إسرائيل تصعد ميدانياً وتحضّر «منطقة إنسانية» في غزة

وفق خطة لنقل غزّيين إلى مناطق تحت سيطرة إسرائيل بالكامل

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
TT

إسرائيل تصعد ميدانياً وتحضّر «منطقة إنسانية» في غزة

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)

اتجهت القوات الإسرائيلية، التي تسيطر على مناطق واسعة في قطاع غزة، مؤخراً على اتخاذ إجراءات ميدانية تمهد الطريق لتنفيذ خطة «مجلس السلام» القائمة على نقل فلسطينيين لا تربطهم علاقة بحركة «حماس» إلى مناطق إنسانية في رفح المدمرة والتي تقع تحت سيطرة إسرائيل بشكل كامل منذ نحو عامين.

بوابات حديدية

فوجئ سكان مواصي جنوب خان يونس، وشمال رفح، جنوب قطاع غزة، صباح الجمعة، بتركيب القوات الإسرائيلية بوابة على طريق الرشيد الساحلي، في منطقة «هاي كلاس» بمواصي رفح، وسط انتشار لآليات في تلك المنطقة، وتطلق النار على كل من يقترب من محيط البوابة.

فلسطينيون يشيعون قتيلاً سقط بهجوم إسرائيلي في مدينة غزة الخميس (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن هذه البوابة الثانية التي تضعها قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة مواصي رفح، بعد أن وضعت أخرى منذ أيام في منطقة الشاكوش.

وشرح المصدر أن هاتين البوابتين تؤديان إلى مناطق غرب رفح، وتحديداً حي تل السلطان ومناطق محيطة به، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية قامت مؤخراً بحفر خندق في منطقة مواصي رفح، الهدف منه على ما يبدو منع اقتراب الفلسطينيين من تلك القوات، في حال تم فعلياً نقلهم للمنطقة التي يدور الحديث عنها للعيش فيها.

ولم يستبعد المصدر أن تستخدم هذه البوابات لاحقاً لتفتيش الفلسطينيين والتحقق من هوياتهم عند انتقالهم للمنطقة التي يتم الحديث عنها.

تل السلطان

ووفقاً لتقارير في وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، فإن حي تل السلطان بمثابة المنطقة الأولى التي ستستخدم لإقامة مشروع وُصف بـ«المنطقة الإنسانية» التي ستتم محاولة تشجيع سكان من القطاع للعيش فيها بعد تجهيزها لاستقبال السكان في إطار خطة وضعها «مجلس السلام» للتقدم بخطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في مرحلتها الثانية، التي تشير للمضي قدماً في تنفيذ الخطة حتى لو رفضت «حماس» نزع سلاحها.

فلسطيني يعاين مبنى دمرته غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)

ويصعب على الفلسطينيين في قطاع غزة معرفة مدى التجهيزات التي تجري في تلك المنطقة، لا سيما أن مدينة رفح تقع تحت سيطرة إسرائيل بالكامل.

ووفقاً لتقرير نُشر في «هيئة البث الإسرائيلية» قبل أسابيع، فإن إسرائيل وبطلب من الولايات المتحدة بدأت بإزالة الركام من رفح وتحديداً حي تل السلطان، بهدف بدء إقامة منطقة تجريبية هناك لجلب فلسطينيين إليها، مشيرةً إلى أن عناصر من قوة الاستقرار الدولية ستنتشر في تلك المنطقة من دون أسلحة نارية، لضبط الأمن، في وقت كان الحديث قبل أشهر يدور عن إمكانية نشر عناصر من العصابات المسلحة لضبط الأمن في تلك المنطقة.

دمار هائل

وقالت 3 مصادر ميدانية فلسطينية لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المعالم التي كانت سابقاً، وتظهر وجود ركام ودمار كبيرين في رفح وخان يونس، بدأ يختفي فعلياً بفعل عمليات إزالتها ونقل الركام إلى داخل إسرائيل فيما يبدو.

وكشفت دورين كارادي، وهي مديرة شركة «تايلور كارادي» المتخصصة في إزالة الأنقاض، أن كمية الأنقاض الهائلة الموجودة في قطاع غزة بعد أكثر من عامين ونصف العام على الحرب، تقدَّر بنحو 40 مليون طن، وبحاجة إلى نحو 2.5 مليار دولار، كما أن إزالتها بحاجة لنحو 10 سنوات، كما نقلت عنها صحيفة «معاريف» العبرية.

خطة تجريبية

ويبدو أن ملف إعادة إعمار قطاع غزة، بات يواجه عقبات كبيرة في ظل عدم التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار والمضي بالمرحلة الثانية من الخطة. ووفقاً لصحيفة «الغارديان» فإن خطة «مجلس السلام» لإعادة الإعمار تراجعت، من مشروع شامل لإعادة بناء القطاع بأكمله إلى برنامج تجريبي محدود في جنوبه.

وقالت الصحيفة إن الخطة التي كانت تستهدف في بدايتها إعادة إعمار غزة وإنعاش بنيتها التحتية تحولت إلى مشروع صغير يتمثل في إنشاء مخيم مؤقت قرب مدينة رفح، يستوعب عشرات الآلاف فقط من أصل أكثر من مليوني فلسطيني نزحوا بسبب الحرب، على أن تديره إدارة فلسطينية تتبع للجنة إدارة غزة، وتحرسه قوة أمنية دولية محدودة. مشيرةً إلى أن المشروع لا يتوقع أن يرى النور قبل نهاية العام الحالي، رغم اتخاذ بعض الخطوات التحضيرية فإن الأعمال الميدانية لم تبدأ بعد.

ويواجه المشروع أيضاً تحديات مالية كبيرة؛ إذ لم يصل سوى جزء محدود من أصل 17 مليار دولار سبق التعهد بها لخطة ترمب الأوسع، في حين يسعى القائمون على المشروع إلى استخدام جزء من أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل لتمويله، وهو ما أثار رفض السلطة الفلسطينية التي أكدت أن هذه الأموال حق فلسطيني لا يجوز استخدامها كورقة تفاوض.

وعقد منتصف الشهر الحالي، اجتماع هو الثالث بين مكتب التنسيق المشترك، للسلطة الفلسطينية و«مجلس السلام»، على هامش مؤتمر المانحين الدوليين في بروكسل، والذي بحث خطة التعافي المبكر في قطاع غزة. بينما شهد الاجتماع الإعلان عن مبادرة «فريق غزة»، بمشاركة أكثر من 12 دولة مانحة، إلى جانب البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الدولي، بهدف حشد نحو مليار دولار لدعم برنامج التعافي في القطاع.

دخان جراء غارة إسرائيلية على مخيم المغازي للاجئين بوسط قطاع غزة الأربعاء (أ.ب)

تصعيد لا يتوقف

ويأتي ذلك على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة؛ فقد اغتيل، فجر الجمعة، محمد عبيد أحد القادة الميدانيين في لواء غزة التابع لـ«كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» إثر قصف شقة سكنية. بينما قُتلت، ظهراً، سيدة بإلقاء قنبلة من طائرة مسيرة في بلدة بيت لاهيا، وأخرى بإطلاق نار جنوب خان يونس، وقُتل شابان إثر غارتين منفصلتين مخيم النصيرات وسط القطاع، بينما انتُشل جثمان شاب سادس من المنطقة الصفراء في خان يونس، وأصيب ما لا يقل عن 6 فلسطينيين في غارات مماثلة بمدينة غزة ودير البلح وبلدة الزوايدة.

وتعرضت عدة مناطق لقصف مدفعي ونسف على جانبي الخط الأصفر، بينما قدمت آليات إسرائيلية «الخط الأصفر» قرب طريق صلاح الدين الرئيس ببلدة القرار شمال خان يونس. بينما طلبت طائرات مسيرة إسرائيلية صغيرة من السكان القاطنين في منطقة القسطل شرق دير البلح بإخلائها بشكل كامل والتوجه إلى غرب الدير فيما يبدو تمهيداً لتوسيع الخط الأصفر في تلك المنطقة.

وقُتل، الخميس، 5 فلسطينيين في غارات إسرائيلية طالت في اثنتين منها قيادات في «القسام» بغزة وخان يونس، من بينهم أنس حمدان الذي قال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنه كان اليد اليمنى قبل وخلال الحرب لمحمد الضيف ورافع سلامة، وكان مسؤولاً عن احتجاز مختطفين إسرائيليين، وشارك في عمليات تسليمهم.


مقالات ذات صلة

تقرير: لجنة أميركية تزعم دعم الصين لاحتجاجات ضد إسرائيل في بريطانيا

الولايات المتحدة​ الكونغرس (أرشيفية - إ.ب.أ)

تقرير: لجنة أميركية تزعم دعم الصين لاحتجاجات ضد إسرائيل في بريطانيا

قالت صحيفة «تلغراف» البريطانية، الخميس، إن لجنة في الكونغرس الأميركي تجري تحقيقاً في مزاعم الدعم الصيني السري لمنظمة «كود بينك».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جاريد ​كوشنر مبعوث الرئيس ⁠الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

كوشنر يعتزم زيارة إسرائيل الأسبوع المقبل لبحث ملف غزة

نقل موقع «أكسيوس» عن خمسة مصادر ‌مطلعة قولها ‌يوم ​الخميس ‌إن ⁠جاريد ​كوشنر، يعتزم زيارة ⁠إسرائيل الأسبوع ‌المقبل لإجراء ‌محادثات بشأن ​الوضع ‌في ‌غزة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي جاريد كوشنر (أ.ب)

تقرير: كوشنر يعتزم زيارة إسرائيل الأسبوع المقبل لبحث ملف غزة

نقل موقع «أكسيوس» عن ‌خمسة ‌مصادر مطلعة قولها، ‌اليوم ⁠الخميس، إن جاريد ⁠كوشنر، صهر الرئيس ⁠الأميركي ‌دونالد ترمب، ‌يعتزم زيارة ‌إسرائيل، ‌الأسبوع المقبل

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي شاحنات محمّلة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يرحب بموافقة إسرائيل على التمديد لبعثته في معبر رفح

رحّبت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بموافقة إسرائيل على تمديد تفويض بعثة المساعدة التابعة للتكتل عند معبر رفح الحدودي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

إردوغان وعباس يؤكدان ضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة

أكد الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والفلسطيني محمود عباس رفضهما ممارسات إسرائيل وعرقلتها تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تضغط على جناحي الجنوب اللبناني... من المنصوري إلى علي الطاهر

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تضغط على جناحي الجنوب اللبناني... من المنصوري إلى علي الطاهر

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)

وسّعت إسرائيل ضغطها العسكري في جنوب لبنان الجمعة، بتكثيف الغارات على بلدة المنصوري في قضاء صور، بالتوازي مع استمرار التصعيد على محور النبطية - تلال علي الطاهر، في مشهد يضع منطقتين مختلفتين جغرافياً وعسكرياً تحت ضغط متزامن، ويفتح الأسئلة حول حدود العمليات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، في ظل تعثر المسار التفاوضي.

وسُجلت منذ فجر الجمعة 8 غارات جوية استهدفت بلدة المنصوري ومشاعها، بعد ليلة شهدت تفجيرات وعمليات تمشيط في محيطها ومجدل زون، بالتزامن مع تحركات وقصف وتفجيرات إسرائيلية في مناطق أخرى من الجنوب، من قضاء بنت جبيل إلى مرجعيون.

ويطرح تزامن التصعيد على أكثر من محور سؤالاً حول طبيعة التحرك الإسرائيلي: هل يشكل الضغط على المنصوري وعلي الطاهر جزءاً من مسار واحد لتوسيع نطاق العمليات؟ أم أن لكل محور حساباته الميدانية المختلفة، وإن كانا يلتقيان ضمن مسار أوسع لزيادة الضغط العسكري قبل أي تقدم في المفاوضات؟

يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية على قريتي المنصوري ومجدلزون بالقرب من الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)

المنصوري... تصعيد بدأ من مجدل زون

يربط الخبير العسكري والاستراتيجي رياض قهوجي، التصعيد الإسرائيلي المتواصل في بلدة المنصوري، في جزء أساسي منه، بالتطورات الميدانية التي شهدتها منطقة مجدل زون سابقاً، فيما يرى أن الوضع في تلال علي الطاهر مختلف، بعدما بات يأخذ بعداً عسكرياً وسياسياً داخلياً في إسرائيل. وقال قهوجي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنصوري يمكن اعتبارها اليوم جزءاً من خط التماس في المحور الغربي»، مشيراً إلى أنه «عند النظر إلى تسلسل الأحداث، نلاحظ أن التصعيد الإسرائيلي على المنصوري بدأ مباشرة بعد عملية مجدل زون السابقة، حيث فجّر (حزب الله) منزلاً كان بداخله مجموعة من الجنود الإسرائيليين».

وأضاف أن «التصعيد على المنصوري بدأ بصورة واضحة ومباشرة بعد تلك العملية، وكأن الجانب الإسرائيلي يعتبر، أو لديه معلومات بأن رصد ما جرى في مجدل زون أو التحضير له انطلق من منطقة المنصوري». وتابع: «من هنا، يظهر في تسلسل الأحداث وجود رابط بين النشاط العسكري في المحور الغربي باتجاه مجدل زون وبين الرد الإسرائيلي الذي بات يتركز بصورة أكبر على المنصوري».

وتضع هذه القراءة التصعيد في المنصوري ضمن سياق ميداني مباشر في القطاع الغربي، بدلاً من اعتباره بالضرورة جزءاً من العملية نفسها التي تتعرض لها المرتفعات الواقعة في محيط النبطية.

سيطرة بالنار في القطاع الغربي

يلفت قهوجي إلى دلالة طلب إسرائيل إخلاء المنصوري سابقاً، رغم عدم احتلالها برياً، ويرى أن ذلك يعكس محاولة لفرض شكل مختلف من السيطرة على المنطقة. وقال إن «طلب إسرائيل إخلاء البلدة في وقت سابق، رغم أنها ليست محتلة برياً، يندرج في هذا السياق»، موضحاً أنه «في ظل المفاوضات وعدم توسيع إسرائيل حتى الآن خريطة احتلالها البري، لجأت إلى فرض نوع من السيطرة بالنار، عبر تكثيف القصف بما يتيح لها التحكم بالحركة داخل المنطقة بالنيران».

صورة تظهر آثار القصف على مرتفعَي علي الطاهر والدبشة جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

علي الطاهر تتحول إلى هدف إسرائيلي

في المقابل، يفصل قهوجي بين هذا المسار وما يجري في تلال علي الطاهر، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط الضغط الإسرائيلي في محيط النبطية.

ويقول إن «طبيعة العمل العسكري في تلال علي الطاهر مختلفة»، مضيفاً أن «علي الطاهر تحولت اليوم إلى ما يشبه العنوان الانتخابي في إسرائيل، في ظل تكرار ذكرها في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى وزرائه».

وتوقع قهوجي «تصعيداً أكبر وتحركاً إسرائيلياً أوسع باتجاه علي الطاهر»، مشدداً على أن «هذا المسار يختلف في طبيعته عن التصعيد في المنصوري، إلا إذا رأت إسرائيل أن من مصلحتها لاحقاً توسيع نطاق سيطرتها في القطاع الغربي أيضاً».

من الحدود إلى النبطية... أحزمة متتالية

في قراءة أوسع لمسار العمليات، يرى العميد الركن المتقاعد فادي داود أن التحركات الإسرائيلية، وإن اختلفت دوافعها المباشرة بين محور وآخر، تندرج ضمن مسار ميداني متدرج يقوم على الانتقال بين أحزمة جغرافية متتالية. وقال داود لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لا يمكن قراءتها بوصفها عمليات منفصلة، بل تأتي ضمن مسار ميداني متدرج يقوم على محاور وأحزمة متتالية، بحيث تنتقل إسرائيل من شريط إلى آخر كلما أحكمت السيطرة على المرحلة السابقة».

وأوضح أن «المرحلة الأولى ترتبط بالمنطقة الأقرب إلى الحدود، حيث كان الهدف إبعاد مصادر التهديد المباشر، لا سيما القدرة على استخدام أسلحة مضادة للدروع ضد شمال إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هذا الشريط يشكل، في القراءة العسكرية، خط الدفاع الأول الذي عملت إسرائيل على السيطرة عليه وتوسيع نطاق تحركها داخله».

وأضاف أن «التركيز الإسرائيلي ينتقل حالياً بصورة أكبر إلى خط ثانٍ يمتد على مستوى النبطية ومحيطها شرقاً وغرباً، وتندرج ضمنه المواقع والمرتفعات التي يجري التركيز عليها ميدانياً، وفي مقدمتها تلال علي الطاهر ومنطقة الشقيف»، لافتاً إلى أن «أهمية هذه المواقع تكمن في كونها نقاطاً حاكمة تتيح الانتقال إلى مرحلة أوسع من العمليات».

تصاعد الدخان من تلة قرب بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب غارات جوية إسرائيلية بعد إصدار إنذار بإخلاء البلدة يوم 5 أغسطس 2026 (رويترز)

وعن تكثيف الغارات على المنصوري، قال داود إن «ما يجري يندرج في إطار استئناف النشاط العسكري الذي كانت إسرائيل تنفذه قبل المفاوضات، وليس تحولاً منفصلاً عن المسار العام للعمليات».

وأضاف: «إسرائيل تعمل وفق ما يمكن وصفه بأشرطة أو أحزمة عريضة، تنتهي من الشريط الأول، ثم تنتقل إلى الثاني، وبعده إلى الثالث. ولذلك، فإن تكثيف النشاط الحالي يعكس عودة إلى نمط العمل الذي سبق مرحلة المفاوضات».

وأشار إلى أن «المنصوري تقع على مسافة قريبة نسبياً من الحدود، وبالتالي فإن تكثيف العمليات فيها يرتبط، من الناحية العسكرية، بالعمل الجاري في القطاع الغربي، وبمحاولة تثبيت السيطرة على المناطق التي تعدّها إسرائيل جزءاً من الحزام الأول، أو امتداداً له».

امتداد محتمل للعمليات

لا يستبعد داود امتداد العمليات إلى نطاق أعمق في حال استكملت إسرائيل أهدافها في محيط النبطية، قائلاً إن «الخط الثالث يرتبط بجبل الريحان وإقليم التفاح والمداخل الجنوبية إلى البقاع الغربي ومحيط جزين»، وهو ما من شأنه، وفق قراءته، أن يوسع نطاق السيطرة النارية والميدانية الإسرائيلية، ويتجاوز الطابع الحدودي للعمليات.

ورأى داود أنّ «المسار الإسرائيلي، وفق القراءة الميدانية الحالية، لا يوحي بأنها ستوقف عملياتها عند حدود الشريط الأول أو الثاني، بل إنها تسعى إلى تحسين موقعها العسكري إلى أقصى حد ممكن قبل الدخول في أي مفاوضات جدية»، معتبراً أن «إسرائيل تريد أن تدخل المفاوضات بعدما تكون قد أحكمت سيطرتها الميدانية على أكبر مساحة ممكنة ورفعت مستوى الضغط العسكري إلى أقصاه».

تحركات على محاور أخرى

امتد التصعيد إلى مناطق أخرى في الجنوب؛ فسُجل في قضاء بنت جبيل تقدم آليات ودبابات إسرائيلية باتجاه حداثا، تزامناً مع تمشيط بالرشاشات وسقوط قذيفة مدفعية، فيما دوّت تفجيرات في بيت ياحون وحداثا وكونين ووصل صداها إلى قرى الساحل، وألقت مسيّرة قنبلة على منزل في كفرا ليلاً. وفي قضاء مرجعيون، نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً كبيراً في مركبا، بينما اندلعت حرائق في بني حيان جراء القصف المدفعي المتواصل.


ضابط من عهد الأسد يعود «حراً» إلى سوريا بعد إدانته في النمسا

منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ضابط من عهد الأسد يعود «حراً» إلى سوريا بعد إدانته في النمسا

منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

أفادت أربعة مصادر ورسائل اطلعت عليها وكالة «رويترز» بأن ضابط أمن سوري سابقاً، صدرت بحقه عقوبة بالسجن في النمسا بتهمة إساءة معاملة معتقلين إبان حكم بشار الأسد، غادر النمسا في أثناء استئنافه للحكم وعاد إلى سوريا في وقت سابق من هذا الشهر.

وأصدرت محكمة في فيينا حكماً الشهر الماضي بحق المقدم السابق مصعب أبو ركبة بالسجن ثماني سنوات لإدانته ‌بتهم من بينها ‌«الإيذاء الجسدي والإكراه المشدد والاعتداء الجنسي بحق معارضين ​محتجزين ‌إبان حكم ⁠الأسد»، ​وذلك عندما ⁠كان الضابط السابق رئيساً لقسم التحقيقات الجنائية بشرطة محافظة الرقة قبل أكثر من عشر سنوات.

وقال «المركز السوري للعدالة والمساءلة»، وهو منظمة سورية لحقوق الإنسان، إن القضية «كشفت عن أوجه قصور في النظام القضائي النمساوي بعد أن سمحت السلطات لأبو ركبة بالبقاء طليقاً طوال فترة المحاكمة، وأثناء طعنه بالحكم الصادر ضده بالسجن».

وأنكر أبو ركبة التهم الموجهة إليه. وفي أوائل أغسطس (آب)، ⁠وصل إلى مسقط رأسه في بلدة نوى بمحافظة درعا ‌الواقعة في جنوب سوريا، حيث أقامت عائلته ‌حفل استقبال بمناسبة عودته، حسبما ذكرت المصادر الأربعة ​المطلعة بشأن القضية... وجاء في دعوة الحفل، ‌التي أرسلت إلى كبار الشخصيات المحلية واطلعت عليها «رويترز»، أنه أفرج ‌عنه من السجن.

وقال متحدث باسم المحكمة النمساوية التي أدانته، إنه «تبين قبل المحاكمة أن خطر هروبه غير قائم لأنه يعيش في النمسا منذ عام 2014 ‌وكان يطلب اللجوء هناك مع عائلته».

من داخل محكمة استجواب رجل الأمن السابق عاطف نجيب (أرشيفية - وزارة العدل السورية)

ولم يحتجز أبو ركبة على ذمة المحاكمة، كما لم يخضع لأي قيود أخرى.

⁠وقال المتحدث ⁠إن مغادرته النمسا إلى أن تنتهي إجراءات الاستئناف «لا تشكل مخالفة لأي قوانين أو أحكام نمساوية».

وقال المدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة»، محمد العبد الله، إن «هروب المقدم مصعب أبو ركبة بعد صدور الحكم بحقه وإدانته بجرائم التعذيب والإكراه الجنسي والإيذاء الجسدي الشديد، يظهر تقصير السلطات النمساوية بتقدير خطورة هذا المتهم وعدم إيداعه في الحبس الاحتياطي خلال المحاكمة».

وتعهدت السلطات السورية الجديدة بمحاسبة المسؤولين السابقين في نظام الأسد على الانتهاكات التي ارتكبت خلال حكمه. ​وأصدرت محكمة سورية يوم الثلاثاء حكماً ​غيابياً على الأسد بالإعدام بتهم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية.


كيف ستتعامل «حماس» مع استحقاقات الانتخابات التشريعية؟

فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة 14 مايو 2026 (رويترز)
فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة 14 مايو 2026 (رويترز)
TT

كيف ستتعامل «حماس» مع استحقاقات الانتخابات التشريعية؟

فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة 14 مايو 2026 (رويترز)
فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة 14 مايو 2026 (رويترز)

مع إعلان حركة «حماس» نيتها خوض الانتخابات التشريعية، التي ستجرى في الثامن والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، كما نص قرار رئاسي فلسطيني على ذلك، تواجه تلك المشاركة الثانية من نوعها للحركة «الإسلامية» بعد الانتخابات التي جرت آخر مرة عام 2006، الكثير من التساؤلات عن قدرة الحركة في التعامل مع استحقاقات المرحلة التي تلت الحرب على قطاع غزة، وهي التي غيرت واقع الفلسطينيين بالكامل وتسببت بحروب أخرى ببعض دول المنطقة.

ولربما أكثر ما يطرح في الأيام الأخيرة، هو كيفية تعامل «حماس» مع التعديلات التي أجراها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، على قانون الانتخابات، وخاصةً فيما يتعلق بالتزام القوائم المترشحة ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والتي من ضمن برنامجها الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومنها الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف، وغيرها من الاشتراطات التي كانت ترفضها الحركة سابقاً.

مئات الآلاف يشاركون بمهرجان انطلاقة حركة «فتح» في غزة 2022 (نقلاً عن وكالة وفا)

وقال مصدر قيادي من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة تتواصل مع الفصائل كافة للخروج بحالة توافق كاملة اتجاه ملف الانتخابات، وبما يضمن مشاركة الجميع من دون فرض أي سياسيات تفردية في تحديد الهدف السياسي للمنظومة الوطنية.

ورداً على سؤال حول خطط «حماس» فيما يتعلق بتجاوز أزمة برنامج منظمة التحرير، قال المصدر إن هناك خيارات قانونية وسياسية إلى جانب الحوار الوطني في إمكانية التوافق على خطوة تتجاوز مثل هذا الخيار، مبيناً أن حركته معنية بالعمل على إصلاح منظمة التحرير والمجلس الوطني قبل الدخول فيهما، ليصبح برنامجهما متوافقاً مع المتطلبات الوطنية في ظل هذا الوضع القائم.

ولفت إلى أن هناك رسائل يتم تبادلها مع حركة «فتح» سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بشأن جملة من القضايا الوطنية، معرباً عن أمله في أن يتم التوصل إلى ما يقرب الفلسطينيين ويسير بسفينتهم إلى بر الأمان.

وأكد المصدر أن ما جرى في غزة منح «حماس» والفصائل المسلحة التي تشاركها نهج «مقاومة الاحتلال» شعبية أكبر؛ ولذلك لا تخشى الحركة المنافسة في الانتخابات حتى وإن خسرت أو بقيت في المعارضة، مشدداً على أن الحركة لا تسعى أبداً للعودة إلى الحكم، ولكنها تريد أن تكون جزءاً من المنظومة السياسية الفلسطينية وتوقف حالة التفرد بأي قرارات مصيرية.

ورأى حسام بدران، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مبدأ الاشتراطات السياسية للمشاركة في الانتخابات فكرة مرفوضة بغض النظر عن النص والمضمون؛ لأن ذلك يتعارض مع أصل الانتخابات والذي هو تنافس على برامج سياسية مختلفة.

مقاتلون من «حماس» خلال عرض لصاروخ «قسام» المصنوع محلياً خلال الاحتفال بالذكرى الـ27 لتأسيس الحركة في قطاع غزة 14 ديسمبر 2014 (رويترز)

وأكد بدران أن حركة «حماس» تجري مشاورات وحوارات مع مختلف الفصائل وكذلك القوائم الانتخابية التي بدأت بالتشكل للتوافق على آلية جماعية للتعامل مع ذلك، مبيناً أن بعض الجهات بدأ فعلاً وبالتنسيق مع حركته في إرسال رسائل إلى لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، وهناك من يدرس التوجه إلى القضاء الفلسطيني.

وقال: «سنتابع الأمر ونصل فيه إلى ما هو مناسب، لكن على قاعدة المشاركة في الانتخابات».

 

«فتح» غزة

وقال مصدر قيادي في حركة «فتح» من قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط»، إن قرارات الرئيس عباس بشأن التعديلات الأخيرة لن يتم التراجع عنها، وإن هناك دعماً كاملاً لها في إطار خطة الإصلاح التي تتبناها السلطة الفلسطينية بدعم عربي ودولي كامل.

وحسب المصدر، الذي فضَّل عدم ذكر هويته، فإن على «حماس» وأي فصيل فلسطيني أو أي جهة ستشارك في الانتخابات المرتقبة والتي سيكون قطاع غزة جزءاً منها وفق ترتيبات لجنة الانتخابات المركزية، أن يلتزم بالقوانين المعدلة، مبيناً أن القرارات ليس هدفها تحجيم مشاركة أي فصيل سواء كان من منظمة التحرير أو خارجها، وإنما الهدف الأساسي أن يكون هناك برنامج سياسي واضح لأي جهة برلمانية مقبلة.

بينما قال عبد الفتاح دولة، الناطق باسم حركة «فتح» من رام الله، إن من حق أي جهة أن يشارك في الانتخابات المرتقبة، وهذا حق يكفله القانون الفلسطيني الذي يجب الالتزام به من قبل أي طرف سيشارك في العملية الانتخابية.

وبيَّن دولة في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا يوجد أي اتصالات حقيقية مباشرة مع حركة «حماس» بشأن الانتخابات، مشيراً إلى أن الحركة شاركت سابقاً وأصبحت جزءاً من النظام السياسي قبل أن تنقلب عليه وتتفرد بالحكم. كما قال. لافتاً إلى أن «فتح» حاولت كثيراً في حوارات سابقة العمل على دمج «حماس» في منظمة التحرير الفلسطينية لكنها كانت في كل مرة تخرج بملاحظات حول ذلك.

وشدد دولة على أن النظام السياسي يتسع للجميع، ولكن من المهم أن كل من سيشارك فيه أن يلتزم ببرنامج منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين. مؤكداً أن على «حماس» أن تكون منسجمة مع ذلك.