اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين تضاعفت أكثر من 5 مرات

أدلة إضافية على تورط الحكومة والجيش بدعمهم... والتستر على مشاريع الاستيطان

فلسطينيون يحاولون إخماد حريق أشعله مستوطنون في حقول قمح بقرية سالم شرق نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحاولون إخماد حريق أشعله مستوطنون في حقول قمح بقرية سالم شرق نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم الجمعة (أ.ف.ب)
TT

اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين تضاعفت أكثر من 5 مرات

فلسطينيون يحاولون إخماد حريق أشعله مستوطنون في حقول قمح بقرية سالم شرق نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحاولون إخماد حريق أشعله مستوطنون في حقول قمح بقرية سالم شرق نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم الجمعة (أ.ف.ب)

بعد أن حاولت وزارة الأمن الداخلي، بقيادة الوزير إيتمار بن غفير، حجب المعطيات الرسمية طيلة الشهور الماضية، اضطرت إلى كشفها، الأربعاء، ويتضح منها أن اعتداءات المستوطنين التي تتخذ طابعاً إرهابياً تضاعفت أكثر من خمس مرات في ظل الحروب التي خاضتها الحكومة على غزة، ولبنان، وإيران، وسوريا، وغيرها.

وبحسب بيانات الشرطة، فقد تم فتح 139 ملفاً من هذه الاعتداءات التي تسمى لديها «جرائم قومية ضد الفلسطينيين» في العام 2019. لكن هذا العدد قفز إلى 779 ملفاً في العام 2025، أي بزيادة بنسبة 560 في المائة.

وزادت وتيرة الاعتداءات أكثر في سنة 2026، والأسوأ من ذلك هو أنه لم تقدم إلا 52 لائحة اتهام فقط، وهي تشكل 6 في المائة من إجمالي ملفات التحقيق التي فتحت.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون في حقل بينما يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال مسؤول أمنى رفيع المستوى لصحيفة «هآرتس» إن ازدياد أحداث العنف هو بسبب انتشار المزارع والبؤر الاستيطانية غير القانونية. وأفاد مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى للصحيفة بأن «الحكومة والجيش ليسا بريئين من هذه الاعتداءات»، وأكدوا: «تم إنشاء بعض المزارع والبؤر الاستيطانية غير القانونية بدعم من الحكومة، وبتشجيع وحماية من الجيش الإسرائيلي».

تسريع وتيرة الضم

وبموازاة هذا النشر، أصدرت حركة «السلام الآن» وجمعية «كيرم نبوت» الإسرائيليتان بياناً يشير إلى أن الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو سرعت من وتيرة ضم أراضٍ في الضفة الغربية لإسرائيل من خلال تغيير هيكلي للنظام الحكومي، وتوسيع المستوطنات، وتهجير السكان، وتعميق سيطرة إسرائيل على المناطق (أ) و(ب).

ويشير التقرير إلى أن الحكومة قامت بتمويل البؤر الاستيطانية بسخاء، وجهزتها، واستولت على الأراضي.

وحسب معدي التقرير -حاجيت افران، ويونتان مزراحي، ودرور ايتكس- فإن التغييرات التي طرأت على الضفة الغربية خلال فترة ولاية هذه الحكومة غير مسبوقة.

فلسطينيون بينهم ملاك أراضٍ يفرون من الغاز المسيل الذي أطلقته قوات إسرائيلية بينما كانوا يحتجون على مصادرة أملاكهم لصالح مستوطنة قرب بلدة دورا في الضفة الغربية المحتلة يوم الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

وفي الفترة بين عامي 2023 و2025 تمت إقامة 185 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، معظمها مزارع، وبؤر استيطانية جبلية. وتسيطر هذه المزارع على أكثر من مليون دونم، أي 18 في المائة من إجمالي مساحة الضفة الغربية، ولا تصنف إلا 40 في المائة من الأراضي التي استولت عليها رسمياً بأنها «أراضي دولة». وقد خصصت وزارة الاستيطان والمهمات الوطنية برئاسة الوزيرة أوريت ستروك عشرات ملايين الشواقل سنوياً لها.

ووفقاً للتقرير، فقد تم إخلاء 118 تجمعاً سكنياً و«تجمع رعاة» -وهي تجمعات سكنية، وبعضها تابع لهذه التجمعات- بشكل منهجي خلال ثلاث سنوات. وقد ترك السكان بيوتهم بسبب عنف المستوطنين، ومنعهم من الحصول على المياه، وعدم حمايتهم من السلطة.

وبهدف منع عودة الفلسطينيين، فقد أقام المستوطنون أسواراً على طول الطرق بمسافة لا تقل عن 51كم. وقد وضعت هذه الأسوار بشكل رئيس في غور الأردن، وفي مناطق تستخدمها التجمعات المحلية، الأمر الذي أدى بالفعل إلى إغلاق مئات آلاف الدونمات.

وأشار التقرير إلى أن المستوطنين استولوا على ما لا يقل عن 11520 دونماً من الأراضي الزراعية (حقول، وبساتين، وكروم). وحتى فترة قريبة كان معظم هذه الأراضي تتم زراعتها من قبل الفلسطينيين الذين طردوا من المنطقة، أو منعوا من الوصول إليها.

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه بينما يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية الثلاثاء (رويترز)

وذكر التقرير أيضاً أنه تم شق 223كم من الطرق الترابية من دون ترخيص رسمي، ويوجد نصفها تقريباً على أراضٍ فلسطينية خاصة، أو أراضٍ ليست «أراضي دولة»، وأحياناً في المناطق (ب). وحسب التقرير، ستكلف عملية شق هذه الطرق عشرات ملايين الشواقل من ميزانية الدولة. ومن بين الطرق الأخرى التي تم من خلالها تقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، إقامة مئات نقاط التفتيش، والحواجز، سواء من قبل الجيش، أو من قبل المستوطنين الذين فعلوا ذلك بشكل ارتجالي.

كما رصد التقرير معطيات تفيد بأنه في السنوات الثلاث الماضية شهدت عمليات هدم المباني الفلسطينية المبنية من دون ترخيص في المناطق (ج) زيادة بنسبة 80 في المائة.

وقُدمت خطط لبناء 40064 وحدة سكنية في المستوطنات. وأجازت قرارات مجلس الوزراء، في محاولة لمنع التنمية الفلسطينية، بناء أكثر من 100 مستوطنة جديدة، من بينها 50 بؤرة استيطانية تمت شرعنتها، و15 حياً تم تطويرها، و37 مستوطنة جديدة بالكامل. وتوجد معظم هذه المستوطنات في عمق الضفة الغربية، في مناطق لم يكن فيها أي حضور إسرائيلي حتى الآن.

رجل فلسطيني يرفع إشارة النصر إلى جانب آلية عسكرية إسرائيلية بينما يزور مستوطنون إسرائيليون وقوات من الجيش الإسرائيلي الموقع الأثري في سبسطية بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ووفقاً للتقرير، فإنه في سبيل إلغاء اتفاق أوسلو تتجه عمليات الاستيلاء من المناطق (ج) نحو المناطق (أ) و(ب)، الخاضعة للسيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية حسب الاتفاق.

وفي هذا السياق تم إنشاء نحو 20 بؤرة استيطانية في مناطق السلطة حتى نهاية العام 2025. وفي نفس الوقت يمنع سكان البؤر الاستيطانية القريبة من المناطق (ج) الفلسطينيين من الوصول إلى الأراضي في المناطق (أ) و(ب) من خلال استخدام العنف المنهجي. وحسب معدي التقرير، يمنع المستوطنون السكان الفلسطينيين من الوصول إلى نحو 100 ألف دونم من مناطق السلطة.


مقالات ذات صلة

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مزرعة يديرها مستوطنون إسرائيليون بالقرب من قرية دوما الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الصين تحث إسرائيل على وقف «البناء القسري» للمستوطنات بالضفة الغربية

قالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إن الوزير وانغ يي أبلغ الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بضرورة وقف «البناء القسري» للمستوطنات في الضفة الغربية والتراجع عنه.

«الشرق الأوسط» (بكين)
المشرق العربي مجموعة من المستوطنين خلال مهاجمتهم قاطفي الزيتون بقرية بيتا جنوب نابلس (أرشيفية-إ.ب.أ)

مستوطنون إسرائيليون يضرمون النار في مسجد بالضفة الغربية المحتلة

أضرم مستوطنون إسرائيليون النار، الأربعاء، في مسجد بالضفة الغربية المحتلة، وكتبوا شعارات على جدرانه الخارجية، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية

«الشرق الأوسط» (مخماس (فلسطين))
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في المحكمة العليا الإسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

شاهد... بن غفير يشارك في عملية هدم مبنى سكني يضم 70 فلسطينياً بالقدس

شارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير اليوم في اقتحام بلدة الطور شرق القدس المحتلة، بالتزامن مع هدم قوات الاحتلال بناية سكنية يسكنها نحو 70 مواطناً.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جثمان فلسطيني داخل كيس أزرق عقب مقتله برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل فلسطيني وإصابة اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً وأصابت آخرَين، الاثنين، بإطلاق النار على سيارة كانوا يستقلونها بجنوب الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت هيئة فلسطينية حكومية

«الشرق الأوسط» (رام الله)

أزمات غزة تتصاعد... شح في البضائع ووقف المساعدات عن نصف مليون شخص

فلسطيني يحمل ألواحاً معدنية يمر بأطلال مبانٍ دُمرت خلال الحرب يوم الأحد (أ.ب)
فلسطيني يحمل ألواحاً معدنية يمر بأطلال مبانٍ دُمرت خلال الحرب يوم الأحد (أ.ب)
TT

أزمات غزة تتصاعد... شح في البضائع ووقف المساعدات عن نصف مليون شخص

فلسطيني يحمل ألواحاً معدنية يمر بأطلال مبانٍ دُمرت خلال الحرب يوم الأحد (أ.ب)
فلسطيني يحمل ألواحاً معدنية يمر بأطلال مبانٍ دُمرت خلال الحرب يوم الأحد (أ.ب)

تتفاقم الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، من يوم إلى آخر، بفعل القيود والإجراءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى إعلان منظمات دولية تراجع الدعم المقدم للفلسطينيين.

وأعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الاثنين، أن نقص التمويل أجبره على تقليص المساعدات الغذائية في غزة بنحو الثلث، بحيث سيفقد نصف مليون شخص إمكانية الحصول على المساعدات الحيوية.

وتأتي هذه التخفيضات مع اقتراب فصل الشتاء، بينما لا تزال التحسينات المتواضعة الأخيرة في الأمن الغذائي هشة. كما يؤكد البرنامج الذي أشار إلى أن المساعدات الغذائية التي قدمها على مدار السنوات الثلاث الماضية، شكلت شريان حياة لما يصل إلى 90 في المائة من العائلات في غزة.

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كان البرنامج يصل إلى نحو 1.6 مليون شخص كل شهر بطرود غذائية، ودقيق قمح، وخبز، ووجبات ساخنة، ودعم تغذوي، ووجبات خفيفة مدرسية، ومساعدات نقدية، كما أشار البيان، مؤكداً أنه لم يعد لدى البرنامج التمويل الكافي للحفاظ على هذا المستوى من الدعم.

ولفت إلى أنه بدءاً من هذا الشهر، يدعم البرنامج 1.1 مليون من الأشخاص الأكثر ضعفاً في غزة بالمساعدات الغذائية والنقدية، بعدما كان يدعم 1.6 مليون الشهر الماضي؛ مشيراً إلى أن ذلك يشمل الطرود الغذائية والوجبات الساخنة والمساعدات النقدية وغيرها؛ لافتاً إلى أن نقص التمويل أيضاً يشمل الضفة الغربية؛ حيث خفض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة إلى النصف، من 400 ألف إلى 200 ألف في سبتمبر (أيلول) الماضي.

فلسطينيون يحملون حصصاً غذائية مقدَّمة من برنامج الأغذية العالمي بمركز توزيع وسط غزة في أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وأكد البرنامج الأممي أن ما يقدَّر بنحو 1.4 مليون شخص، أو 67 في المائة من سكان غزة، يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي عند مستوى الأزمة أو أسوأ، مصنفاً ضمن المرحلة 3 أو أعلى من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، مشدداً على أن الوضع ما زال هشاً، وأن هناك نحو 200 ألف شخص بحاجة لمساعدات غذائية فورية لمنع الوفيات جوعاً.

وفي أعقاب القرار، حذَّرت وزارة التنمية الاجتماعية بغزة من انهيار المنظومة الإغاثية وشبكات الأمان الاجتماعي، مؤكدة أن القرار بمثابة دق لناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية كافة؛ معتبرة أن القرار يمثل سقوطاً لآخر خطوط الدفاع عن الكرامة الإنسانية لأكثر من نصف مليون إنسان اعتمدوا كلياً على مساعدات برنامج الأغذية العالمي لتأمين الرمق الأخير لأُسَرهم.

وبيَّنت أن القرار سينذر بارتفاع حاد ومفاجئ في معدلات سوء التغذية الحاد؛ خصوصاً بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن، في وقت تعجز فيه طواقم الوزارة واللجان والشركاء المحليين عن سد الفجوة الإغاثية الهائلة، في ظل الشح الحاد في المواد الأساسية، وتوقف كثير من المطابخ والمؤسسات الشريكة عن العمل؛ مطالبة كل الجهات الدولية والإغاثية بالتحرك السريع لإنقاذ الوضع بغزة.

وتأتي هذه التحديات في ظل معاناة سكان قطاع غزة من شح في بعض أصناف البضائع؛ خصوصاً الخضراوات والفواكه، مع وقف إدخالها من قِبَل الجانب الإسرائيلي، بعد اتهامات متبادلة مع حركة «حماس» حول حقيقة فرضها ضرائب جديدة على الشاحنات التي تدخل، الأمر الذي دفع بعض التجار لطلب وقف التنسيق لإدخالها مؤقتاً.

وأظهرت جولة لـ«الشرق الأوسط» في أسواق غزة شحاً كبيراً في توفُّر السلع الأساسية، وطرح بعض الخضراوات القديمة؛ إذ رفضت إسرائيل إدخال بضائع جديدة لليوم الخامس على التوالي، بينما بات وجود الفاكهة نادراً. ووفق متعاملين وتجار بالأسواق فإن أسعار معظم السلع ما بين شيقل واحد و5 أو 6 شواقل (الدولار يساوي 3.10 شيقل).

فلسطينيون نازحون يصلحون خيمتهم بعد هطول الأمطار في مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)

وخلال مساء الأحد، تم إعلان اتفاق بين وزارة الاقتصاد التابعة لحركة «حماس» وتجار القطاع الخاص؛ لكن إعلام «حماس» لم يعلن تفاصيله، ومن المتوقع أن يمهد الاتفاق لإعادة إدخال البضائع؛ إلا أن السكان فوجئوا بأنه لم يتم إدخال أي أصناف خلال يوم الاثنين، وسط توقعات باستئنافها الثلاثاء. وكان المكتب الإعلامي الحكومي بغزة قد نفى بشدة فرض أي ضرائب على التجار بغزة.

ويخشى السكان في قطاع غزة أن تعود المجاعة إلى ما كانت عليه خلال الحرب نتيجة الواقع الحالي؛ خصوصاً مع إعلان برنامج الأغذية العالمي، وفرض إسرائيل قيود كثيرة على إدخال البضائع بمختلف أنواعها، وشح المساعدات الإنسانية المقدمة من مختلف المؤسسات العربية والدولية.


الرئيس اللبناني يدعو للتشدد بتطبيق القوانين «ولا تهاون بمحاولة الإخلال بالأمن»

رئيس الجمهورية جوزيف عون مترئساً الاجتماع الأمني في القصر الرئاسي (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مترئساً الاجتماع الأمني في القصر الرئاسي (رئاسة الجمهورية)
TT

الرئيس اللبناني يدعو للتشدد بتطبيق القوانين «ولا تهاون بمحاولة الإخلال بالأمن»

رئيس الجمهورية جوزيف عون مترئساً الاجتماع الأمني في القصر الرئاسي (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مترئساً الاجتماع الأمني في القصر الرئاسي (رئاسة الجمهورية)

أعاد الرئيس اللبناني جوزيف عون ملف ضبط السلاح ومنع المظاهر المسلحة إلى واجهة الأولويات الأمنية، في وقت تتصاعد فيه التباينات بين الدولة و«حزب الله» على خلفية ضبط شحنة متفجرات في ضهر البيدر على طريق البقاع، ومحاولة عرقلة مداهمة أمنية لمستودع أدوية عند مدخل الضاحية الجنوبية لبيروت الأسبوع الماضي، وما أثارته الحادثتان من تساؤلات بشأن صلاحيات الأجهزة الأمنية وقدرتها على تنفيذ قرارات الدولة في مناطق نفوذ الحزب.

عون: لا تهاون مع أي إخلال بالأمن

شدد عون، خلال ترؤسه اجتماعاً أمنياً بحضور القادة الأمنيين في القصر الرئاسي، الاثنين، على «ضرورة التشدد في تطبيق القوانين، ومنع المظاهر المسلحة، ومصادرة الأسلحة والذخائر، والإسراع في التحقيقات، وإحالة المخالفين على القضاء المختص لإجراء اللازم»، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب متابعة دقيقة للأوضاع واعتماد الإجراءات الاستباقية الضرورية، إضافة إلى قطع الطريق على أي استغلال للشأن الاقتصادي لتحويله إلى إخلال بالأمن.

مناصرو «حزب الله» يقفلون طريق المطار بالإطارات المشتعلة رفضاً لاتفاق الإطار الذي أعلن عنه في واشنطن بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)

وقال عون: «لا يجوز التهاون مع أي محاولة للإخلال بالأمن أو المساس باستقرار البلاد، والمرحلة الراهنة تتطلّب أعلى درجات الجهوزية والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتبادلاً مستمراً للمعلومات وتقييماً دقيقاً للتطورات، بعيداً عن أي ازدواجية في الأدوار أو تضارب في الصلاحيات».

وطلب «تعزيز وجود قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة في القرى والبلدات الجنوبية غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، لتوفير الطمأنينة للأهالي وتسهيل الخدمات الإدارية لهم»، منوّهاً بعمل الجيش والقوى الأمنية وبجهوزيتها وسرعة تحرّكها وفعاليتها في كشف الجرائم ومرتكبيها وملاحقتهم وتوقيفهم.

ورغم أن عون لم يسمِّ «حزب الله» في توجيهاته، فإن الاجتماع يأتي بعد حوادث أمنية أعادت طرح مسألة تنفيذ القوانين من دون استثناءات، في ظل استمرار الخلاف بشأن حصرية السلاح والصلاحيات الأمنية للدولة.

مناصرون لـ«حزب الله» في مسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري في بيروت (المركزية)

مداهمة الضاحية

في هذا السياق تبرز المداهمة التي نفذتها قوة من قسم المباحث الجنائية المركزية في قوى الأمن الداخلي، الجمعة، لمستودع أدوية في منطقة غاليري سمعان عند مدخل الضاحية الجنوبية، حيث حاول عدد من الشبان منع الدورية من تنفيذ مهمتها.

وأعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أن القوة كانت تنفذ مهمة لضبط أدوية غير صالحة مخزنة داخل المستودع، عندما تجمع عدد من الشبان على متن دراجات نارية وحاولوا منعها من المداهمة، إلا أن العناصر تمكنوا من استكمال المهمة وضبط الأدوية وختم المستودع بالشمع الأحمر، بإشارة من القضاء المختص.

وتدخل الجيش اللبناني في محيط الموقع، فيما قدم «حزب الله» رواية مختلفة لبعض ملابسات الحادثة، مؤكداً أن الإشكال انتهى قبل وصول الجيش، بعد إجراء اتصالات مع الجهات المختصة.

وقال الحزب، في بيان، إن ما جرى يعود إلى «قيام دورية من القوى الأمنية بمداهمة في منطقة ذات حساسية أمنية، دون اعتماد الآلية المتفق عليها بين (حزب الله) والجهات الأمنية».

وتزامن التوتر مع استمرار تداعيات ضبط شحنة متفجرات على طريق ضهر البيدر، خلال نقلها من البقاع باتجاه بيروت، وتوقيف شخصين على خلفية القضية، وأعلن «حزب الله» صراحة أن الشحنة تعود له، مطالباً باستعادة الأسلحة التي قال إنها لمحاربة إسرائيل.


«حزب الله» يتمسك بـ«شرعية المقاومة» ويهاجم التفاوض المباشر

أنصار لـ«حزب الله» يلوّحون بأعلامه في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
أنصار لـ«حزب الله» يلوّحون بأعلامه في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يتمسك بـ«شرعية المقاومة» ويهاجم التفاوض المباشر

أنصار لـ«حزب الله» يلوّحون بأعلامه في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
أنصار لـ«حزب الله» يلوّحون بأعلامه في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

أعاد رئيس كتلة نواب «حزب الله» النائب محمد رعد، بمهاجمته المؤيدين للتفاوض المباشر مع إسرائيل وتمسكه بـ«شرعية المقاومة»، الخلاف الداخلي بشأن خيارات الدولة اللبنانية إلى الواجهة، عشية اجتماع مرتقب في مدينة تامبا الأميركية. وبينما يؤكد المسؤولون اللبنانيون أنه لا تراجع عن خيار المفاوضات، يبرز الخلاف حول السلاح ومدى قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها بوصفهما تحديين أمام المسار التفاوضي.

وانتقد رعد، في تصريح، الاثنين، مواقف صادرة عن جهات رسمية وغير رسمية قال إنها «سقطت في فخ التأييد والدعم للتفاوض المباشر»، عادَّاً أن «الاستجابة للشروط الإسرائيلية تمسّ السيادة اللبنانية وتمنح الاحتلال مكاسب سياسية». واتهم منتقدي المقاومة بالتنكر لدورها والتشكيك بمشروعيتها، ورأى أن الإساءة إليها هي «جرم وطني وأخلاقي»، مؤكداً أن «شرعية المقاومة هي أم الشرعيات وأصلها». وربط في موقفه بين الدعوات إلى التفاوض المباشر وحصرية السلاح وبين ضغوط خارجية على لبنان، عادَّاً أن مناقشة التفاصيل لا تستقيم قبل الإقرار بما يصفه بالحق الأساسي في المقاومة.

النائب محمد رعد (الوكالة الوطنية)

رفض تسليم السلاح يضعف لبنان

في رد على موقف رعد، رأى النائب وضاح الصادق أن «موقف محمد رعد لا يغيّر في مسار المفاوضات التي قررت الدولة اللبنانية المضي فيها»، عادَّاً أن رفض «حزب الله» تسليم سلاحه يحرم المفاوض اللبناني ورقة أساسية يمكن توظيفها لانتزاع التزامات إسرائيلية بالانسحاب وإتاحة عودة الأهالي إلى القرى الجنوبية.

وقال الصادق لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك من يصرّ على العيش في مرحلة تجاهل الوقائع، حتى بات هذا التجاهل أمراً طبيعياً بالنسبة إليه»، مشدداً على ضرورة التمييز بين مقاومة الاحتلال واتخاذ قرار بحرب لإسناد جهات خارج لبنان. وأوضح أن «المقاومة تكتسب شرعيتها في مواجهة جيش أجنبي يحتل الأرض، لكن قرار مساندة دولة أخرى يعود إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لا إلى مجموعة مسلحة». وعدّ أن الحزب استخدم شعار المقاومة لتبرير هيمنته على القرار اللبناني خلال العقدين الماضيين.

وعن المفاوضات، قال إن «رئيس الجمهورية يرى فيها الوسيلة الوحيدة المتاحة لحماية لبنان»، لافتاً إلى أنها «أسهمت في الحد من الاعتداءات الإسرائيلية، وإن لم توقفها». وأشار إلى أن «العمليات العسكرية كانت تطال الضاحية الجنوبية والبقاع والمتن ومناطق جبلية أخرى، من دون حدود واضحة، في حين بات نطاقها أضيق منذ بدء المسار التفاوضي».

وشدد الصادق على أن المشكلة لا تكمن في إعلان رعد رفض التفاوض المباشر، بل في تمسك الحزب بسلاحه، رغم أن هذا الملف، «جزء أساسي من (اتفاق الإطار) والترتيبات المرتبطة بوقف إطلاق النار». وقال: «للأسف، يتباهى (حزب الله) اليوم بإعلانه أنه لن يسلم سلاحه، وهو بذلك يقدم لإسرائيل كل الذرائع، مع أنها ليست في حاجة أصلاً إلى ذرائع لتنفيذ اعتداءاتها».

وأضاف: «لو أعلن (حزب الله) استعداده لتسليم سلاحه في حال توصلت الدولة اللبنانية إلى اتفاق يضمن الانسحاب الإسرائيلي وعودة أهالي الجنوب إلى قراهم، لكان منح المفاوض اللبناني ورقة قوة حقيقية يستطيع استخدامها على طاولة المفاوضات»، عادَّاً أن إصرار الحزب على الرفض يضعف قدرة الدولة على التفاوض من موقع أقوى.

مقرّ سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عُقدت جولة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

وفي قراءته لموقف رعد، قال الصادق إن «رعد والقيادة السياسية لـ(حزب الله) لا يملكون قراراً أساسياً، صغيراً كان أم كبيراً، سواء تعلق الأمر بالتصعيد الداخلي أو بالمواجهة مع إسرائيل»، عادَّاً أن «القرار الفعلي موجود لدى القيادة العسكرية في إيران». عادَّاً أن القيادة السياسية المحلية لا تملك حسم مثل هذه الخيارات، ولا سيما بعد اغتيال الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله».

وأضاف أن تصريحات مسؤولي الحزب تعكس، برأيه، الموقف الإيراني، وأن أي تفاهم بين طهران وواشنطن بشأن السلاح يمكن أن يقود إلى تغيير خطاب الحزب وموقفه من المفاوضات. وأكد أن موقف رعد لن يغيّر قرار الدولة، لكنه رأى أن المشكلة تكمن في حرمانها أداة تفاوضية مهمة.

مقرّ سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عُقدت جولة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

العبرة بتنفيذ القرار الرسمي

من جهته، أكد عضو «تكتل الجمهورية القوية» النائب فادي كرم أن «مواقف (حزب الله) لن تؤثر على الموقف الرسمي اللبناني أو تدفع الدولة إلى التراجع عن خيار المفاوضات»، مشدداً على أن رئاسة الجمهورية والحكومة حسمتا موقفهما من هذا المسار.

وقال كرم لـ«الشرق الأوسط»، تعليقاً على موقف رعد، إن «الموقف الرسمي ثابت وواضح، ورئاسة الجمهورية والحكومة اتخذتا القرار وعقدتا العزم على الاستمرار في المفاوضات المباشرة؛ كون أنه لا يوجد أي حل آخر لمعالجة الوضع القائم». وأوضح أن المشكلة لم تعد في تحديد الخيارات، بل في قدرة الدولة على تنفيذ ما تقرره وفرض سلطتها، محذراً من بقاء البلاد أسيرة سجال سياسي مرتفع التكلفة من دون تقدم في الاستقرار أو استعادة السيادة.

ورأى كرم أن «طروحات الحزب تستند إلى الحسابات الإيرانية ومصالحها الإقليمية أكثر من المصلحة اللبنانية»، عادَّاً أن «ارتباطه بـ(الحرس الثوري) الإيراني يفسر تمسكه بهذه المواقف رغم انعكاساتها الداخلية». وأضاف: أن الحزب «يراهن على تحولات إقليمية ومكاسب قد تحققها طهران في اليمن والعراق ولبنان، وينتظر نتائج الاستحقاقات السياسية والانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذي يطيل حالة المراوحة».

آلية عسكرية لقوات «يونيفيل» خلال دورية ببلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وعن توقيت تصريح رعد، عدَّ كرم أن «الهدف من هذه التصريحات هو ممارسة الضغط على المفاوض اللبناني، ومحاولة التأثير في قرارات الدولة وخياراتها»، متهماً الحزب باتباع «سياسة التخويف والتهويل تجاه الدولة اللبنانية والمسؤولين فيها لدفعهم إلى التراجع».

وأكد أن «موقف رعد لن يغيّر شيئاً في الطروحات اللبنانية على طاولة المفاوضات»، مشدداً على أن «المشكلة ليست في الموقف اللبناني أو في طبيعة الطرح الذي ستقدمه الدولة، وإنما في قدرتها على ترجمة قراراتها إلى خطوات تنفيذية فعلية».