القضاء العراقي يفتح باب «تسويات مشروطة» لاسترداد أموال الفساد

«صولة الفجر» تكشف توتراً داخل «الإطار التنسيقي»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)
TT

القضاء العراقي يفتح باب «تسويات مشروطة» لاسترداد أموال الفساد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)

أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، الجمعة، أنه يعمل بالتنسيق مع الحكومة على آليات قانونية تهدف إلى الجمع بين محاسبة المتهمين بقضايا الفساد واسترداد الأموال العامة، بما قد يشمل تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبات بحق من يعيد الأموال طوعا، وذلك في إطار تطبيق قانون تعديل العفو العام، بينما أثارت الحملة الأمنية الأخيرة المعروفة باسم «صولة الفجر» تباينات داخل قوى «الإطار التنسيقي»، بحسب تصريحات ومصادر سياسية.

وقال المجلس، في بيان، إن هدفه يتمثل في «محاسبة من يرتكب جريمة الفساد المالي والإداري» و«إعادة أموال الدولة»، مضيفاً أن ذلك «يمكن تحقيقه إما بتخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبة التي تصدر بحق المتهمين بهذه الجريمة، حسب المتاح دستورياً وقانونياً».

وأوضح أن هذا النهج بدأ في قضية ما يعرف بـ«الأمانات الضريبية»، المعروفة إعلامياً باسم «سرقة القرن»، والتي تتعلق بسحب أموال أمانات ضريبية أودعتها شركات أجنبية لدى الهيئة العامة للضرائب لضمان تنفيذ مشاريعها، عبر إجراءات وصفها بأنها غير أصولية نفذتها شركات تعقيب بينها شركتا «القانت» و«المبدعون»، المملوكتان لرجل الأعمال نور زهير، بمساعدة موظفين حكوميين.

وأضاف البيان أنه تم، آنذاك، الاتفاق بين رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس الوزراء السابق (محمد شياع السوداني)، وبعد موافقة قاضي التحقيق المختص، على إطلاق سراح نور زهير بكفالة مقابل إعادة الأموال المسحوبة على دفعات، مع تخفيف العقوبة بحقه.

رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)

استعادة أموال

بحسب المجلس، أُعيد بموجب هذا الاتفاق 365 مليار دينار عراقي (نحو 252 مليون دولار) من أصل نحو 1.618 تريليون دينار (نحو 1.12 مليار دولار) مترتبة بذمة الشركتين، بينما بلغ إجمالي الأموال المسحوبة من مصرف الرافدين عبر جميع الشركات نحو 3.831 تريليون دينار (نحو 2.64 مليار دولار).

وأشار البيان إلى أن نور زهير غادر العراق لاحقاً، وتوقفت عملية التسديد؛ ما أدى إلى إحالته إلى محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، التي أصدرت بحقه حكماً غيابياً بالسجن 10 سنوات، مع تنظيم ملف لاسترداده ومخاطبة الشرطة العربية والدولية لإعادته إلى العراق.

وأضاف أن محامي زهير تقدم، بعد صدور تعديل قانون العفو العام، بطلب لشمول موكله بالقانون مقابل استكمال تسديد المبالغ المتبقية، وأن المحكمة خاطبت وزارة المالية، بوصفها الجهة المتضررة، لإبداء رأيها بشأن آلية التسديد، لكنها لم تتلقَّ رداً حتى الآن، ما أبقى الطلب معلقاً.

وقال المجلس إن أحكاماً حضورية بالسجن صدرت بحق 12 موظفاً في الهيئة العامة للضرائب أدينوا بالمساعدة في سحب الأموال، وهم يقضون حالياً مدد محكومياتهم، مع إمكانية شمولهم بقانون تعديل العفو بعد تسديد التعويضات التي تحددها وزارة المالية.

وأضاف أن التحقيق أُجري مع رئيس الوزراء الذي وقعت الجريمة خلال فترة حكومته (مصطفى الكاظمي)، قبل أن يُغلق لعدم كفاية الأدلة.

وفيما يتعلق بقضية شركة مصافي الشمال، قال المجلس إنه سيجري اتباع النهج نفسه مع المتهم الموقوف عدنان الجميلي وعدد من أعضاء مجلس النواب الحاليين والسابقين إذا كانت الجرائم المنسوبة إليهم قد ارتكبت قبل نفاذ قانون تعديل العفو العام، وبشرط تسديد الأموال المستحقة إلى الجهة الحكومية المتضررة.

صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم البنك المركزي العراقي

«خريطة طريق»

وأضاف أن الجرائم التي ارتُكبت بعد نفاذ القانون لن يشملها العفو، وأن البحث جارٍ حالياً، بالتنسيق مع رئيس الوزراء علي الزيدي، لوضع «خريطة طريق» تتوافق مع الآليات الدستورية والقانونية لتحقيق هدفي استرداد الأموال العامة، وتخفيف الإجراءات القانونية بحق من يعيدها طوعاً.

وفي سياق متصل، أثارت عملية «صولة الفجر»، التي نفذت في 28 يونيو (حزيران) داخل المنطقة الخضراء في بغداد، وأسفرت عن اعتقال عشرات المتهمين بقضايا فساد، ردود فعل داخل قوى الإطار التنسيقي الداعمة للحكومة.

إضافة إلى ذلك، أفاد مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط»، بأن قادة في الإطار التنسيقي فوجئوا بالحملة، وباستخدام الدبابات والمدرعات فيها، وقال المصدر إن بعضهم رأى أن أسلوب التنفيذ أثار مخاوف من إمكانية استخدام القوة العسكرية مستقبلاً بصورة أوسع، مضيفاً أن الاجتماع الأول الذي جمع رئيس الوزراء علي الزيدي بقادة الإطار بعد العملية شهد تبرير الزيدي لاستخدام تلك الإجراءات بوصفها ضرورية لإغلاق منافذ المنطقة الخضراء في أثناء تنفيذ الاعتقالات.

وأضاف المصدر أن عدداً من النواب تمكنوا من مغادرة المنطقة قبل بدء العملية بدقائق، وأن بعضهم ينتمي إلى فصائل مسلحة، مشيراً إلى أن غياب أي رد فعل من الفصائل المسلحة خلال تنفيذ العملية زاد من قلق بعض قادة الإطار.

صورة وزعها القضاء العراقي يوم 9 يوليو 2026 لأموال نقدية كانت مخبأة في حفرة لتصريف مياه الأمطار

تسويات محتملة

وفيما ترددت معلومات عن احتمال التوصل إلى تسويات مالية مع بعض المتهمين بالفساد، قال الخبير القانوني جمال الأسدي لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد نص قانوني يجيز ذلك في جرائم الفساد أو أي جريمة أخرى»، مضيفاً أن قانون العفو العام يتضمن أحكاماً محددة تتعلق بالمحكومين في جرائم الاختلاس أو هدر المال العام، ضمن مدد وشروط قانونية معينة.

من جانبه، قال القيادي في الإطار التنسيقي عامر الفايز، في تصريحات متلفزة، إن جميع قادة الإطار، باستثناء رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، أبدوا اعتراضهم على عدم إبلاغهم مسبقاً بعملية «صولة الفجر»، مضيفاً أنهم وجهوا «عتاباً كبيراً» للزيدي خلال أول اجتماع بعد العملية.

وأضاف الفايز أن اعتراضه لم يكن على مبدأ ملاحقة المتهمين، وإنما على استخدام الدبابات في تنفيذ الاعتقالات، وقال إنه لا يرى أن رئيس الوزراء ملزم بإبلاغ قادة الإطار بتفاصيل العمليات الأمنية، لكنه رأى أن الإطار، بوصفه «السلطة العليا الحاكمة في الدولة»، ينبغي أن يكون على علم بما يجري.


مقالات ذات صلة

تقرير: ألمانيا تعتزم سحب قواتها من ​أربيل

المشرق العربي جنود ألمان في معسكر تدريبي للبيشمركة بأربيل (أرشيفية - رويترز)

تقرير: ألمانيا تعتزم سحب قواتها من ​أربيل

أوردت مجلة «دير شبيغل» الألمانية، اليوم الجمعة، أن برلين تعتزم سحب قواتها من مدينة ​أربيل في شمال العراق وغلق معسكر ميداني هناك.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي أفراد من الأمن العراقي يقومون بدورية في أحد شوارع بغداد 28 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

اتساع اعتقالات «جماعة النفط» في العراق

اتسعت حملة مكافحة الفساد في العراق لتشمل مسؤولاً حكومياً بارزاً، فيما ضبط مجلس القضاء الأعلى أموالاً نقدية مخبأة تحت الأرض، ضمن القضية التي باتت تعرف بتحقيقات.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

مساعٍ عراقية لترميم العلاقة مع الخليج... والزيدي يطرح شراكة جديدة

تُكثف الحكومة العراقية تحركاتها الدبلوماسية باتجاه محيطها العربي، ولا سيما دول الخليج العربي، بالتزامن مع العد التنازلي لزيارة مرتقبة لرئيس الوزراء إلى واشنطن.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي الناطق باسم الحكومة حيدر العبودي (وكالة الأنباء العراقية)

الولايات المتحدة استأنفت شحنات النقد إلى بغداد

استأنفت الولايات المتحدة شحنات النقد إلى العراق بعد تأخرها، في مؤشر على دعم واشنطن لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي الذي من المتوقع أن يزور واشنطن هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد العبادي وبيرقدار يتصافحان بعد الاجتماع المنعقد في بغداد (وزراة النفط العراقية)

تركيا والعراق يقتربان من توقيع اتفاق لمد إمدادات النفط عبر خط «جيهان» لمدة عام

أعلن وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار أن تركيا والعراق باتا في المراحل النهائية لتوقيع اتفاقية جديدة بشأن خط أنابيب النفط الخام.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)

السلطات السورية تعلن كشف مخبأ للمتفجرات لخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»

الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
TT

السلطات السورية تعلن كشف مخبأ للمتفجرات لخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»

الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)
الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)

أعلنت السلطات السورية، الجمعة، أن التحقيقات مع أفراد الخلية المسؤولة عن تفجيري السابع من يوليو (تموز) في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قادت إلى كشف مخبأ للمتفجرات.

وكان مسؤول أمني قد أفاد بأن التحقيقات الأولية أظهرت ارتباط الخلية بتنظيم «داعش»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان تفجيران متزامنان بعبوتين ناسفتين، إحداهما داخل حاوية قمامة والثانية داخل سيارة مركونة على جانب الطريق، استهدفا، الثلاثاء، محيط فندق راقٍ أمضى فيه ماكرون ليلته خلال زيارته غير المسبوقة لدمشق.

أحد عناصر قوى الأمن السورية يمسك بعبوة ناسفة عثر عليها في مخبأ يتبع تنظيم «داعش» (الداخلية السورية)

وأعلن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق العميد أحمد الدالاتي، الجمعة، أن التحقيقات الأولية مع أفراد الخلية المتورطة بالتفجيرين أظهرت «تبعيتها لتنظيم داعش».

وأسفر التفجيران عن مقتل شخص وإصابة 36 بجروح، وفق وزارة الصحة، بعدما كان موكب الرئيس الفرنسي غادر الفندق في طريقه إلى القصر الرئاسي لإجراء محادثات مع نظيره السوري أحمد الشرع.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان، إن «التحقيقات المكثفة مع أفراد الخلية الإرهابية المسؤولة عن تفجيرات السابع من تموز بدمشق»، قادت «إلى الكشف عن مخبأ سري خصصته الخلية لتخزين المتفجرات تمهيداً لتنفيذ سلسلة من الهجمات الإرهابية».

عناصر من قوى الأمن السورية تستخدم كلاباً مدربة للبحث عن مخبأ متفجرات (الداخلية السورية)

وأضافت: «في عملية دقيقة، داهمت قوى الأمن الداخلي الموقع المحدد بعد اعترافات الخلية، وضبطت عدداً من العبوات الناسفة»، مشيرة إلى أن الفرق الهندسية تمكنت من «تفكيكها وإبطال مفعولها بأمان، وفق الإجراءات الفنية المعتمدة».

والخميس، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن «قوات الأمن العام اعتقلت عشرات من سكان حي عش الورور في مدينة دمشق، خلال حملة أمنية واسعة».

وحي عش الورور، الذي أعلنت وزارة الداخلية أنه كان من بين المواقع التي طالتها المداهمات في ريف دمشق، سبق أن شهد حوادث أمنية بعد الإطاحة بحكم الرئيس بشار الأسد.

مواد متفجرة وصواعق تفجير عثرت عليها قوى الأمن السورية في مخبأ يتبع تنظيم «داعش» (الداخلية السورية)

وقال أحد سكان الحي، طالباً عدم كشف اسمه، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الاعتقالات التي جرت، ليل الخميس الجمعة، لم تشمل، وفق علمه، أفراداً من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع، مشيراً إلى أن المداهمات استهدفت أشخاصاً آخرين في الحي.

ووقع تفجيرا دمشق بعد أقل من أسبوع من مقتل 10 أشخاص جراء تفجير عبوة ناسفة داخل مقهى في العاصمة السورية، لم تتبنه أي جهة.

ويتبنى تنظيم «داعش» بين الحين والآخر اعتداءات تطول قوات الأمن السورية خصوصاً، بعدما حضّ عناصره على قتال السلطات الجديدة عقب إطاحة الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.


عون ينعى محاولات ربط الملف اللبناني بمسار المفاوضات الإيرانية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يبحث مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل التحضيرات الجارية لتنفيذ ما ورد في صيغة الإطار في المناطق التجريبية (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يبحث مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل التحضيرات الجارية لتنفيذ ما ورد في صيغة الإطار في المناطق التجريبية (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون ينعى محاولات ربط الملف اللبناني بمسار المفاوضات الإيرانية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يبحث مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل التحضيرات الجارية لتنفيذ ما ورد في صيغة الإطار في المناطق التجريبية (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يبحث مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل التحضيرات الجارية لتنفيذ ما ورد في صيغة الإطار في المناطق التجريبية (الرئاسة اللبنانية)

نعى الرئيس اللبناني جوزيف عون محاولات ربط ملف لبنان بمسار المفاوضات الإيرانية، قائلاً: «أصبحنا الآن منفصلين عن الوضع الإيراني واتفاقية إسلام آباد»، وطالب بـ«إعطاء فرصة لـ(اتفاق الإطار)»، متهماً طهران وتل أبيب بمحاولة خربطة الأمور، كما أكد أنه إذا لم يتجاوب «حزب الله» مع الجهد المبذول لإنهاء الحرب في الجنوب «فسيتحمّل مسؤولية قراره ويثبت أن خياره إيراني وليس لبنانياً».

وتمضي الدولة اللبنانية بمسار التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية، بمعزل عن اعتراضات «حزب الله» الذي لم يتوقف عن مهاجمة «اتفاق الإطار»، وتأكيد تمسكه بسلاحه، في مقابل دعم دولي للمسار اللبناني، ودعم سياسي مسيحي للمسار نفسه، تجدد الجمعة بإعلان حزب «القوات اللبنانية» بأنه «لا حلّ آخر لدينا في الوقت الحاضر إلا المفاوضات».

وأكد عون في جلسة مع عدد من الإعلاميين، الجمعة، أن «خيار الحرب أثبت أن لا نتيجة منه»، وبالتالي خيار المفاوضات هو الأفضل بضمانة أميركية. وأوضح أن «الأهداف التي يضعها (حزب الله) هي ذاتها الأهداف التي طرحها لبنان في المفاوضات مع إسرائيل برعاية واشنطن»، محدداً هذه الأهداف بالانسحاب من الجنوب، واسترداد الجثامين، وإعادة الإعمار... إلا أنه قال: «الاختلاف هو في الوسيلة»، مكرراً أن «الحرب ليست خياراً جيداً». وطالب الجميع بـ«إعطاء فرصة لـ(اتفاق الإطار)»، محذراً من أن «رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو دائماً يريد أن يخربط الأمور»، وكذلك تفعل إيران.

مستقبل السلاح

ووجَّه الرئيس عون رسالة مباشرة حول مستقبل السلاح، قائلاً: «ما دام أن خيار الحزب هو إيراني فلن يكون هناك جدوى، فالأمور تُحلّ عندما يصبح خيار الحزب لبنانياً وليس إيرانياً». وأكد أنه «لا يمكن مقاربة موضوع الحزب بالقوة»، وشرح أن «الحزب ليس فقط سلاحاً، بل هو بيئة أيضاً»؛ لذلك «لا يمكن حل الأمور بهذه السهولة كما يتصور البعض». وأكد عون أنه إذا لم يتجاوب «حزب الله» مع الجهد المبذول لإنهاء الحرب في الجنوب فسيتحمّل مسؤولية قراره ويثبت أن خياره إيراني وليس لبنانياً.

لقاء عون - ترمب

وكشف عون عن أنه سيشرح للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي سيلتقيه في واشنطن في 21 يوليو (تموز) الحالي، «الواقع الحالي اللبناني الحقيقي في لبنان»، مؤكداً أن «الجانب الأميركي سيساعد الجيش اللبناني». كما أعلن أنه «سيطالب بمؤتمر دعم»، مشدداً «على أن الجميع مستعد لمساعدة لبنان بهذا الإطار». وعدّ أن دعوة الرئيس ترمب له لزيارة البيت الأبيض ستعطي «دفعاً إيجابياً»، مشيراً إلى أنه سيسافر «ليقول له وجهاً لوجه» ويشرح تاريخ لبنان منذ عام 1949 حتى اليوم.

وأكد أن الزيارة تمثل «فرصة ذهبية» للقول للإدارة الأميركية إن «مصداقية أميركا على المحك في تنفيذ (الاتفاق الإطاري)»، داعياً واشنطن إلى أن يكون لها «دافع كبير واهتمام أكبر» لإلزام الأطراف بالاتفاق.

كما شدد على أنه سيشرح في أميركا «كيف يجب أن يكون التعاون مع (حزب الله) للانتهاء من موضوع السلاح»، وليس الكلام عن «نزع السلاح»؛ لأنه «عملية شاقة وخاصة أن السلاح ليس موجوداً في ثكنات محددة والجميع يعلم مكانها، فهي مخبأة في كل مكان».

فصل المسارات

من جهة أخرى، كشف عون عن أن لبنان لم يسمّ ممثله في اللجنة المنبثقة من مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران بعد مفاوضات إسلام آباد في انتظار ورود طلب التسمية من الجانب الأميركي، لا سيما وأن إيران لم تسمّ ممثلها بعد.

وشدد على أنه والرئيسين سلام وبري «لا يريدون الفتنة ولا نريد الاقتتال الداخلي»، مؤكداً أنه «أصبحنا الآن منفصلين عن الوضع الإيراني واتفاقية إسلام آباد». لكنه عبّر عن «خوف من بعض الظروف التي تحيط بالمنطقة» إذا حصل أي نزاع سيكون له تأثير على الداخل اللبناني.

وبالانتقال إلى ملف الحدود، أكد الرئيس عون أن «النقاش في موضوع الحدود مع إسرائيل سيكون محصوراً فقط بالنقاط الثلاث عشرة المتنازع عليها»، كاشفاً عن أنه «أرسل إلى سوريا ملفاً بشأن الحدود أيضاً، لكنه ما زال في انتظار الرد».

التزام إسرائيل شرطاً

وفي السياق، أكد عون خلال لقائه وفداً من حزب «القوات اللبنانية» برئاسة رئيسه سمير جعجع، أنه «لن يتراجع» عن قرار التفاوض الذي اتخذه، «مع إصراري على أن تتضمن كل مواقفي توضيحات للشعب اللبناني حول أهمية المسار الذي نسير فيه، وتمسك لبنان بسيادته في كل الخطوات التي نقوم بها». وقال إن «صيغة الإطار ستعيد إلى لبنان حقوقه بالطرق الدبلوماسية، في حال التزام إسرائيل ببنودها ونجاح تنفيذها».

وشدد عون على أن «الأمور في طور الحلحلة تباعاً، وكل الانتقادات التي تستهدف هذا المسار، تنطلق من رغبة في إعادة الملف اللبناني ورقة بيد إيران».

رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع يدلي بتصريح بعد لقائه الرئيس عون (الرئاسة اللبنانية)

من جهته، أكد جعجع أنه «لا يمكننا القيام بأي شيء من دون قيام دولة فعلية في لبنان، وهذا يتطلّب أن يكون هناك جيش وسلاح واحد». وأشار إلى أن «هناك دولة لبنانية ممثلة برئيسَي الجمهورية والحكومة نواف سلام هي من تقرّر ماذا تفعل في المواضيع المصيريّة وما يتعلق بالوجود الإسرائيلي، وليس أيّ حزب آخر»، موضحاً أننا «تمنّينا على الرئيس عون الاستمرار باتفاق الإطار» و«ما حداً منّا مغروم بالاتفاق»، ولكن «لا حلّ آخر لدينا في الوقت الحاضر إلا المفاوضات».

ورداً على سؤال عن أن «الدولة تتخذ قرارات أحاديّة»، قال: «هكذا يجب أن تفعل، فليس (الحزب) من يقرّر ما يجب أن تفعله الدولة».

رفض «حزب الله»

في المقابل، أعلن عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب حسين الحاج حسن أن «هذا الاتفاق أملته أميركا على إسرائيل وعلى السلطة في لبنان التي لا تمتلك أي خبرة في التفاوض والعلاقات الدولية، وهمّها فقط البقاء في السلطة».

وأكد أن «السلطة في لبنان لا تستطيع أن تقول إنها تمثل الناس في هذه الأوقات، فهي تمثل جزءاً من اللبنانيين وليس أجمعهم، ونحن لا نتحدث عن بيئة الثنائي الوطني (حزب الله وحركة أمل)، وإنما باتت هناك قوى سياسية كبيرة تتحدث بالإعلام عن هذا الاتفاق الذي يتباهى به من في السلطة». وقال: «إنهم يهددون المقاومة وشعبها باستقدام قوات أجنبية لتساعدهم بنزع السلاح، ولكن لن يستطيعوا ومعهم القوات الأجنبية أن ينزعوا سلاح المقاومة».


إسرائيل تقصف في الشمال السوري وأنقرة تنصب بطاريات صواريخ في مطار دمشق

قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
TT

إسرائيل تقصف في الشمال السوري وأنقرة تنصب بطاريات صواريخ في مطار دمشق

قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

في أعقاب التصريحات الرسمية ضد تركيا ورئيسها رجب طيب إردوغان، حذرت أوساط أمنية وخبراء استراتيجيون الحكومة الإسرائيلية ورئيسها، بنيامين نتنياهو، من مغبة فتح جبهة حربية ثامنة لخدمة مصالحه الحزبية الانتخابية، وأوضحوا له أن «تركيا ليست دولة لبنان ولا سوريا ولا إيران، وتحويلها إلى عدو مغامرة ستكون كلفتها باهظة».

وقال المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هاريئيل، إن تصعيد الخطاب تجاه تركيا «غير ضروري، وزائد ومبالغ فيه، ويأتي ضمن أجواء سياسية وأمنية متوترة، مع اقتراب الانتخابات»، وسط اتهامات للحكومة بالسعي إلى إبراز التهديدات الخارجية وتعزيز صورة نتنياهو في الملف الأمني.

نتنياهو في مرتفعات جبل الشيخ (أ.ف.ب)

وكان نتنياهو قد صرح، الجمعة والخميس، لوسائل إعلام عبرية، بأنه يسعى إلى «الحفاظ على التفوق الجوي الإسرائيلي، بوصفه أمراً حيوياً وضرورياً لمواجهة المحاور الجديدة»، وذلك في إشارة إلى تركيا.

وخلال كلمة ألقاها في حفل تخريج طيارين في سلاح الجو الإسرائيلي، ألمح إلى التوترات الشديدة مع تركيا، وإلى إمكانية بيع الولايات المتحدة مقاتلات «إف-35» إلى أنقرة، وقال في هذا السياق إن «هناك محاور تسقط ومحاور أُخرى تنشأ، والحرب لم تنتهِ بعدُ، وهناك تحديات جديدة». وشدد على أن «الحفاظ على التفوق الجوي ركن أساسي من أركان عقيدة الأمن القومي»، عاداً ذلك «مفتاحاً للحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط المضطرب، ونحقق ذلك من خلال التطوير المستمر للأفراد والآلات على حد سواء».

وجاءت أقوال نتنياهو بعدما أعرب هو وغيره من المسؤولين في تل أبيب عن القلق من احتمال أن يوافق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف-35» وتزويدها بأسلحة أخرى حساسة.

وتتركز المخاوف الإسرائيلية حول توسّع الدور التركي في المنطقة، خصوصاً في سوريا. وحسب مصادر عسكرية، فإن لتركيا في سوريا ألوية وفرقاً، وقريباً ستبدأ أيضاً بنشر منظومات رادار مع بطاريات صواريخ متطورة في مطار دمشق الدولي.

قوات تركية في شمال سوريا (أرشيفية - الدفاع التركية)

وحسب أحد المسؤولين فإنه «ليس سراً أن سوريا، التي ما زالت حتى الآن فارغة من منظومات دفاع جوي، تمثل ممراً لسلاح الجو الإسرائيلي نحو إيران. أما نشر منظومات كشف تركية، فسيسد هذا المسار ويحرم إسرائيل من القدرة على مفاجأة إيران».

وقال الخبير الاستراتيجي أرئيل: «الأنباء الأكثر سوءاً بالنسبة لنا وفرها ترمب هذا الأسبوع من أنقرة. فالصداقة الجديدة والحبيبة مع إردوغان تمثل صعود المحور الجديد في الشرق الأوسط: حلف (الإخوان المسلمين) - تركيا وقطر على الرأس وسوريا و(حماس) في الخلف. بعد حربين ضد إيران، بقي المحور الشيعي على حاله وإلى جانبه حصلنا على محور قوي ومقلق بقدر لا يقل عنه. سوريا هي تفويت ذريع للفرصة من جانب حكومتنا العمياء. عندما استولى أحمد الشرع على الحكم، سعى للتقرب من إسرائيل، انطلاقاً من الإيمان بأننا نحوز المفاتيح لواشنطن. أراد اتفاقاً حتى لو كان يسمح للجيش الإسرائيلي بالبقاء في سوريا، وإسرائيل تجاهلت. وبالغ وزير الدفاع المحرج خاصتنا، الذي صعد إلى كل قمة تغطيها الثلوج في سوريا، كي يعلن أننا لن ننسحب منها أبداً. وبينما يغرق نتنياهو ووزراؤه في الخيالات، عن كيف سيهودون كل تلة، فهم الشرع أن المفتاح لواشنطن يوجد في أنقرة... فتح الباب لإردوغان، واليوم تركيا هي التي تبني الجيش السوري وتزوده بالعتاد. ذلك الجيش الذي دمرناه قبل سنة ونصف السنة».

لقاء الرئيس ترمب ونظيره السوري أحمد الشرع خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة قادة «الناتو» في مجمع بستيبي الرئاسي في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)

وقال المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»، ألون بن دافيد، إن النشاط العسكري التركي في سوريا وصفة للاحتكاك بيننا وبين الأتراك. أنا لست ممن يتوقعون صداماً عسكرياً بين تركيا وإسرائيل. فمن الصعب أن نتخيل عضواً في الناتو يشن حرباً على إسرائيل. لكن في الاحتكاك العسكري توجد مخاطرة، ومع الأخذ في الحسبان الحليف الجديد للرئيس الأميركي، ليس مؤكداً أن يحل الاحتكاك في صالحنا. على مدى أكثر من سنتين ونصف السنة أظهرت إسرائيل قوتها في المنطقة وكانت مبهرة لكنها لم تحقق الحسم، بغياب تفكير سياسي يرافقها. تركيا، مع خطابها العنيد واللاسامي، هي دولة معادية لكن محظور علينا أن نجعلها عدواً لدوداً».

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو (رويترز)

وأضاف: «بعد نحو ثلاث سنوات تحدثت فيها إسرائيل بلغة القوة التي لم تحل أياً من مشاكلنا الأمنية، فإننا ملزمون بأن نعيد تكييف خطابنا الدبلوماسي. محور (الإخوان المسلمين) أصبح أمراً واقعاً، وهو مدعوم، لأسفنا، من الرئيس الأميركي. نحن ملزمون بأن نجد الطريق للحديث مع هذا المحور، إذ مثلما فهم كل إسرائيلي له عينان في رأسه: توجد حروب لا يمكن الانتصار فيها».