أعاد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو فتح واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ اللعبة، بعدما طرح مشروعاً غير مسبوق يقضي بفصل الأنشطة التجارية الخاصة بـ«فيفا» في شركة مستقلة، ثم بيع حصة منها لمستثمرين من القطاع الخاص مقابل 4.2 مليار دولار.
المشروع بحسب تقرير نشرته شبكة The Athletic, لا يقتصر على إعادة هيكلة إدارية أو مالية، بل يمثل تحولاً في الطريقة التي ستدار بها الحقوق التجارية لأكبر بطولات كرة القدم في العالم، وفي مقدمتها كأس العالم للرجال والسيدات، وكأس العالم للأندية، وغيرها من المسابقات التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات الاتحاد الدولي.

وبحسب الخطة المطروحة، سيتم تأسيس شركة جديدة تحمل اسم «فيفا فوروارد إنتربرايز»، تتولى جميع الأنشطة التجارية الخاصة بالاتحاد الدولي، بما يشمل بيع حقوق البث التلفزيوني، والرعاية، والتسويق، وبيع التذاكر، والأنشطة التجارية المرتبطة بالبطولات الكبرى.
وسيحتفظ «فيفا» بنسبة 80 في المائة من ملكية الشركة الجديدة، بينما سيطرح 20 في المائة منها للبيع مقابل 4.2 مليار دولار، على أن يقود عملية الاستثمار تحالف دولي تقوده شركة «ثرايف إترنال» الاستثمارية التي أسسها المستثمر الأميركي جوشوا كوشنر، مع إمكانية انضمام مستثمرين آخرين من مناطق مختلفة حول العالم.
ويعني ذلك عملياً أن المستثمرين سيحصلون على حصة من الإيرادات التجارية المستقبلية لأكبر بطولات كرة القدم، بينما يبقى «فيفا» الجهة المنظمة والمسؤولة عن قوانين اللعبة والانضباط والمسابقات، مع احتفاظه بالأغلبية داخل الشركة الجديدة.
وأثار المشروع اهتماماً واسعاً بمجرد تسرب تفاصيله، ما دفع «فيفا» إلى إصدار بيان رسمي ورسائل توضيحية للاتحادات الوطنية الأعضاء، بعد أن كانت المعلومات المتداولة محدودة وغير مكتملة.
ويقول الاتحاد الدولي إن الهدف من الخطوة يتمثل في توفير تمويل ضخم يرفع المخصصات المالية التي تحصل عليها الاتحادات الوطنية، عبر برنامج جديد يحمل اسم «فيفا فاست فوروارد»، ليضاف إلى برنامج «فيفا فوروارد» المعمول به منذ عام 2016.
ووفق الخطة، سيحصل كل اتحاد وطني يوافق على المشروع على دفعة استثنائية تبلغ 20 مليون دولار، إضافة إلى رفع المنح الاعتيادية خلال الدورة المالية المقبلة إلى 20 مليون دولار أخرى، أي ما مجموعه 40 مليون دولار حتى عام 2030.
أما إذا لم تتم الموافقة على المشروع، فستستمر الاتحادات بالحصول على المنح التقليدية فقط، والتي تبلغ نحو 10 ملايين دولار خلال الدورة المقبلة، وهو ما يجعل العرض المالي مغرياً لعدد كبير من الاتحادات الصغيرة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على دعم «فيفا» لتمويل منشآتها وبرامجها ومشروعاتها التطويرية.

ويمنح هذا الفارق المالي إنفانتينو ورقة ضغط قوية قبل التصويت المرتقب، إذ يرى مؤيدوه أن مضاعفة الدعم المالي ستسهم في تطوير كرة القدم في الدول الأقل دخلاً، بينما يعتبر معارضوه أن المشروع يرهن جزءاً من مستقبل اللعبة مقابل سيولة مالية فورية.
وتشير الخطة أيضاً إلى أن الشركة الجديدة ستكون مسؤولة عن تعظيم الإيرادات التجارية مستقبلاً، وهو ما قد يدفع نحو زيادة عدد البطولات أو توسيعها أو إضافة مزيد من المباريات، بهدف رفع العوائد التجارية للمستثمرين وللاتحاد الدولي في الوقت نفسه.
ويرى مراقبون أن المشروع يمثل أكبر تغيير في الهيكل الاقتصادي لـ«فيفا» منذ عقود، إذ لم يسبق أن طُرح جزء من الحقوق التجارية لكأس العالم أمام مستثمرين من القطاع الخاص بهذه الصورة، الأمر الذي فتح الباب أمام نقاش واسع داخل كرة القدم العالمية حول مستقبل البطولة الأشهر في العالم، وما إذا كانت ستظل تُدار بالمنطق الرياضي نفسه، أم ستصبح أكثر ارتباطاً بالاعتبارات الاستثمارية والتجارية.

من يقف خلف الصفقة؟ ولماذا يريد المستثمرون الدخول؟
يقود التحالف الاستثماري المقترح شركة «ثرايف إترنال»، وهي ذراع استثمارية حديثة أطلقتها شركة «ثرايف كابيتال» التي أسسها رجل الأعمال الأميركي جوشوا كوشنر، أحد أبرز المستثمرين في قطاع التكنولوجيا، والذي سبق له الاستثمار في شركات عالمية مثل «أوبن إيه آي» و«سبوتيفاي» و«إنستغرام».

ويحظى اسم كوشنر باهتمام إضافي بسبب ارتباط عائلته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ إن شقيقه جاريد كوشنر متزوج من إيفانكا ترمب، كما شغل سابقاً منصب مستشار للرئيس الأميركي، فيما يشغل والده تشارلز كوشنر منصب سفير الولايات المتحدة لدى فرنسا وموناكو.
ورغم أن جوشوا كوشنر يقدم نفسه باعتباره بعيداً عن التوجهات السياسية لعائلته، فإن قربها من دوائر القرار الأميركية جعل اسمه حاضراً بقوة في النقاشات الدائرة حول المشروع، خاصة في ظل العلاقات الوثيقة التي بناها إنفانتينو مع الإدارة الأميركية خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع استضافة الولايات المتحدة كأس العالم 2026 وكأس العالم للأندية.
ولم يوضح «فيفا» بصورة مفصلة الآلية التي اختير بها التحالف الاستثماري، مكتفياً بالإشارة إلى أن المشروع تم تطويره بالتعاون مع بنك «جي بي مورغان» وشركة «أوبن إيكونوميكس» الاستشارية، إضافة إلى المدير التنفيذي السابق لشركة «ليبرتي ميديا» غريغ مافي.
ويرى متخصصون في الاستثمار الرياضي أن الصفقة تبدو جذابة للغاية بالنسبة لصناديق الاستثمار، لأن المستثمرين سيحصلون على جزء من أكثر الحقوق الرياضية ربحية واستقراراً في العالم، مع توقع استمرار ارتفاع قيمتها خلال العقود المقبلة.
كما يتوقع أن تستقطب الصفقة اهتمام شركات استثمار عالمية كبرى وصناديق سيادية، في ظل القيمة التجارية الضخمة لكأس العالم، وقدرة البطولة على تحقيق مليارات الدولارات من حقوق البث والرعاية والإعلانات.

ويشير خبراء إلى أن الدورة المالية الأخيرة التي انتهت مع كأس العالم 2026 حققت إيرادات بلغت نحو 15 مليار دولار، وهو رقم قياسي تضاعف تقريباً مقارنة بالدورة السابقة، مدفوعاً بتوسعة كأس العالم إلى 48 منتخباً، وإقامة النسخة الأولى الموسعة من كأس العالم للأندية.
ولو كانت الشركة الجديدة قائمة خلال هذه الدورة، فإن المستثمرين كانوا سيحصلون على ما يعادل خمس تلك الإيرادات، وهو ما يوضح حجم الجاذبية الاقتصادية للمشروع، حتى مع توقع انخفاض الإيرادات في بعض الدورات المقبلة التي ستقام خارج السوق الأميركية.
ولهذا السبب يرى كثير من المحللين أن الشركة الجديدة ستكون مطالبة بالحفاظ على مستويات الإيرادات المرتفعة، وهو ما قد يدفع مستقبلاً نحو زيادة عدد المباريات أو توسيع البطولات أو ابتكار مسابقات جديدة تضمن استمرار النمو التجاري.
وفي المقابل، ينفي «فيفا» أن يكون المشروع مرتبطاً بأي مصالح شخصية لإنفانتينو، بعد تقارير تحدثت عن احتمال توليه منصباً تنفيذياً داخل الشركة الجديدة عقب انتهاء ولايته رئيساً للاتحاد الدولي في عام 2031.
وأكد الاتحاد الدولي أن المشروع لا يتضمن أي مناصب أو رواتب محددة لأي شخصية، وأن إدارة الشركة سيتم تحديدها لاحقاً في حال اعتماد المشروع رسمياً.
ورغم ذلك، لا تزال هذه النقطة تثير كثيراً من الجدل داخل أوساط كرة القدم، إذ يرى منتقدون أن تأسيس شركة مستقلة قد يفتح الباب مستقبلاً أمام نموذج إداري يشبه الدور الذي يؤديه مفوضو الدوريات الرياضية الأميركية، الذين يحصلون على رواتب مرتفعة مقابل إدارة المسابقات التجارية.

أوروبا تتحرك... لكن هل تستطيع إيقاف المشروع؟
فتح الإعلان عن المشروع باب الاعتراضات داخل كرة القدم العالمية، ليس بسبب فكرة زيادة التمويل للاتحادات الوطنية، وإنما بسبب الطريقة التي تم بها إعداد المشروع، إذ أكدت عدة اتحادات قارية ووطنية أنها فوجئت بالخطة بعد تداولها في وسائل الإعلام، رغم وجود ممثلين لها داخل مجلس «فيفا».

وكان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أول الجهات التي أعلنت اعتراضها بصورة واضحة، معتبراً أن المشروع يحتاج إلى نقاش أوسع قبل اتخاذ قرار مصيري يتعلق بأهم أصول اللعبة التجارية.
كما أبدى اتحادا أميركا الشمالية والوسطى وآسيا استياءهما من آلية طرح المشروع، مؤكدين أنهما لم يحصلا على فرصة كافية للاطلاع على تفاصيله قبل الكشف عنه.
ورغم ذلك، يدرك كثيرون أن إنفانتينو لا يعتمد في حساباته على أوروبا وحدها، بل على شبكة واسعة من الاتحادات الصغيرة في أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا ومنطقة الكاريبي، وهي اتحادات تعتمد بدرجة كبيرة على المنح المالية التي يقدمها «فيفا»، ما يجعل العرض المالي الجديد أكثر إغراءً بالنسبة لها.
ولهذا السبب، تبدو فرص تمرير المشروع مرتفعة إذا نجح إنفانتينو في الحفاظ على هذا التأييد، خاصة أن كل اتحاد يملك صوتاً واحداً في الجمعية العمومية بغض النظر عن حجمه أو قوته الرياضية.
في المقابل، يرى معارضو المشروع أن أوروبا لا تزال تمتلك أوراق ضغط مؤثرة، إذ تضم أقوى المنتخبات والأندية والبطولات وأكثرها تحقيقاً للإيرادات، كما أن غالبية نجوم اللعبة يمارسون كرة القدم في الدوريات الأوروبية.
ويعتقد هؤلاء أن أي تحرك منسق بين الاتحادات الأوروبية، والأندية الكبرى، والدوريات المحلية، واتحادات اللاعبين، قد يشكل ضغطاً حقيقياً على «فيفا»، خصوصاً إذا انضمت إليه حكومات أوروبية أو المفوضية الأوروبية.

وتبرز بالفعل مؤشرات على هذا الاتجاه، بعدما عبر عدد من المسؤولين الأوروبيين عن تحفظهم على المشروع، فيما تواصل المفوضية الأوروبية دراسة شكاوى تتعلق بطريقة إدارة «فيفا» للمسابقات الدولية، واحتمال إساءة استغلال موقعها المهيمن في سوق كرة القدم.
وفي حال اتسعت دائرة الاعتراضات، فقد يجد الاتحاد الدولي نفسه مضطراً إلى تعديل بعض بنود المشروع أو تأجيل التصويت، إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود كتلة معارضة قادرة حتى الآن على إسقاط الخطة بالكامل.
ومن المنتظر أن تصوت الاتحادات الوطنية الأعضاء على المشروع خلال الأسابيع المقبلة، في واحدة من أهم المحطات بتاريخ «فيفا»، إذ لن يقتصر القرار على بيع حصة في شركة تجارية، بل سيمتد إلى رسم ملامح النموذج الاقتصادي الذي ستدار من خلاله كرة القدم العالمية خلال العقود المقبلة.
وبينما يقدم إنفانتينو المشروع باعتباره وسيلة لضخ مليارات الدولارات في تطوير اللعبة حول العالم، يخشى معارضوه أن يكون بداية مرحلة يصبح فيها تعظيم العوائد الاستثمارية المحرك الرئيسي لقرارات تخص أكثر بطولة شعبية على وجه الأرض، وهو نقاش يتجاوز حدود صفقة مالية، ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بشكل كرة القدم ومستقبلها في السنوات المقبلة.
