رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

يستضيفهما «متحف تيت بريتان» بلندن

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
TT

رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

ها هي الفنانة الشهيرة، مستلقية على السرير الذي أمضت فيه وقتاً طويلاً تتعافى من وعكة صحية وحوادث مروعة. ترتدي زياً مكسيكياً تقليدياً، وأصابعها مزينة بالخواتم، ورأسها متوج بتاج زهري مميز، تحدق إلينا بنظرة مباشرة من تحت حاجبيها المتصلين. لكن لا، إنها ليست الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو، رغم الشبه المذهل بينهما. إنها الفنانة البريطانية تريسي إمين، تستلهم من فريدا، وتُحيي ذكراها، وربما تؤكد استمرارية نوع معين من الفن الأنثوي الشخصي والسيرة الذاتية، وهو فن غالباً ما يُساء فهمه.

ماري مكارتني «أن تكوني فريدا» لندن 2000 (ماري مكارتني)

صورة «أن تكوني فريدا، لندن» (2000) من تصوير المصورة ماري مكارتني، التي قامت بتنسيق الصورة والتقاطها بعد عام من شهرة إمين (وإثارتها للجدل) عندما عُرض عملها الفني «سريري» في معرض متحف تيت. هذا الصيف، وفي تناغم بصري بديع، يُعرض هذان العملان في آنٍ واحد في متحف تيت مودرن، وإن لم يكونا في المعرض نفسه.

منذ افتتاحه في فبراير (شباط)، استقطب معرض «تريسي إمين: حياة ثانية» - الذي يغطي أربعة عقود من مسيرة الفنانة الفنية متعددة الممارسات - رقماً قياسياً بلغ 234 ألف زائر، وفقاً للمتحف. ومن الإنجازات الأخرى: قبل افتتاحه الأسبوع الماضي، بيعت مسبقاً أكثر من 41 ألف تذكرة لمعرض «فريدا: صناعة أيقونة»، وهو معرض استعادي لأعمال فريدا كاهلو يستمر حتى 3 يناير (كانون الثاني)، وهو رقم قياسي لمتحف تيت مودرن، بحسب بيان صحافي.

ؤ

في المعرض الثاني - الذي يهدف إلى استكشاف تأثير كاهلو كفنانة وأيقونة - تُعرض صورة إمين التي التقطتها ماكارتني، إلى جانب أعمال فنانين معاصرين آخرين استلهموا إبداعهم من كاهلو.

لقطة من معرض «فريدا: صناعة أيقونة» في تيت مودرن (تصوير: تيت / لارينا أنورا فرنانديز)

وحتى لو لم تكن الأعمال معروضة في الطابق نفسه من المتحف - حيث يمتد طابور الزوار المتلهفين لرؤية أعمال كاهلو ليصل تقريباً إلى مدخل معرض إمين - لكانت المقارنة بين الفنانتين أمراً حتمياً؛ فكلتاهما تستمد فنها من تجاربها الشخصية بصدق وابتكار.

تُعد «الأسرة» عنصراً مشتركاً في أعمالهما؛ فقد أُصيبت كاهلو بشلل الأطفال في السادسة من عمرها، وتعرضت في سن الثامنة عشرة لحادث حافلة تسبب لها بإصابات أدت إلى آلام مزمنة ومضاعفات صحية لازمتها طوال حياتها. ومع ذلك، واصلت الرسم حتى وهي طريحة الفراش؛ إذ تظهرها صورة غير مؤرخة تعود لعام 1940 مستلقية، ورأسها مثبت بوضعية غير مريحة ضمن جهاز للشد الطبي، بينما ثُبّتت أمامها منصة للرسم.

فريدا كاهلو - بورتريه ذاتي بشعر منسدل (1946) (مجموعة خاصة)

أما في معرض إمين، فلا نرى سريرها الشهير (والمثير للجدل) فحسب، بل نشاهد أيضاً صوراً لأماكن أخرى اضطرت فيها للبقاء ساكنة، مثل حمام المستشفى؛ ففي عام 2020، شُخّصت إصابة إمين بسرطان المثانة وخضعت لجراحة غيّرت مجرى حياتها. وتشترك أعمال الفنانتين - اللتين تفصل بين مولد كل منهما نصف قرن من الزمان - في اهتمامات أخرى، منها: الحب (وما يرافقه من شغف وانكسار وتعافٍ)، ورسم الذات كأداة جريئة لتشكيل الهوية الشخصية، ومسألة كيفية تحويل العالم الداخلي - بما فيه من أحلام ورغبات - إلى صور مرئية ملموسة.

فن البوح

على الرغم من التباين الشديد في أساليبهما الفنية، إذ نجد مزيج كاهلو بين الصور السريالية والتقاليد الشعبية المكسيكية في مقابل أعمال إمين المتمثلة في الألحفة المصنوعة يدوياً وكتابات النيون العفوية، فإن أعمالهما تشكل معاً أمثلة رائعة تجسد ما كتبه الناقد والروائي جون بيرجر في مقالته المرجعية «طرق الرؤية» (Ways of Seeing): «إن المرأة تكون دائماً مصحوبة - باستثناء الأوقات التي تكون فيها وحيدة تماماً، وربما حتى في تلك اللحظات أيضاً - بصورتها الذاتية عن نفسها».

فريدا كاهلو - «الذاكرة (القلب)» 1937 (مجموعة خاصة)

تجارب مؤلمة

في أعمال كلتا الفنانتين، يتحول العبء الثقافي الخاص بالمرأة - والمتمثل في كونها محط أنظار الآخرين دون أن يروها حقاً - إلى فرصة للكشف والبوح. ترسم كاهلو نفسها في هيئات وحالات وجودية شتى؛ فتارةً تبدو طافيةً في أجواء حالمة وقد اخترقها القضيب المعدني الذي أصاب جسدها إبان حادث الحافلة، وتارةً أخرى تظهر وعنقها مطوق بأشواكٍ تدميها وتغرس وخزاتها في جلدها. كما أنها تعبّر عن أبعاد هويتها المكسيكية من خلال لوحات الطبيعة الصامتة التي تضم الفاكهة والمقتنيات التراثية، بل وحتى على الأدوات التي قيدت جسدها فعلياً؛ ومثال ذلك لوحة «المطرقة والمنجل (وجنين لم يولد)»، وهي واحدة من العديد من الجبائر الطبية التي حولتها كاهلو إلى أعمال فنية. لقد عانت كاهلو من حالات إجهاض متكررة ومشكلات في الخصوبة، وتُظهر لنا في هذا العمل جنيناً في الرحم، متكوراً أسفل الرمز العالمي للشيوعية.

تريسي إمين (غيتي)

في أعمال إمين، تفتح السردية الشخصية باباً أمام الآخرين ليشهدوا -وربما يتماهوا مع- تجارب مؤلمة ومحاطة بالمحرمات الاجتماعية. ففي متحف «تيت مودرن»، رأيتُ الكثيرين يجلسون لمشاهدة أعمال فيديو كاملة، بل ويبقون في أماكنهم حتى تعاود تلك الأعمال العرض من بدايتها. كانت القاعات تكتظ بمشاهدين منجذبين تماماً للعملين: «كيف يبدو الأمر» (1996) - وهو عمل مدته 22 دقيقة يتناول تجربة إجهاض فاشلة - و«لماذا لم أصبح راقصة قط» (1995) - وهو فيلم قصير يصور المواقف القائمة على التمييز الجنسي والوصم التي واجهتها إمين في مراهقتها. لقد دفعت أعمال كهذه الكثيرين إلى وصف إمين بأنها «فنانة تعتمد أسلوب الاعتراف» (confessional artist). غير أنني لم أسمع قط إطلاق هذا الوصف على فنانين بارعين في رسم البورتريه الذاتي، مثل ديفيد هوكني أو رامبرانت.

تقول إمين في مقابلة نُشرت ضمن كتالوج المعرض: «لم أكن أعترف بأي شيء لأي أحد على الإطلاق؛ بل كنت أحاول فقط تفكيك كل الأمور وفهم جذورها، ومعرفة لماذا كان هذا الأمر على هذه الشائبة، ولماذا كان ذاك الأمر على تلك الشاكلة».

من الغريب، إذن، أن يدعونا الموقع الإلكتروني لمتحف «تيت مودرن» (Tate Modern) إلى «ولوج عالم تريسي إمين الرقيق الذي تبوح فيه بمكنونات نفسها». فمن الواضح أننا لم نجد بعد لغةً أفضل لمناقشة أعمال السير الذاتية للفنانات. وبالمثل، يبدو المتحف أحياناً عالقاً في مأزق الاختيار الصعب بين متطلبات تاريخ الفن وضرورات الأهمية الاجتماعية حين يتعلق الأمر بفريدا كاهلو؛ إذ تضعف محاولته الجادة لوضع أعمالها في سياق معاصر مقارناتٌ تتسم بالطابع التعليمي المباشر (الوعظي) وشحٌّ في النقاشات السياسية. كما يغص متجر المتحف بمنتجات تذكارية رخيصة تحمل صورة وجه كاهلو، وهي منتجات تحط من مكانتها كأيقونة فنية بدلاً من أن تعلي من شأنها.

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

كتبت إمين عن كاهلو في مقال نُشر عام 2005 بعنوان «فريدا في خاطري» (Frida on My Mind): «لقد رسمت ما رأته عيناها؛ والأمر المذهل حقاً هو أنها رأت تلك الأشياء في مخيلتها. لقد جازفت بنفسها، ووضعت كيانها على المحك دفاعاً عما آمنت به». ولعل إمين كانت تصف نفسها في تلك الكلمات.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

يوميات الشرق المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده. تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«ألعاب الحظ»... معرض مصري يستدعي حكايات ملوك القوة الأربعة

في معرضه الأحدث «ألعاب الحظ» يستدعي الفنان التشكيلي المصري وليد قانوش حكايات وأساطير ومشاهد مستدعاة من الخيال.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «صهر الذاكرة» (نور الرياض)

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

عند تأمل الأعمال الفنية التي تستلهم ألعاب الأطفال والألعاب الشعبية، يبرز سؤال حول ما الذي يدفع الفنانين إلى استحضار هذه العناصر المألوفة في أعمالهم؟

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.


«عُشّاق السهر» أكثر عُرضة للتقاعد المبكر

يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
TT

«عُشّاق السهر» أكثر عُرضة للتقاعد المبكر

يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون فنلنديون أن الأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى النشاط أكثر في المساء، أو كما يعرفون بـ«عشاق السهر»، هم أكثر عرضة بمقدار 1.7 مرة للتقاعد المبكر والحصول على معاش تقاعدي بسبب العجز، مقارنةً بالأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى النشاط أكثر في الصباح.

وتشير النتائج المنشورة في دورية «أوكيوبشنال آند أنفرومنتال ميديسين» إلى أن هذا الارتباط ظل قائماً حتى بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل المستوى التعليمي ونوع الوظيفة.

النمط الزمني

ويُعرف «النمط الزمني» بأنه الجدول الزمني الطبيعي للجسم فيما يتعلق بالنوم والاستيقاظ. واستناداً إلى توقيت وظائف الجسم ومستويات اليقظة، يمكن تصنيف الأفراد إلى ثلاث مجموعات رئيسية: أصحاب النمط الصباحي، وأصحاب النمط المتوسط، وأصحاب النمط المسائي.

ويُعد «النمط الزمني» سمة بيولوجية فطرية ذات أساس جيني قوي، وهي نتيجة دعمتها الدراسة أيضاً باستخدام بيانات جينية. وقد أظهرت دراسات سابقة أن النمط الزمني يظل ثابتاً للغاية في مرحلة البلوغ.

وأظهرت دراسات سابقة أن أصحاب النمط المسائي يبدون أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات في العمل أكثر من أصحاب النمط الصباحي.

ومع ذلك، لم تكن العلاقة بين كون الشخص «من عشاق السهر» (النمط المسائي) أو «شخصاً صباحياً» (النمط الصباحي) وبين الحصول على معاش العجز قد حُسمت بشكل كامل.

ولتعزيز الأدلة العلمية حول هذه الفرضية، قام الباحثون بتحليل ما إذا كان الأشخاص المصنفون ضمن «النمط المسائي» في منتصف الأربعينات من العمر أكثر عرضة للحصول على معاش العجز خلال الاثنتي عشرة سنة التالية، مقارنةً بالأشخاص المصنفين ضمن «النمط الصباحي».

وتابعت الدراسة مجموعة كبيرة من الأشخاص من مختلف القطاعات الاقتصادية ومجموعة متنوعة من المهن على مدى فترة زمنية طويلة.

عاشقو السهر قد يكونون أكثر عُرضة لتدهور الصحة واضطرابات في ساعاتهم البيولوجية (جامعة أولو)

ووفق بيان صحافي الثلاثاء، حلل باحثو الدراسة بيانات مستمدة من دراسة سكانية مستمرة بدأت عام 1966 وشملت 96 في المائة من جميع المواليد في مقاطعتين بشمال فنلندا. وفي عام 2012، وحين بلغ المشاركون سن السادسة والأربعين، طُرحت عليهم أسئلة لتحديد نمطهم الزمني؛ وشملت هذه الأسئلة: مدى سهولة استيقاظهم صباحاً، ومستوى شعورهم بالتعب خلال النصف ساعة الأولى بعد الاستيقاظ، وتوقيت العمل المفضل لديهم، وما إذا كانوا يعدون أنفسهم أشخاصاً يميلون للصباح أم للمساء.

بعد ذلك، ربط الباحثون هذه المعلومات ببيانات من السجلات الوطنية الفنلندية التي توفر معلومات حول العمل ومعاشات التقاعد، حيث تبين أن الأشخاص ذوو النمط المسائي أكثر عُرضة لخطر الحصول على معاش العجز.

وخلال فترة المتابعة التي استمرت 12 عاماً، حصل 135 رجلاً (5.2 في المائة) و249 امرأة (8.1 في المائة) على معاش العجز لأول مرة. وارتبط تصنيف الفرد ضمن «النمط المسائي» عند سن السادسة والأربعين باحتمالية أعلى بمقدار 1.7 ضعف للحصول على معاش العجز خلال الاثنتي عشرة سنة التالية، مقارنةً بـ«النمط الصباحي»، وذلك لدى كل من الرجال والنساء.

الصحة والنوم

لا يُمنح معاش العجز في فنلندا إلا بعد فترة من التدهور الصحي الشديد وطويل الأمد. ويعتقد الباحثون أن الحالة الصحية الأقل جودة لدى أصحاب النمط المسائي - مقارنة بأصحاب النمط الصباحي - هي العامل الرئيسي وراء ارتفاع معدلات الحصول على معاش العجز في هذه المجموعة.

ويشير الباحثون إلى أن أصحاب النمط المسائي قد يكونون أكثر عُرضة لتدهور الصحة بسبب خيارات حياتية أقل صحية واضطرابات في ساعاتهم البيولوجية الداخلية، مما قد يؤدي إلى مشاكل في النوم. ويرون أن الحالة الصحية لبعض أصحاب النمط المسائي - مع اقترابهم من سن الخمسين والستين - قد تتدهور لدرجة تؤثر سلباً على قدرتهم على العمل، وتجعلهم أكثر عُرضة من أصحاب النمط الصباحي للحاجة إلى معاش العجز.

ويقول الباحثون: «يمثل الأشخاص ذوو النمط المسائي نسبة كبيرة من السكان، وتشكل صحتهم وقدرتهم على مواصلة العمل حتى سن التقاعد تحديات أمام الاقتصادات المستدامة».


«انظر... 40 عاماً من الموضة في متحف!»

الخياطة فن (المتحف)
الخياطة فن (المتحف)
TT

«انظر... 40 عاماً من الموضة في متحف!»

الخياطة فن (المتحف)
الخياطة فن (المتحف)

لا يعرف زائر العاصمة الفرنسية من أي صرح يبدأ الزيارة. فالفن والجمال والأناقة تبدو ممتدة من الشارع حتى كبريات المتاحف. لكن خلاصة الإبداع يمكن أن تجتمع في معرض يقام حالياً في متحف الفنون الزخرفية بمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيس متحف فنون الموضة. ومثل كل عطر فرنسي، هناك «ماء التواليت» المخفف وهناك العصارة المركزة أو الرحيق. وبهذا يمكن القول إن هذا المعرض يقدم للجمهور لبّ فن التصميم المتوارث منذ قرون وأجيال.

اهتم ملوك فرنسا بالأزياء كفرع أصيل من فروع الفنون وأغدقوا على صناعها، سواء في الثياب أو القبعات والأحذية. وبمرور الوقت اكتسبت باريس شهرتها كعاصمة للموضة. ولم يكن غريباً عليها أن تتبنى متحفاً يحفظ نماذج من تلك القطع المتوارثة النفيسة. واليوم تحتفل العاصمة الفرنسية بمرور أربعة عقود على تأسيس ذلك المتحف ويؤدي له التحية من خلال معرض يحمل عنوان: «انظر...40 عاماً من الموضة في متحف!».

أربعة عقود تعني المئات من الفساتين والتقاويم والصور والخزائن والأنامل الماهرة التي توثّق وترتّق وتنسّق وتحفظ سيرة كل مصمم وتاريخ كل تصميم. ومن بين تلك الثروة الفنية وقع الاختيار على 40 اسماً بارزاً من بين أساطين الموضة، أي أسطواتها، لكي يجري تسليط الضوء على زي واحد نفيس لكل منهم. أما طريقة العرض فقد استفادت من التقنيات الحديثة المتاحة، وإمكانيات الذكاء الاصطناعي، في تقديم منظور واقعي على الأرض وبين الجدران، أو مُتخيّل عبر الشاشات ووسائل التواصل.

حين يقف المرء أمام زي راقٍ، فإنه قد ينبهر بالقماش واللون والقصّات المتقنة. لكن متحف الموضة يحرص على رواية القصة التي تتستر وراء تلك الواجهة، أي أولئك الرسامون الخياطون والطرازات وكل من يضيف لمسة لعملية تحويل القماش والخيوط إلى أعمال فنية بكل ما للعمل الفني من معنى. هناك مسار لا يظهر على منصة العرض، بين خروج الفستان إلى النور وبين تصويره بأيدي مصورين متخصصين في الموضة وعلى أجساد عارضات شهيرات، ثم انتقاله إلى خزانة نجمة أو أميرة شهيرة قبل استعادته وترميمه من آثار الزمن والحفاظ عليه في المخازن المكيفة للمتحف.

زي تاريخي لمادلين فيونيه (المتحف)

مع السنوات يتحول الزي إلى نجم أيضاً، يخرج في مناسبات محددة ليعاد تقديمه للجمهور في المعارض أو يعار للسينما أو لواحدة من عواصم الموضة المجاورة، مثل لندن وروما وميلانو. المهم من كل هذه الجهود أن يبقى التراث حياً. ولعل من أجمل ما يراه زائر المعرض فستان للسهرة من التول الوردي المطرز بأزاهير بيضاء فضية، يعود إلى عام 1938، من إبداع المصممة مادلين فيونيه (1876ـ 1975). وهذه القطعة الثمينة تعود لمقتنيات الاتحاد الفرنسي لفنون الأزياء، ومثلها الفستان الأكثر حداثة للمصمم التونسي الأصل عز الدين علايا (1935ـ 2017) الذي لم يتردد في تحويل أجساد النساء إلى مسلّات رشيقة ملفوفة بالقماش المطاطي وكأنها مومياوات من العصر الحديث.

مومياءات عزالدين علايا

ينقسم المعرض إلى زوايا ومسارات، لكل منها عنوان دال، مثل: «لحظات الموضة»، و«كريستيان ديور مصمم الأحلام» أو «عوالم إلسا سكياباريلي السريالية»، و«اللعب بالضوء»، وصولاً إلى «آليات الملابس الداخلية». وبالإضافة إلى مقتنيات المتاحف فإن عدداً مما يراه الزوار في هذا المعرض الذي يستمر حتى الربيع المقبل، أزياء جاءت من متبرعين ومن خزائن سيدات أنيقات أو مما انتقل منهن إلى بناتهن وحفيداتهن.