بري يدعو إلى تسوية ولا يتحدث عن جبهة لإسقاط «اتفاق الإطار»

قال لـ«زواره»: الاستقرار أمانة عندي والنيل من قائد الجيش خراب للبنان

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رئاسة مجلس النواب)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رئاسة مجلس النواب)
TT

بري يدعو إلى تسوية ولا يتحدث عن جبهة لإسقاط «اتفاق الإطار»

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رئاسة مجلس النواب)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رئاسة مجلس النواب)

يدخل لبنان في اشتباك سياسي حول «اتفاق الإطار» الذي وقّعه مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية، ويدور بين أكثرية مؤيدة له وتتمسك به وتدافع عنه وتقف خلف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في خياره الدبلوماسي، و«الثنائي الشيعي» الذي يرى في «مذكرة التفاهم» الأميركية-الإيرانية أفضل الخيارات للضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان. رغم أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري لم يقفل الباب أمام التوصل إلى تسوية، مبدياً استعداده للتعاون من أجل إيجاد مخارج في حال أبدى عون استعداده للتوافق عليها، بخلاف حليفه «حزب الله» الذي يرفع من سقف مطالبه السياسية بدعوته لإسقاطه، فيما يتمسك رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط بـ«اتفاقية الهدنة»، ويطالب بإدخالها على الاتفاق لتحسينها على نحوٍ تصبح قابلة للتنفيذ.

فالخلاف بين الطرفين يتفاعل سياسياً في ضوء إصرار «الثنائي الشيعي» على رفع السقوف رافضاً المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل والاستعاضة عنها بمفاوضات غير مباشرة، في إشارة إلى تبنّيه لـ«مذكرة التفاهم» الأميركية-الإيرانية.

لا جبهة ضد «اتفاق الإطار»

لكن إصرار «الثنائي الشيعي» على موقفه لا يعني أن لدى الرئيس بري، كما يقول مصدر سياسي لـ«الشرق الأوسط»، توجهاً لتشكيل جبهة سياسية مناوئة لـ«اتفاق الإطار» وتدعو لإسقاطه على غرار تلك التي تشكلت لإسقاط اتفاق 17 مايو (أيار)، لأن الظروف السياسية الراهنة غير مؤاتية وتختلف عن الظروف المحلية والدولية التي كانت سائدة في حينها وأدت إلى إسقاطه، وإلا لما كان مضطراً لتأكيده، في أكثر من موقف، على بقاء الوزراء الذين يدورون في فلكه في الحكومة، رافضاً استخدام الشارع لإسقاطها لأنه لا يريد أن يأخذ البلد إلى حائط مسدود، وهذا ما يكمن وراء إصراره على بقاء الحكومة.

ولفت المصدر السياسي إلى أن بقاء الوزراء المحسوبين على بري في الحكومة يعني أن رعايته لتشكيل جبهة مناوئة لـ«اتفاق الإطار» تدعو لإسقاطه ليست مطروحة، على الأقل، من وجهة نظره، لأنه لا يريد إقحام البلد في لعبة المحاور لقطع الطريق على تطييف الانقسام واستدراج البلد للدخول في فتنة لا يريدها، وهو يتصدى لكل محاولة يراد منها رفع منسوب الاحتقان السياسي ذي البعد الطائفي.

عناصر من الجيش اللبناني خلال دورية على مدخل بلدة فرون في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ونقل عن بري قوله أمام زواره إن «الاستقرار كان ولا يزال أمانة عندي ولن أفرّط به، وإن النيل من قائد الجيش العماد رودولف هيكل يؤدي إلى خراب البلد، وإن (اتفاق الإطار) لن يرى طريقه إلى التطبيق»، من دون أن يطالب بإسقاطه، بخلاف حليفه «حزب الله»، ما يعني، من وجهة نظر المراقبين، أنه على استعداد للتوصل إلى تسوية مع عون يتطلع من خلالها إلى إدخال تعديلات عليه، أبرزها اعتماد القضاء نموذجاً تجريبياً لنشر الجيش بدلاً من المناطق التجريبية، وتحديد جدول زمني لانسحاب إسرائيل.

صعوبة التطبيق

وتوقف المصدر أمام قول بري إن «اتفاق الإطار» غير قابل للتنفيذ. وقال إنه لم يتطرق في معرض معارضته له إلى إسقاطه، ما يفتح نافذة سياسية أمام التوصل إلى تسوية تؤدي إلى تصويب بعض بنوده على نحو يعبّد الطريق لتطبيقه بدعوة الولايات المتحدة للتدخل لدى إسرائيل لتوفير الظروف السياسية والميدانية المؤاتية للعبور به إلى التنفيذ.

وأكد أن «اتفاق الإطار» يقف حالياً أمام معادلة قوامها وجود صعوبة لتطبيقه بحالته الراهنة في مقابل استحالة إسقاطه، وبالتالي تبقى كلمة الفصل للولايات المتحدة. وسأل هل تتدخل عاجلاً وتبادر للتجاوب مع طلب بري بإدخال تعديلات عليه تفتح الباب أمام التوصل إلى تسوية، خصوصاً أنه، أي بري، لا يتوخى من ملاحظاته على «اتفاق الإطار» إيصال البلد إلى حائط مسدود.

ورأى المصدر أن تدخل الولايات المتحدة أكثر من ضروري لإلزام إسرائيل بتثبيت وقف إطلاق النار لأنه من غير الجائز التفاوض تحت ضغطها بالنار. وقال إن بري بدعوته للتوصل إلى تسوية تكمن في إصراره على استيعاب «حزب الله» وإلزامه بوقف إطلاق النار، وتسهيله انتشار الجيش في جنوب الليطاني شرط إخلاء المنطقة من السلاح الذي كان يُفترض أن يخليه لحظة التوافق على وقف الأعمال العدائية بتعاونه مع الجيش بتسليمه خريطة لمنشآته العسكرية والأنفاق التي أقامها التي تمكَّن الجيش الإسرائيلي من اكتشاف بعضها وعمل على تدميرها بعد مصادرته لمحتوياتها من صواريخ وأسلحة وأدوات قتالية.

الدفع نحو تسوية

وكشف عن أن بري يتجنّب في لقاءاته التطرق إلى إسقاط «اتفاق الإطار» لأنه لا يزال يراهن على التوصل إلى تسوية تأخذ بعين الاعتبار الملاحظات التي أبداها والتي لا تقتصر على حركة «أمل»، وإنما تشمل وليد جنبلاط وشخصيات بعضها يدور في فلك عون وسلام.

وأكد أن لا عودة عن «اتفاق الإطار» الذي يتمسك به عون وسلام ويدافعان عنه، ويلقى تأييداً من أكثرية سياسية وشعبية، وهذا ما يدركه «الثنائي» بوجود استحالة في تشكيل جبهة لإسقاطه لافتقاده إلى قوى سياسية لئلا تقتصر على «الثنائي» وبعض من تبقى من شخصيات حليفة له.

لافتة تحمل شعار «لبنان أولاً» مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري في بيروت (إ.ب.أ)

ورأى المصدر أن جنبلاط كان قد أيد المفاوضات المباشرة وحصرية السلاح بيد الدولة، لكنه أبدى ملاحظة تتعلق بتغييب أي ذكر لـ«اتفاقية الهدنة» عن «اتفاق الإطار»، وقال إن تعاونه مع بري يبقى تحت سقف تلاقيهما حول عدد من الملاحظات من دون أن يؤدي إلى تشكيل جبهة مناوئة للاتفاق، لا هو يريدها، ولا بري يسعى إليها.

وقال: «لا بد من خفض منسوب التوتر السياسي إفساحاً للمجال أمام معاودة التواصل بين عون وبري لأن لا مصلحة للبلد في حال حصول قطيعة بينهما لا يتمناها أحد منهما. لذلك فإن (اتفاق الإطار) يبقى قائماً، وأن استبداله بـ(مذكرة التفاهم) دونه صعوبات إن لم نقل إنه مستحيل»، حسب المصدر، كون المذكرة تكتفي بوقفٍ دائم وشامل للحرب على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان، من دون أن تتوسع بطرح آلية تتعلق بانسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية، وهو موضع تفاوض بين البلدين، ويبقى الرهان على تدخل الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل للأخذ ببعض الملاحظات التي لا بد منها لتوفير الحصانة السياسية والميدانية لـ«اتفاق الإطار» شرط أن يبادر «حزب الله» ليعيد النظر بشروطه على قاعدة مراجعته لحساباته بما يسمح بعودة الاستقرار إلى كل الأراضي اللبنانية، بدءاً من الجنوب.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تبدّل قواعد المواجهة في جنوب لبنان باتجاه «حرب منخفضة الوتيرة»

المشرق العربي دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تبدّل قواعد المواجهة في جنوب لبنان باتجاه «حرب منخفضة الوتيرة»

تتجه إسرائيل إلى تكريس نمط جديد لإدارة المواجهة في جنوب لبنان، يقوم على عمليات عسكرية منخفضة الوتيرة، مع الحفاظ على حرية الحركة والوجود العسكري بمناطق الحدود

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني مستقبلاً الشيباني (رئاسة الجمهورية على إكس) p-circle

الشيباني من بيروت: منفتحون على لقاء «حزب الله» إذا اقتضت المصلحة

فتح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الباب أمام احتمال عقد لقاء مع «حزب الله» مستقبلاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)

لبنان يستعين بالأميركيين لتثبيت «اتفاق الإطار»

يستعين لبنان بالولايات المتحدة لتثبيت نتائج «اتفاق الإطار» مع إسرائيل، لا سيما الانسحابات التي تم التوافق عليها، بعد مؤشرات إسرائيلية «مقلقة» حيال تأجيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي امرأة تتفقد أنقاض مبنى منهار في بلدة النبطية الفوقا جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

غارتان إسرائيليتان تستهدفان بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان

شن الطيران المسير الإسرائيلي، عصر اليوم الأربعاء، غارتين على بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان. وألقت طائرة مسيرة إسرائيلية قنبلة صوتية على البلدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)

عون يدعو المعترضين على «اتفاق الإطار» إلى تقديم البديل

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أن صيغة الإطار الموقَّعة في واشنطن، تضمنت بنوداً تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

قالن يبحث «استقرار المنطقة» مع مسؤولين في بغداد وأربيل

رئيس الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس المخابرات التركي إبراهيم قالن في أربيل الأربعاء (روداو)
رئيس الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس المخابرات التركي إبراهيم قالن في أربيل الأربعاء (روداو)
TT

قالن يبحث «استقرار المنطقة» مع مسؤولين في بغداد وأربيل

رئيس الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس المخابرات التركي إبراهيم قالن في أربيل الأربعاء (روداو)
رئيس الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس المخابرات التركي إبراهيم قالن في أربيل الأربعاء (روداو)

زار رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم قالن، العراق هذا الأسبوع؛ حيث أجرى سلسلة لقاءات في بغداد وأربيل والسليمانية وكركوك، ركّزت على تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، إلى جانب مناقشة التطورات الإقليمية والاستقرار في المنطقة، حسب بيانات رسمية ومصادر أمنية تركية.

وفي أربيل، التقى قالن، الأربعاء، رئيس الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، مسعود بارزاني؛ حيث بحث الجانبان آخر التطورات الإقليمية والقضايا الراهنة المؤثرة في الأمن والاستقرار، وأكدا أهمية تعزيز العلاقات والتنسيق بين تركيا وإقليم كردستان في مختلف المجالات، وفق بيان للحزب.

وفي السليمانية، اجتمع قالن مع رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، الذي أكد، حسب بيان صادر عن الاتحاد، أهمية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، فيما تناول اللقاء مسار «تركيا بلا إرهاب».

وجدّد طالباني دعم الاتحاد لهذا المسار، قائلاً إن الحزب يواصل، انطلاقاً من نهج الرئيس الراحل جلال طالباني، جهوده لإنجاح هذه «الخطوة المهمة والتاريخية» بما يُعزز التعايش المشترك، ويُسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. كما شدد الجانبان على أهمية تطوير العلاقات الثنائية، بما يخدم المصالح المشتركة.

رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني مستقبلاً رئيس المخابرات التركي إبراهيم قالن في السليمانية الأربعاء (روداو)

وفي بغداد، كان قالن قد التقى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي؛ حيث بحثا سبل تعزيز التعاون بين البلدين، وفق مصادر أمنية تركية.

وعقد رئيس المخابرات التركي، يوم 30 يونيو (حزيران)، سلسلة اجتماعات مع الرئيس العراقي نزار آمدي، ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ووزير الخارجية فؤاد حسين، ومستشار الأمن القومي باسم البدري، إلى جانب زعيم «تيار الحكمة الوطني» عمار الحكيم، وزعيم «تحالف السيادة» خميس الخنجر، ورئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي.

وقالت مصادر تركية إن تلك اللقاءات ركزت على تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين أنقرة وبغداد.

وشملت جولة قالن أيضاً محافظة كركوك؛ حيث التقى مسؤولين محليين، وتجوَّل في قلعتها التاريخية، كما زار مقر «الجبهة التركمانية العراقية»، والتقى مسؤولين تركمانيين، قبل أن يعقد اجتماعاً مع محافظ كركوك محمد سمعان آغا، إضافة إلى لقاء قيادات عربية وكردية في المحافظة الغنية بالنفط.

وتأتي جولة قالن في وقت تسعى فيه تركيا والعراق إلى توسيع التعاون الأمني في مواجهة التحديات المشتركة، بالتوازي مع اتصالات تركية مع القوى السياسية الكردية في شمال العراق لمناقشة قضايا الأمن والاستقرار والعلاقات الثنائية.


إسرائيل تبدّل قواعد المواجهة في جنوب لبنان باتجاه «حرب منخفضة الوتيرة»

دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تبدّل قواعد المواجهة في جنوب لبنان باتجاه «حرب منخفضة الوتيرة»

دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

تتجه إسرائيل إلى تكريس نمط جديد لإدارة المواجهة في جنوب لبنان، يقوم على عمليات عسكرية منخفضة الوتيرة، مع الحفاظ على حرية الحركة والوجود العسكري في المناطق الحدودية، من دون حرب شاملة أو احتلال واسع، بالتزامن مع تعثر تنفيذ «اتفاق الإطار» واستمرار فرض وقائع ميدانية جديدة، ما يعكس انتقالاً إلى استراتيجية «الحرب منخفضة التكلفة» التي تتيح إدارة الصراع لفترات طويلة بأكلاف عسكرية وسياسية أقل.

وبالتوازي مع المسار السياسي، صعّد الجيش الإسرائيلي ميدانياً، فنفذ عمليات تفجير استهدفت منازل في حداثا وبيت ياحون والطيري، سُمعت أصداؤها في بلدات بنت جبيل، فيما سُجلت رشقات نارية كثيفة من الخيام. كما أنشأ بوابات عبور بين «المنطقة الصفراء» والمنطقة الحدودية وجنوب الليطاني، وواصل تجريف الطرق من حامول إلى الناقورة وصولاً إلى عيتا الشعب، وقطع أشجار معمرة على جانبي الطريق.

من حرب الاستنزاف إلى الحرب منخفضة الوتيرة

في السياق، قال العميد المتقاعد فادي داود لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يجري في جنوب لبنان لا يمكن توصيفه بأنه حرب شاملة، بل يندرج ضمن ما يعرف عسكرياً بـ(الحرب منخفضة الوتيرة)، وهي نمط من المواجهات يسمح للطرف الأقوى بمواصلة عملياته العسكرية لفترات طويلة بتكلفة محدودة، مع الحفاظ على الضغط المستمر على الخصم من دون الانزلاق إلى حرب واسعة».

وأوضح داود أن «التوصيف العسكري الأدق لما يجري اليوم هو حرب منخفضة الوتيرة، وليس مجرد خفض للتكلفة العسكرية»، مشيراً إلى أن هذا النوع من الحروب «يختلف عن الحروب التقليدية أو الحروب الشاملة، لأنه يقوم على عمليات عسكرية متقطعة ومستمرة يمكن أن تمتد لفترات طويلة بتكلفة زهيدة نسبياً بالنسبة إلى الطرف الذي يمتلك التفوق العسكري».

جندي إسرائيلي يعمل على دبابة قرب الحدود مع لبنان (أ.ب)

إسرائيل تقلب معادلة الاستنزاف

ويرى داود أن إسرائيل نجحت في قلب معادلة الاستنزاف التي حكمت المواجهات السابقة مع «حزب الله»، موضحاً أن «الحزب كان يراهن دائماً على إطالة أمد الحرب لرفع التكلفة على إسرائيل، لكن إسرائيل عكست هذه المعادلة، وأصبحت هي من تدير حرباً منخفضة الوتيرة بتكلفة تستطيع تحملها، مستفيدة من تفوقها الجوي وحرية عمل طيرانها داخل الأراضي اللبنانية».

ويشير إلى أن «هذا التحول لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يعكس توجهاً استراتيجياً لإدارة الصراع على المدى الطويل، بحيث تبقى إسرائيل صاحبة المبادرة الميدانية، فيما تفرض على خصومها معادلة ردع جديدة تجعل أي محاولة للرد أكثر تكلفة عليهم من تأثيرها عليها».

البوابات العسكرية... مؤشر إلى بقاء طويل

ولفت داود إلى أن أحد أبرز المؤشرات الميدانية على هذا التحول يتمثل في إنشاء إسرائيل ما وصفه بـ«البوابات العسكرية» على امتداد القطاع الحدودي، معتبراً أنها «لا تحمل بعداً أمنياً مؤقتاً فحسب، بل تعكس رؤية عملياتية طويلة الأمد».

ورأى أن «إقامة بوابات من هذا النوع تعني عملياً وجوداً احتلالياً، لأنها تتحكم بحركة الدخول والخروج، وتفرض رقابة على المدنيين، وتقيّد حرية التنقل، ولا تُنشأ عادة إذا كان الوجود العسكري سيقتصر على أيام أو أسابيع».

وتابع: «حين تنشئ قوة عسكرية بوابات ثابتة، فهذا يعني أنها تستعد لوجود طويل نسبياً، لأن أحداً لا يقيم بنية ميدانية من هذا النوع إذا كان ينوي الانسحاب بعد عشرة أيام أو شهر».

قاعدة تابعة لقوات الأمم المتحدة (اليونيفيل) في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

خيارات أكثر تعقيداً أمام «حزب الله»

وفي المقابل، رأى داود أن خيارات «حزب الله» في مواجهة هذا الواقع أصبحت أكثر تعقيداً، موضحاً أن إطلاق الصواريخ أو المسيّرات لم يعد يحقق المعادلات السابقة، لأن «أي هجوم من هذا النوع يستجلب رداً إسرائيلياً أشد قسوة من حجم العملية نفسها».

وأضاف أن البديل المحتمل يتمثل في العمليات المحدودة التي تنفذها مجموعات صغيرة، قائلاً: «قد نشهد عمليات نوعية تنفذها مجموعات صغيرة مؤلفة من شخصين أو ثلاثة أو خمسة عناصر، عبر كمائن أو استهداف دوريات أو ضباط، وهو النموذج الذي كان سائداً في جنوب لبنان قبل عام 2000، إلا أن الجيش الإسرائيلي بات أكثر احتياطاً واستعداداً لمواجهة هذا النوع من العمليات».

آليات عسكرية إسرائيلية تمر بمحاذاة منازل مدمرة في إحدى القرى الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

الاشتباكات ستبقى محصورة داخل المناطق المحتلة

وفي قراءة موازية، رأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ«الشرق الأوسط» أن «استمرار انخفاض وتيرة العمليات لا يعني بالضرورة انتهاء احتمالات المواجهة، لكنه يعكس حتى الآن استمرار الالتزام النسبي بوقف إطلاق النار، رغم الاعتراضات السياسية على (اتفاق الإطار)».

واعتبر ملاعب أن موقف «حزب الله» الرافض لـ«اتفاق الإطار» في الأيام الأولى «لم يترجم عملياً بعودة إلى خرق وقف إطلاق النار، باستثناء الحادثة الفردية التي وقعت في دير سريان، عندما أطلق أحد الأشخاص النار من على دورية إسرائيلية، ما أدى إلى مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود. وأضاف أنه، منذ ذلك الحين، لم تُسجل عمليات للحزب، ما يدل، بحسب تقديره، على استمرار التزامه بوقف إطلاق النار».

وقال: «لا أتوقع عودة إطلاق النار إذا نجحت الرعاية الأميركية في فرض تنفيذ التفاهمات على الأرض، لكن استمرار التوغلات والعمليات الإسرائيلية قد يؤدي إلى اشتباكات موضعية أو إلى إعادة تنشيط العمل العسكري، على أن يبقى ذلك محصوراً داخل المناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، من دون أن يتوسع إلى مواجهة شاملة».

ويخلص هذا المشهد، وفق القراءة العسكرية، إلى أن الجنوب اللبناني يشهد تحولاً في شكل إدارة الصراع أكثر مما يشهد تحولاً في أهدافه. فإسرائيل تبدو ماضية في تكريس معادلة تقوم على حرية الحركة العسكرية والإبقاء على الضغط الميداني بتكلفة منخفضة، فيما يبقى مستقبل هذه المعادلة مرتبطاً بمدى نجاح المسار السياسي في فرض انسحاب إسرائيلي فعلي، أو بتحول الاشتباكات الموضعية مجدداً إلى مواجهة أوسع داخل المناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر عليها.


واشنطن تستأنف إرسال شحنات الدولار إلى بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)
TT

واشنطن تستأنف إرسال شحنات الدولار إلى بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)

استأنفت الولايات المتحدة إرسال شحنات من الدولار الأميركي إلى العراق، بعد أشهر عدة من تعليقها «في محاولة للضغط على الحكومة العراقية كي تنأى بنفسها عن إيران»، وفق مسؤولين عراقيين.

وكان رئيس الحكومة علي الزيدي قد خص «الشرق الأوسط» بمقابلة، الاثنين الماضي، كشف خلالها عن أن «شحنات الدولار الكاش» التي احتجزتها واشنطن «وصلت بالفعل إلى بغداد» بعد «معالجة تخوفات تتعلق بالنقد السائل».

وكانت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قد أوقفت تدفق الدولار إلى العراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النقد، في أبريل (نيسان) الماضي، عبر حجب الأموال الخاصة بالعراق الناتجة عن مبيعات النفط. وقد عُدّ ذلك إجراءً استثنائياً بالنظر إلى التحالف طويل الأمد بين البلدين.

وفي ذلك الوقت، قال مسؤولون عراقيون إن واشنطن علّقت أيضاً التعاون مع الأجهزة الأمنية العراقية وأوقفت تمويلها. ولا تزال هذه الإجراءات سارية، وفق ما نقلته «نيويورك تايمز» عن مسؤول عراقي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول التصريح علناً.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

تحويلات مالية

وجاءت هذه الإجراءات العقابية في وقت كان فيه العراق يختار رئيس وزراء جديداً، بينما كانت الولايات المتحدة تحاول منع وصول مرشحين يُنظر إليهم على أنهم مقربون من إيران.

كما كانت واشنطن تطالب الحكومة العراقية بكبح جماح عدد من الميليشيات المرتبطة بإيران تعمل إلى حد كبير خارج سيطرة الدولة، وقد نفذت بين الحين والآخر هجمات استهدفت مصالح وأهدافاً أميركية داخل العراق.

وقال حيدر العبودي، المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي: «لقد استؤنفت شحنات الدولار إلى العراق»، مضيفاً أن «المشكلة قد حُلّت». كما أكد مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء، استئناف عمليات التحويل.

وقبل بضع سنوات، فَرضت قواعد مصرفية دولية جديدة، جرى الاتفاق عليها بين الولايات المتحدة والعراق، مزيداً من الشفافية على التحويلات المالية بالدولار، التي تُجرى من احتياطات العراق من العملات الأجنبية، المودعة في حساب لدى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك.

وكان الهدف من هذه القواعد الحد من التدفقات غير المشروعة للدولار إلى العناصر الإجرامية وغاسلي الأموال والأطراف التي تساعد الجماعات المسلحة في الدول المجاورة، بما فيها ذلك إيران.

تهريب الدولار

ويسهل «البنك المركزي العراقي» يومياً التحويلات المالية من حسابه لدى «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك نيابةً عن الشركات والأفراد العراقيين، لدفع قيمة السلع المستوردة من خارج العراق. وتُعدّ هذه التحويلات ضرورية لأن عدداً قليلاً من الشركات العراقية يمتلك حسابات مصرفية دولية.

وكان أحد دوافع الولايات المتحدة لتعليق شحنات الدولار في أبريل الماضي هو الحد من تهريب الدولار بواسطة الميليشيات المدعومة من إيران، وفق مسؤول في إقليم كردستان العراق شبه المستقل، آنذاك.

وتولى علي الزيدي رئاسة الوزراء في أواخر أبريل الماضي، بعد وقت قصير من تعليق الولايات المتحدة شحنات الدولار. ولم تعارض واشنطن تعيينه، وسارع إلى اتخاذ خطوات لمحاولة الحد من نفوذ الميليشيات المرتبطة بإيران في بلاده. وكان من أول قراراته إصدار أمر يقضي بإخضاع جميع الميليشيات لسلطة الدولة المباشرة.

ولطالما وجد العراق نفسه عالقاً في صراع النفوذ بين أكبر حليفين له؛ الولايات المتحدة وإيران، وتحوّل في بعض الأحيان ساحةَ مواجهات مباشرة وغير مباشرة بين الطرفين.