يستعدّ مسرح «المونو» في بيروت لإطلاق الدورة الأولى من جوائزه المسرحية، في حفل يُقام ليلة 10 أغسطس (آب) المقبل، ويجمع فنانين وكتّاباً ومخرجين وتقنيين أسهموا في مواصلة الحركة المسرحية اللبنانية خلال عام أثقلته الحرب والاضطرابات. وينقل «تلفزيون لبنان» الحفل الذي تُقدّمه الممثلة والمخرجة زينة دكّاش والممثل طلال الجردي، على أن تتخلّله عروض فنّية وتكريمات لمسيرات مسرحية.
جاء الإعلان عن «جوائز المونو» خلال مؤتمر صحافي أقيم في المسرح، بحضور لجنة التحكيم وعدد من الفنانين والإعلاميين. وبدت مديرة هذه الخشبة جوزيان بولس شديدة الارتباط بالمكان الذي تُديره، وهي تتحدَّث عن ساعات العمل الطويلة التي تمضيها بين قاعاته وكواليسه. وصفت تعبها بالمُفرح، مشيرة إلى أنّ المسرح بات شاهداً على حضورها اليومي أكثر من منزلها العائلي، بعدما تحوَّل العمل فيه إلى جزء أساسي من حياتها.
وترى بولس في إطلاق الجوائز خطوة غير مسبوقة على صعيد المسرح اللبناني، آملةً أن تتّسع التجربة لتشمل فنانين وعاملين في المسرح من دول عربية. فهي تطمح إلى أن تستضيف بيروت، التي تتمسّك بصورة المدينة الثقافية المنفتحة، أسماء وتجارب عربية ضمن دورات مقبلة، فيتحوّل الحفل ملتقى للمسرحيين يتجاوز الحدود المحلّية.

ووصفت موعد 10 أغسطس بالمحطّة المفصلية في مسيرة المسرح؛ لِما يحمله من اعتراف بالجهود التي بُذلت خلال مرحلة شديدة القسوة. جاء حديثها أمام وسائل إعلام بينها «تلفزيون لبنان»، المؤسّسة التي بدأت فيها مسيرتها، وارتبط تاريخها أيضاً بوالدها الراحل جان كلود بولس، أحد الأسماء التي تركت أثراً عميقاً في مرحلة ازدهار الشاشة الرسمية. وتضع جوزيان «تلفزيون لبنان» إلى جانب منزلها العائلي ومسرح «المونو» ضمن أكثر الأمكنة التصاقاً بسيرتها الشخصية والمهنية.
وشدَّدت بولس على استقلالية عملية التحكيم، مؤكدةً أنها بقيت خارج مسار التصويت ولم تطَّلع على خيارات أعضاء اللجنة. واستُبعِدت من المنافسة الأعمال التي شاركت فيها تمثيلاً أو إخراجاً، تفادياً لأي تعارُض في المصالح، وحفاظاً على نزاهة النتائج وصدقيتها.
وتشمل المنافسة 32 عرضاً قُدِّمت على خشبتَي «المونو» و«آكت» بين سبتمبر (أيلول) 2025 وأواخر يوليو (تموز) 2026، من دون تمييز بين العروض المقدَّمة في القاعة الكبرى وتلك التي استضافها المسرح الصغير. وتتنافس الأعمال ضمن 15 فئة، تتوزَّع بين أفضل عرض وإخراج ونصّ أصلي وإعداد مسرحي، وجوائز التمثيل في الأدوار الرئيسية والثانوية، والسينوغرافيا والأزياء والإضاءة والصوت والموسيقى الأصلية، إضافة إلى جائزة خاصة للشباب وأخرى فخرية لمسيرة استثنائية.

وتتولّى تقييم الأعمال لجنة مستقلّة يرأسها وليد دكروب، وتضمّ سوسن عوّاد، وربيع الشامي، وروزيت فاضل، وفادي جنبرت، وسرمد لويس، وميرانا النعيمي، وميسا حنوني يعفوري. كما يحضر رأي الجمهور ضمن آلية التقييم. وأكدت بولس أنّ التصويت جرى بسرّية تامة، والمُحكِّمين لم يعرفوا اختيارات بعضهم قبل الانتقال إلى مرحلة النقاش النهائي.
وتحدَّث أعضاء اللجنة بروح من الدعابة عن «الورطة» التي وضعتهم فيها جوزيان بولس، في إشارة إلى صعوبة المُفاضلة بين تجارب فنّية متنوّعة. غير أنهم وصفوها بورطة جميلة، أتاحت لهم إعادة النظر في أدوات التقييم وفي علاقتهم الشخصية بالخشبة.
وفي ردّ على سؤال «الشرق الأوسط» عن احتمال نشوء انقسامات حادّة داخل اللجنة؛ نظراً إلى ارتباط تلقّي المسرح بالذائقة الفردية، قال دكروب إنّ «الفن لا يُقاس بالمسطرة»، مؤكداً أنّ النقاشات لم تصل إلى صدامات حادّة. وأوضح أنّ اللجنة احتكمت إلى معايير جمالية وفنّية، مع الإبقاء على مساحة لسحر العمل وقدرته على ملامسة المتلقّي وإشباع حاجة داخلية باتت أكثر إلحاحاً وسط الأزمات.
وأشار إلى أنّ الوصول إلى التصويت النهائي شكَّل عبئاً شخصياً ونفسياً على أعضاء اللجنة، فالمَهمّة تختلف عن تقييم الطلاب وفق معايير أكاديمية مباشرة. وقد تحوَّلت الاجتماعات، وفق تعبيره، إلى تمرين ذهني على مراجعة الذائقة وصياغة الأحكام والانفتاح على قراءة الآخر، ضمن نقاش وصفه بالراقي والمسؤول.
وسيحمل الفائزون مجسَّماً صمَّمته الفنانة اللبنانية كاتيا طرابلسي، واختارت أن تجعل منه صورة مكثَّفة عن طبيعة المسرح. يبدو المجسَّم للوهلة الأولى كتلة واحدة، ثم يكشف عند تأمّله عن وجوه وشخصيات وتكوينات مُتداخلة، في إحالة إلى العمل الجماعي الذي يجمع الكاتب والمخرج والممثل والمصمّم والتقني والموسيقي والجمهور.
وتترك الفراغات داخل التصميم مساحات مفتوحة للخيال والتأويل، في حين تشير الأزهار المتفتّحة عند القاعدة إلى قدرة الإبداع على النمو وسط الظروف القاسية. وتتوسَّط المجسَّم عين ترمز إلى وظيفة المسرح في إعادة تدريب الإنسان على رؤية ذاته والعالم كما لم يعتدهما. أما الموسيقى الخاصة بدخول الفائزين، فقد ألَّفها المغنّي وكاتب الأغنيات والمنتج اللبناني أنطوني توما خصوصاً للحفل.
وكشفت بولس أنّ برنامج عروض «المونو» لعام 2027 بات ممتلئاً، في مؤشّر إلى الحركة التي يشهدها المسرح رغم الرياح المُعاكسة. كما ألمحت إلى عودة قريبة لاسم وصفته بـ«عملاق المسرح»، مفضّلةً الاحتفاظ بهويته رغم محاولات الصحافيين انتزاع الإعلان منها.
وتُراهن إدارة «المونو» على أن تتحوَّل الجوائز تقليداً سنوياً يواكب الإنتاج المسرحي اللبناني، ويمنح العاملين فيه منبراً للاحتفاء بجهودهم. وتأتي الدورة الأولى من تجربة مسرح حافظ على عروضه وأضوائه في أكثر المراحل اضطراباً، مؤكداً أنّ الخشبة تظلّ قادرة على جَمْع الناس وصناعة معنى مشترك حين تضيق المساحات الأخرى.
