ويس غوردن، المدير الإبداعي لدار كارولينا هيريرا، يريد أن يبيع للمرأة السعادة مُغلّفة بالألوان الزاهية في زمن يرى أنه مشبع بالقتامة. امرأة «كارولينا هيريرا» كما تخيَّلها لا تتردد في ارتداء اللون الوردي الفاقع، أو الأحمر القاني في مناسبة ترتدي فيها غالبية النساء الأسود، أو ألوان ترابية تحت شعار «الفخامة الهادئة».

كان اللقاء في بهو فندق السافوي بلندن، في يوم وصلت فيه درجات الحرارة إلى أكثر من 36 درجة. وكان وجوده في العاصمة البريطانية مرتبطاً بمتابعة عرض مجموعته الجديدة من حقائب اليد، والعطور في «هارودز». يقول لـ«الشرق الأوسط» وهو يحتسي قهوة مثلجة: «لقد تعدّينا مرحلة الألوان الأحادية، والمطفأة، والرغبة في الذوبان مع محيط هادئ، وبات على المرأة أن تُعلن وجودها بثقة، وإيجابية. هذه المرأة لا تشتري أزياء كارولينا هيريرا لتختفي، بل لتشعر بالتميز الاستثنائي».

المتابع لعروضه منذ تسلمه المشعل من كارولينا هيريرا في عام 2018، يلاحظ تراجع الألوان الباهتة واستعاضتها بكل ما هو مشرق، ومُبهج. ألوان زاهية لا تعترف بالحلول الوسطى، ونقشات تتضارب مع بعضها البعض، لكنها، وبقدرة رسام ماهر، تكتسب تناغماً عجيباً.
في طريقي لمقابلته، كانت تراودني أسئلة كثيرة مثل: كيف استطاع شاب أميركي وُلد في شيكاغو، ونشأ في أتلانتا بعيداً عن مراكز الموضة التقليدية، اختراق دار ترتبط في المخيلة بتاريخ طويل مع سيدات البيت الأبيض، من جاكي أوناسيس إلى ميشيل أوباما، وأخيراً ليس آخراً ميلانيا ترمب؟

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيف استطاع أن يحظى بثقة مؤسسة أمضت أكثر من أربعين عاماً وهي ترسم كل تفاصيل عالمها الخاص؟ فليس من السهل على أي مؤسس، خصوصاً وهو لا يزال حاضراً وقادراً على متابعة ما يحدث، أن يتنحى عن موقعه المركزي من دون أن يشعر بأن جزءاً من هويته يُنتزع منه. تجارب الماضي تشير إلى أن عملية تسليم المشعل كانت اختباراً حساساً لتحقيق التوازن بين الحضور والغياب، وبين احترام الماضي وفتح الباب أمام المستقبل. فكيف نجح غوردن في إقناع كارولينا هيريرا وطمأنتها بأنه قادر على حمل رؤيتها من دون المساس بإرثها؟
لقاء الأجيال

أطرح عليه هذه الأسئلة، فيبتسم وكأنه توقعها، أو تعود سماعها، قائلاً إنه منذ اللحظة الأولى التي التقيا فيها نشأت بينهما ألفة فورية. يعترف أن القلق انتابه قبل مقابلتها للمرة الأولى. كان يتوقع أن تستجوبه بشكل صارم كما تجري العادة في مثل هذه المقابلات، وتمطره بأسئلة حول رؤيته لمستقبل العلامة، وإدارة أعمالها، لكن المفاجأة أن الحديث أخذ منحى إنسانياً بحتاً بعد دقائق معدودات.
تحدَّثا عن الكتب التي يقرآنها، وبرامجهما التلفزيونية، وهواياتهما المفضلة، وما شابه ذلك من أمور. اكتشفا أنه، رغم اختلاف النشأة وفارق العُمر، تربطهما قواسم قوية، فنياً، وإنسانياً.

وهكذا تحولت العلاقة إلى صداقة مبنية على الاحترام. ويضيف غوردن أن ما ساعده أيضاً على الانسجام مع أجواء الدار، ومتطلباتها بسهولة أن التعيين الرسمي جاء بالتدريج. فقبل أن يصبح مديراً إبداعياً، قضى عاماً كاملاً مستشاراً للدار. كانت هذه الفترة مهمة تعرَف خلالها كل منهما إلى الآخر أكثر، وساهمت فيها كارولينا بتعبيد الطريق أمامه، بأن عرَفته بفرق العمل، وكل صغيرة وكبيرة.
يُلمِح أنها، إلى جانب رُقيها ودفئها الإنساني، تتمتع بروح برغماتية «رغم الألفة والأريحية بيننا، فهي لا تتدخل في العمل على الإطلاق». أدركت بذكائها أن عليها أن تنأى بنفسها، وأن تترك له مساحة من الحرية لكي يُعبِر عن رؤيتها بلغة العصر. نعم تحرص على حضور عروضه كأي ضيفة معجبة لا أقل، ولا أكثر. من جهته، يُقدِر هو الثقة التي منحته إياها، ويتعامل مع إرثها باحترام وحب «فمن الصعب جداً أن تكون مديراً إبداعياً لعلامة لا تُكن لها محبة، أو احتراماً حقيقيين» وفق قوله.

حوار الماضي والمستقبل
ما يُحسب له أنه لم يحاول أن ينسف ماضيها ليستعرض قدراته، قائلاً: «أنا لم آتِ لكي أقوم بثورة، بل لجعل الدار مواكبة للعصر من دون أن تتنازل عن الأناقة الراقية كما أرستها السيدة كارولينا هيريرا. فهي ترى أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً».
واضح في عروضه حضور بصماتها الراقية، لكن حضورها لا يعني تقديسها. فما ينجح فيه في كل عرض وكل ابتكار -سواء كان فستاناً مطبوعاً بورود ضخمة، أو أحمر شفاه قانٍ، أو حقيبة بلون أو شكل غير متوقع، أو حتى تسريحة شعر تستحضر جذورها الفنزويلية- أنه لا يُكرر مفرداتها حرفياً بقدر ما يعيد صياغتها.

ينسج من الأساسات التي أرستها طبقات مفعمة بالحيوية، تستقطب شرائح جديدة من المعجبات من مختلف الأعمار، والجنسيات.
هذه التفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكن أثرها كبير، لأنها لا تعترف بالصرعات الموسمية، وتخاطب جانباً يحن إلى أناقة أيام زمان بلغة العصر. فإطلالة مكونة من قميص أبيض وتنورة فخمة منقوشة بالورود أو بكشاكش يمكن أن تنافس فستان سهرة من الـ«هوت كوتور».
تأثير لندن
هذا الموقف ليس مجرد خيار إبداعي، بالنسبة له، بل يعد انعكاساً لعلاقة خاصة نسجها مع الدار قبل انضمامه إليها «فقبل التعيين بسنوات كنت أتابع عروضها، وأحب تاريخها وما تمثله من أناقة راقية لا تخضع للصرعات الموسمية، وهو ما أؤمن به أيضاً، ويظهر في أعمالي بوضوح».

ميله إلى الكلاسيكية المعاصرة وابتعاده عن الصرعات الموسمية، حتى قبل التحاقه بالدار، يُثيران بعض التساؤل. ليس لأنه ينتمي إلى جيل من المصممين يُفترض أن تدفعهم فورة الشباب لمحاولة فرض أسلوبهم الخاص بأي ثمن، بل لأنه درس في «سانترال سانت مارتنز» بلندن. المعهد المعروف بتشجيع طلابه على التحليق بخيالهم إلى أبعد الحدود، حتى وإن تطلَب الأمر تحويل الفنون إلى جنون. يشرح ما يبدو تناقضاً أنه أمر طبيعي، فالمعهد له عدة مدارس تصميمية، ويدعم كل الاتجاهات كما يدعم كل المواهب. ويستطرد أن التحاقه بهذا المعهد تحديداً له أسباب شخصية. فشغفه بتصميم الأزياء يعود إلى مرحلة الصبا، عندما كان يعيش في أتلانتا وكانت متابعة أحداث ونشاطات الموضة العالمية محدودة للغاية. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تكن قد انتشرت بعد، ولا بث عروض الأزياء على الإنترنت. مُتنفسَه لاكتشاف هذا العالم كان قراءة السير الذاتية لكل من فالنتينو، وجون غاليانو، وألكسندر ماكوين.

ثم كانت النقلة عندما بدأت دار «ديور» ببث عروضها على موقعها الإلكتروني في عهد مصممها: جون غاليانو. كانت تلك المشاهد بالنسبة له في غاية الإبهار، جعلت إعجابه بغاليانو وماكوين يصل إلى حد أنه توجه في عام 2005 إلى لندن للدراسة في كلية سنترال سانت مارتنز، إسوة بهما. وخلال العطل الدراسية، حرص على صقل موهبته بالعمل، فتدرَب لدى «توم فورد»، و«أوسكار دي لا رينتا». وبعد التخرج عام 2009 انتقل إلى مانهاتن ليؤسس علامته الخاصة من شقته الصغيرة. لم يكن الأمر سهلاً، إلا أنه نجح في تقديم تصاميم رفيعة المستوى وصل صيتها إلى شخصيات مثل غوينيث بالترو، وميشيل أوباما، وجانوري جونز، وغيرهن، ولفتت أنظار متاجر مثل «ساكس فيفث أفينيو» مثل «نييمان ماركوس»، و«بيرغدورف غودمان»، و«ساكس فيفث أفينيو»، و«هارودز».
صدفة أم قدر؟

بعد ثمانية أعوام، قرر إغلاق داره الخاصة. وسواء كانت صدفة أو كان هذا قدره، تزامن هذا القرار مع بحث دار «كارولينا هيريرا» عن مصمم قادر على تسلّم زمام قيادتها بعد اتخاذ مؤسستها قرار التقاعد.
وجد كل منهما ضالّته في الآخر. وجدت هي فيه مصمماً يشاطرها الرؤية الفنية نفسها للجمال، ويمكنها أن تُسلِمه المشعل وهي مطمئنة إلى أنه سيبُث الدار مزيداً من الحيوية، بينما وجد هو فيها غطاءً مهنياً يمنحه الأمان، ويُجنبه هاجس الغد، واستنزاف اللوجستيات لطاقته الإبداعية.

منذ أول عرض قدّمه إلى اليوم، تشير الدلائل إلى نجاح الصفقة. فالمتابع لأعماله لا يشعر بأن هناك تغييراً جذرياً يُنفّر العميلات القديمات، بقدر ما يلحظ ديناميكية بدأت تسري في خطوط الدار، وتستقطب شريحة جديدة من الشابات. وصفة غوردن كانت ولا تزال تقوم على التزامه بالسمات الأساسية للدار، مثل الأزهار المتفتحة بجرأة، والتطريزات الغنية، والأزياء المسائية الفخمة التي لوَنها بدرجات تنبض بالحياة. يشرح هذا قائلاً إنه «من المؤسف أن يأتي مدير إبداعي جديد في كل مرة إلى دار عريقة ويتجاهل جيناتها الأساسية».
انسجام الرؤية الفنية
هذا الالتزام كما يؤكد لا يأتي من باب الولاء لتراث الدار فحسب، بل لأن هذا الإرث ينسجم أيضاً مع رؤيته الخاصة. فهو يؤمن بأن الأناقة الراقية لا تعني الصرامة أو الجمود، ولا الانسياق وراء الصرعات.
طوال حديثه، تستشف أنه لا يكتفي باحترام إرث راقٍ رسَخته امرأة جاءت من كاراكاس ونجحت في أن تنقله للعالم، بل يحمل أيضاً امتناناً عميقاً للفرصة التي أتاحتها له هذه المرأة «الاستثنائية» بنظره.

فبعد ثمانية أعوام قضاها مصمماً مستقلاً، كان الانضمام إلى دار أميركية ذات مكانة عالمية راسخة محطة مهمة احتضنها بحماس ومنحها كل ما عنده. في المقابل منحته الدار ما كان يطمح له. فمن جهة، جنَبته الأعباء اللوجستية التي تُثقل كاهل المصممين الشباب العاملين من دون مستثمر، أو مجموعة كبيرة تقف خلفهم، ومن جهة أخرى، وفَرت له مساحة أوسع للتركيز على ما يهمه أكثر: الإبداع.
