رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

يستضيفهما «متحف تيت بريتان» بلندن

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
TT

رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

ها هي الفنانة الشهيرة، مستلقية على السرير الذي أمضت فيه وقتاً طويلاً تتعافى من وعكة صحية وحوادث مروعة. ترتدي زياً مكسيكياً تقليدياً، وأصابعها مزينة بالخواتم، ورأسها متوج بتاج زهري مميز، تحدق إلينا بنظرة مباشرة من تحت حاجبيها المتصلين. لكن لا، إنها ليست الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو، رغم الشبه المذهل بينهما. إنها الفنانة البريطانية تريسي إمين، تستلهم من فريدا، وتُحيي ذكراها، وربما تؤكد استمرارية نوع معين من الفن الأنثوي الشخصي والسيرة الذاتية، وهو فن غالباً ما يُساء فهمه.

ماري مكارتني «أن تكوني فريدا» لندن 2000 (ماري مكارتني)

صورة «أن تكوني فريدا، لندن» (2000) من تصوير المصورة ماري مكارتني، التي قامت بتنسيق الصورة والتقاطها بعد عام من شهرة إمين (وإثارتها للجدل) عندما عُرض عملها الفني «سريري» في معرض متحف تيت. هذا الصيف، وفي تناغم بصري بديع، يُعرض هذان العملان في آنٍ واحد في متحف تيت مودرن، وإن لم يكونا في المعرض نفسه.

منذ افتتاحه في فبراير (شباط)، استقطب معرض «تريسي إمين: حياة ثانية» - الذي يغطي أربعة عقود من مسيرة الفنانة الفنية متعددة الممارسات - رقماً قياسياً بلغ 234 ألف زائر، وفقاً للمتحف. ومن الإنجازات الأخرى: قبل افتتاحه الأسبوع الماضي، بيعت مسبقاً أكثر من 41 ألف تذكرة لمعرض «فريدا: صناعة أيقونة»، وهو معرض استعادي لأعمال فريدا كاهلو يستمر حتى 3 يناير (كانون الثاني)، وهو رقم قياسي لمتحف تيت مودرن، بحسب بيان صحافي.

ؤ

في المعرض الثاني - الذي يهدف إلى استكشاف تأثير كاهلو كفنانة وأيقونة - تُعرض صورة إمين التي التقطتها ماكارتني، إلى جانب أعمال فنانين معاصرين آخرين استلهموا إبداعهم من كاهلو.

لقطة من معرض «فريدا: صناعة أيقونة» في تيت مودرن (تصوير: تيت / لارينا أنورا فرنانديز)

وحتى لو لم تكن الأعمال معروضة في الطابق نفسه من المتحف - حيث يمتد طابور الزوار المتلهفين لرؤية أعمال كاهلو ليصل تقريباً إلى مدخل معرض إمين - لكانت المقارنة بين الفنانتين أمراً حتمياً؛ فكلتاهما تستمد فنها من تجاربها الشخصية بصدق وابتكار.

تُعد «الأسرة» عنصراً مشتركاً في أعمالهما؛ فقد أُصيبت كاهلو بشلل الأطفال في السادسة من عمرها، وتعرضت في سن الثامنة عشرة لحادث حافلة تسبب لها بإصابات أدت إلى آلام مزمنة ومضاعفات صحية لازمتها طوال حياتها. ومع ذلك، واصلت الرسم حتى وهي طريحة الفراش؛ إذ تظهرها صورة غير مؤرخة تعود لعام 1940 مستلقية، ورأسها مثبت بوضعية غير مريحة ضمن جهاز للشد الطبي، بينما ثُبّتت أمامها منصة للرسم.

فريدا كاهلو - بورتريه ذاتي بشعر منسدل (1946) (مجموعة خاصة)

أما في معرض إمين، فلا نرى سريرها الشهير (والمثير للجدل) فحسب، بل نشاهد أيضاً صوراً لأماكن أخرى اضطرت فيها للبقاء ساكنة، مثل حمام المستشفى؛ ففي عام 2020، شُخّصت إصابة إمين بسرطان المثانة وخضعت لجراحة غيّرت مجرى حياتها. وتشترك أعمال الفنانتين - اللتين تفصل بين مولد كل منهما نصف قرن من الزمان - في اهتمامات أخرى، منها: الحب (وما يرافقه من شغف وانكسار وتعافٍ)، ورسم الذات كأداة جريئة لتشكيل الهوية الشخصية، ومسألة كيفية تحويل العالم الداخلي - بما فيه من أحلام ورغبات - إلى صور مرئية ملموسة.

فن البوح

على الرغم من التباين الشديد في أساليبهما الفنية، إذ نجد مزيج كاهلو بين الصور السريالية والتقاليد الشعبية المكسيكية في مقابل أعمال إمين المتمثلة في الألحفة المصنوعة يدوياً وكتابات النيون العفوية، فإن أعمالهما تشكل معاً أمثلة رائعة تجسد ما كتبه الناقد والروائي جون بيرجر في مقالته المرجعية «طرق الرؤية» (Ways of Seeing): «إن المرأة تكون دائماً مصحوبة - باستثناء الأوقات التي تكون فيها وحيدة تماماً، وربما حتى في تلك اللحظات أيضاً - بصورتها الذاتية عن نفسها».

فريدا كاهلو - «الذاكرة (القلب)» 1937 (مجموعة خاصة)

تجارب مؤلمة

في أعمال كلتا الفنانتين، يتحول العبء الثقافي الخاص بالمرأة - والمتمثل في كونها محط أنظار الآخرين دون أن يروها حقاً - إلى فرصة للكشف والبوح. ترسم كاهلو نفسها في هيئات وحالات وجودية شتى؛ فتارةً تبدو طافيةً في أجواء حالمة وقد اخترقها القضيب المعدني الذي أصاب جسدها إبان حادث الحافلة، وتارةً أخرى تظهر وعنقها مطوق بأشواكٍ تدميها وتغرس وخزاتها في جلدها. كما أنها تعبّر عن أبعاد هويتها المكسيكية من خلال لوحات الطبيعة الصامتة التي تضم الفاكهة والمقتنيات التراثية، بل وحتى على الأدوات التي قيدت جسدها فعلياً؛ ومثال ذلك لوحة «المطرقة والمنجل (وجنين لم يولد)»، وهي واحدة من العديد من الجبائر الطبية التي حولتها كاهلو إلى أعمال فنية. لقد عانت كاهلو من حالات إجهاض متكررة ومشكلات في الخصوبة، وتُظهر لنا في هذا العمل جنيناً في الرحم، متكوراً أسفل الرمز العالمي للشيوعية.

تريسي إمين (غيتي)

في أعمال إمين، تفتح السردية الشخصية باباً أمام الآخرين ليشهدوا -وربما يتماهوا مع- تجارب مؤلمة ومحاطة بالمحرمات الاجتماعية. ففي متحف «تيت مودرن»، رأيتُ الكثيرين يجلسون لمشاهدة أعمال فيديو كاملة، بل ويبقون في أماكنهم حتى تعاود تلك الأعمال العرض من بدايتها. كانت القاعات تكتظ بمشاهدين منجذبين تماماً للعملين: «كيف يبدو الأمر» (1996) - وهو عمل مدته 22 دقيقة يتناول تجربة إجهاض فاشلة - و«لماذا لم أصبح راقصة قط» (1995) - وهو فيلم قصير يصور المواقف القائمة على التمييز الجنسي والوصم التي واجهتها إمين في مراهقتها. لقد دفعت أعمال كهذه الكثيرين إلى وصف إمين بأنها «فنانة تعتمد أسلوب الاعتراف» (confessional artist). غير أنني لم أسمع قط إطلاق هذا الوصف على فنانين بارعين في رسم البورتريه الذاتي، مثل ديفيد هوكني أو رامبرانت.

تقول إمين في مقابلة نُشرت ضمن كتالوج المعرض: «لم أكن أعترف بأي شيء لأي أحد على الإطلاق؛ بل كنت أحاول فقط تفكيك كل الأمور وفهم جذورها، ومعرفة لماذا كان هذا الأمر على هذه الشائبة، ولماذا كان ذاك الأمر على تلك الشاكلة».

من الغريب، إذن، أن يدعونا الموقع الإلكتروني لمتحف «تيت مودرن» (Tate Modern) إلى «ولوج عالم تريسي إمين الرقيق الذي تبوح فيه بمكنونات نفسها». فمن الواضح أننا لم نجد بعد لغةً أفضل لمناقشة أعمال السير الذاتية للفنانات. وبالمثل، يبدو المتحف أحياناً عالقاً في مأزق الاختيار الصعب بين متطلبات تاريخ الفن وضرورات الأهمية الاجتماعية حين يتعلق الأمر بفريدا كاهلو؛ إذ تضعف محاولته الجادة لوضع أعمالها في سياق معاصر مقارناتٌ تتسم بالطابع التعليمي المباشر (الوعظي) وشحٌّ في النقاشات السياسية. كما يغص متجر المتحف بمنتجات تذكارية رخيصة تحمل صورة وجه كاهلو، وهي منتجات تحط من مكانتها كأيقونة فنية بدلاً من أن تعلي من شأنها.

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

كتبت إمين عن كاهلو في مقال نُشر عام 2005 بعنوان «فريدا في خاطري» (Frida on My Mind): «لقد رسمت ما رأته عيناها؛ والأمر المذهل حقاً هو أنها رأت تلك الأشياء في مخيلتها. لقد جازفت بنفسها، ووضعت كيانها على المحك دفاعاً عما آمنت به». ولعل إمين كانت تصف نفسها في تلك الكلمات.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

يوميات الشرق كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق النسيج في متحفه بفرنسا قبل نقله إلى بريطانيا (رويترز)

«نسيج بايو» الأشهر في التاريخ يعود إلى إنجلترا بعد قرون

رغم اسمه، فإنّ «نسيج بايو» ليس نسيجاً بالمعنى التقليدي، بل قطعة من الكتان مطرَّزة بخيوط صوفية ملوّنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره ولا يمكن تخطيه فلوحاته تنظر للعالم عبر عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق رنا بستاني تُكرّم بلدات الجنوب في معرض «اللون يتحدّى الصمت» (الشرق الأوسط)

معرض «اللون يتحدّى الصمت»... ولادة الأمل من ذاكرة لبنان الصامد

تشمل هذه الرحلة البصرية 20 قرية ومدينة من الشريط الحدودي اللبناني، من بينها يارون، وتبنين، ومركبا، وصُور، والنبطية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الوجوه تعيش أكثر من أصحابها (وينتورث وودهاوس للحفاظ على التراث)

لغز لوحة رئيس خدم يُحيّر أحفاده بعد أكثر من 170 عاماً

يأمل أقارب رئيس خدم كان يعمل في قصر ريفي بمقاطعة جنوب يوركشاير، في كشف لغز فنان مجهول الهوية جسَّد ملامحه في لوحة قماشية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

كشفت دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة مانشستر الإنجليزية، عن أنَّ التَّعرُّض لضوء النهار الساطع قد يكون مفتاحاً للنوم المُبكِّر، وتحسين جودة النوم، والحصول على راحة أعمق، وللاستيقاظ المبكر كذلك.

وتُلقي نتائج الدراسة المنشورة في دورية «Biological Timing and Sleep»، الضوء مجدداً على أهمية النوم، لوصفه أحد احتياجات الجسم الأساسية، والذي قد يتسبَّب عدم انتظامه إلى حدوث اضطرابات في المزاج والذاكرة والتمثيل الغذائي والصحة على المدى الطويل.

وتُشير أدلة قوية إلى أنَّ الضوء يُمكن أن يُؤثر على توقيت النوم ويُغيِّر في توازن مراحله المختلفة، كما أنَّ النوم يُعيد ضبط الساعة البيولوجية للجسم كل صباح، ويُساعد على التحكم في شعورنا باليقظة والتعب.

ولاختبار ذلك، جمع الفريق بيانات واقعية باستخدام جهاز بسيط يُرتدى على الجسم، حيث ارتدى 89 بالغاً جهاز استشعار ضوئياً قادراً على التقاط الضوء الميلانوبيكي - وهو نوع الضوء الذي يُؤثر بقوة على الساعة البيولوجية - إلى جانب جهاز تتبع نوم مُتاح للمستهلكين. كما قاموا بتدوين ملاحظاتهم اليومية حول النوم.

أنتجت الأجهزة بيانات لأكثر من 500 يوم، وقد أظهرت أنَّ الأشخاص الذين قضوا وقتاً أطول في ضوء النهار الساطع يميلون إلى النوم والاستيقاظ مبكراً. كما أظهر أولئك الذين يتمتعون بأنماط إضاءة أكثر استقراراً وأقل اضطراباً على مدار الأسبوع توقيتاً أفضل للنوم.

ووفق النتائج تمتع المشاركون الذين تعرَّضوا لضوء أكثر انتظاماً، مع تقلبات أقل حدة بين الضوء الخافت والساطع، بنوم أكثر عمقاً - وهو أمر حيوي للذاكرة والتعافي والصحة العامة - خلال الجزء الأول من الليل.

وتعكس هذه النتائج قلقاً متزايداً بشأن الحياة العصرية داخل المباني، حيث يقضي معظم الناس نهارهم في إضاءة أقل سطوعاً بكثير من ضوء النهار الطبيعي، وأمسياتهم في إضاءة أكثر سطوعاً بكثير مما يتوقعه جسمهم. وقد رُبط هذا التباين بمشكلات صحية مزمنة وارتفاع خطر الوفاة.

ويرتبط نظام النوم والاستيقاظ في الجسم، بدورة ضوء الشمس، إذ يُعزِّز التَّعرُّض للضوء الطبيعي خلال النهار الشعور باليقظة، بينما يساعد غيابه على الشعور بالنعاس. لذلك، فإنَّ قضاء وقت في الخارج يمكن أن يزيد من الشعور بالنعاس الطبيعي ليلاً، ويقلل الوقت اللازم للدخول في النوم، كما أنَّه يحسِّن جودة النوم بشكل عام.

وتُظهر الدراسة الجديدة أنَّ الأيام المشمسة ترتبط بنوم أفضل. كما وجد الباحثون أنَّ تقارير الأشخاص عن نومهم تتطابق عموماً مع بيانات الأجهزة القابلة للارتداء. لكن عندما ازداد اضطراب النوم - مع قلة النوم العميق أو نوم حركة العين السريعة - اتسعت الفجوة بين ما يعتقده الناس عن نومهم وما سجَّلته أجهزتهم. كما وجد الفريق أنَّ أنماط الإضاءة الأكثر استقراراً ترتبط بنوم أعمق يتركز في بداية الليل.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، ألتوغ ديديكوغلو، من جامعة مانشستر الإنجليزية ومعهد إزمير للتكنولوجيا في تركيا: «تُظهر نتائجنا أنَّ الأيام المشرقة وروتين الإضاءة المنتظم ليسا مجرد أمرَين مرغوبَين، بل قد يكونان أساسيَّين لنوم صحي. فبمجرد التُّعرَّض المستمر لضوء النهار، يمكن للناس تحسين جودة نومهم ليلاً بشكل ملحوظ».

وأضاف في بيان الجمعة: «تُبرز هذه الدراسة إمكانية قياس البيئات اليومية باستخدام أجهزة استهلاكية بأسعار معقولة».

واستطرد أن الدراسة تُشير أيضاً إلى رسالة صحية عامة بسيطة، وهي أنَّ «الأيام المشرقة قد تؤدي إلى ليلٍ أفضل، وأنَّ الحفاظ على استقرار التَّعرُّض للضوء - وتجنب أنماط الإضاءة الخافتة والساطعة المتقلبة - قد يُساعد على تقوية إيقاعات الجسم الداخلية».


لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
TT

لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)

نجح فريق دولي من الباحثين في رسم أطلس للخلايا والجينات التي تنظم تكوين العظام وعمليات فقدانها، واكتشفوا الدور المحوري الذي تلعبه خلايا الأوعية الدموية في صحة العظام، فيما وُصف بأنه «إنجاز علمي وعالمي غير مسبوق».

ووفق دراستهم المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر جينيتكس»، دمج الباحثون قراءات التسلسل الجيني مع بيانات نصف مليون شخص، ما مكنهم من تحديد مئات الجينات غير المعروفة سابقاً التي تتحكم في صحة العظام، والكشف عن الخلايا المحيطة بالأوعية الدموية كأحد أهم محركات ترميم العظام.

ويتوقع الباحثون أن يُسهم هذا الاكتشاف في تطوير علاجات جديدة لإعادة بناء العظام المفقودة، مما يُعطي الأمل لما يقرب من نصف الأشخاص فوق سن الخمسين الذين يعانون من أمراض مثل هشاشة العظام، والتهاب المفاصل، وتكوّن العظم الناقص، بالإضافة إلى المصابين باضطرابات عظمية نادرة وسرطانات تنتشر إلى العظام.

وكما صرح الفريق البحثي بقيادة البروفسور بيتر كروشر والدكتور رايان تشاي من معهد غارفان للأبحاث الطبية بأستراليا، في بيان الجمعة: «تُعزز نتائج الفريق فهمنا لأمراض الهيكل العظمي بشكل جذري».

الدكتور ريان تشاي والبروفسور بيتر كروشر من معهد غارفان للأبحاث الطبية (معهد غارفان)

وقال كروشر: «لا يُدرك معظم الناس أن العظام تتغير باستمرار، إذ يُجدد الجسم هيكله العظمي كل عشر سنوات تقريباً».

وأضاف: «هذه عملية بالغة الأهمية، ولكن حتى الآن، كان فهمنا للخلايا والآليات التي تتحكم في عملية تجديد العظام محدوداً للغاية».

واستطرد: «معظم الأدوية المتوفرة حالياً تركز فقط على إيقاف أمراض العظام، بدلاً من إعادة بناء العظام المفقودة، وهو أمر بالغ الأهمية لعكس الضرر».

ومن المنتظر أن يكون لهذه البيانات آثارٌ على المعرفة الخاصة بنمو الهيكل العظمي، واضطرابات العظام النادرة، والشيخوخة، والأورام الخبيثة والالتهابات. وستساعد هذه المعرفة الأساسية في تحديد أهداف علاجية لأمراض الجهاز العضلي الهيكلي.

استخدم الفريق أحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي لقياس الجينات النشطة داخل الخلايا الموجودة في العظام، مع التركيز على منطقة التماس بين العظم الصلب ونخاع العظم، وهي الموقع الرئيسي لتكوين العظام وتحللها.

قال تشاي إن التحليل الشامل الذي أجراه الفريق كشف عن 34 مجموعة مختلفة من الخلايا، وحدد الجينات النشطة في كل نوع منها.

واستخدم الفريق أطلسه الجديد لتحديد الخلايا المتورطة في أمراض الهيكل العظمي النادرة والشائعة، بما في ذلك تكون العظم الناقص وهشاشة العظام.

وقال جون كيمب المشارك في الدراسة إنه من خلال تحليل البيانات الجينية وبيانات كثافة العظام لنصف مليون شخص مشارك في بنك المملكة المتحدة الحيوي، تمكن الفريق من تحديد الخلايا المسؤولة عن أمراض الهيكل العظمي بدقة.

وأضاف: «تشمل هذه الخلايا خلايا معروفة بتنظيم تكوين العظام وفقدانها، بالإضافة إلى خلايا الأوعية الدموية التي لم يُقدّر دورها في صحة العظام حق قدره حتى الآن».

وقال كروشر إن البحث كشف عن فرص علاجية جديدة ليس فقط ضد أمراض العظام، بل أيضاً ضد أمراض السرطان، موضحاً أن «العظام هي المخبأ الرئيسي للخلايا السرطانية الكامنة وموقع شائع لانتكاس المرض، لذا فإن تحديد الخلايا والجينات التي تحفز تجدد العظام يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للوقاية من السرطان».

ويواصل الفريق حالياً دراسة أدوار الخلايا والجينات المكتشفة حديثاً والمسؤولة عن تنظيم العظام. وقد أُتيحت بياناتهم الرائدة للباحثين الطبيين حول العالم عبر منصة مفتوحة.


«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
TT

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

يفتح هادي سي في معرضه «أرواح صاعدة» فضاءً يلتقي فيه الإنسان مع التكنولوجيا من دون مواجهة مباشرة أو انحياز مُسبَق. في «غاليري صالح بركات» ببيروت، يعرض الفنان السنغالي الفرنسي مجموعة من المنحوتات المصنوعة من الحديد الصدئ والفولاذ اللامع، مستنداً إلى فكرة تقوم على التعايُش بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة بقاء الإنسان في صُلب أي تقدُّم تقني.

الذكاء يصنع الاحتمالات... والإنسان يمنحها معناها (هادي سي)

تنطلق الأعمال من لغة بصرية تستبدل بالصورة المباشرة للآلة خطوطاً وتفرّعات وتكوينات عضوية. تصبح قطع الحديد بين يديه أشبه بالجذور والأغصان والبذور والخلايا، وتظهر الأرقام داخل التكوينات مثل عناصر بناء تندمج في النسيج العام للعمل. هذا الانتقال من النظام الرقمي إلى الأشكال العضوية يُشكّل الخيط الناظم للمعرض ويمنحه تماسكه العام.

ينظر هادي سي إلى الذكاء الاصطناعي من خلال أثره المتوقَّع في الإنسان، قبل التوقُّف عند إنجازاته التقنية. تتمحور رؤيته حول الروح البشرية وتربط التقدُّم التقني بالذاكرة والعاطفة والخيال والتعاطف. ومن هذا التصوّر تنبثق المنحوتات، مُحاولةً الحفاظ على هذه القيم داخل عالم تتسارع تحوّلاته.

حين تتسارع الآلة تصبح الذاكرة أكثر قيمة (الشرق الأوسط)

ينعكس هذا المعنى في اختيار المواد. يحمل الحديد الصدئ أثر الزمن وتقلّباته، بينما يعكس الفولاذ المصقول الضوء والوجوه والمكان. ومن تباين السطحين تتشكَّل علاقة تستحضر الماضي والحاضر، وما يشيخ وما يبدو حديثاً. يترك الفنان هذه العلاقة مفتوحة على أكثر من قراءة. فتستدعي بعض الأعمال أشكالاً عضوية، فيما توحي أخرى ببُنى عمرانية أو شبكات مترابطة أو هياكل صناعية.

كل تقدّم... امتحان جديد لِما يجعلنا بشراً (الشرق الأوسط)

يُعامل هادي سي الحديد بطريقة تُخفِّف من ثقله. يُحوله في عدد من القطع إلى خطّ مرسوم في الفراغ أو إلى شريط يلتفُّ ويصعد ويعود إلى نفسه. تتدخَّل المساحات الخالية داخل المنحوتة في تشكيلها، ويصبح الفراغ عنصراً أساسياً في بنيتها. تساعد هذه المعالجة على إضفاء حركة بصرية انسيابية، خصوصاً في الأعمال التي تتفرَّع فيها العناصر وتتداخل من دون أن تفقد اتجاهها.

تتفاوت المنحوتات مع ذلك في قدرتها على حَمْل الفكرة. تملك الأعمال الأكثر تركيباً حضوراً أقوى، لأنها تجمع بين شكل متماسك وبنية تتيح للعين أن تكتشف تفاصيل جديدة كلَّما تغيَّرت زاوية النظر. ينجح الفنان فيها في جَعْل الحديد أقرب إلى كائن ينمو، ويصبح التكرار وسيلة لصنع الإيقاع والمعنى. قطع أخرى تُعيد تقديم عناصر سبق أن ظهرت في غير أعمال.

كلّ خطوة نحو الذكاء... تستحقّ خطوة نحو الذات (الشرق الأوسط)

يظهر هذا التفاوت أيضاً في العلاقة بين الفكرة والنتيجة البصرية. تنجح بعض الأعمال في تحويل الحديث عن الإنسان والآلة إلى تجربة ملموسة، لأنّ المادة نفسها تبدو واقفة بين النظام والعفوية. في أعمال أخرى، يحتاج المتلقّي إلى الاستناد أكثر إلى نصّ المعرض لفَهْم الصلة بالذكاء الاصطناعي. لا تفقد هذه القطع قيمتها داخل المجموعة، لكنها لا تترك الأثر نفسه ولا تفتح المساحة ذاتها للتأمُّل.

يحافظ المعرض رغم ذلك على انسجام أعماله. تتكرَّر الدوائر والخطوط والأشكال المُستَخرجة من الصفر والواحد، وتظهر كأنها أبجدية خاصة بالفنان. هذا التكرار يمنح المشروع هوية، لكنه يكشف أيضاً عن حدودها حين تعود بعض الصيغ من دون تحوُّل كبير. تبدو قوة التجربة أكبر عندما يُوسِّع هادي سي مفرداته ويضعها داخل تكوينات تحمل مفاجأة بصرية، وأقلّ عندما يكتفي بالاشتغال على العناصر نفسها.

ليس كلّ ما يتطوّر يقترب من الحياة (الشرق الأوسط)

هذا المسار امتداد لخلفية هادي سي، المولود في بيروت عام 1964 لأم لبنانية وأب سنغالي، والذي تنقَّل بين التصوير والتصميم والفنون البصرية قبل أن يستقرَّ في النحت. انشغلت تجربته عبر السنوات بالإنسان داخل الأنظمة التي تُحيط به، من المال والحدود إلى الذاكرة والأرقام. في معرضه الجديد، ينقل هذا الاهتمام إلى زمن الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالإنسان نقطة انطلاق ومَرْجعاً أخلاقياً.

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها. عندها لا يعود الحديد رمزاً للصناعة وحدها، ويظهر على هيئة جذر أو جسد أو أثر حياة. وفي الأعمال الأقل كثافة، يبدو التنفيذ حاضراً بقدر الفكرة، لكن المسافة بينهما لا تُردَم تماماً.

الذاكرة... آخر ما لا يمكن برمجته (الشرق الأوسط)

يخرج المعرض في مجمله وفيّاً لرؤيته، متفاوتاً في درجات التعبير عنها. في أفضل أعماله، لا يطلب هادي سي من الحديد أن يُمثّل الإنسان، وإنما أن يكتسب شيئاً من صفاته. أن ينمو ويتشعَّب ويحتفظ بذاكرة داخله. هناك يفقد المعدن برودته، وتصبح المنحوتة كائناً يقف في الحدّ الفاصل بين ما صنعته اليد وما يمكن أن تمنحه الحياة.