لم تعد المواجهة بين الدولة اللبنانية و«حزب الله» محصورة في ملف السلاح وتنفيذ الالتزامات الدولية في الجنوب فقط، بل انتقلت إلى إحكام قبضتها على المرافئ البحرية والمطار والمعابر الحدودية، وتقليص نفوذ «الحزب»، وصولاً إلى تجفيف موارده المالية التي يجنيها بطرق غير شرعية.
فمنذ انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، بدأت السلطة تنفيذ مقاربة أمنية وإدارية لاستعادة قرارها السيادي على المنافذ البرية والبحرية والجوية، التي لطالما استند إليها «الحزب» طيلة سنوات لتأمين خطوط الإمداد والتمويل والالتفاف على الرقابة الرسمية.
وتشير معطيات أمنية إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال الأشهر الماضية «لا تقف عند إعادة تنظيم العمل داخل هذه المرافق، بل أصابت البنية اللوجستية لـ(الحزب) في أحد أشد مفاصلها حساسية، وضيّقت إلى حد كبير حركة التهريب، وقطعت مسارات التمويل، التي كانت قائمة عبر الحدود مع سوريا والمطار والمرفأ».
تراجع نفوذ «الحزب»
ورغم أن إجراءات الرقابة ومكافحة عمليات التهريب لا تزال تُعزز يوماً بعد يوم، فإن نتائجها بدأت تظهر على أرض الواقع من خلال أفول نجم «الحزب» داخل مؤسسات كان صاحب اليد العليا فيها.
ويكشف مصدر معني بملف المعابر البرية والبحرية والجوية عن أن نفوذ «حزب الله» داخل هذه المرافق «تراجع بصورة غير مسبوقة منذ انطلاقة العهد الجديد».
ويؤكد المصدر، لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التراجع «انعكس مباشرة على القدرات المالية واللوجستية لـ(الحزب)، التي كانت تستفيد قبل الحرب الأخيرة من واقع أمني وإداري مختلف أتاح هامشاً واسعاً لحركة البضائع والأموال».

ونجحت الدولة اللبنانية خلال الأشهر الأخيرة في فرض مستوى مرتفع من الرقابة التقنية بعد إدخال أجهزة «سكانر» حديثة إلى مرفأ بيروت و«مطار رفيق الحريري الدولي» ومعبر «المصنع» الحدودي؛ الأمر الذي حدّ من عمليات تهريب البضائع والمواد الممنوعة والأموال التي كانت تمر عبر هذه المرافق.
ويشدد المصدر على أن المعابر غير الشرعية التي شكلت لسنوات الرئة الأساسية لحركة «الحزب» اللوجستية «لم تعد تؤدي الدور الذي كانت تقوم به سابقاً، بعدما شددت السلطات السورية إجراءاتها على الجانب المقابل، بالتوازي مع تعزيز الرقابة اللبنانية؛ مما أدى إلى تراجع عمليات العبور غير القانوني إلى مستويات شبه معدومة».
تبدل جذري
وأشار إلى أن «واقع المعابر غير الشرعية مع سوريا تبدل جذرياً مقارنة بالسنوات الماضية، حين كانت شاحنات التهريب التابعة لـ(الحزب) تعبر بصورة منتظمة، مستفيدة من ضعف الدولة وتغييب دورها لمصلحة (الحزب) وشبكات التهريب التي تدور في فلكه».
تقلص التدفقات المالية
ولم يقتصر التغيير على ضبط حركة البضائع، بل طال أيضاً شبكات التمويل، ويتحدث المصدر الرسمي عن «تراجع ملحوظ في عمليات إدخال حقائب الأموال النقدية والذهب عبر المطار، وأيضاً في تهريب حبوب الكبتاغون والحشيشة الذي كان يشكل أحد أبرز الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بعمليات التهريب».
وشدد المصدر على «أهمية قرار منع الطائرات الإيرانية من الهبوط في (مطار رفيق الحريري الدولي)، الذي ضيّق الخناق على قنوات الإمداد، بعدما أدى إلى إغلاق أحد المسارات التي كانت تستخدم لنقل الأموال والمواد الداعمة لـ(الحزب)».

وشكّل سقوط نظام بشار الأسد التحوّلَ الأهم والضربة الأقوى التي تلقاها «حزب الله» منذ تأسيسه، حيث فقد أحد أهم ممراته الاستراتيجية؛ إذ لم تعد سوريا تشكل البيئة اللوجستية الآمنة التي اعتمد عليها «الحزب» وإيران طيلة سنوات لنقل السلاح والتمويل إلى الداخل اللبناني.
وفي هذا الإطار، أوضح مصدر أمني أن «نفوذ (حزب الله) داخل المؤسسات المشرفة على إدارة المرافئ والمعابر بات شبه معدوم؛ نتيجة سلسلة من الإجراءات الأمنية والإدارية التي استهدفت إعادة بناء منظومة الرقابة داخل مرفأ بيروت و(مطار رفيق الحريري الدولي) ومعبر (المصنع)».
وكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط» عن أن هذه الإجراءات «شملت نقل عدد كبير من الموظفين الأمنيين والإداريين الذين كان يُعتقد أنهم يخضعون لتأثير (الحزب)، وكانوا يوفرون غطاءً لمرور بضائع بصورة شبه يومية»، مؤكداً أن «إعادة الهيكلة في هذه المرافئ أسهمت في إقفال منافذ كانت تشكل نقاط ضعف داخل الأجهزة المعنية».
مناقلات وتحقيقات
وأضاف: «لم تكتف السلطات الرسمية بإجراء المناقلات الإدارية، بل باشرت تحقيقات وملاحقات بحق أشخاص يشتبه في تورطهم بتسهيل مرور بضائع وحقائب أموال ومجوهرات لمصلحة (الحزب) خلال الأشهر الماضية، في إطار سياسة تستهدف تفكيك شبكات النفوذ داخل المرافق العامة».
