صعَّدت الولايات المتحدة حربها التجارية مع كندا بصورة حادة، الثلاثاء، بعدما فرضت واشنطن حظراً على استيراد بعض منتجات الألبان والدراجات النارية والمشروبات الكحولية الكندية، بالتزامن مع دخول رسوم جمركية انتقامية كندية حيز التنفيذ على سلع أميركية، بقيمة نحو 20 مليار دولار.
ولم يقتصر التصعيد الأميركي على الرسوم الجمركية؛ إذ تحرك الرئيس دونالد ترمب أيضاً لاستبعاد المنتجات الكندية من العقود الحكومية الأميركية الكبيرة وطويلة الأجل، في خطوة توسع نطاق المواجهة التجارية بين البلدين، وتأتي في وقت تتدهور فيه العلاقات بين الحليفين التقليديين بصورة متسارعة، وفق «أسوشييتد برس».
وتدخل القيود الأميركية الجديدة حيز التنفيذ في 29 سبتمبر (أيلول)، وتشمل أنواعاً مختلفة من النبيذ والمشروبات الروحية الكندية، وبعض الدراجات النارية والدراجات ذات المحركات، ومنتجات الألبان، بينها مصل اللبن، إضافة إلى أنواع من دبس السكر.
Everyone knows that Canada doesn’t let our Great Dairy Farmers sell into the Canadian Market, and that the only reason Canada makes Autos is because of previous disastrous Trade Agreements while other Presidents were in Office. Canada has been ripping us off for years, but what... pic.twitter.com/V2GWzUoF1k
— Commentary Donald J. Trump Truth Social Posts On X (@TrumpTruthOnX) September 8, 2026
كندا ترد برسوم على سلع أميركية
وفرضت كندا، بدءاً من الساعة 12:01 صباح الثلاثاء، رسوماً جمركية على مئات المنتجات الأميركية، مؤكدة أنها تأتي «دولاراً مقابل دولار، ومعدلاً مقابل معدل» رداً على الإجراءات الأميركية.
وتشمل الرسوم التي تتراوح بين 15 و25 و50 في المائة منتجات أميركية عدة، بينها الصلب والألمنيوم والجبن والأجهزة المنزلية والملابس ومستحضرات التجميل والمعدات الزراعية.
وتستهدف الرسوم الكندية نحو 20 مليار دولار من السلع الأميركية، أي ما يعادل نحو 6 في المائة من إجمالي صادرات الولايات المتحدة إلى كندا، التي بلغت 333.6 مليار دولار العام الماضي.
كما ذهبت كندا إلى ما هو أبعد من الرسوم الجمركية؛ إذ تواصل 8 من أصل 10 مقاطعات كندية فرض قيود على مبيعات المشروبات الكحولية الأميركية أو حظرها. وقال مجلس المشروبات الروحية المقطرة، إن صادرات المشروبات الروحية الأميركية إلى كندا تراجعت بأكثر من 70 في المائة على أساس سنوي منذ بدء تلك القيود.
Adversity only makes us stronger. It always has.Watch the new edition of Forward Guidance: https://t.co/75rhccwqIC pic.twitter.com/GGCzmb0k26
— Mark Carney (@MarkJCarney) September 8, 2026
واشنطن تفتح جبهة العقود الحكومية
وردَّت إدارة ترمب على الإجراءات الكندية بإعلان حظر استيراد بعض المنتجات، بدلاً من الاكتفاء بزيادة الرسوم الجمركية عليها.
كما وجَّه ترمب إدارة الخدمات العامة الأميركية إلى إعلان عدم أهلية المنتجات الكندية للمشاركة في العقود الحكومية الفيدرالية الكبيرة وطويلة الأجل، إلى أن تسمح كندا بما وصفه بـ«المعاملة بالمثل الكاملة والعادلة» للمنتجات الأميركية.
ويعكس ذلك تحول المواجهة من خلاف تقليدي حول الرسوم الجمركية إلى استخدام المشتريات الحكومية والنفاذ إلى السوق الأميركية، كأدوات ضغط إضافية على الاقتصاد الكندي.
ومنذ انهيار المحادثات التجارية بين البلدين في 21 أغسطس (آب)، كثَّفت إدارة ترمب الرسوم والتهديدات والهجمات السياسية على كندا، بينما سبق للرئيس الأميركي أن حذر من احتمال انهيار الاقتصاد الكندي إذا واصل رئيس الوزراء مارك كارني التعامل معه بوصفه «عدواً».

ضغط ترمب يعزز مقاومة كندا
لكن الضغوط الأميركية حققت حتى الآن نتيجة عكسية داخل كندا؛ إذ أسهمت الحرب التجارية والحديث المتكرر من ترمب عن جعل كندا الولاية الأميركية الحادية والخمسين في زيادة الغضب الشعبي، وتعزيز الدعم لكارني.
وقال كارني، الثلاثاء، إن رد بلاده لم يعد يقتصر على محاولة تحمُّل الرسوم الأميركية؛ بل أصبح يركز بصورة متزايدة على تقليص اعتماد كندا على الولايات المتحدة.
وقال: «الأمر يتعلق بضمان ألا تتمكن أي دولة من ابتزازنا، وأن نتمكن من العيش بالطريقة التي نريدها».
وكان كارني قد قال إن استئناف المحادثات مع واشنطن يتطلب أن «تتوقف الولايات المتحدة عن نشر (الميمات)، والتلميحات الساخرة، ومحاولة الظهور بمظهر القوي، وأن تصبح جادة».
وتربط كندا والولايات المتحدة واحدة من أكثر العلاقات الاقتصادية تكاملاً في العالم، إلى جانب تعاون وثيق في مجالَي الدفاع والأمن وروابط ثقافية واسعة. وكان نحو 400 ألف شخص يعبرون الحدود بين البلدين يومياً قبل تدهور العلاقات.
كندا تبحث عن بدائل للولايات المتحدة
وأصبح كارني، منذ خطابه في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير (كانون الثاني)، من أبرز الأصوات الدولية التي تدعو الدول الأصغر إلى مقاومة استخدام القوى الكبرى للتكامل الاقتصادي وسيلة للإكراه.
ومن المقرر أن يخاطب كارني البرلمان الأوروبي الأسبوع المقبل، في وقت تريد فيه كندا تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، في إطار مساعٍ لتنويع شراكاتها الاقتصادية بعيداً عن الولايات المتحدة.
ويرى دانيال بيلاند، أستاذ العلوم السياسية في جامعة «ماكغيل»، أن نجاح النهج الكندي في مواجهة ترمب قد يتحول إلى «نموذج يمكن استخدامه» من جانب دول أخرى تسعى إلى مقاومة السياسات التجارية للإدارة الأميركية.
قطاع السيارات في مرمى التصعيد
ولا تقتصر المخاطر على السلع التي شملتها الإجراءات الحالية. فقد هدَّد ترمب أيضاً بفرض رسوم بنسبة 50 في المائة على السيارات الكندية وقطع غيارها، والصلب، العام المقبل، إذا لم تمتثل أوتاوا للمطالب الأميركية.
وقد يمثل ذلك تصعيداً بالغ الخطورة لصناعات تعتمد على سلاسل إمداد متكاملة بشدة في أميركا الشمالية؛ إذ تعبر قطع الغيار والسيارات الحدود بين البلدين مرات عدة خلال عملية الإنتاج.
وحذر كارني من أن الشروط الأميركية قد تؤدي إلى «تقليص تدريجي» للصناعات الكندية داخل البلاد، ثم القضاء عليها.
هل تستطيع كندا كسب الحرب التجارية؟
تدخل كندا المواجهة من موقع أضعف اقتصادياً؛ فالاقتصاد الأميركي أكبر بنحو 13 مرة، كما أن أكثر من 70 في المائة من صادرات كندا تتجه جنوباً إلى الولايات المتحدة.
لكن محللين يرون أن المواجهة الحالية ليست حرباً تجارية تقليدية تماماً؛ خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، واستمرار الطعون القضائية التي يمكن أن تؤدي إلى إلغاء بعض الرسوم الأميركية.
وفي المقابل، لدى واشنطن نقاط ضعف أيضاً؛ إذ تعتمد المصافي الأميركية على نحو 4 ملايين برميل من النفط يومياً من كندا، كما يعتمد المزارعون الأميركيون بدرجة كبيرة على كندا للحصول على سماد البوتاس.
ومع ذلك، تجنبت الحكومة الكندية حتى الآن استخدام بعض هذه الأوراق، ورفضت فرض ضرائب أو قيود على صادرات أساسية يمكن أن تستخدمها للضغط على الولايات المتحدة.
وتدخل كندا هذه الجولة من النزاع وهي تتمتع أيضاً بزخم اقتصادي نسبي؛ فقد نما اقتصادها بمعدل سنوي قدره 3.2 في المائة خلال الربع الثاني، أي أكثر من ضعف معدل النمو الأميركي البالغ 1.5 في المائة.
وقالت وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي، في تلخيص واضح لطموح الحكومة: «أنا مقتنعة بأننا سنتمكن من أن نُظهر للعالم أن كندا ستنتصر في هذه الحرب التجارية».
