لبنان: سلاح «حزب الله»… نجم النقاشات والسجالات في جلسة المناقشة البرلمانية

رئيس الحكومة: «الإطار الثلاثي» سياسي... والحرب خسائرها 27 ملياراً

جلسة المناقشة العامّة في مجلس النواب اللبناني (وكالة الأنباء المركزية)
جلسة المناقشة العامّة في مجلس النواب اللبناني (وكالة الأنباء المركزية)
TT

لبنان: سلاح «حزب الله»… نجم النقاشات والسجالات في جلسة المناقشة البرلمانية

جلسة المناقشة العامّة في مجلس النواب اللبناني (وكالة الأنباء المركزية)
جلسة المناقشة العامّة في مجلس النواب اللبناني (وكالة الأنباء المركزية)

ثبّت رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، أمام مجلس النواب، موقف حكومته من مساري التفاوض وحصر السلاح، مؤكداً أن الدولة وحدها تفاوض باسم لبنان، وأن حصر السلاح بيدها لا يشكل التزاماً جديداً ناتجاً عن «الإطار الثلاثي»، بل سبق أن التزمت به الحكومة في بيانها الوزاري، وهو «أساساً في صلب اتفاق الطائف».

وجاءت مواقف سلام في مستهل جلسة مناقشة عامة بمجلس النواب، غلب عليها طابع المحاسبة السياسية للحكومة، مع تركّز مداخلات النواب على مسار التفاوض مع إسرائيل، وحصر السلاح، ونتائج الحرب وأداء الدولة، فيما أوضح رئيس المجلس نبيه بري أن الجلسة ليست جلسة استجواب أو مساءلة.

ووضع سلام المفاوضات مع إسرائيل في إطار هدف معلن هو إنهاء الحرب، والانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية، والإفراج عن الأسرى وعودة الأهالي، مشدداً على أن «التفاوض بحد ذاته ليس تنازلاً عن الحقوق، بل وسيلة لاستعادتها بالطرق الدبلوماسية»، وأن مسؤولية الدولة تقضي باختيار «الطريق الأقل تكلفة على اللبنانيين لتحقيق أهدافها».

الدولة وحدها تفاوض

قال سلام إنه «بموجب المادة 52 من الدستور، يتولّى اليوم فخامة رئيس الجمهورية وبالاتفاق معي بصفتي رئيساً للحكومة، المفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، تأكيداً على أن الدولة اللبنانية، وحدها دون سواها، هي من يفاوض باسم لبنان».

وأضاف أن لبنان، رغم تأثره بالحرب الدائرة في المنطقة، «ليس ورقة تفاوض بيد الآخرين في مفاوضات يغيب عنها»، مؤكداً أن «السيادة تقتضي انسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، كما تقتضي بسط سيطرة الدولة بقواها الذاتية والعمل على حصر السلاح بيدها».

وتوقف عند «الإطار الثلاثي»، قائلاً إنه «يشكل مرجعاً في المسار التفاوضي»، لكنه «ليس اتفاقاً بالمعنى القانوني للكلمة؛ بل هو إطار سياسي»، ولا يشكل «اتفاقية منجزة ليتم عرضها على مجلس الوزراء بهدف إبرامها».

وأوضح أنه يتضمن «سلسلة تدابير تنفيذية، وإن كانت من دون روزنامة، تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار للجيش اللبناني»، مشدداً على أن الحكم على المفاوضات يكون بنتائجها النهائية.

ورفض سلام القول إن الإطار يفرض التزامات جديدة، وقال إن «التزام لبنان الرئيسي فيه هو حصر السلاح بيد الدولة. وهذا لا جديد فيه»؛ إذ التزمت به الحكومة في بيانها الوزاري، وهو «في صلب اتفاق الطائف»، ووارد في اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024.

وأكد أنه «لا استقرار مستداماً من دون بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة دون سواها»، مشدداً: «نريد إنهاء الحرب. وهدفنا انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، والإفراج عن كل أسرانا، وعودة آمنة وكريمة لأهلنا إلى قراهم وبلداتهم».

رئيس الحكومة اللبنانية متحدثاً أمام مجلس النواب (الوكالة الوطنية للإعلام)

تكلفة الحربين

عرض سلام تداعيات الحربين، قائلاً إن الحرب التي بدأت في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بلغت تكلفتها، بحسب البنك الدولي، نحو 14 مليار دولار، إضافة إلى «أكثر من 4 آلاف شهيد وأكثر من 16 ألف جريح».

أما الحرب الأخيرة التي بدأت في 2 مارس (آذار)، فقال إن تكلفتها المباشرة تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، والتكلفة الاقتصادية بين 4 و5 مليارات، فضلاً عن «أكثر من 4 آلاف شهيد وأكثر من 12 ألف جريح».

وقال إن الحربين كلفتا لبنان «أكثر من 20 مليار دولار، وقد تتجاوز تكلفتهما الإجمالية 27 مليار دولار»، فيما بلغت الحصيلة «نحو 9 آلاف شهيد، وأكثر من 30 ألف جريح، وأكثر من مليون نازح في ذروة الحرب الأخيرة»، إضافة إلى عشرات آلاف المنازل المدمرة وأكثر من 75 قرية ومدينة يتعذر على أهلها العودة إليها.

وأشار إلى أن أكثر من 250 ألف لبناني لا يزالون نازحين، وأن الحرب الأخيرة دمرت 91 ألف وحدة سكنية كلياً أو جزئياً، تضاف إلى نحو 230 ألف وحدة تضررت في الحرب السابقة.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال جلسة مناقشة الحكومة (الوكالة الوطنية للإعلام)

مساءلة وانتقادات نيابية

بعد كلمة سلام، دعا عضو كتلة «القوات اللبنانية» النائب زياد الحواط، إلى تكريس مساءلة الحكومة ومتابعة أدائها بصورة مستمرة، معتبراً أن مناقشتها «أمر ضروري وحتمي».

وطلب نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، توضيح «الإطار»، قائلاً: «لم نفهم حتى اللحظة ما هو اتفاق الإطار، وما المتوقع تحقيقه منه».

وسجل عضو كتلة الحزب التقدمي الاشتراكي النائب هادي أبو الحسن، «عدم الموافقة على اتفاق الإطار»، معتبراً أن البلاد أمام «مأزق كبير نتيجة عقم المفاوضات»، ودعا إلى توحيد الموقف وإعادة النظر في الاتفاق ورسم سياسة تفاوضية واضحة، مع التأكيد أنه «لا مكان بعد اليوم للمساومة في حصر السلاح بيد الدولة وحدها».

وسأل عضو كتلة بري النيابية النائب علي حسن خليل، الحكومة: «ما التكلفة التي خفّفها؟ وهل حصل وقف إطلاق نار حقيقي؟ وأين خُفّفت التكلفة فيما عمليات التجريف والهدم مستمرة وقرى تُمحى عن السجلات؟ وماذا تحقق من عودة الأهالي؟»، مشدداً في الوقت نفسه على أن الخلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى قطيعة أو تحريض، وأن «لبنان لا يُبنى باستهداف أحد؛ بل بالشراكة والحوار والدولة ومؤسساتها».

وقال النائب المستقل فراس حمدان إن الناس في النبطية «خائفة من التفجير والتهجير والاحتلال»، مضيفاً: «لا نطلب منكم أن تسلّموا المناطق للعدو؛ بل أن تسلّموا قرار البلد للدولة».

حصر السلاح والتفاوض

جدّد النائب فؤاد مخزومي ثقته بالحكومة، داعياً إلى تطبيق الطائف وبسط سلطة الدولة وتمكين الجيش، وحمّل «سلاح حزب الله» وارتهانه لإيران مسؤولية جر لبنان إلى حرب لا يريدها، مطالباً بآليات واضحة لحصر السلاح.

وحيّا النائب مارك ضو «فريق التفاوض المباشر الذي يعمل لاسترداد أرضنا»، قائلاً: «نحمي السلم الأهلي بتنفيذ حصر السلاح»، وطالب الحكومة بالتحرك بصورة أسرع.

ووضع رئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميّل، الحكومة أمام خيار «الخضوع أو التنفيذ»، محذراً من أن «لبنان ذاهب إلى التفكك»، وحمّل السلاح خارج الدولة مسؤولية جر لبنان إلى حروب متتالية، قائلاً إن «3 حروب إسناد لا علاقة لها بلبنان، أدت إلى تدمير الجنوب واحتلال أراضٍ لم تكن محتلة».

في المقابل، سأل عضو كتلة «حزب الله» النائب إبراهيم الموسوي: «تسألون ماذا فعلت المقاومة، ونحن نسأل ماذا فعلت الدولة لتسليح الجيش والدفاع عن الأرض»، مطالباً بإجابات حول قدرة الجيش على الدفاع عن الأراضي اللبنانية.

ووصف رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، الحكومة بأنها «حكومة المحاور والخضوع»، لكنه أعلن تأييده التفاوض، قائلاً: «نحن مع التفاوض مع إسرائيل لوقف الحرب، لأن سلاح (حزب الله) لم يعد بإمكانه حماية لبنان، ونحن مع السلام وليس الاستسلام»، مؤكداً تأييده «حصرية السلاح بالكامل»، ورافضاً أن يتم نزع السلاح «بالاستقواء بالخارج»، ومتوجهاً إلى «حزب الله»: «ألم تكن تلال علي الطاهر كافية لوقف إطلاق النار؟».

وشهدت الجلسة سجالاً بعدما هاجم النائب علي عمار كلمة سلام، فقاطعته النائبة بولا يعقوبيان، فرد: «تهذّبي وتأدّبي». وامتد السجال إلى النائب أشرف ريفي الذي قال لعمار: «إنتو سلّمتوا البلد لإيران، روحوا بالمقاومة عا إيران»، فرد عمار: «صافحت إسرائيل».


مقالات ذات صلة

6 جرحى في هجوم إسرائيلي بشمال شرقي لبنان

المشرق العربي مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

6 جرحى في هجوم إسرائيلي بشمال شرقي لبنان

أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن هجوماً إسرائيلياً وقع، الجمعة، في شمال شرقي البلاد، بالقرب من الحدود السورية، أسفر عن إصابة ستة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام: «إننا نعمل على مسارات مترابطة» تتمثل في «استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وإطلاق الإصلاحات»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آليات للجيش اللبناني في دورية مؤللة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

الجيش اللبناني يحبط محاولتي تهريب متفجرات من سوريا ومخدرات إليها

أحبط الجيش اللبناني عمليتين منفصلتين بين لبنان وسوريا لتهريب مخدرات وقذائف ومتفجرات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلامة يتوسط وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح ونظيره اللبناني غسان سلامة (وزارة الثقافة السورية)

وزير الثقافة السوري من بيروت: العلاقة مع لبنان ستُبنى على الأسس الصحيحة

تعهّد وزير الثقافة السوري، محمد ياسين صالح، بأن الشراكة بين بلاده ولبنان «ستُبنى على الأسس الصحيحة التي تليق بشعبي البلدين».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

قرى مسيحية حدودية في جنوب لبنان تخشى العزلة برحيل «اليونيفيل»

تخشى القرى المسيحية الحدودية الثلاث، رميش ودبل وعين إبل، في جنوب لبنان، أن يؤدي انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) إلى فقدان مقومات الصمود.

صبحي أمهز (بيروت)

6 جرحى في هجوم إسرائيلي بشمال شرقي لبنان

مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
TT

6 جرحى في هجوم إسرائيلي بشمال شرقي لبنان

مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن هجوماً إسرائيلياً وقع، الجمعة، في شمال شرقي البلاد، بالقرب من الحدود السورية، أسفر عن إصابة ستة أشخاص، وتحديداً في منطقة ظلت بمنأى إلى حد كبير عن حوادث مماثلة منذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة إن «الاعتداء الإسرائيلي في محيط بلدة حوش السيد علي في قضاء الهرمل أدى إلى 6 جرحى من بينهم 5 من الجنسية السورية في عدادهم سيدتان إضافة إلى جريح لبناني»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية أن «مسيّرة حربية معادية استهدفت سيارة في حوش السيد علي».

ودخل لبنان الحرب في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل قال إنها رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وردّت إسرائيل بحملة غارات كثيفة وبتوغل بري لقواتها التي احتلت عشرات البلدات والقرى في جنوب لبنان وبعمليات تفجير واسعة النطاق.

وتراجعت وتيرة أعمال العنف بعد إبرام الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في يونيو (حزيران)، وتوقيع الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية برعاية أميركية اتفاق إطار نصّ على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب الدولة العبرية تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءا من مناطق «تجريبية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، مقتل ضابط وإصابة ثلاثة جنود بجروح طفيفة في جنوب لبنان.


الفلسطينيون بانتظار إعلان تأجيل الانتخابات... خطوة غير مفاجئة

عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلسطينيون بانتظار إعلان تأجيل الانتخابات... خطوة غير مفاجئة

عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

ينتظر الفلسطينيون إعلاناً رسمياً من الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بتأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، بعدما اتفقت حركة «فتح» مع الفصائل الفلسطينية على ذلك، في خطوة لم تكن مفاجئة.

وقال مصدر فلسطيني مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، إن تأجيل الانتخابات كان متوقعاً منذ اللحظة الأولى التي أصدر فيها الرئيس الفلسطيني المرسوم. وأضاف: «جاء المرسوم تلبية لطلبات وضغوط خارجية من أجل تجديد الشرعيات والإصلاح. ولم يكن أحد هنا مستعداً لذلك... لا (فتح) ولا (حماس) ولا الفصائل كانت مستعدة للانتخابات. ورغم إعلان الجميع أنهم مع إجراء هذه الانتخابات، دفع الجميع نحو تأجيلها... حتى الآن لم يشكل أي فصيل رئيسي قائمته ولم يقدمها للجنة الانتخابات».

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية في اجتماع سابق بالقاهرة (حساب حماس في تلغرام)

وحسب المصدر، يُفترض أن ترفع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، التي تجتمع السبت، توصية للرئيس عباس بتأجيل الانتخابات من أجل إعطاء الحوار الوطني فرصة، ولأن الظروف السياسية والأمنية معقدة وغير مهيأة في هذا الوقت.

ولم يتضح ما إذا كان عباس سيحدد موعداً جديداً، أو سيعلن أنها ستُجرى خلال الربع الأخير من العام القادم كما تقدر الكثير من المصادر.

وأبلغ نائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ، فرنسا بتأجيل الانتخابات فعلاً لعدة أشهر، بسبب تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وفق رسالة اطلعت عليها وكالة «رويترز».

وجاء في رسالة من الشيخ إلى وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أمس (الخميس)، أن التقييم خلص إلى أن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي كان من المتوقع توافرها لإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المحدد لم تتحقق.

وأضافت الرسالة أن إجراء الانتخابات في ظل الظروف الحالية يواجه عقبات جوهرية تؤثر في شمولية العملية الانتخابية، وحرية المشاركة فيها، ونزاهتها.

ولم تُجرَ انتخابات تشريعية أو رئاسية فلسطينية منذ عامي 2005 و2006، حين أُجريت آخر انتخابات من هذا النوع، قبل أن تسيطر «حماس» على قطاع غزة وتُخرج منه القوات الموالية للرئيس محمود عباس.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك (أرشيفية - إ.ب.أ)

وكان عباس أعلن أن الانتخابات التشريعية ستجرى في نوفمبر القادم، ضمن سلسلة إصلاحات ضخمة أطلقها في السلطة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شملت إعادة تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، واستحداث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب رئيس دولة فلسطين، وتشكيل لجنة لصياغة دستور مؤقت للمرحلة الانتقالية من «السلطة» إلى «الدولة»، وتعيين رؤساء جدد لجميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وإحالة مئات الضباط برتبة عميد للتقاعد بمرسوم رئاسي، وانتخابات محلية في الضفة وغزة ثم انتخابات لقيادة حركة «فتح».

لكن على الرغم من كل هذه الإصلاحات، تشكك الفلسطينيون في مسألة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وجاءت رسالة الشيخ لتقطع الشك باليقين مؤكدة فعلاً تأجيل الانتخابات.

وقالت الرسالة إن المسؤولين الفلسطينيين كانوا يتوقعون تحسن الظروف من خلال تنفيذ مبادرة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للسلام، وتطبيق قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، بما يشمل نشر قوات دولية وشرطة فلسطينية في قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية.

وأضافت أن الجانب الفلسطيني كان يتوقع أيضاً تحركاً أميركياً لمنع المزيد من ضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والحد من عنف المستوطنين، والإفراج عن أموال فلسطينية تحتجزها إسرائيل وتبلغ قيمتها نحو 7 مليارات دولار.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

وجاء في الرسالة: «لكن هذه الخطوات والتفاهمات والوعود لم تتحقق، بل تدهورت الأوضاع في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية»، مشيرة إلى مشكلات أمنية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وبناءً على هذا التقييم، أوصى المسؤولون الفلسطينيون الرئيس عباس بتعديل موعد الانتخابات وتأجيلها عدة أشهر، مع مواصلة الحوار بهدف تهيئة الظروف الداخلية اللازمة لإجرائها، حسب الرسالة.

أسباب «فتحاوية» وفصائلية

وإضافةً إلى الأسباب التي ساقها الشيخ، قالت مصادر أخرى، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدم الاتفاق داخل «فتح» كان سبباً رئيسياً للذهاب نحو تأجيل الانتخابات.

وأضافت المصادر أنه لم يكن هناك اتفاق واضح مع القيادي الكبير مروان البرغوثي الذي أطلق مبادرة قبل الانتخابات من أجل «توحيد حركة (فتح) بجميع كُتلها وتياراتها»، وكان ثمة مخاوف من أنه قد يدفع نحو تشكيل قائمة خاصة.

وينوي البرغوثي الترشح للرئاسة وليس للتشريعي، لكن دعمه قائمة أخرى غير قائمة «فتح» الرسمية، من شأنه أن يخلط الأوراق.

وكانت «فتح» تواجه كذلك تحدياً يتعلق بتيار الإصلاح الذي يقوده المسؤول السابق في الحركة، محمد دحلان، الذي كان اتفق مع «حماس» على تشكيل قائمة واحدة لخوض الانتخابات تضم فصائل أخرى، ولم يتضح إذا ما كان يمكن أن ينضم إلى البرغوثي، لاحقاً، لو شكل قائمته الخاصة.

وإضافة إلى ذلك، كان ثمة مسؤولون غاضبون في «فتح» شرعوا فعلاً في تشكيل قوائم خاصة.

وتريد «فتح» الذهاب بقائمة واحدة، ويحتاج هذا إلى المزيد من الوقت والمشاورات الداخلية.

قوات إسرائيلية أثناء هدم مبنى فلسطيني قرب الخليل في الضفة الغربية يوم 5 أكتوبر 2026 (رويترز)

كذلك فشلت محاولة التصالح مع تيار دحلان في وقت سابق، رغم محاولات إقليمية لحل مشكلة هذا التيار بعودته إلى «فتح» أو تشكيله حزباً سياسياً جديداً على الساحة الفلسطينية.

وإلى جانب «فتح»، لم تكن «حماس» حسمت أمرها نهائياً، وكانت تحتاج إلى تحالف واسع وقوي بعد أن تعهدت بعدم خوض الانتخابات باسمها أو عبر قادتها وعناصرها المعروفين.

وأيّدت «حماس» و«الجهاد الإسلامي» كذلك تأجيل الانتخابات. وقبل الجميع، طالبت «الجبهة الشعبية» بتأجيلها وإعطاء الحوار الوطني فرصة.

وقال المصدر: «الكل كان يدفع نحو التأجيل. المسألة ليست متعلقة بالسلطة و(فتح) فقط».

ولا يملك الفلسطينيون قرار الانتخابات منفردين، بل لإسرائيل كلمة فصل فيما يخص ذلك.

ورفضت الحكومة الإسرائيلية السماح للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بدخول قطاع غزة والقدس لمتابعة التحضيرات للانتخابات.

وكان مصدر فلسطيني مسؤول قال لوكالة الأنباء الرسمية «وفا»، الثلاثاء، إن الحكومة الإسرائيلية رفضت السماح بدخول اللجنة إلى القطاع والقدس، في خطوة وضعت عقبة مباشرة أمام إجراء انتخابات تشمل الأراضي الفلسطينية بكاملها.


رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام: «إننا نعمل على مسارات مترابطة» تتمثل في «استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وإطلاق الإصلاحات اللازمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار»، مشيراً إلى أن «النجاح في أحدها لا يغني عن التقدم في المسارات الأخرى».

وقال سلام خلال افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب: «لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة للحروب والأزمات المتعاقبة. خسروا أرواحاً وأرزاقاً وبيوتاً ومدّخرات، وخسر كثير من شبابنا الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم في وطنهم».

وإذ أشار إلى المسارات المترابطة، أكد أنه «لا اقتصاد قابلاً للنهوض من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، ولا استقرار ثابتاً من دون دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا دولة قادرة من دون مؤسسات فاعلة».

وتابع: «هكذا لا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة قرارات لا يتخذونها عبر مؤسساتهم الدستورية، أو صراعات لا يريدونها، أو حروب لا يختارونها، بل يدفعون أثمانها مرة بعد مرة»، مشيراً إلى أن «استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين إلى بيوتهم عودة آمنة وكريمة، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم».

وقال سلام: «الدولة التي نريد لا تكتمل سيادتها على أرضها إذا بقيت ضعيفة أمام المصالح الفئوية والخاصة، ولا تستعيد ثقة الناس إذا لم تقم على العدالة والمساواة وسيادة القانون، وهذه هي المهمة التي نعمل من أجلها، مدركين أن الطريق ليس سهلاً، وأن التحديات كبيرة، وأن ما تراكم خلال عقود لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها»، مشدداً على أن «صعوبة المهمة لا تبرّر تأجيلها، وحجم التحديات لا يعفينا من تحمّل المسؤولية».

نهضة شاملة للبنان

ورأى سلام أن «الحديث عن النهضة الثقافية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن النهضة الشاملة التي يحتاج إليها لبنان»، لافتاً إلى أن «بلدنا لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما تهدّم فحسب؛ بل إلى إعادة التفكير في الكثير مما أوصله إلى ما هو عليه». وقال: «لا يكفي أن نعيد بناء بعض مؤسسات الدولة، بل علينا أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسه، وإلى مكانتها في وجدان اللبنانيين، وفي علاقتهم بعضهم ببعض، وفي نظرتهم إلى حقوقهم وواجباتهم».

سلام يتوسط رؤساء حكومات سابقين ووزيري الثقافة اللبناني والسوري خلال افتتاح معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

وشدد على أن «النهضة التي يحتاج إليها لبنان ليست مجرد مشروع اقتصادي أو إداري أو عمراني. إنها أيضاً نهضة في الفكر السياسي، وفي الثقافة الوطنية، وفي مفهوم المسؤولية العامة».

وقال سلام: «نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية لا تختزل السياسة بالصراع على السلطة، بل تراها مسؤولية عن الصالح العام، وإلى ثقافة مواطنة لا تنكر تنوّع اللبنانيين، بل تجعل من الدولة إطاراً جامعاً لهذا التنوع. نحن بحاجة إلى فضاء ثقافي وإعلامي يتيح النقاش الحر، ويشجّع السؤال والمساءلة، ويواجه خطاب الكراهية والتضليل، من دون أن يخشى النقد أو يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة».

بناء المستقبل

وأكد أن «النهضة الفكرية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي. إنها أحد شروط نجاح هذا الإصلاح واستدامته».