الحكومة العراقية تختبر حدود نفوذها في «حصر السلاح»

«الحشد» يتسلم معتقلاً من «النجباء»... و«كتائب حزب الله» تتوعد الزيدي

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

الحكومة العراقية تختبر حدود نفوذها في «حصر السلاح»

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

بدا أن الحكومة العراقية اختبرت، عبر اعتقال قيادي في «حركة النجباء» ثم تسليمه إلى أمن «هيئة الحشد الشعبي»، حدود قدرتها على فرض مسار حصر السلاح بيد الدولة، قبل أن تخفف حدة المواجهة في خطوة قد تعكس رغبتها في تجنب صدام أوسع مع الفصائل المسلحة.

وألقت قوة من «جهاز مكافحة الإرهاب»، الاثنين، القبض على عباس حسين اليعقوبي، مسؤول استخبارات «النجباء» وأحد مسؤولي «الحشد الشعبي»، في محافظة ذي قار، بموجب مذكرة قضائية، للاشتباه في تورطه بهجمات استهدفت الوجود والمصالح الأميركية في العراق.

ولم تعلن السلطات القضائية، حتى الآن، سبب اعتقال اليعقوبي أو التهم الموجهة إليه.

لكن «هيئة الحشد الشعبي» أعلنت في وقت لاحق تسلم اليعقوبي، وقال مسؤول الإعلام فيها، مهند العقابي، إن القيادي سُلّم إلى المديرية العامة لأمن «الحشد»؛ لـ«متابعة إجراءاته القانونية مع القضاء»، دون أن تفصح عن تفاصيل القضية.

ويوحي انتقال المعتقل من «جهاز مكافحة الإرهاب» إلى «أمن الحشد» بأن الحكومة، بعدما أظهرت استعدادها لاستخدام أجهزتها الأمنية ضد شخصية بارزة في فصيل مسلح، اختارت احتواء الموقف قبل أن يتحول إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل، خصوصاً في ظل التهديدات التي صدرت بحق رئيس الوزراء علي الزيدي.

وتقول تقارير محلية إن اليعقوبي مسؤول عن أمن مناطق حزام بغداد الجنوبي.

و«حركة النجباء» من الفصائل الموالية لإيران، وترفض حتى اليوم خطة الحكومة العراقية حصر السلاح بحلول 30 سبتمبر (أيلول) المقبل.

وقال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، إن اعتقال اليعقوبي تم بأمر قضائي، وإن الحكومة ستتعامل وفق القانون مع من يمتنع عن حصر السلاح بيد الدولة، في رسالة تؤكد مبدأ سلطة الدولة على السلاح، وفق تصريحات بثتها وسائل إعلام عراقية.

لكن الحكومة لم تدفع المواجهة إلى نهايتها. فبدلاً من إبقاء القيادي لدى «جهاز أمني تابع للدولة»، انتهى به الأمر لدى «جهاز أمن الحشد الشعبي».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

اختبار للقوة

كان الاعتقال أبرز اختبار حتى الآن لمساعي حكومة الزيدي إلى فرض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف شديد الحساسية في العراق؛ بسبب ارتباط عدد من الفصائل المسلحة بقوى سياسية نافذة وامتلاكها قدرات عسكرية مستقلة عن المؤسسات الأمنية التقليدية.

وقال مسؤول في «حركة النجباء» إن اعتقال «مسؤول استخبارات الحركة» يمثل «تصعيداً خطيراً» من جانب رئيس الوزراء، متوعداً بموقف من قِبل «الحركة» خلال ساعات.

جاء ذلك بعد تهديد صدر من «كتائب حزب الله» بحق رئيس الوزراء، الأمر الذي دفع بزعيم «منظمة بدر»، هادي العامري، إلى الدعوة للتهدئة بين الحكومة و«فصائل المقاومة».

وحذر العامري من «الاجتهادات المتسرعة وغير المدروسة أو المستفزة»، داعياً جميع الأطراف إلى تجنب اللغة المتشنجة وسوء تقدير الموقف.

من جهته، وجّه المسؤول الأمني في «كتائب حزب الله»، أبو مجاهد العسّاف، الثلاثاء، تحذيراً شديد اللهجة إلى رئيس الحكومة علي الزيدي، متهماً إياه بـ«ترويع عوائل المجاهدين» عبر مداهمة المنازل بإشراف أميركي مباشر، واضعاً 3 شروط رئيسية، هي: «الخروج الكامل والحقيقي للأميركان، وإخراج القوات التركية من شمال العراق، وحل قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان»، لنزع فتيل الأزمة وعلاج ما وصفها بـ«عنتريات هذا الشاب» بوصف ذلك قاعدة لأي تقارب أو تنظيم عمل مستقبلي مع الحكومة.

وكانت تقارير عراقية أفادت بأن «جلسة استثنائية جرت بين الزيدي ونواب أعضاء في لجنة الأمن والدفاع بشأن قانون حصر السلاح، شهدت اعتراضات ودفاعاً عن الفصائل وتساؤلات بشأن طريقة التعامل مع السلاح وأين سيذهب مقاتلو الفصائل وعائلاتهم».

وتكشف هذه المواقف عن أن الحكومة لا تتحرك في فراغ سياسي؛ فأي محاولة لفرض احتكار كامل للسلاح يمكن أن تتحول سريعاً من إجراء قانوني إلى أزمة أمنية وسياسية أوسع.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

«عزلة العراق»

وقال العبودي إن الحكومة تسعى إلى تجنيب العراق مزيداً من التداعيات، مشيراً إلى أن البلاد كادت تتعرض لعزلة بسبب ملف السلاح.

وقد يكون هذا التوازن مقصوداً: إثبات أن الحكومة قادرة على تنفيذ أوامر قضائية حتى عندما تطول شخصية بارزة في فصيل مسلح، ثم احتواء تداعيات الخطوة قبل أن تتسع دائرة المواجهة.

وتزداد حساسية التوقيت مع اقتراب انتهاء مهمة «التحالف الدولي» في العراق. وقال العبودي إن «التحالف» يسرع إجراءاته لإنهاء مهمته في نهاية سبتمبر المقبل، بينما يولي رئيس الوزراء اهتماماً خاصاً لتعزيز قدرات الدفاع الجوي.

وفي مؤشر آخر على تفضيل المسار السياسي على المواجهة المفتوحة، قال رئيس «ائتلاف دولة القانون»، نوري المالكي، الثلاثاء، إن «الإطار التنسيقي» شكّل لجنة ستبدأ قريباً العمل بالتنسيق مع الحكومة لوضع آليات لتنفيذ حصر السلاح بيد الدولة.

وشدد المالكي، خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى العراق، جوشوا هاريس، على أن معالجة الملف يجب أن تكون عبر الحوار والتفاهم، وأن الدولة ومؤسساتها الدستورية هي المرجعية في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية.

وأشاد هاريس بدور المالكي في دعم الاستقرار والتفاهمات السياسية، مؤكداً أهمية استمرار التعاون والتنسيق بين بغداد وواشنطن.

اختبار أول

بذلك؛ يبدو أن الحكومة العراقية تحاول إدارة معادلة دقيقة: تأكيد أن الدولة هي صاحبة القرار الأمني، من دون دفع الفصائل المسلحة إلى الاعتقاد أن الهدف هو نزع سلاحها بالقوة أو الدخول معها في مواجهة شاملة.

وقد يكون اعتقال اليعقوبي قد حقق للحكومة جانباً من هذا الهدف، بإظهار استعدادها لاستخدام أدوات الدولة، فيما سمح تسليمه إلى أمن «الحشد» بفتح مخرج يحول دون تحول الاختبار الأول للقوة إلى مواجهة أكبر.

وفي بلد ما زالت فيه الحدود بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة موضع شد وجذب، قد تكون الرسالة الأهم من الواقعة أن بغداد تريد فرض قواعد جديدة للسلاح، لكنها لا تزال مضطرة إلى اختبار تلك القواعد تدريجياً، خطوة بعد أخرى، لتجنب تكلفة صدام لا يبدو أي من الأطراف مستعداً لتحملها.


مقالات ذات صلة

فصائل عراقية تضع «قائمة شروط» لحصر السلاح

المشرق العربي صورة متداولة لأحد عناصر الفصائل العراقية المسلحة (إكس)

فصائل عراقية تضع «قائمة شروط» لحصر السلاح

ينشط قادة بارزون في تحالف «الإطار التنسيقي» بالعراق، بالحديث عن «قائمة شروط» مقابل الانضمام إلى خطة حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل.

فاضل النشمي (بغداد)
خاص رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في بغداد يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

خاص الحكومة العراقية لـ«الشرق الأوسط»: الزيدي لن يستقيل... وحصر السلاح مسار قانوني

قال المتحدث باسم الحكومة العراقية إن رئيس الوزراء علي الزيدي «لا ولن يفكر في الاستقالة» بسبب ضغوط سياسية، مؤكداً أن حصر السلاح يعالج عبر قنوات قانونية.

علي السراي (لندن)
المشرق العربي رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف باكياً في النجف العراقية يوم الجمعة عند قبر أبو مهدي المهندس الذي قُتل إلى جانب قاسم سليماني في غارة أميركية في يناير 2020 (رويترز)

بغداد تتراجع ضمنياً عن موعد حصر السلاح

أظهرت الحكومة العراقية، الجمعة، شيئاً من التراجع عن موعد «حصر السلاح بيد الدولة» المقرر سلفاً في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
خاص رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عند مدخل المجلس (موقع المجلس)

خاص مصادر: زيارة قاليباف إلى بغداد لم تحقق «كامل أهدافها»

أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارته إلى بغداد، دعم بلاده وضع إطار قانوني ينظم السلاح ويجعله تحت إمرة رئيس الحكومة علي الزيدي.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

خاص قاليباف يناقش في بغداد خطة إيرانية لـ«إخفاء» سلاح الفصائل

قالت مصادر عراقية متطابقة إن زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، الأربعاء، تتجاوز الطابع البرلماني المعلن، وتركز على ملفات سياسية وأمنية.

حمزة مصطفى (بغداد)

إلغاء «نواب الزيدي» يعيد حسابات الوزارات الشاغرة في بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)
TT

إلغاء «نواب الزيدي» يعيد حسابات الوزارات الشاغرة في بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

أُفيدَ في بغداد، الأربعاء، بأن التحالف الحاكم اضطر إلى إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء بسبب خلافات وصعوبات تتعلق بملف «حصر السلاح»، في حين تحدثت مصادر عن توجه لإعادة احتساب الحصص الانتخابية للوزارات الشاغرة المتبقية.

ومنذ منح البرلمان العراقي حكومة علي الزيدي الثقة في 15 مايو (أيار) 2026، لـ14 وزارة من أصل 23، تمنع خلافات سياسية من شغل 9 حقائب؛ أبرزها الداخلية والدفاع.

إلا إن المعضلة الأعقد كانت محاولة قوى داخل «الإطار» استحداث 4 نواب لرئيس الحكومة، كان في مقدمتها حركة «عصائب أهل الحق» التي دفع رئيسها قيس الخزعلي بشقيقه ليث الخزعلي ليكون أحد نواب الزيدي.

وقالت مصادر موثوقة، لـ«الشرق الأوسط»، إن حركة «العصائب» كانت تطمح إلى الحصول على المنصب بعدما وافقت رسمياً على خطة «حصر السلاح»، إلا إن اعتراضات أميركية حالت دون ذلك.

وقالت المصادر إن «هناك نوعاً من اختبار القوة بين الزيدي وقوى (الإطار التنسيقي) بسبب التداخل بين إكمال الحقائب الوزارية و(حصر السلاح) بيد الدولة»، مشيرة إلى أن «إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء يفتح باب المقايضة بين الطرفين ويدفع بالجميع إلى إعادة احتساب نقاط الوزارات».

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد بأن إكمال الكابينة الحكومية بدأ التعثر مع تراجع قوى سياسية عن خطة «حصر السلاح».

وكان الزيدي قد جعل «حصر السلاح» بيد الدولة أحد محاور برنامجه الحكومي، قبل أن تنضم «عصائب أهل الحق»، إلى جانب فصائل أخرى، إلى التسوية؛ أملاً في أن يساعد ذلك على تخفيف الضغوط الدولية عنها وفتح المجال أمام مشاركتها السياسية والتنفيذية.

وأوضحت المصادر أن «الاجتماع الأخير» لـ«الإطار التنسيقي» شهد تقاطعا حاداً بين قادة أحزاب منضوية في التحالف؛ بين تيار يرفض استحداث مناصب نواب رئيس الوزراء، وآخر يصر عليها»؛ مما حال دون إصدار بيان صحافي عقب الاجتماع.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماعاً لـ«الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

كواليس وحوارات

وأجرى رئيس الوزراء، علي الزيدي، خلال الأيام القليلة الماضية سلسلة لقاءات مع عدد من قادة «الإطار التنسيقي» محاولاً التوافق على إكمال الكابينة الحكومية، خصوصاً بعد أن أنهت حكومته مائة يوم من عمرها.

ونقلت شخصيات مقربة من مكتب الزيدي أنه «طالب قيادات التحالف الحاكم بمواصلة دعم الحكومة في إكمال الملفات العالقة حتى الآن، ومنها (حصر السلاح) و(مكافحة الفساد)، إلى جانب إكمال الكابينة الحكومية، بصرف النظر عن الخلافات بشأن نواب الرئيس أو إعادة احتساب النقاط لكل وزارة».

ويقر النظام السياسي في العراق عرفاً لتوزيع الوزارات على القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، يقضي باحتساب نقاط لكل حقيبة وزراية وفقاً لعدد مقاعد الحزب في البرلمان.

من جانبه، قال الباحث في الشؤون القانونية والتشريعية سيف السعدي لـ«الشرق الأوسط» إن «إلغاء مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء سيرفع رصيد الوزارات المتبقية مع إمكانية وصول الوزارة السيادية إلى ما بين 15 و20 نقطة، والوزارات الخدمية إلى ما بين 10 نقاط و12 نقطة».

وتوقع السعدي «حسم وزارتين أو ثلاث، بينما تدار البقية بالوكالة بسبب عوامل خارجية وأخرى داخلية»، مشيراً إلى أن «الولايات المتحدة ترفض عبر قنوات مختلفة تولي شخصيات من الفصائل أي مناصب حكومية رفيعة، بينما يؤخر التنافس بين القوى الشيعية حسم المرشحين المؤهلين للحقائب الشاغرة».


قتيل في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

دخان يتصاعد من موقع انفجار إسرائيلي في منطقة المنصوري جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع انفجار إسرائيلي في منطقة المنصوري جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
TT

قتيل في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

دخان يتصاعد من موقع انفجار إسرائيلي في منطقة المنصوري جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع انفجار إسرائيلي في منطقة المنصوري جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

قُتل شخص، الأربعاء، بغارة إسرائيلية على دراجة نارية في جنوب لبنان، وفق ما أفادت به «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية، في سياق تصعيد إسرائيل ضرباتها رداً على ما تقول إنه خرق متكرر من «حزب الله» لوقف معلن لإطلاق النار.

وكثّفت إسرائيل غاراتها على المنطقة منذ إعلانها الأسبوع الماضي السيطرة على مرتفعات «علي الطاهر» قرب مدينة النبطية، إحدى كبرى مدن جنوب لبنان، حيث منشأة عسكرية تابعة لـ«حزب الله». وأسفرت الغارات خلال ثلاثة أيام عن مقتل ما لا يقل عن 28 شخصاً، بينهم 12 شخصاً من عائلة واحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، على لسان المتحدث باسمه، أمس (الثلاثاء)، عن «قلقه البالغ إزاء تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، لا سيما في النبطية ومحيطها»، مندداً ﺑ«ازدياد أعداد الضحايا المدنيين» من نساء وأطفال.

وأوردت الوكالة الوطنية: «نفّذت مسيّرة معادية غارة بصاروخ موجّه مستهدفةً دراجة نارية على طريق مرج حاروف - زبدين» القريب من مدينة النبطية، مضيفةً أن الضربة أدت إلى مقتل شخص.

قبل التصعيد الأخير، تراجعت وتيرة العنف منذ تفاهم إسلام آباد الذي توصلت إليه طهران وواشنطن في يونيو (حزيران)، بالتوازي مع اتفاق إطار نتيجة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي يرفضها «حزب الله»، فضلاً عن رفضه تسليم سلاحه.

لكن إسرائيل تواصل احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان، حيث أعلنت إقامة «منطقة أمنية» يصل عمقها إلى عشرة كيلومترات على طول حدودها، وتنفيذ ضربات وعمليات هدم ونسف ضخمة.

في المقابل، لم يعلن الحزب المدعوم من طهران تنفيذ عمليات منذ يونيو.

واتهمت إسرائيل، الاثنين، «حزب الله» بانتهاك وقف إطلاق النار «بشكل متكرر» سعياً لإعادة بناء قدراته العسكرية، مؤكدةً أن «هذه الانتهاكات لن تُقبل».

وأتاح تراجع وتيرة العنف لعشرات آلاف النازحين من جنوب لبنان العودة إلى منازلهم، لكن التصعيد الأخير دفع بعض من تبقى من سكان من منطقة النبطية إلى مغادرتها.

وطالب نحو 400 موقّع على عريضة باسم «نداء النبطية» من ناشطين وحقوقيين «بانتشار الجيش والقوى الأمنية» في المدينة ومحيطها «وتولّي الدولة المسؤولية الكاملة عن أمنها».

ودعوا إلى «إطلاق تحرك سياسي ودبلوماسي عاجل، عربياً ودولياً، لوقف الاعتداءات ومنع اتّساع الاحتلال»، مؤكدين أن «النبطية ليست متراساً لأي محور، ولا ملكاً لأي جماعة سياسية» في إشارة إلى «حزب الله».

وأكّد الجيش اللبناني في بيان الثلاثاء، أن وحداته «منتشرة في جميع المناطق التي لا وجود فيها للاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً منطقة النبطية».

وامتدت الحرب في الشرق الأوسط إلى لبنان اعتباراً من الثاني من مارس (آذار)، بعد إطلاق «حزب الله» الحليف لطهران، صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الغارات الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).


هل تتحول جلسة مناقشة الحكومة اللبنانية إلى مساءلة لـ«حزب الله»؟

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام الثلاثاء (إعلام البرلمان)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام الثلاثاء (إعلام البرلمان)
TT

هل تتحول جلسة مناقشة الحكومة اللبنانية إلى مساءلة لـ«حزب الله»؟

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام الثلاثاء (إعلام البرلمان)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام الثلاثاء (إعلام البرلمان)

طرحت دعوة رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري النواب إلى مناقشة حكومة الرئيس نواف سلام في جلسة تُعقد يومي الثلاثاء والأربعاء 15 و16 سبتمبر (أيلول) الجاري، مجموعة من الأسئلة محفوفة بالمخاطر لئلا تتحول من مساءلة الحكومة ومناقشتها على أفعالها، إلى مساءلة «حزب الله».

وحدوث هذا الأمر يرفع من منسوب الاحتقان السياسي، ما لم يبادر بري إلى تشغيل محركاته لضبط أداء النواب وإبقائه تحت سقف التهدئة للحؤول دون إقحام البرلمان في اشتباك سياسي، هو في غنى عنه وتصعب السيطرة عليه ويضطر لرفع الجلسة.

المساءلة الأولى

فدعوة بري النواب لعقد جلسة تخصص لمناقشة حكومة سلام ومساءلتها، تعد، كما يقول مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط»، الأولى منذ تشكيلها.

وهذا ما يشغل بال الكتل النيابية من تحوّلها إلى جلسة لمحاكمة «حزب الله»، بالمفهوم السياسي للكلمة، ومساءلته على مواقفه؛ بدءاً من إصراره على الاحتفاظ بسلاحه ورفض حصريته بيد الدولة، مروراً بامتناعه عن تسليم تلال «علي الطاهر» إلى الجيش اللبناني لتفويت الفرصة على إسرائيل لوضع اليد عليها كما حصل.

ويتردد أن إسرائيل تخطط حالياً للتمدد إلى التلال الواقعة بين إقليم التفاح وجبل الريحان، وصولاً إلى مشارف مدينة جزين.

جلسة عامة لمجلس النواب عُقدت في أغسطس الماضي (إعلام البرلمان)

وسأل المصدر النيابي: كيف سيكون عليه الوضع فور انفضاض الجلسة إذا أدت إلى تعميق الهوّة بين الأكثرية النيابية المؤيدة لـ«اتفاق الإطار» وبين «الثنائي الشيعي» الداعم لـ«مذكرة التفاهم» الإيرانية - الأميركية؟

وهل يتحمل البرلمان عبء تصاعد وتيرة الخلاف الذي سينعكس حتماً على الشارع، بدلاً من استيعابه لتقطيع الوقت بأقل الأثمان السياسية إلى حين إجراء انتخابات الكنيست في إسرائيل في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، نظراً لإصرار رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو على عدم تقديمه التسهيلات لتطبيق «اتفاق الإطار» إلا إذا نجحت الولايات المتحدة الأميركية، كونها راعية الاتفاق، بالضغط عليه لإحداث خرق في الجولة الثامنة من المفاوضات التي لم يُحدد موعد انعقادها في روما حتى الساعة؟

وضع الجنوب معلّق

ولم يستبعد المصدر أن يبقى الوضع المشتعل في الجنوب معلقاً إلى ما بعد إجراء انتخابات الكنيست، فيما يصر نتنياهو على توسيع المنطقة الأمنية التي يحتلها جيشه، وتقع في جنوب نهر الليطاني، بضم مواقع إليها، هي كناية عن مجموعة من التلال تقع في شمال نهر الليطاني، فيما آمال «الثنائي» معقودة على «مذكرة التفاهم» الإيرانية - الأميركية التي بدأت تتراجع ولم يعد في وسعه الرهان عليها مع تصاعد وتيرة الاشتباك السياسي والعسكري بين الطرفين الموقّعين عليها، إضافةً إلى أن واشنطن ليست في وارد الموافقة على ربط المسار اللبناني بإيران، وبالتالي فإن رهانه لن يُصرف سياسياً.

وسأل أيضاً: ماذا سيقول نواب «حزب الله» في ردهم على زملائهم ممن يدورون في فلك «الإطار»، وهم أكثرية في البرلمان، وتحديداً بالنسبة إلى امتناع الحزب عن تسليم تلال «علي الطاهر» للجيش؛ آخذاً بالنصائح المحلية والخارجية التي أُسديت إليه، بدلاً من أن تسيطر عليها إسرائيل في مواصلة اعتداءاتها وخروقها، وكأن الحرب الجارية الآن هي من جانب واحد، فيما الحزب يلتزم عدم الرد؟

الحزب تجاهل سقوط «علي الطاهر»

ولاحظ المصدر أن «حزب الله» يغيب عن أي موقف يتعلق بالأسباب التي تبرر عدم وضعه التلال بعهدة الجيش أو بتصرف «أخيه الأكبر»، أي بري، بوصفه الأقدر على التفاوض وتدوير الزوايا. وهذا ما عكسته كتلة «الوفاء للمقاومة»، في بيانها بعد اجتماعها الأسبوعي الأخير، إذ تجاهلت سيطرة الجيش الإسرائيلي على «علي الطاهر»، مجددةً الحملة على رئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام بعبارات لا تخلو من التهديد واتهامهما بالانسياق وراء المشروع الأميركي.

حتى إن الحزب، حسب المصدر، آثر عدم تبنّيه المسيّرتين اللتين أُطلقتا على موقع للجيش الإسرائيلي، وردّت عليه تل أبيب بتحميله مسؤولية إطلاقهما واتهامه بخرق وقف النار لتبرير غاراتها التي استهدفت النبطية التحتا والفوقا والبلدات الواقعة على مقربة من قلعة الشقيف، امتداداً إلى أخرى تقع في قضاء النبطية.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (أرشيفية - د.ب.أ)

ولفت إلى أن الحزب يرفض حتى الساعة الرد على الاعتداءات والخروق الإسرائيلية بذريعة أنه يلتزم بوقف النار.

وهذا يعني من وجهة نظر خصومه أنه لم يعد له من مبرر للدفاع عن احتفاظه بسلاحه ما دام لا يستخدمه للرد عليها. وقال إنه يستغرب عدم وضع سلاحه بتصرف بري ما دام باقياً على تفويضه له ولا يتفهّم الأسباب التي تملي عليه ربط المسار اللبناني بـ«مذكرة التفاهم»، رغم أن هناك صعوبة في تطبيقها ما لم تسلّم طهران بالشروط التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب أساساً لمعاودة المفاوضات بتنشيط الوساطات في هذا الخصوص.

مخاوف بري

وأكد أن مخاوف بري من لجوء إسرائيل إلى توسعة المنطقة الأمنية بضم النبطية الفوقا والتحتا والبلدات المجاورة لهما، هي في محلها، وهذا ما يكمن وراء مطالبته بتعزيز انتشار الجيش في هذه الأماكن وتسيير دوريات واستحداثه نقاطاً ثابتة، مما يضع تل أبيب في مواجهة مباشرة مع الدولة في حال قرر نتنياهو السيطرة عليها.

فقلق بري من توسيع إسرائيل للمنطقة الأمنية كان حاضراً في اجتماعه بسلام واتصاله بقائد الجيش العماد رودولف هيكل وقيادة قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل»، إضافةً إلى طلبه تفعيل وجود الدولة بكل أجهزتها الإدارية والأمنية في النبطية، عاصمة جبل عامل، مع أن الجيش لم ينسحب من البلدات غير المحتلة ويوجد فيها بكثافة، لأن غيابه عنها سيرفع من منسوب المخاوف لدى سكانها.

تعزيز حضور الدولة

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تعزيز حضور الدولة في النبطية على المستويات كافة يشكل عامل اطمئنان لسكانها والبلدات المحيطة بها للحؤول دون نزوحهم مجدداً إلى أماكن آمنة، خصوصاً أن التهديدات الإسرائيلية كانت وراء نزوح مئات العائلات إلى إقليم الخروب في قضاء الشوف، وهذا ما يفسر ارتفاع عددها على نحو يقارب العدد في موجة النزوح الأولى.

وعليه فإن الهواجس من تحويل جلسة مناقشة الحكومة إلى مساءلة «حزب الله» ومحاكمته، بالمفهوم السياسي للكلمة، هي في محلها، ويبقى الرهان على تدخل «الإطفائي»، أي بري، لنزع فتيل التفجير الذي يهدد الجلسة ويتطلب منه القيام بجهد فوق العادي لعله ينجح في تهدئة الأجواء قبل دخول النواب إلى قاعة الجلسة، خصوصاً أنها لن تبدل من واقع الحال ما دامت الحكومة باقية ويصعب استبدالها في ظل موازين القوى التي تميل لصالحها، إلا في حال حصول مفاجأة ليست في الحسبان.