موسكو تسعى لعزل كييف عن البحر الأسود

هجمات صاروخية روسية عنيفة لضرب إمدادات أوكرانيا من الحبوب والأسلحة

رجل إطفاء أوكراني يحاول إخماد حريق في مبنى سكني أصيب بهجوم روسي في بلدة بمنطقة دنيبروبيتروفسك الاثنين (رويترز)
رجل إطفاء أوكراني يحاول إخماد حريق في مبنى سكني أصيب بهجوم روسي في بلدة بمنطقة دنيبروبيتروفسك الاثنين (رويترز)
TT

موسكو تسعى لعزل كييف عن البحر الأسود

رجل إطفاء أوكراني يحاول إخماد حريق في مبنى سكني أصيب بهجوم روسي في بلدة بمنطقة دنيبروبيتروفسك الاثنين (رويترز)
رجل إطفاء أوكراني يحاول إخماد حريق في مبنى سكني أصيب بهجوم روسي في بلدة بمنطقة دنيبروبيتروفسك الاثنين (رويترز)

تواصل روسيا الهجمات الصاروخية واسعة النطاق على العاصمة الأوكرانية، كييف، ومواقع الإمدادات وتخزين الوقود والبنى التحتية العسكرية في عدد من المدن الأوكرانية الأخرى، موسّعة بذلك قائمة أهدافها الاستراتيجية في محاولة لفرض أمر واقع ميداني جديد، وتحميل الأوكرانيين خسائر فادحة لا يمكن تعويضها.

وأظهر الاستهداف المتواصل والعنيف لميناء أوديسا (جنوب غرب) مسعى روسيا لعزل أوكرانيا عن البحر الأسود؛ بهدف حرمانها من عائدات إمدادات المواد الخام والحبوب وتعزيز استراتيجية تضييق الخناق على كييف، بعد فرض منطقة أمنية عازلة داخل العمق الأوكراني، على طول الحدود شرقاً.

وشهدت العاصمة الأوكرانية ليلة الاثنين واحدة من أعنف الهجمات الصاروخية منذ بداية الحرب وفقاً لبيان أصدرته وزارة الدفاع الروسية. وأفاد البيان الروسي بتوجيه «ضربات عنيفة على أهداف عسكرية في كييف، في هجوم صاروخي كان الأشد منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا».

وشكَّلت هذه الهجمات استمراراً للتصعيد القوي الذي بدأ منذ أسابيع، على خلفية جمود عملية السلام ومحاولة الطرفين الروسي والأوكراني تحسين مواقعهما الميدانية.

دخان يتصاعد فوق منطقة محيطة بموسكو جراء سقوط مسيَّرة أوكرانية الاثنين (إ.ب.أ)

وتبادل الطرفان الروسي والأوكراني هجمات موجعة، وفي مقابل الهجمات الصاروخية الروسية التي طالت مختلف مدن أوكرانيا، وسَّعت كييف نطاق هجماتها بالمسيَّرات على مواقع داخل العمق الروسي. وشنت القوات الأوكرانية ليلاً هجوماً مكثفاً بطائرات من دون طيار على الأراضي الروسية، وقالت موسكو إن الدفاعات الجوية تصدت لـ381 مسيَّرة بعدما استهدفت أكثر من 400 طائرة العاصمة موسكو وحدها.

وجاء في بيان الوزارة أنه تم إسقاط المسيَّرات في مقاطعات: بيلغورود، بريانسك، فولغوغراد، فورونيج، كالوغا، كورسك، ليبيتسك، أوريول، روستوف، ريازان، سمولينسك، تامبوف، تولا، وموسكو، وإقليم كراسنودار، وشبه جزيرة القرم، وبحر آزوف والبحر الأسود.

وأعلن عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، أن أكثر من 400 مسيّرة حلّقت باتجاه موسكو الليلة الماضية تم إسقاط معظمها بعيداً عن العاصمة.

وفي مقاطعة موسكو أصيب 10 أشخاص بينهم طفل وصينيان نتيجة لهجوم طائرات مسيَّرة.

وفي توسيع لحجم وأهداف العمليات الروسية في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية صباح الاثنين «استمرار ضرب الموانئ الأوكرانية التي تخدم قوات كييف». وأفاد بيان الجيش بشن «هجوم قوي جديد على ميناء أوديسا على البحر الأسود استهدف مستودعات الوقود والأسلحة الغربية التي تسلمتها أوكرانيا والبنى التحتية في الميناء».

وكانت موسكو، وفقاً للبيانات العسكرية، دمرت خلال الساعات الـ24 الماضية 5 خزانات للوقود ومواد التشحيم كانت مخصصة للقوات المسلحة الأوكرانية في منطقة قريبة من ميناء أوديسا جنوب أوكرانيا.

وقالت الوزارة في بيان إن الضربات نُفّذت باستخدام صواريخ مضادة للسفن من طراز «أونيكس»، وصواريخ مجنحة تُطلق من الجو، إضافة إلى ذخائر جوالة.

وأضافت أن الضربات استهدفت البنية التحتية للموانئ في منطقة نوفي بيلياري، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال شرقي ميناء أوديسا.

وفي وقت سابق، أعلنت «الدفاع الروسية»، استهداف سفينتَي شحن من نوع «بالكر» راسيتين قبالة ميناء أوديسا، مؤكدة أن السفينتين كانتا محملتين بإمدادات عسكرية مخصصة للقوات الأوكرانية.

وأقرَّت كييف بوقوع هجمات موجعة في أوديسا. وأفادت وزارة الدفاع الأوكرانية بأن القوات الروسية هاجمت موانئ تستخدمها القوات المسلحة الأوكرانية.

وذكرت الوزارة الأوكرانية أن «أسلحة دقيقة محمولة جواً وذخائر متسكعة استهدفت خزانات الوقود ومواد التشحيم في ميناء أوديسا».

حريق في مبنى سكني أصيب بهجوم جوي روسي في بلدة كرامانورسك بمنطقة دونتسك الأوكرانية الاثنين (أ.ب)

اللافت، أن تكثيف الهجمات في أوديسا التي بقيت حتى وقت قصير أكثر هدوءاً من بقية المقاطعات الأوكرانية، عكس وفقاً لخبراء روس تبدلاً في أولويات الهجوم الروسي.

وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية، أن من يتأمل الحرائق الكبرى في المناطق المحيطة بأوديسا، يدرك أن «تكتيك كييف وشركائها الأوروبيين لمحاولة عزل شبه جزيرة القرم وتدمير منظومة الوقود والطاقة الروسية، فقدت معناها مع توسيع الهجمات الروسية في منطقة أوديسا».

ورأى المحلل البارز، كيريل ستريلنيكوف، أن «القيادة السياسية والعسكرية الروسية قررت أن تُقدم عرضاً خاصاً بها، وبدأت بعزل أوكرانيا تماماً عن البحر الأسود، وهو أمرٌ طال انتظاره».

ووفقاً للمحلل الذي نقل تقارير عن مصادر غربية، فقد «حولت روسيا اهتمامها إلى البحر الأسود، مستهدفةً طرق التجارة والموانئ العميقة لإرهاق الاقتصاد الأوكراني خلال الحرب».

وتشير معطيات رسمية إلى أنه «قبل الحرب، كانت 90 في المائة من صادرات أوكرانيا الزراعية تمر عبر الموانئ البحرية، وقدرة أوكرانيا على إبقاء ثلاثة موانئ في منطقة أوديسا مفتوحة أمرٌ حيوي لبقاء البلاد».

ونقلت الوكالة الروسية عن صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن «ثمة شعوراً بالفزع؛ لأن محرك الاقتصاد الأوكراني قد شُلّ بسبب الهجمات الجوية، وهي الأعنف منذ قصف أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية».

وتقول كييف إنه يتم استهداف بنى تحتية مدنية وتجارية، لكن وزارة الدفاع الروسية، تقول إن الأهداف تشمل مراكز ومستودعات الخدمات اللوجستية، وشبكة سكك الحديد وعرباتها، ومرافق البنية التحتية للوقود والطاقة، وأحواض إصلاح السفن، ومحطات الموانئ وبنيتها التحتية، ومؤسسات المجمع الصناعي العسكري. وحسب الوزارة، فقد تعرّضت نحو ثلاثين سفينة، كانت تحمل شحنات عسكرية استراتيجية، لهجمات متكررة منذ بداية الأسبوع.

وتشير تقديرات إلى انخفاض سعة التخزين في ميناء أوديسا بمقدار الثلث بسبب الهجمات الروسية المتواصلة.

كما توقف مالكو السفن عن تقديم معلومات التعريفات الجمركية؛ ما يعني اختفاء سوق الشحن البحري في المنطقة فعلياً. كما ارتفعت أقساط التأمين لدى بعض شركات التأمين ارتفاعاً حاداً، في حين توقفت شركات أخرى تماماً عن تغطية المخاطر المرتبطة بالرحلات إلى الموانئ الأوكرانية. ومن الجدير بالذكر أن هذا لا يقتصر على أوديسا فحسب، بل يشمل جميع موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، بما فيها إيليتشيفسك (تشورنومورسك)، ويوزني، وإزمايل.

دخان يتصاعد من سفينة مدنية أوكرانية جراء هجوم روسي في أوديسا الأحد (رويترز)

وأفاد تقرير «نوفوستي» بأن التجار الدوليين يناقشون بنشاط إمكانية تحويل مسار إمدادات الحبوب الأوكرانية وغيرها من البضائع عبر موانئ نهر الدانوب لإعادة شحنها لاحقاً في كونستانتا، رومانيا.

لكن يقرّ الخبراء الغربيون بأن البدائل البرية والنهرية غير قادرة هيكلياً على استبدال موانئ المياه العميقة في أوكرانيا - فسعة الطرق الرئيسية ومحطات سكك الحديد محدودة، كما أن فاعلية الممرات البرية تتعثر بسبب عدم كفاية سعة البنية التحتية الحدودية.

ومثالاً، يقول خبراء إنه «بالنسبة لأوكرانيا، لا يوجد بديل يُذكر لطريق التصدير عبر البحر الأسود»؛ إذ يتطلب الأمر 10 آلاف شاحنة لاستبدال ناقلة حبوب واحدة حمولتها 200 ألف طن، والتي لا يمكن تحميلها إلا في ميناء ذي مياه عميقة.

وتسببت الهجمات الروسية المكثفة على أوديسا وموانئ أخرى بحالة ذعر في كييف وعواصم أوروبية؛ لأن الصادرات الزراعية تُشكّل أكثر من نصف عائدات الصادرات الأوكرانية، متجاوزةً 20 مليار دولار سنوياً، ولا يزال الممر البحري القناة الرئيسية لتوزيعها (نحو 90 في المائة من إجمالي الصادرات). وبالتالي، فإن تعطيل مركز النقل في أوديسا يقطع المصدر الرئيسي لعائدات النقد الأجنبي التي تحتاج إليها كييف لتمويل كلٍ من النفقات العسكرية والالتزامات الاجتماعية الأساسية. ولكن الأهم من ذلك، أن إغلاق الإمدادات اللوجستية العسكرية عبر البحر يُوجّه ضربة قاسية لأوكرانيا من حيث التباطؤ الحاد في إعادة تزويد ترساناتها؛ الأمر الذي سيؤثر سريعاً على خطوط المواجهة.


مقالات ذات صلة

تقرير: روسيا تنشئ قواعد سرية للمسيّرات على مقربة من أراضي «الناتو»

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)

تقرير: روسيا تنشئ قواعد سرية للمسيّرات على مقربة من أراضي «الناتو»

كشف تقرير صحافي أن روسيا أنشأت قواعد سرية قادرة على إطلاق طائرات مسيّرة متطورة في عمق أراضي حلف شمال الأطلسي «الناتو».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أمس (الأحد)، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
أوروبا جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)

تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

وصف حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف الهجوم الأوكراني بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة»

«الشرق الأوسط» (كييف) «الشرق الأوسط» (موسكو) «الشرق الأوسط» (بوخارست)
أوروبا رجل يسير بموقع انفجار مبنى سكني عقب استهدافه بطائرة مسيّرة بالقرب من الحدود مع أوكرانيا بغالاتي الرومانية في مايو الماضي (رويترز)

مقاتلة تابعة لـ«الناتو» تُسقط مسيّرة اخترقت أجواء رومانيا

أعلنت وزارة الدفاع الرومانية أن طياراً إسبانياً يقود مقاتلة «إف-18» في مهمة حراسة جوية تابعة لحلف «ناتو» في رومانيا، أسقط طائرة مسيّرة انتهكت المجال الجوي.

«الشرق الأوسط» (بوخارست )
آسيا بوتين يصافح الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال لقاء عام 2019 (أ.ب)

زعيم كوريا الشمالية يتوقع «مستقبلاً أكثر تميزاً» للعلاقات مع روسيا

أبلغ زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنه «فخور» بالعلاقات القوية التي تجمع بين بلديهما، وفق ما ذكرت وسائل إعلام رسمية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

تقرير: روسيا تنشئ قواعد سرية للمسيّرات على مقربة من أراضي «الناتو»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)
TT

تقرير: روسيا تنشئ قواعد سرية للمسيّرات على مقربة من أراضي «الناتو»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)

كشف تقرير صحافي أن روسيا أنشأت قواعد سرية قادرة على إطلاق طائرات مسيّرة متطورة في عمق أراضي حلف شمال الأطلسي «الناتو».

ووفق التقرير، الذي نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية، فقد جرى رصد 10 قواعد روسية تضم منصات إطلاق جديدة لأحدث طائرات موسكو المسيّرة الانتحارية بعيدة المدى.

وتُستخدم بعض هذه القواعد، بالفعل، لقصف أوكرانيا، حيث يُسهّل قربُها من الحدود شنّ هجمات جوية مكثفة تتجاوز الدفاعات الجوية المتضائلة لكييف، لكنها تُشكّل أيضاً تهديداً طويل الأمد لدول «الناتو»، إذ تجعلهم في مرمى طائرات روسيا الهجومية المسيّرة عالية التقنية.

ويُحذر المحللون من أن هذه التكنولوجيا سريعة التطور يمكن استخدامها ضد أوروبا في حال نشوب حرب، حيث تُمكّن بعض هذه القواعد أقوى الطائرات المسيّرة الروسية من الوصول إلى العاصمة البولندية وارسو.

ويعتقد مسؤولون استخباراتيون أوروبيون وأميركيون أن روسيا تُفكّر في استفزاز مسلَّح على الأراضي البولندية، أو شنّ هجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة على البنية التحتية الحيوية، أو تنفيذ هجمات مُفبركة تُنسب إلى أوكرانيا.

جندي روسي يطلق طائرة مسيّرة (أ.ب)

وصرح مسؤول في حلف «الناتو»، لصحيفة «التلغراف»، بأن الحلف «مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضي الحلفاء»، وسيواصل «تعزيز جاهزيته لردع أي تهديد والتصدي له، بما في ذلك التهديدات الناجمة عن الطائرات المسيّرة».

وباستخدام وثائق مسرَّبة وصور أقمار صناعية، رصدت «التلغراف» ما لا يقل عن 59 منصة إطلاق جديدة تُستخدم في إقلاع الطائرات المسيّرة على طول الحدود الروسية مع بيلاروسيا وأوكرانيا.

وقد جرى تحويل بعض هذه المنصات من قواعد عسكرية ومطارات مدنية، بينما جرى إنشاء منصات إطلاق إضافية في المناطق الريفية الروسية.

وكشفت الصور، التي حللتها شركة «درون سيك»، المتخصصة في استخبارات الطائرات المسيّرة، أن نحو 20 من المنصات الجديدة تبدو أطول من المعتاد، بما يشير إلى قدرتها على إطلاق أحدث الطائرات المسيّرة الروسية بعيدة المدى.

وتُزوَّد هذه القواعد بالطائرات المسيّرة من مصانع روسية عدة؛ من بينها المجمع الصناعي في منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة، الذي يُنتج 6 آلاف طائرة مسيّرة سنوياً.

وقال مايك مونيك، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة «درون سيك»، إن روسيا «وسّعت بشكل كبير» شبكة إطلاق طائراتها المسيّرة، بهدف مهاجمة أوكرانيا وإبقاء دول حلف شمال الأطلسي تحت خطر هجمات مماثلة.

وأضاف مونيك أن توسع مواقع الإطلاق «يُظهر كيف وسّعت روسيا قدرتها على إطلاق أعداد أكبر من الطائرات المسيّرة، بالتزامن مع استخدام التكنولوجيا لجعل الأنواع الجديدة من الطائرات أكثر صعوبة في اعتراضها»، موضحاً أن الجمع بين زيادة الأعداد والتطور التقني «يمكّن روسيا من استخدام عدد متزايد من الطائرات غير المأهولة ويزيد صعوبة التصدي لها أمام القوات الأوكرانية».

ويعكس هذا الانتشار المتسارع تحول الطائرات المسيّرة إلى عنصر رئيسي في الاستراتيجية العسكرية الروسية، مع توسع قدرات موسكو على إطلاق أسراب كبيرة منها وتطوير نماذج أسرع وأبعد مدى، الأمر الذي يضع الدفاعات الجوية الأوكرانية والأوروبية أمام تحديات متزايدة.


تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
TT

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أمس (الأحد)، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً في كييف ومدن أوكرانية، وفق ما أفاد مسؤولون في البلدين.

وقال رئيس بلدية موسكو، سيرغي سوبيانين، إن العاصمة الروسية تعرضت طوال ليل السبت - الأحد، لهجوم متواصل بالطائرات المسيّرة واعترضت الدفاعات الجوية أكثر من 600 منها، فيما وصف حاكم المنطقة أندريه فوروبيوف الهجوم بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة».

وعلى الجانب الآخر، طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجدداً، عبر منصة «تلغرام»، حلفاء بلاده بإمدادها بصواريخ دفاع جوي. وأوضح: «إذا كانت الصواريخ الكورية الشمالية تدمر البنية التحتية وتحصد الأرواح هنا في أوروبا، فلا يمكننا أن نسمح للصواريخ الأوروبية المضادة للطائرات بالبقاء ببساطة في المستودعات».


إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)

كشفت تركيا، الأحد، عن أن عضويتها بالاتحاد الأوروبي لم تعد ضمن أولوياتها، وذلك بعدما فشلت مساع مكثفة على مدى العامين الماضيين لفتح فصول جديدة للمفاوضات، أو البدء بمفاوضات تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة عام 1995، وتخفيف القيود المفروضة على حصول مواطنيها على تأشيرة الدخول لدول الاتحاد (شنغن).

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن الاتحاد الأوروبي «لا يبدو راغباً في قبول تركيا عضواً فيه»، عادّاً «أن أوروبا ستكون هي الخاسر الأكبر».

ولطالما أكدت تركيا أن انضمامها إلى عضوية الاتحاد تُشكل «هدفاً استراتيجياً»، لكن إردوغان، قال في مقابلة تلفزيونية نقلت وسائل إعلام تركيا بعضاً منها، الأحد، إن «عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية بالنسبة لأنقرة»، متهماً قادة أوروبا «بالافتقار إلى الإرادة السياسية لقبول تركيا في عضوية الاتحاد». وأضاف: «أوروبا ستخسر في نهاية المطاف أكثر من تركيا إذا استمرت جهود الانضمام متعثرة».

مسيرة طويلة متعثرة

واعترف الاتحاد الأوروبي بتركيا بصفتها دولة مرشحة للعضوية في عام 1999 بعد عقود من طلبها الحصول على العضوية، وبدأ مفاوضاته معها عام 2004، وتم فتح 12 فصلاً من أصل 35 فصلاً تتضمن معايير على تركيا الالتزام بها وتنفيذها لتكون مؤهلة للانضمام، لكن المفاوضات جمّدت تماماً منذ عام 2016، إثر هجوم من إردوغان على الاتحاد لعدم دعم بلاده في مواجهة محاولة انقلاب فاشلة على حكمه وقعت في 15 يوليو (تموز) من ذلك العام.

بعض تصريحات إردوغان الناقدة للاتحاد الأوروبي تسببت في موقف متعنت تجاه عضوية تركيا (الرئاسة التركية)

وتسببت التصريحات الحادة، في كثير من المناسبات، ولا سيما في الفترات التي شهدت فيها تركيا انتخابات برلمانية ورئاسية، في تعنت من جانب الاتحاد في استئناف المفاوضات، بذريعة «ابتعاد تركيا عن معايير الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وحرية التعبير، بسبب التوسع في اعتقالات السياسيين والصحافيين المعارضين لإردوغان».

وفتحت «وثيقة التفاهم المشترك» الصادرة عن الاتحاد الأوروبي في منتصف يوليو الماضي، فصلاً جديداً للتوتر مع تركيا بعدما تجاهلت وضعها بصفتها دولة مرشحة للانضمام.

ووصفت تركيا الوثيقة، بأنها تفتقد «الموضوعية والإنصاف»، وتبرهن، مجدداً، على انعدام الرؤية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي تجاه المستقبل المشترك، لا سيما وأنها صيغت بعد أيام من قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، التي أكدت الدور الذي لا غنى عنه لتركيا في أمن أوروبا.

وقالت أنقرة إن «الوثيقة أوردت ادعاءات بشأن شرق البحر المتوسط لا أساس لها من الصحة، وتدل على أن الاتحاد الأوروبي ما زال أسير فهم متحيز ومشوَّه للأحداث».

موقف أوروبي صارم

وجاءت الوثيقة التركية بعد أيام قليلة من قرار للبرلمان الأوروبي، صدر في 8 يوليو، عدَّ فيه تدخل تركيا في شمال قبرص عام 1974 «غزواً»، متهماً جيشها «بارتكاب فظائع بحق القبارصة اليونانيين».

البرلمان الأوروبي صدم تركيا مجدداً في تقريره حول التقدم بمفاوضات عضويتها بالاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

و تأتي هذه التطورات، على الرغم من جهود دبلوماسية تركية على مدى العامين الماضيين لاستئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، عبر لقاءات على مستوى رفيع.

والتقى إردوغان، على هامش قمة حلف «ناتو» في أنقرة التي عقدت يومي 7 و8 يوليو، رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس مجلس أوروبا، أنطونيو كوستا، لبحث العلاقات بين تركيا وأوروبا.

محادثات بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووفد الوزارة مع وفد الاتحاد الأوروبي في 30 يونيو الماضي (الخارجية التركية)

كما استضافت أنقرة، في 30 يونيو (حزيران) الماضي، وفداً رفيع المستوى من «الاتحاد الأوروبي» ضم: الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، ومفوضة التوسيع، مارتا كوس، ومفوض الشؤون الداخلية، ماغنوس برونر، في زيارة نادرة، جاءت عقب موافقة البرلمان الأوروبي على تقرير أعده المقرر الخاص بتركيا، النائب الإسباني ناتشو آمور سانشيز، أكد أنه «لا يمكن استئناف المفاوضات مع تركيا في ظل الوضع الراهن الذي يشهد تآكلاً خطيراً ومستمراً لسيادة القانون مع التضييق على المعارضة، فضلاً عن الأزمات التي تدخل فيها تركيا مع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان وقبرص».

استمرار التعاون بعيداً عن العضوية

وأجرى الوفد محادثات مع وزير الخارجية، هاكان فيدان، وعدد من مسؤولي الوزارة. وأكد الجانبان، في بيان مشترك، الأهمية الاستراتيجية للعلاقات التركية - الأوروبية لتحقيق الاستقرار الإقليمي والاقتصادي، وشددا على «ضرورة العمل معاً في مواجهة التحديات الجيوسياسية، وعلى أهمية التعاون في مجالات التجارة والطاقة والنقل والرقمنة في سياق أجندة الربط الإقليمي».

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن عضوية «الاتحاد الأوروبي» لا تزال«هدفاً استراتيجياً» لتركيا، وإنها على استعداد لتطوير العلاقات مع «الاتحاد الأوروبي» على هذا الأساس. وأضافت: «نتوقع من الاتحاد الأوروبي أن يعزز علاقاته بتركيا على أساس معايير موضوعية وجدارة، دون تمييز».

فيدان خلال استقباله وفد الاتحاد الأوروبي بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة 30 يونيو الماضي (الخارجية التركية)

وبدا أن المباحثات لم تركز بشكل كبير على استئناف مفاوضات انضمام تركيا إلى «الاتحاد الأوروبي» المجمدة.

وخلال اجتماع الجمعية العمومية لـ«المفوضية الأوروبية»، الذي عُقد بمقرها في بروكسل في يونيو، أكد «الاتحاد الأوروبي» مجدداً على «انتهاكات سيادة القانون والديمقراطية في تركيا».

وتطرق البيان الصادر في ختام زيارة الوفد الأوروبي إلى مسألة التوسع، موضحاً أن «الاتحاد الأوروبي» أكد «ضرورة تعزيز سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، وضمان معايير ديمقراطية رفيعة في تركيا من أجل استئناف المفاوضات».