ويشير إلى أن جزءاً من اتفاق الاستثمار الضخم قد يتجه إلى مشروعات صناعية وتكنولوجية مباشرة، إلى جانب توسيع التعاون في القطاعات الاستراتيجية بين البلدين.


تاكايتشي تتمسك بوزرائها وتواصل خطط الإنفاق في اليابان

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مدخل مقرّ الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مدخل مقرّ الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ب)
TT

تاكايتشي تتمسك بوزرائها وتواصل خطط الإنفاق في اليابان

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مدخل مقرّ الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مدخل مقرّ الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ب)

أبقت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، الخميس، على أبرز وزرائها في أول تعديل حكومي منذ توليها السلطة، في خطوة تشير إلى استمرار نهجها الاقتصادي القائم على زيادة الإنفاق وخفض ضريبة استهلاك الغذاء، رغم تصاعد مخاوف الأسواق بشأن الدين العام وارتفاع عوائد السندات.

واحتفظ وزير الاقتصاد مينورو كيووتشي، أحد أبرز المؤيدين للسياسة المالية التوسعية، بمنصبه، إلى جانب وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، التي تُعدُّ أكثر تحفظاً تجاه الإنفاق. كما بقي وزير الخارجية توشيميتسو موتيغي، ووزير الدفاع شينجيرو كويزومي ووزير التجارة ريوسي أكازاوا في مناصبهم.

ويعكس الإبقاء على كيووتشي رغبة تاكايتشي في مواصلة خططها الاقتصادية، وفي مقدمتها خفض ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية لمدة عامين، وهي خطوة أثارت مخاوف بشأن مصادر تمويلها وانعكاساتها على الدين العام.

وقال كيووتشي بعد إعلان التشكيل إنه سيعمل على تحقيق اقتصاد قوي واستدامة مالية في الوقت نفسه، مؤكداً أن الحكومة لن تنخرط في «توسع مالي عشوائي»، وستسعى إلى تبديد مخاوف الأسواق تجاه سياسات تاكايتشي.

ويأتي الإبقاء على كاتاياما، وهي مسؤولة سابقة في وزارة المالية ومعروفة بموقف أكثر تحفظاً تجاه السياسة المالية، في وقت أصبحت فيه أسواق السندات أكثر حساسية تجاه خطط الإنفاق الحكومي.

وقال كيجي كاندا، كبير الاقتصاديين في معهد «دايوا» للأبحاث، إن استقرار أسعار الفائدة طويلة الأجل أصبح تحدياً مهماً للنمو الاقتصادي، مرجحاً أن يكون ذلك أحد أسباب احتفاظ تاكايتشي بعدد من الوزراء الذين تثق بهم، بما يسمح بمواصلة السياسات الحالية مع إدارة الملف المالي بصورة مستقرة.

وتتعرض خطط تاكايتشي لضغوط متزايدة بعدما دفعت المخاوف من الإنفاق الحكومي عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات إلى نحو 3 في المائة، وهو أعلى مستوى في ثلاثة عقود. ويبلغ الدين العام الياباني نحو ضعفي حجم الاقتصاد، وهو الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة.

وتزداد الضغوط مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين، في وقت يرفع فيه «بنك اليابان» أسعار الفائدة ويقلص مشترياته من السندات، ضمن مساعيه لإنهاء عقود من التحفيز النقدي واسع النطاق. ومن المتوقع أن يرفع البنك، الجمعة، سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 1.25 في المائة.

وفي المقابل، تواجه تاكايتشي ضغوطاً من الأسر المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة؛ ما يجعل التراجع عن خطط خفض الضرائب وزيادة الدعم خياراً سياسياً صعباً. ويقدّر اقتصاديون أن خفض ضريبة الغذاء يحتاج إلى نحو 5 تريليونات ين (32 مليار دولار) سنوياً، في حين لم تحدد الحكومة بعد مصادر تمويل واضحة.

كما تواجه خطتها للحد من إصدارات السندات الحكومية الجديدة عند نحو 40 تريليون ين في موازنة السنة المالية 2027 تدقيقاً متزايداً، بعدما ارتفعت طلبات الإنفاق إلى مستويات تقترب من حقبة الجائحة.

وشمل التعديل تعيين هيروشي ناكاتسوكا، من حزب «الابتكار الياباني» الشريك في الائتلاف، وزيراً للإصلاح التنظيمي، في خطوة تعزز مشاركة الحزب في صنع السياسات.

وبذلك، يعكس التعديل الحكومي استمرارية أكثر منه تغييراً في المسار، في حين تواجه حكومة تاكايتشي اختباراً متزايداً لتحقيق التوازن بين دعم الأسر والنمو من جهة، واحتواء مخاوف أسواق السندات بشأن الإنفاق والدين من جهة أخرى.


كيف يُعيد رفع الفائدة الأميركية ترتيب أولويات القطاع الخاص السعودي؟

موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)
موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)
TT

كيف يُعيد رفع الفائدة الأميركية ترتيب أولويات القطاع الخاص السعودي؟

موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)
موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)

لم تعد الفائدة المرتفعة مجرد رقم يظهر في تكلفة القروض التي تدفعها الشركات، بل أصبحت عاملاً يدخل في صميم قراراتها: أي مشروع يستحق التمويل؟ وأي توسع يمكن تأجيله؟ وأي مصدر للتمويل أكثر كفاءة؟

ومع رفع «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة، وانتقال أثر القرار إلى السعودية، يجد القطاع الخاص نفسه أمام اختبار جديد لقدرته على إدارة رأس المال في بيئة نقدية أكثر تشدداً.

غير أن هذا الاختبار يأتي هذه المرة في سوق مالية أكثر اتساعاً وتنوعاً، وبخيارات تمويلية لم تعد تقتصر على القروض المصرفية.

ويقول محللون إن ارتفاع تكلفة الأموال يعيد ترتيب أولويات الشركات السعودية، ويدفعها إلى إيلاء أهمية أكبر للتدفقات النقدية والإنتاجية والعائد على الاستثمار، بالتزامن مع البحث عن هياكل تمويل أكثر كفاءة، وتنويع مصادر رأس المال.

وفي المقابل، لا يعني ارتفاع الفائدة بالضرورة توقف خطط التوسع، بقدر ما يجعل قرار الاستثمار أكثر انتقائية، ويرفع أهمية توجيه رأس المال إلى المشروعات القادرة على تحقيق عوائد مجدية.

وكان مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي قد رفع سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، في أول زيادة منذ يوليو (تموز) 2023، مع استمرار التضخم فوق مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، وارتفاع مخاطر انتقال موجة أسعار الطاقة إلى الاقتصاد الأميركي.

وينتقل أثر السياسة النقدية الأميركية إلى السوق السعودية بحكم ارتباط الريال بالدولار، ما يرفع تكلفة التمويل المحلية، ويضع الشركات أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة رأس المال والسيولة والديون في بيئة مالية أكثر تشدداً.

وسألت «الشرق الأوسط» مختصين عن كيفية تعامل الشركات السعودية مع دورة الفائدة المرتفعة، ومدى قدرتها على التكيف مع ارتفاع تكلفة رأس المال، وإعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على زخم التوسع والنمو.

خيارات تمويل أوسع في مواجهة الفائدة

ويرى المختصون أن الاقتصاد السعودي شهد خلال السنوات الماضية تحولات أسهمت في تنويع مصادر التمويل، وتوسيع أدوات السوق المالية، ما أتاح للشركات خيارات تتجاوز الائتمان المصرفي التقليدي، لتشمل الصكوك والسندات وزيادة رأس المال والاستثمار الخاص، إلى جانب الأرباح المحتجزة وغيرها من قنوات التمويل.

وتمنح هذه الخيارات الشركات مساحة أكبر لإدارة أثر ارتفاع تكلفة الأموال، من خلال المفاضلة بين مصادر التمويل وفق تكلفتها وآجالها واحتياجاتها، إلى جانب إعادة تقييم المشروعات وهياكل رأس المال وتحسين إدارة السيولة والديون.

تنويع التمويل يوسع مساحة التكيف

وفي هذا الإطار، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز، الدكتور سالم باعجاجة، لـ«الشرق الأوسط»، إن ارتفاع أسعار الفائدة يُمثل اختباراً لنضج القطاع الخاص السعودي وقدرته على التعامل مع دورات الاقتصاد والمال، موضحاً أن الشركات التي يعتمد نموها بدرجة كبيرة على انخفاض تكلفة التمويل تكون أكثر حساسية لتغيرات السياسة النقدية.

وأوضح أن الشركات القادرة على إدارة السيولة والديون بكفاءة، ورفع الإنتاجية، وتنويع مصادر الإيرادات والتمويل، تمتلك مساحة أكبر للتكيف مع ارتفاع تكلفة رأس المال، والحفاظ على قدرتها على الاستثمار والنمو.

وأشار باعجاجة إلى أن قرار «الاحتياطي الفيدرالي» جاء في وقت شهدت فيه السعودية خلال السنوات الماضية تحولات اقتصادية واستثمارية وسعت دور القطاع الخاص، ورفعت أهمية الأنشطة والشركات غير النفطية، ما يجعل قدرة المنشآت على إدارة دورة الفائدة جزءاً من اختبار أوسع لقدرتها على تحقيق نمو مستدام.

وقال إن من أبرز مؤشرات تغير المشهد اتساع خيارات تمويل القطاع الخاص، الذي لم يعد يعتمد على القروض المصرفية وحدها، مضيفاً: «من المؤشرات المهمة على تغير المشهد أن تمويل القطاع الخاص لم يعد محصوراً في القروض المصرفية كما كان في السابق. فكلما اتسعت خيارات الشركات بين التمويل المصرفي، وإصدارات الصكوك والسندات، وزيادة رأس المال، والاستثمار الخاص، والأرباح المحتجزة، أصبحت قراراتها أكثر تركيزاً على الاستثمارات النوعية ذات العائد المرتفع».

تكلفة رأس المال تفرض انضباطاً أكبر

من ناحيته، قال المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري لـ«الشرق الأوسط» إن القطاع الخاص السعودي راكم خلال السنوات الماضية خبرة في التعامل مع دورات رفع الفائدة وتغير تكلفة رأس المال، لافتاً إلى أن استمرار دوره المتنامي في الاقتصاد المحلي لا يتوقف بالضرورة على انخفاض أسعار الفائدة، وإنما يرتبط بدرجة أكبر بقدرته على إدارة التمويل وتوجيهه بكفاءة.

وأوضح الشهري أن تطور القدرات التمويلية والمؤسسية واتساع أدوات السوق المالية في السعودية يمنح الشركات مساحة أكبر للتعامل مع ارتفاع تكلفة الأموال، من خلال إعادة ترتيب هياكل رأس المال، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة والمشروعات الأكثر إنتاجية.

وقال إن ارتفاع تكلفة رأس المال لا يعني بالضرورة تراجع الاستثمار، وإنما يجعل قرارات تخصيصه أكثر انتقائية، مضيفاً: «ارتفاع تكلفة المال لا يعني بالضرورة أن الاستثمار يتراجع، بقدر ما يؤكد أن رأس المال أصبح أكثر انتقائية، وأن على الشركات توجيه الأموال إلى مشروعات ذات عائد مرتفع».

ويرى الشهري أن دورة الفائدة المرتفعة قد تدفع القطاع الخاص إلى مزيد من الانضباط في قرارات التوسع، بحيث يصبح العائد المتوقع والجدوى الاقتصادية للمشروعات عاملاً أكثر حسماً في تخصيص رأس المال، بدلاً من الاعتماد على انخفاض تكلفة التمويل بوصفها عاملاً رئيسياً في اتخاذ القرار.

وفي أعقاب قرار «الاحتياطي الفيدرالي»، رفع البنك المركزي السعودي (ساما) معدل اتفاقية إعادة الشراء «الريبو» بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.50 في المائة، كما رفع معدل اتفاقية إعادة الشراء المعاكس «الريبو العكسي» بالمقدار نفسه إلى 4 في المائة. وأوضح البنك المركزي أن القرار يأتي اتساقاً مع هدفه في المحافظة على الاستقرار النقدي.