«للعدالة وجه آخر»... اختبار قاسٍ للمبادئ والأبوّة

دراما تشويقية تكشف كيف يمكن للأزمات الشخصية أن تهزَّ أكثر القناعات رسوخاً

ياسر جلال في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
ياسر جلال في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
TT

«للعدالة وجه آخر»... اختبار قاسٍ للمبادئ والأبوّة

ياسر جلال في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
ياسر جلال في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

يُقدّم مسلسل «للعدالة وجه آخر» معالجة درامية تقوم على فكرة اختبار المبادئ عندما تتحوّل من شعارات عامة إلى أزمات شخصية، إذ يضع بطله «فؤاد السرجاني»، الذي يُجسّد شخصيته ياسر جلال، أمام موقف يعصف بكلّ قناعاته، ليصبح السؤال الأساسي الذي يطرحه العمل: هل يستطيع الإنسان التمسّك بمبادئه عندما يكون أقرب الناس إليه في دائرة الاتهام؟

ويظهر «فؤاد» في بداية الأحداث إعلامياً ناجحاً يقدم أحد أشهر برامج «توك شو»، ويتمتّع بصدقيّة كبيرة لدى الجمهور. كما تجمعه صداقة قديمة بضابط الشرطة «طارق»، الذي يُجسّد شخصيته محمد علاء، وهي علاقة تمنحه اطلاعاً دائماً على كثير من القضايا.

وفي حياته الخاصة، يعيش «فؤاد» حالة من التوتّر مع زوجته «داليا»، التي تؤدي دورها أروى جودة، إذ أصبحا شبه منفصلين داخل المنزل، رغم استمرار زواجهما، بينما يدرس ابنهما في الجامعة نفسها التي تعمل بها والدته، وهو ما يرسم، منذ البداية، صورة لعائلة تعاني تصدّعات داخلية تستتر خلف مظهر الاستقرار.

قدَّم محمد علاء شخصية ضابط مباحث (الشركة المنتجة)

وتنقلب حياة الأسرة بالكامل عندما يتورّط ابنهما في قضية مقتل زميلته في الجامعة، التي كانت تربطه بها علاقة عاطفية، إذ كان برفقة اثنين من أصدقائه حين وقعت الجريمة. ويظهر الشاب في الحلقات الأولى فاقداً القدرة على تذكُّر ما حدث في تلك الليلة، فيحاول أن ينقل إلى والده ما يتذكره من أحداث، لكنه، في الوقت نفسه، لا يلتزم بنصائحه، لتبدأ بينهما سلسلة من الخلافات، والتوتّرات التي تزيد المشهد تعقيداً.

ولا يتوقّف المسلسل عند حدود التحقيق في جريمة القتل، بل يتعمّق في التحوّلات النفسية التي يعيشها «فؤاد». فالإعلامي الذي اعتاد الدعوة إلى احترام القانون، وإعلاء قيمة العدالة يجد نفسه فجأة أمام اختبار شخصي قاسٍ، بعدما يصبح ابنه المتهم الرئيس. ومن هنا تبدأ القناعات التي طالما دافع عنها في الاهتزاز أمام غريزة الأبوة، والخوف من خسارة ابنه، بل يحاول توريط آخرين في القضية.

وتبرز المفارقة الدرامية الكبرى في أنّ «فؤاد» كان قد هاجم في بداية الأحداث أحد الآباء الذي حاول إخفاء معالم جريمة ارتكبها ابنه، مشيراً إلى أنّ حماية الأبناء لا تكون على حساب العدالة. لكن عندما يجد نفسه في الموقف ذاته، يبدأ تدريجياً في اتخاذ خطوات ملتوية، في محاولة لإنقاذ ابنه، ليكشف العمل كيف يمكن للإنسان أن يتخلّى عن المبادئ التي طالما دافع عنها عندما يصبح طرفاً مباشراً في الأزمة.

قدَّم الممثل مينا نبيل دور الابن في الظهور الأول له على الشاشة (الشركة المنتجة)

وبين مسار التحقيقات، والصراعات الأُسرية، والتحوّلات النفسية للشخصيات، يبني العمل حالة مستمرّة من التشويق، تتكشَّف معها الحقيقة حلقة بعد أخرى. ويتألّف المسلسل من 15 حلقة، وهو من تأليف عمرو الدالي، وإخراج محمد يحيى مورو، ويشارك في بطولته، إلى جانب ياسر جلال، كلّ من أروى جودة، ومحمد علاء، ومينا نبيل، وفادي السيد، ونور إيهاب، وأمجد الحجار، وسما إبراهيم، وعابد عناني.

وأكد الكاتب عمرو الدالي لـ«الشرق الأوسط» أنّ فكرة العمل بدأت من نقاش جمعه بالمنتج محمد مشيش، الذي طرح رغبته في تقديم مسلسل تشويق وإثارة تدور أحداثه حول جريمة، والتحقيقات التي تكشف خيوطها. وأوضح أنّ هذا التصوّر كان الشرارة الأولى للعمل، قبل أن يبدأ في تطوير الفكرة، وصياغة القصة، وبناء الشخصيات، وكتابة الحلقات، حتى اكتمل السيناريو، ليختار بعدها المنتج المخرج محمد يحيى مورو لتولي إخراج المسلسل، وتنطلق مرحلة التصوير.

وأضاف الدالي أنّ التحدّيات التي واجهت فريق العمل لم تخرج عن الصعوبات الطبيعية التي تصاحب أي تجربة درامية، لكنها كانت نابعة في المقام الأول من الحرص الشديد على خروج المسلسل بأفضل صورة ممكنة، لا سيما أنّ طبيعة العمل تعتمد على صناعة حالة مستمرة من التوتّر، والترقب، وهو ما يتطلّب دقة في جميع التفاصيل الفنية.

وأوضح أنّ جميع عناصر المسلسل كانت على قدر المسؤولية، سواء الموسيقى التصويرية، أو التصوير، أو الإخراج، أو الإنتاج، أو الأداء التمثيلي، لافتاً إلى أنّ النقاشات التي جمعته بأبطال المسلسل اتّسمت بالجدية، والالتزام، والرغبة المشتركة في تقديم أفضل أداء ممكن، ولم تشهد أي صعوبات.

وأكد الدالي أنّ أحداث المسلسل لا تستند إلى قصة حقيقية، أو واقعة بعينها، وإنما هي قصة درامية خيالية بُنيت بالكامل لخدمة الحبكة التشويقية، بعيداً عن استلهام أي حادث واقعي، مشيراً إلى أنّ اختيار الفنان الشاب مينا نبيل لتجسيد دور الابن جاء عن قناعة مشتركة بينه وبين المخرج والمنتج بموهبته، وقدرته على تقديم الشخصية بالشكل المطلوب.

الملصق الترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

من جهته، رأى الناقد محمد عبد الرحمن أنّ المسلسل نجح منذ حلقاته الأولى في تقديم تجربة تشويقية مختلفة، فلم يكتفِ بالانطلاق من جريمة قتل على أنها المحرك الرئيس للأحداث، وإنما توسّع في أكثر من مسار درامي، كاشفاً جانباً من كواليس الحياة الإعلامية، وطبيعة برامج «توك شو»، وما يدور خلف الكاميرات، إلى جانب تسليطه الضوء على الجوانب الخفية من حياة المشاهير، وتشابك علاقاتهم الاجتماعية.

وأضاف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أن من أبرز نقاط قوة المسلسل إيقاعه السريع، وتماسك بنائه الدرامي، إذ تتصاعد الأحداث بصورة مدروسة، بينما يزداد عنصر الغموض مع نهاية كلّ حلقة، بما يحافظ على اهتمام المُشاهد، ويدفعه إلى متابعة تطورات القصة باستمرار. كما رأى أنّ ياسر جلال نجح في تقديم شخصية مختلفة عن أدواره الأخيرة، وينطبق الأمر نفسه على عدد من أبطال العمل، وفي مقدّمتهم محمد علاء، الذي قدَّم معالجة مختلفة لشخصية ضابط الشرطة.

ولفت إلى وجود بعض الملاحظات التي يرى أنها لا تزال بحاجة إلى تفسير خلال الحلقات المقبلة، من بينها أنّ الابن المتّهم بدا هادئ الملامح رغم الضغوط النفسية الكبيرة التي يعيشها، كما تساءل عن كيفية التحاق الضحية، المنتمية إلى أسرة بسيطة، بجامعة مرتفعة التكاليف، مشيراً إلى أنّ هذه التفاصيل قد تجد تفسيرها مع استمرار تطوّر الأحداث.


مقالات ذات صلة

هشام عاشور: «الهدف» يناقش سقوط صدام حسين من زوايا متعددة

يوميات الشرق هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)

هشام عاشور: «الهدف» يناقش سقوط صدام حسين من زوايا متعددة

قال الممثل المصري هشام عاشور إن شخصية «غالب» التي يجسدها في مسلسل «الهدف» (High Value Target) تمثل نقطة تحول مهمة في مسيرته الفنية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق خلال تكريمه مع الفنانين في مهرجان «أولادنا» (إدارة المهرجان)

خالد زكي لـ«الشرق الأوسط»: بعض المؤلفين وراء تهميش كِبار الممثلين

قال الفنان المصري خالد زكي إن تكريمه بمهرجان «أولادنا» جاء مختلفاً كونه يهتم بفنون «ذوي القدرات الخاصة، ويحمل رسالة نبيلة لدمجهم في المجتمع».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد «ما لم يُحك عن بني مزار» (الشركة المنتجة)

«ما لم يُحك عن بني مزار»... جريمة غامضة تعود إلى الشاشة بعد 21 عاماً

المسلسل أثار اهتماماً لافتاً مع عرض القصة الأولى «لعبة جهنم» قبل أسبوعين، وأدّى بطولتها محمد فراج...

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)

جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

أعادت تصريحات للفنانين أحمد العوضي، ومحمد رمضان، جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدة للواجهة مبكراً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق كندة علوش وانتصار في لقطة من العمل (يانغو بلاي)

«50/ 50»... دراما اجتماعية عن تحمُّل المرأة غياب الرجل

يقدم المسلسل المصري الجديد «50/ 50» تجربة درامية تجمع بين الكوميديا والدراما والتشويق.

أحمد عدلي (القاهرة)

قاعدة صارمة تفرضها كلية إيتون على الأمير جورج وزملائه... ما تفاصيلها؟

الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
TT

قاعدة صارمة تفرضها كلية إيتون على الأمير جورج وزملائه... ما تفاصيلها؟

الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)

بينما بدأ الأمير البريطاني جورج، الابن الأكبر للأمير ويليام، خوض تجربة الدراسة في واحدة من أعرق المدارس الداخلية في بريطانيا، ينتظره نظام صارم لا يقتصر على الدراسة والانضباط اليومي، بل يمتد أيضاً إلى الطريقة التي يتواصل بها مع عائلته. فالهاتف الذي سيُسمح له باستخدامه لن يكون من الهواتف الذكية الحديثة، بل سيكون جهازاً تقليدياً يقتصر على المكالمات والرسائل النصية، في إطار سياسة تتبعها مدرسة إيتون تجاه استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية.

وحسب صحيفة «إندبندنت»، بدأ الأمير جورج، البالغ من العمر 13 عاماً حياته في كلية إيتون، لكنه لن يمتلك سوى هاتف محمول بسيط للتواصل مع منزله، من النوع التقليدي الذي لا يتيح الوصول إلى الإنترنت.

ويخوض وريث العرش تجربة الحياة في مدرسة داخلية، وما تفرضه هذه البيئة التعليمية من قواعد وانضباط صارمين. وتقضي سياسة المدرسة العريقة، الواقعة في مقاطعة بيركشاير، بالسماح للطلاب باستخدام الهواتف لإجراء المكالمات وإرسال الرسائل النصية فقط، بدلاً من الهواتف الذكية التي تتيح الاتصال بالإنترنت واستخدام التطبيقات المختلفة.

وأُعلنت هذه السياسة عام 2024، ومن المرجح أن تكون موضع ارتياح للأمير ويليام وزوجته كيت ميدلتون، اللذين تحدثا في مناسبات عدة عن استخدام الأطفال الهواتف الذكية، وأبديا مخاوف بشأن التأثير المحتمل لهذه الأجهزة في صحتهم النفسية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قال الأمير ويليام: «ليس لدى أطفالنا هواتف. وأعتقد أنه عندما ينتقل جورج إلى المرحلة الثانوية، ربما يحصل حينها على هاتف لا يتيح الوصول إلى الإنترنت».

وأضاف: «أعتقد أن امتلاك هاتف يقتصر على المكالمات والرسائل النصية، تلك الهواتف القديمة الضخمة أمر مقبول؛ فالمشكلة تكمن في إتاحة الوصول إلى الإنترنت».

من جانبها، تناولت كيت ميدلتون مخاطر قضاء الأطفال أوقاتاً طويلة أمام الشاشات، في مقال حمل عنوان: «قوة التواصل الإنساني في عالم تشتت الانتباه». وفي المقال، الذي نشرته بالتعاون مع البروفسور روبرت والدينجر من كلية الطب بجامعة هارفارد، قالت: «على الرغم من أن الأجهزة الرقمية تعدنا بإبقائنا على تواصل، فإنها غالباً ما تحقق العكس تماماً».

قيود على أجهزة «آيباد»

ولا تقتصر القيود التي تفرضها إيتون على الهواتف الذكية؛ فقد وضعت المدرسة أيضاً قواعد لاستخدام أجهزة «آيباد» التي يعتمد عليها الطلاب في بعض جوانب العملية التعليمية.

وبموجب هذه القواعد، يتعين على الطلاب استخدام «متصفح آمن مصمم بشكل خاص» على أجهزة «آيباد» الخاصة بهم، بحيث يتيح لهم الوصول فقط إلى قائمة محددة من المواقع الإلكترونية التي وافق عليها المعلمون.

وجاء هذا القرار بعد تلقي المدرسة شكاوى من أولياء الأمور عام 2024 بشأن استخدام التلاميذ أجهزة «آيباد» في ممارسة الألعاب، بدلاً من التركيز على الدروس أو إنجاز الواجبات المدرسية.

أما قرار حظر الهواتف الذكية، الذي دخل حيّز التنفيذ أيضاً عام 2024 في المدرسة المخصصة للبنين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاماً، فقد جاء، وفقاً للمدرسة، عقب مراجعة دورية لسياساتها المتعلقة بالهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية.

شروط صارمة

ولا تقتصر تجربة الدراسة في إيتون على التحصيل الأكاديمي والأنشطة الرياضية، إذ تشتهر المدرسة أيضاً بغرس قيم الاعتماد على الذات والقيادة لدى طلابها، مع مطالبتهم بإنجاز عدد من المهام غير الأكاديمية بأنفسهم.

وتتسم عملية القبول في المدرسة بصرامة بالغة، إذ يخضع الطلاب لاختبارات دقيقة قبل الالتحاق بها، فيما يدفع أولياء الأمور رسوماً سنوية تبلغ 63 ألفاً و298 جنيهاً إسترلينياً، أي نحو 84 ألفاً و119 دولاراً.

وللأسرة المالكة صلة قديمة بإيتون؛ فقد درس الأمير ويليام في المدرسة لمدة 5 سنوات، بدءاً من عام 1995، قبل أن يغادرها للالتحاق بجامعة سانت أندروز. أما الأمير هاري، فقد التحق بالمدرسة بعد شقيقه بثلاث سنوات.


من الخجل إلى العزلة... كيف يسيطر القلق الاجتماعي على حياتنا؟

بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
TT

من الخجل إلى العزلة... كيف يسيطر القلق الاجتماعي على حياتنا؟

بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)

قد يبدأ القلق الاجتماعي بشعور عابر بالخجل أو التوتر عند التحدث إلى الآخرين، لكنه قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى حالة تؤثر في الدراسة والعمل والعلاقات، وتدفعهم إلى تجنب المواقف الاجتماعية التي يحتاجون أو يرغبون في المشاركة فيها.

ويُعتقد أن اضطراب القلق الاجتماعي يؤثر فيما يصل إلى 12 في المائة من الأشخاص في مرحلة ما من حياتهم، بينما يعاني عدد أكبر درجات متفاوتة من القلق في المواقف الاجتماعية. وأظهرت دراسة أجرتها جامعة تشيتشيستر أن أكثر من خُمس طلاب الجامعات يواجهون نوعاً من القلق الاجتماعي خلال سنوات الدراسة، وهو ما يرتبط بتراجع التحصيل الدراسي وجودة العلاقات والشعور بالعزلة.

وتصبح المشكلة أكثر وضوحاً لدى الطلاب الذين يغادرون منزل الأسرة للمرة الأولى، إذ يجدون أنفسهم أمام بيئة جديدة وتوقعات اجتماعية كبيرة، من بينها تكوين صداقات والاندماج في الحياة الجامعية.

متى يصبح القلق مشكلة؟

وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، من الطبيعي الشعور بالتوتر عند التعرف إلى أشخاص جدد، أو دخول مكان غير مألوف، أو إجراء مقابلة عمل، أو التحدث أمام مجموعة. لكن القلق يصبح أكثر إشكالية عندما يبدأ في منع الشخص من القيام بالأشياء التي يريد أو يحتاج إلى القيام بها.

ويقول نيل غرينينغ، رئيس تحالف القلق الاجتماعي في المملكة المتحدة، إن بعض الأشخاص يتعاملون مع القلق بوصفه عيباً في شخصياتهم، بدلاً من إدراك أنه حالة معروفة يمكن الحصول على مساعدة بشأنها.

وقد تظهر الحالة في صورة علامات يصعب أحياناً ملاحظتها، مثل الصمت وتجنب المشاركة في الحديث، والاكتفاء بإجابات قصيرة، والانشغال بالجوال لتجنب التفاعل مع الآخرين، أو البقاء بالقرب من شخص معروف خلال التجمعات.

ويلجأ البعض أيضاً إلى ما يعرف بـ«سلوكيات الأمان»، مثل تجنب التواصل البصري، أو التفكير في كل جملة قبل قولها، أو الالتزام بمواضيع محادثة يعدونها آمنة، في محاولة لتقليل احتمال الإحراج.

القلق لا ينتهي بانتهاء الموقف

تتمثل إحدى المشكلات المرتبطة بالقلق الاجتماعي في أن تأثيره قد يستمر حتى بعد انتهاء الموقف.

وتوضح حالة ماري، وهو اسم مستعار لشابة عانت القلق الاجتماعي منذ المراهقة، كيف يمكن أن يتحول الأمر إلى دائرة مغلقة. فقد كانت تشعر بالتوتر الجسدي أثناء الحديث مع أشخاص جدد، ثم تعيد تفاصيل الموقف في ذهنها لاحقاً، وتبحث عن الأخطاء التي تعتقد أنها ارتكبتها.

وتقول إن القلق وصل إلى درجة جعلتها تتجنب التجمعات في الجامعة، فيما تصف الشعور المصاحب للمواقف الاجتماعية بأنه أشبه بالانفصال عن الذات.

كيف يمكن كسر دائرة القلق؟

يُعد العلاج السلوكي المعرفي من الأساليب المستخدمة في التعامل مع القلق الاجتماعي، إذ يساعد على فحص الأفكار السلبية وتغيير بعض أنماط التفكير والسلوك.

ويقول البروفسور ديفيد كلارك، عالم النفس في جامعة أكسفورد، إن إحدى الخطوات المهمة تتمثل في التوقف عن مراقبة الذات بشكل مفرط أثناء التفاعل مع الآخرين.

فبدلاً من الانشغال بأسئلة مثل «هل يبدو عليّ التوتر؟» أو «هل أبدو غبياً؟»، ينصح بتوجيه الانتباه إلى المحادثة والشخص الآخر والبيئة المحيطة.

كما يشجع على اختبار المخاوف من خلال خطوات صغيرة، مثل طرح سؤال في اجتماع أو التحدث أمام مجموعة، ثم ملاحظة ما يحدث فعلياً بدلاً من افتراض أسوأ النتائج.

ومن المهم أيضاً التخلي تدريجياً عن «سلوكيات الأمان»، مثل تجنب التواصل البصري أو البقاء دائماً بجوار شخص يشعر المرء معه بالأمان.


قلب مُسنٍّ في جسد شاب... هل يعود العمر إلى الوراء؟

للقلب عمر آخر قد لا تكتبه سنوات صاحبه (إ.ب.أ)
للقلب عمر آخر قد لا تكتبه سنوات صاحبه (إ.ب.أ)
TT

قلب مُسنٍّ في جسد شاب... هل يعود العمر إلى الوراء؟

للقلب عمر آخر قد لا تكتبه سنوات صاحبه (إ.ب.أ)
للقلب عمر آخر قد لا تكتبه سنوات صاحبه (إ.ب.أ)

اكتشف علماء يحلّلون عمليات الزرع أنّ الأعضاء تُعدّل عمرها البيولوجي بسرعة، ليتوافق مع جسم المتلقّي بعد الجراحة.

وكشفت الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «نيتشر» أنّ القلوب الأكبر سناً التي زُرعت في متلقّين أصغر سناً أظهرت علامات واضحة على التجدد البيولوجي، في حين شاخت القلوب الأصغر المزروعة في أجساد أكبر سناً بوتيرة متسارعة.

وقال الجراح في جامعة ماريلاند الذي أجرى أول عملية زرع لقلب خنزير معدّل وراثياً، الدكتور بارتلي غريفيث: «هذه الدراسة الرائعة تتّسق مع العلم الجديد الرامي إلى فهم الشيخوخة وتأثير عوامل الدم التي قد تحمل إجابات عن (نبع الشباب)».

واختبر الباحثون في البداية هذه النظرية بزرع قلوب في فئران تنتمي إلى 3 فئات سِنِّية مختلفة. وبعد مرور 4 إلى 6 أشهر على هذه العمليات، كشف تحليل أنسجة الفئران عن أنّ عملية «مثيلة الحمض النووي»، وهي علامة كيميائية رئيسية تُستخدم لقياس الشيخوخة الخليوية، تغيّرت جذرياً لتعكس الساعة البيولوجية للجسم المضيف.

وللتحقق من انطباق القواعد عينها على البشر، قيّم المؤلف الرئيسي جيسي بوغانيك وفريقه عيّنات خزعية من 11 عملية زراعة قلب بشري، في مستشفى بريغهام والنساء في بوسطن. وتضمّنت هذه الحالات البشرية فوارق عمرية كبيرة بين المتبرّعين والمتلقين، تراوحت بين 8 و50 عاماً.

وقال الدكتور بوغانيك: «اللافت أننا وجدنا الآثار ذاتها التي رصدناها في الفئران تماماً».

وكشف تحليل السجلات الطبية الإلكترونية، بعد عام من الجراحة، أنّ المؤشّرات الرئيسية، بما فيها معدل ضربات القلب وسُمك العضلة والقدرة على ممارسة التمارين، كانت أقرب إلى العمر البيولوجي للمتلقي منها إلى العمر الأصلي للمتبرّع.

وأوضح بوغانيك: «بعض المؤشّرات الوظيفية، وليست كلّها، تتوافق مع التنبؤ بأن هذه القلوب الأكبر سناً في أجساد أصغر سناً عملت وكأنها أصغر سناً من الناحية البيولوجية، والعكس صحيح»، مضيفاً أن بعض التغيّرات الجسدية تظلّ غير قابلة للعكس.

وأكد الباحثون أنه -رغم تغيّر الساعة الداخلية للقلب- لم تطرأ أي تغيّرات في العمر البيولوجي للأعضاء الأخرى المحيطة في أجسام المتلقين.

ويعتقد خبراء الطبّ الآن أنّ هذا الاكتشاف قد يُحدث ثورة؛ ليس فقط في آلية توزيع الأعضاء المتبرَّع بها، وإنما أيضاً في علم الشيخوخة نفسه، وفي فهم إمكان عكس مسارها.

وبينما كان جراحو القلب يتحاشون في السابق زرع قلوب متبرّعين أكبر سناً في مرضى أصغر سناً، فإنّ هذه النتائج قد تزعزع افتراضات سريرية راسخة منذ أمد بعيد.

وتساءل الدكتور غريفيث: «هل سيكون ثمة اندفاع الآن لاستخدام قلوب المتبرّعين الأكبر سناً، ليس فقط في متلقّين أكبر سناً؛ بل ربما من خلال استهداف المرضى الشباب الذين قد يخفّفون من الشيخوخة الخلوية المتقدّمة لعضو أكبر سناً؟».

وأضاف: «لهذا العمل القدرة على زيادة استخدام قلوب المتبرّعين الأكبر سناً، وعلى الأرجح جميع الأعضاء، لمصلحة الشباب المنتظرين على قوائم زراعة الأعضاء. يا لها من رحلة مثيرة!».