كشف باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية في كندا أن الحمام الزاجل لا يثبِّت عينيه أثناء الطيران كما كان يُعتقد سابقاً، بل يُجري حركات بصرية دقيقة وبطيئة تساعده على جمع معلومات أكثر عن البيئة المحيطة.
وأوضح الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يمهّد الطريق لتطوير طائرات مسيّرة وروبوتات ذاتية القيادة تتمتع بأنظمة رؤية أكثر كفاءة. ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Current Biology».
ويُعد الحمام الزاجل سلالة تتميز بقدرتها الاستثنائية على العودة إلى موطنها من مسافات طويلة، مسترشدة بمجموعة معقدة من الإشارات البيئية، مثل المجال المغناطيسي للأرض، وموقع الشمس، والمعالم الجغرافية، والروائح. وقد استُخدم عبر التاريخ في نقل الرسائل، ويُعد اليوم نموذجاً مهماً في الأبحاث المتعلقة بالملاحة والرؤية والسلوك الحيواني، بفضل سهولة تدريبه وقدرته على الطيران لمسافات طويلة والعودة بدقة إلى نقطة الانطلاق.
وللوصول إلى هذه النتائج، ابتكر الباحثون نظاماً خاصاً لتسجيل ما يراه الحمام أثناء الطيران؛ إذ ثبّتوا كاميرات مصغرة للغاية على رؤوس الطيور باستخدام أغطية مستوحاة من تلك المستخدمة في الصقارة، إلى جانب حقائب ظهر صغيرة حملت بقية المكونات الإلكترونية.
وصمّم الفريق عدة نماذج من الأغطية والحقائب حتى توصل إلى المقاس المناسب، موضحاً أن النظام الكامل لا يتجاوز وزنه 27 غراماً، ويضم حاسوباً مصغراً بحجم يقارب نصف بطاقة ائتمان، وكاميرا تجارية معدلة، ووحدة لقياس الحركة والاتجاه، إضافة إلى أسلاك ومكونات إلكترونية خفيفة.
وأجرى الباحثون التجربة على سرب يضم نحو 16 حمامة، حيث زُوّد طائران في كل مرة بالكاميرات الفعلية، بينما ارتدت طيور أخرى حقائب وهمية لضمان عدم تأثر النتائج بوزن المعدات. وبعد إطلاق السرب على مسار اعتادت الطيور التحليق فيه، كان أحد الباحثين يسبقها بسيارته إلى نقطة الوصول لاستعادة المعدات وتفريغ التسجيلات.
آلية الرؤية
وأظهرت التسجيلات، خلافاً للاعتقاد السائد، أن الحمام لا يُبقي عينيه ثابتتين أثناء الطيران، بل يُجري حركات انزلاقية بطيئة ودقيقة. ويرى الباحثون أن هذه الحركات تساعد الطيور على تعويض التغير المستمر في المشهد البصري الناتج عن الطيران، ما يتيح لها تمييز تفاصيل أدق في البيئة المحيطة والاستفادة منها في الملاحة.
وكان الاعتقاد السائد أن الطيور ذات العيون الجانبية، مثل الحمام، تُبقي أعينها ثابتة أثناء الطيران حتى لا تتداخل حركة العين مع الإشارات البصرية الناتجة عن الحركة، إلا أن نتائج الدراسة تشير إلى أن آلية الرؤية لديها أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.
كما رصد الباحثون سلوكاً آخر لافتاً يتمثل في توجيه الحمام كلتا عينيه إلى الداخل عند الهبوط على المجثم، وهو ما قد يمنحه رؤية مجسمة تساعده على تقدير المسافات بدقة من خلال مقارنة الصورتين القادمتين من كل عين. وتشير الدراسة إلى أن هذه القدرة لم تُرصد سابقاً إلا لدى عدد محدود من الطيور الجارحة.
ووفقاً للباحثين، فإن هذه النتائج قد تفتح آفاقاً جديدة لتطوير الروبوتات والطائرات المسيّرة ذاتية القيادة؛ إذ تعتمد معظم الأنظمة الحالية على كاميرات ثابتة تستخلص منها معلومات عن سرعة الحركة واتجاهها واحتمالات الاصطدام بالعوائق.
وأوضح الفريق أن الطيور لا تكتفي باستخدام الرؤية التقليدية، بل تحرك «كاميراتها الطبيعية» أيضاً للحصول على معلومات إضافية عن البيئة المحيطة، ما يشير إلى أن آليات الإدراك البصري أثناء الطيران أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.







