بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: بوتين بين مواصلة حرب مكلفة والقبول بوساطة أميركية بشروط أصعب

صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)
صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)
TT

بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو

صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)
صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)

لم يكن اعتراف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قمة أنكوراج، المدينة التي استضافتها في ولاية ألاسكا، مجرد تصحيح متأخر لرواية دبلوماسية روّج لها الكرملين طوال أشهر. فالاعتراف جاء في وقت تتعرض فيه روسيا لضغط متزامن: تعثر نسبي على خطوط القتال، وتصاعد الضربات الأوكرانية في العمق الروسي، واضطرابات في منشآت الطاقة وإمدادات الوقود، إلى جانب مؤشرات إلى أن واشنطن تعيد تقييم قدرة كييف على الصمود ومواصلة الحرب.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

منذ قمة أغسطس (آب) 2025، تحدث مسؤولون روس عن «روح أنكوراج»، موحين بأن تفاهماً أميركياً روسياً حدد طريق إنهاء الحرب، وأن العقبة الأساسية هي رفض أوكرانيا التخلي عن الأراضي التي تطالب بها موسكو. لكن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو دحض هذه الرواية بقوله إنه لو كان هناك اتفاق لانتهت الحرب، قبل أن يقرّ بوتين بأنه لم تُوقّع وثائق ولم تُبرم اتفاقات رسمية.

أم تدفع عربة أطفال أمام مبنى متضرر ومغطى برسومات فنية في كييف الاثنين (أ.ب)

هذا التراجع لا يعني أن الكرملين تخلى عن شروطه القصوى، لكنه يكشف عن أن موسكو لم تعد قادرة على تقديم قمة أنكوراج بوصفها ضمانة لتسوية قريبة. فالصفقة التي اعتقد بوتين أنه يستطيع فرضها عندما بدت أوكرانيا في موقع أضعف، أصبحت اليوم في حاجة إلى إعادة تفاوض على ضوء ميزان عسكري وسياسي أكثر تعقيداً.

حسابات واشنطن تتغير

ترى الباحثة في الشأن الروسي في معهد واشنطن، آنا بورشيفسكايا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن خيارات بوتين الأساسية تظل الاستمرار في الحرب، أو التفاوض على تسوية، أو الجمع بين المسارين. وتشدد على أن العامل الحاسم ليس رغبة ترمب المعلنة في إنهاء الحرب، بل ما إذا كان سيترجم إحباطه المتزايد من بوتين إلى دعم إضافي لأوكرانيا في هذه المرحلة الحرجة. وتضيف أن خطة الرئيس الأميركي لا تزال غير واضحة، حتى لو بقي هدفه المعلن هو وقف الحرب.

ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وتكتسب هذه القراءة أهمية في ظل تحول نسبي في لهجة واشنطن. فترمب، الذي بدا في مراحل سابقة مقتنعاً بأن أوكرانيا لا تملك أوراقاً كافية، بدأ يتحدث بإيجابية أكبر عن قدرة زيلينسكي والقوات الأوكرانية على الصمود. ولا يعني ذلك أن الإدارة الأميركية تبنت بالكامل الموقف الأوكراني، لكنه يضعف الافتراض الروسي بأن واشنطن ستضغط على كييف وحدها لتقديم تنازلات إقليمية.

من هنا، يصبح اعتراف بوتين بعدم وجود اتفاق سابق محاولة لإعادة فتح الباب أمام وساطة أميركية جديدة، بدل مواصلة التمسك بتفاهمات لم تعترف بها واشنطن أصلاً. فموسكو تحتاج الآن إلى قناة تفاوضية تعكس ميزان القوى الجديد، لا إلى استعادة صيغة أنكوراج القديمة.

رجال إطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع في سوق بالعاصمة كييف عقب هجوم روسي الاثنين الماضي (أ.ب)

ضرب العمق الروسي يرفع التكلفة

تعتمد الاستراتيجية الأوكرانية الجديدة على جعل استمرار الحرب أكثر تكلفة بالنسبة إلى روسيا، بدل السعي إلى اختراقات برية واسعة يصعب توفير القوات والذخائر اللازمة لها. ولهذا ركزت كييف ضرباتها على المصافي ومستودعات الوقود وشبكات النقل ومنشآت الاتصالات العسكرية وخطوط الإمداد المؤدية إلى شبه جزيرة القرم.

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إن القوات الأوكرانية استهدفت مصفاة نفط رئيسية في مدينة أوفا الروسية للمرة الثانية خلال أسبوع. وقد أدت الهجمات البعيدة المدى شبه اليومية على منشآت النفط الروسية إلى خلق أزمة وقود. ومصفاة أوفا تعد واحدة من أكبر المصافي التي تنتج زيوت التشحيم في روسيا، وتقع على بعد أكثر من 1000 كيلومتر (600 ميل) من أوكرانيا. ولم يؤكد المسؤولون الروس وقوع هذه الضربات.

أوكراني يدخن سيجارة أمام منزله الذي أصيب بهجوم روسي على كييف الاثنين (رويترز)

وأدت هذه الضربات إلى اضطرابات في منشآت الطاقة، ونقص في الوقود، وطوابير أمام محطات البنزين، في حين اضطر بوتين إلى التعليق على المشكلة والتعهد بزيادة إنتاج أنظمة الدفاع الجوي وتأمين الإمدادات إلى القرم. كما أظهرت الهجمات على مواقع قريبة من موسكو أن الحرب لم تعد محصورة في الجبهات الأوكرانية، وأن المواطن الروسي بات يشعر بصورة مباشرة ببعض آثارها.

وقال الكرملين، الثلاثاء، إن روسيا الغنية بالموارد، والتي تُعدّ تقليدياً مصدراً للطاقة، تجري محادثات مع دول أخرى بشأن إمكانية استيراد الوقود. ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الروسية» الحكومية (تاس)، قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن هذا قد يحدث إذا تمكنت روسيا من التوصل إلى اتفاقيات بأسعار مقبولة. وأضاف بيسكوف أن هذه ستكون خطوة أخرى نحو استقرار السوق وتهدف إلى درء الشراء المذعور. ولم يذكر دولاً محددة، لكنه قال إن هناك اتصالات قائمة. وكان نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك قد أشار أيضاً إلى الواردات كإجراء محتمل لضمان الاستقرار في سوق الوقود المحلي. وتأتي هذه التصريحات في وقت وسَّعت فيه أوكرانيا، هجماتها بشكل كبير في عمق الأراضي الروسية كجزء من دفاعها.

وتتعرض المصافي للقصف بشكل متكرر وتندلع فيها النيران. وتريد كييف تعطيل إمدادات الوقود للجيش الروسي وخفض عائدات موسكو من صناعة الطاقة، والتي تعد مهمة لتمويل الحرب.

مبنى يحترق في العاصمة الأوكرانية (أ.ب)

وفي الوقت نفسه، أصبح البنزين نادراً في الكثير من المناطق الروسية وفي الأراضي المحتلة. كما اعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً بالمشاكل الناتجة من هجمات الطائرات الأوكرانية المسيّرة، لا سيما على البنية التحتية للطاقة. وقال إنه يمكن ملاحظة نقص معين ولكنه ليس حرجاً.

أظهر تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» لبيانات سلاح الجو الأوكراني، الأربعاء، أن موسكو أطلقت عدداً أقل من الطائرات المسيّرة والصواريخ على أوكرانيا في يونيو (حزيران) مقارنة بالشهر الذي سبق، في وقت كثّفت كييف هجماتها المضادة على روسيا.

يقول الباحث بيتر دوران في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن بوتين كان يعتقد قبل عام أن قمة ألاسكا تمنحه «فرصة ذهبية» لفرض تسوية بشروطه القصوى، لكن هذه الفرصة اختفت. ويرى أن الضربات الأوكرانية المتواصلة على البنية التحتية للطاقة جعلت الروس يواجهون واقعاً لا تستطيع موسكو إخفاءه، وهو أن السيطرة على مسار الحرب تتآكل. وبالنظر إلى إشادة ترمب بصمود الأوكرانيين، يتوقع دوران أن يطالب البيت الأبيض بوتين بتنازلات أكبر في أي مفاوضات مقبلة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال جلسة عامة للمؤتمر الـ23 لحزب «روسيا الموحدة» في ملعب سسكا أرينا بموسكو 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

لكن ارتفاع تكلفة الحرب لا يعني أن المبادرة العسكرية انتقلت بالكامل إلى أوكرانيا. فما زالت روسيا تمتلك تفوقاً في عدد القوات والأسلحة التقليدية والصواريخ الباليستية، وتواصل قصف المدن والبنية التحتية الأوكرانية. التغيير الأهم هو أن هذا التفوق أصبح أكثر تكلفة وأقل قدرة على إنتاج مكاسب إقليمية سريعة.

خيارات بوتين بين التعبئة والاستنزاف

يرى الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، جون هاردي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن استراتيجية كييف تقوم على إقناع الكرملين بأن الحرب أصبحت عديمة الجدوى، وأن أوكرانيا بدأت تحقق نجاحاً في هذا الاتجاه. لكن المشكلة، وفق هاردي، هي أن بوتين ما زال يعتقد، أو يختار أن يعتقد، أن الانتصار في متناول يده، ربما بسبب التقارير المتفائلة التي يقدمها له قادته العسكريون. ولذلك تظل مطالبه القصوى أكبر من النفوذ الذي يمتلكه فعلياً في الميدان.

ويرى هاردي أنه إذا أدرك بوتين أن السيطرة على كامل دونباس لم تعد هدفاً قابلاً للتحقيق بتكلفة مقبولة، فسيكون أمامه عدد من البدائل. أولها قبول وقف غير مرضٍ لإطلاق النار، ولو بصورة مؤقتة، لإعادة بناء القوات الروسية، مع محاولة استغلال مرحلة ما بعد الحرب لإثارة الانقسامات داخل أوكرانيا والضغط عليها اقتصادياً وسياسياً.

دخان يتصاعد من مصفاة نفط في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية في موسكو 18 يونيو 2026 (رويترز)

الخيار الثاني هو إطلاق تعبئة إجبارية جديدة. غير أن المجندين الجدد يحتاجون إلى وقت للتدريب، كما أن إرسال قوات محدودة التدريب إلى الجبهة قد لا يغير الموازين. وتحمل التعبئة كذلك أخطاراً سياسية واقتصادية كبيرة؛ ولهذا يرجّح هاردي ألا يلجأ بوتين إليها إلا إذا واجهت قواته انهياراً ميدانياً واسعاً.

أما الخيار الثالثن فهو إطالة أمد الوضع الراهن: خفض العمليات البرية إلى مستوى يمكن تحمله، ومواصلة ضرب أوكرانيا بالصواريخ والمسيّرات، ومحاولة إقناع كييف بأن روسيا قادرة على خوض حرب طويلة. لكن هذه الاستراتيجية تفترض أن الاقتصاد الروسي يستطيع الصمود أكثر من الدعم الأوروبي لأوكرانيا، وهو افتراض بات أقل يقيناً مع تضرر قطاع الطاقة وارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع تدفق المتطوعين.

سكان يفرّون من مبني سكني تعرض للهجوم فى كييف (أ.ب)

وساطة أميركية بشروط جديدة

يتوقع هاردي أن تعود واشنطن إلى ملف روسيا وأوكرانيا بعد تراجع انشغالها بالأزمة الإيرانية. وقد تحدث الكرملين بالفعل عن زيارة محتملة إلى موسكو يقوم بها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لكن من دون تحديد موعد.

غير أن عودة الوساطة الأميركية لن تعني استئناف المسار السابق من النقطة التي توقف عندها. فالافتراضات التي أحاطت بقمة أنكوراج تغيرت، وقدرة أوكرانيا على الصمود والضرب في العمق الروسي أصبحت عنصراً جديداً في التفاوض. لذلك يرجح هاردي أن تسعى واشنطن إلى تحويل حالة التعادل المكلف إلى وقف لإطلاق النار، مع مطالبة موسكو بالتراجع عن بعض شروطها القصوى، ولا سيما مطالبتها بأراضٍ لم تتمكن قواتها من احتلالها. أما بوتين، فسيراهن على الوقت، وعلى تقلب مواقف ترمب، وعلى احتمال تراجع وحدة الغرب. لكن اعترافه بعدم وجود اتفاق في أنكوراج يكشف حاجته إلى تفاوض جديد بقدر ما يكشف عن خيبة أمله من المسار القديم.

لقد انتقلت الحرب إلى مرحلة لم يعد فيها أي طرف قادراً على فرض نهاية منفردة، في حين أصبحت القدرة على إنهاك الخصم اقتصادياً وسياسياً العامل الأكثر تأثيراً في شكل التسوية المقبلة.


مقالات ذات صلة

تركيا و«الاتحاد الأوروبي» إلى مزيد من التعاون «بعيداً عن العضوية»

أوروبا فيدان خلال استقباله وفد «الاتحاد الأوروبي» الذي ضم: ممثلة الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ومفوضة شؤون التوسع مارتا كوس ومفوض الشؤون الداخلية ماغنوس برونر بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة (الخارجية التركية)

تركيا و«الاتحاد الأوروبي» إلى مزيد من التعاون «بعيداً عن العضوية»

أكدت تركيا و«الاتحاد الأوروبي» التزام اتخاذ خطوات مشتركة لتعزيز التعاون في مجالات السياسة الخارجية والأمن والهجرة والاقتصاد والتجارة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد صهاريج لتخزين النفط داخل مصفاة تابعة لشركة «إيسار أويل» الهندية في فادنار بالهند (رويترز)

روسيا تشتري البنزين من الهند لمواجهة النقص الحاد

بدأت روسيا استيراد البنزين بحراً من الهند، في محاولة للتخفيف من حدة نقص الوقود الناجم عن الهجمات الأوكرانية على بنيتها التحتية للطاقة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جندي أوكراني على دبابة من طراز «تي-72» من الحقبة السوفياتية خلال مناورات عسكرية قرب خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 21 يوليو 2024 (رويترز)

موجة الحر تثقل كاهل جنود أوكرانيين داخل دبابة من الحقبة السوفياتية

مع اجتياح موجة حرّ غير مسبوقة أجزاء واسعة من أوروبا وامتدادها إلى أوكرانيا، كانت الحرارة الحارقة أشد قسوة على جنود أوكرانيين داخل دبابة من الحقبة السوفياتية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أشخاص يسيرون في الساحة الحمراء خارج الكرملين في يوم صيفي في وسط مدينة موسكو بروسيا يوم 26 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

تزايد الضغوط الداخلية في روسيا... الحرب الطويلة تضع بوتين أمام تحديات متصاعدة

بعد أكثر من 4 سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، تزداد مؤشرات الإرهاق داخل المجتمع الروسي، في وقت يواصل فيه الرئيس فلاديمير بوتين التأكيد على مواصلة الحرب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن حلف الـ«ناتو» يتكيف مع المشهد الأمني المتغير، وأن قمته المرتقبة في أنقرة ستركز ‌على اتحاده ‌وتقييم زيادة الإنفاق الدفاعي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

بازار الرئاسيات الفرنسية يكشف تشظّي الأحزاب التقليدية

مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)
مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)
TT

بازار الرئاسيات الفرنسية يكشف تشظّي الأحزاب التقليدية

مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)
مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)

بدأ العدّ العكسي للانتخابات الرئاسية في فرنسا، بعد أن أعلنت الوزيرة مود بريجون، الناطقة باسم الحكومة، رسمياً، موعدها مع نهاية اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه برئاسة إيمانويل ماكرون.

وبحسب بريجون، فإن موعد الجولة الأولى حُدد في 18 أبريل (نيسان) المقبل، فيما الدورة الثانية ستنعقد في 2 مايو (أيار). وعجل برونو روتايو، وزير الداخلية السابق ورئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي ومرشحه للانتخابات المقبلة، إلى توجيه انتقاد لاذع للموعد، خصوصاً أن الدورة الثانية ستوافق يوم الأحد، واليوم التالي لعيد العمل. وتشهد البلاد تقليدياً مسيرات النقابات العمالية وترافقها خطابات ومواقف سياسية، ما لا يتوافق مع «الصمت الانتخابي» المفروض احترامه قبل يوم الانتخابات.

وقال روتايو للقناة الإخبارية «سي نيوز»، إن خيار الحكومة يفيد اليسار؛ «لأن جولة ثانية بعد الأول من مايو من شأنها إسداء خدمة لليسار». وبالنظر للوضع السياسي الراهن في فرنسا، فقد أمل روتايو ألا تشهد الجولة الثانية تنافس مرشحي الحزبين الأكثر راديكالية؛ أي حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، وحزب «فرنسا الأبية» المتشدد الذي يقوده جان لوك ميلونشون.

وردّت الوزيرة بريجون على المرشح روتايو، مؤكدة أن قاعدة الصمت الانتخابي «سوف تحترم»، مضيفة أنها «تثق بحس المسؤولية لدى القوى السياسية التي ستطبق هذه القاعدة».

مارين لوبان أو جوردان باريلا

ثمة شبه إجماع في فرنسا على اعتبار أن الرئاسيات المقبلة لا تشبه ما سبقها من انتخابات من هذا النوع؛ فالعلامة البارزة في المشهد السياسي الراهن عنوانه هيمنة مرشح «أو مرشحي» اليمين المتطرف على كافة استطلاعات الرأي في الأشهر الأخيرة بشكل غير مسبوق. غير أن مشكلة هذا الحزب أنه، حتى اليوم، لم تُعرف هوية من سيخوض باسمه هذه الانتخابات.

جوردان بارديلا رئيس حزب «التجمع الوطني» خلال جلسة في البرلمان الأوروبي يوم 30 يونيو (أ.ف.ب)

ذلك أن مارين لوبان، مرشحته «الطبيعية» وابنة مؤسسه جان ماري لوبان، ليست متأكدة من خوض المنافسة، ومصيرها مرهون بالحكم الذي سيصدر عن محكمة الاستئناف في 7 الشهر الحالي في «قضية المساعدين البرلمانيين» في الاتحاد الأوروبي؛ ففي العام الماضي، صدر بحقها حكم يتضمن عدة عقوبات، أبرزها حرمانها من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات مع التنفيذ الفوري.

وإذا أكدت محكمة الاستئناف هذا الحكم، فإن لوبان التي خاضت الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات ستجد نفسها خارج السباق. وعندها سيحل مكانها رئيس الحزب، جورادن بارديلا، البالغ من العمر 29 عاماً. والحال أن الأخير تدور بشأنه شبهات استخدام أموال الاتحاد الأوروبي في مآرب شخصية. ولكن في كافة الأحوال، فإن الاثنين يتصدران وبشكل غير مسبوق استطلاعات الرأي، إلى درجة أنهما يتصدران بعشرين نقطة المرشح الذي يحتل المرتبة الثانية.

فرنسا تميل يميناً

بيد أن الصعوبة تكمن في تحديد هوية المرشح المنافس القادر على الوصول إلى الجولة الانتخابية الثانية والحاسمة.

فالوضع السياسي متغير، والمرشحون كثر إلى حد لم تعرفه فرنسا في السابق بسبب التشظي السياسي والمنافسات والطموحات داخل الحزب الواحد.

وحتى اليوم، ثمة مرشحان اثنان؛ هما إدوار فيليب رئيس الحكومة الأسبق، وجان لوك ميلونشون. لكن الأول يعاني من تحدٍّ يُدعى غبريال أتال، الذي شغل في السابق منصب رئيس الحكومة ويشغل حالياً رئيس حزب «الانبعاث» «Renaissance»، أي حزب الرئيس ماكرون الذي يمنعه الدستور من الترشح لولاية ثالثة. أما فيليب فيترأس حزب «آفاق» «Horizons» الداعم بدوره لحكم ماكرون، ويُشكّل الحزبان وحزب «الحركة الديمقراطية» «Modem» ما يسمى «الكتلة المركزية» معقودة الولاء للرئيس الفرنسي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بانتظار وصول الرئيس البرتغالي إلى قصر الإليزيه يوم 1 يوليو (إ.ب.أ)

والحال، أن استطلاعات الرأي تقدر أن فيليب يمكن أن يحصل على ما يقارب 16 في المائة شرط أن يمتنع أتال عن الترشح. ونبه فيليب، الأربعاء، في حديث لإذاعة «آر تي إل» من أن تعدد الترشيحات داخل الكتلة المركزية يمكن اعتباره «أمراً خطيراً»؛ لأنه سيفتح باب المواجهة في الدورة الثانية بين بارديلا وميلونشون.

وحتى اليوم، يبدو فيليب متفوقاً على أتال. لكن الوضع متحرك، وأتال مُصرّ أكثر من أي يوم مضى على خوض غمار المنافسة الانتخابية. وفي أي حال، فإن غياب ماكرون الذي فاز بولايتين متعاقبتين فتحت الباب الشهوات الرئاسية على مصراعيه.

وتفيد كافة الدراسات السوسيولوجية أن فرنسا، كغالبية الدول الأوروبية، تميل إلى اليمين واليمين المتطرف. والحال أن هذا «المعسكر» بجناحيه منقسم على ذاته رغم وجود محددات مشتركة بينهما، مثل التشدد في مسائل الهجرات، والأمن، وإزاء الحركات الإسلاموية. وثمة «لعبة» سياسية تقوم على سعي مرشح اليمين المتطرف إلى اجتذاب ناخبي اليمين التقليدي، بينما الأخير يتبنى أكثر فأكثر طروحات ومقترحات اليمين الراديكالي، لا بل إنه يزايد عليه أحياناً. والدليل على ذلك أن روتايو الذي لا تلتف حوله كل تيارات اليمين التقليدي لم يتردد، الأربعاء، في الإعلان عن أنه يدعو إلى إلغاء حق الذين سيولدون على الأراضي الفرنسية من الحصول على الجنسية الفرنسية.

تفتت اليسار

ليست الأمور أفضل حالاً في مقلب اليسار؛ فداخل الحزب الاشتراكي، هناك ما لا يقل عن ثمانية طامحين للترشح، بينهم أمينه العام أولفيه فور، ورئيس مجموعته البرلمانية بوريس فالو، والرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند. يضاف إلى هؤلاء مرشح لا ينتمي إلى الحزب، هو النائب الأوروبي رافاييل غلوكسمان ورئيس حزب «الساحة العامة» الذي يحظى بدعم قوي من قسم من الاشتراكيين ليكون مرشح اليسار المعتدل؛ أي غير الراغب في التحالف مع ميلونشون.

إلا أن حسابات الأخير، الذي سبق له أن خاض ثلاث انتخابات رئاسية، تقوم على اعتبار أنه الأوفر حظاً للوصول إلى الدورة الثانية. وفي انتخابات عام 2022، كاد يبلغ الجولة الحاسمة لو لم يترشح إلى جانبه أوليفيه فور عن الاشتراكيين، وفابيان روسيل عن الحزب الشيوعي، فضلاً عن مرشحة هامشية عن اليسار التروتسكي، ما بدّد أصوات اليسار.

جان لوك ميلونشون مرشح «فرنسا الأبية» لدى وصوله إلى ساحة «لاريبوبليكا» في باريس للمشاركة في حفل موسيقي مساء 21 يونيو (أ.ف.ب)

ولا يبدو حتى اليوم أن الأحزاب اليسارية وحزب الخضر الذي ترشحت باسمه أمينته العامة مارين توندوليه، قادرة على التغلب على انقساماتها العميقة وطموحات قادتها، أو حتى التوافق على نهج من التنافس الداخلي لاختيار الشخصية الأكثر حظاً لخوض المعركة الرئاسية. ويذهب بعض قادة اليسار المعتدل إلى اعتبار ميلونشون «عقبة» بوجه عودته إلى السلطة، بينما الأخير يراهن على شعبيته، وعلى خبرته، وعلى قدراته الخطابية لسحب البساط من تحت أرجل منافسيه.

وثمة من يدعو من داخل اليسار إلى تنظيم انتخابات تمهيدية داخلية لكافة تشكيلات اليسار. إلا أن الاشتراكيين يرفضون هذا المبدأ، ويقبلون بانتخابات داخلية، ولكن بعيداً عن حزب «فرنسا الأبية».

ما سبق غيض من فيض؛ فبازار الترشيحات فتح، والراغبون بها بعضهم خرج إلى العلن، والبعض الآخر يتهيأ لذلك. وكل يوم، تبرز مقترحات جديدة؛ إنْ بالنسبة للاتحاد الأوروبي، أو بالنسبة للسياسات الداخلية، والمديونية، والاقتصاد، وغلاء المعيشة، فضلاً عن أزمة نظام التقاعد والطاقة. وما يعكسه هذا الواقع بالدرجة الأولى، ضمور الأحزاب التقليدية يميناً ويساراً، وتشظّي المشهد السياسي، والذهاب نحو ما يمكن اعتباره تضخم الأطراف الراديكالية على حساب المركز أو الأحزاب المعتدلة.


ألمانيا تعتزم إبرام اتفاقيات لإنتاج أسلحة أميركية على أراضيها

من اليسار: الأمين العام لحلف الناتو مارك روته والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال مؤتمر صحافي يوم 1 يوليو 2026 في وزارة الدفاع بالعاصمة الألمانية برلين (أ.ف.ب)
من اليسار: الأمين العام لحلف الناتو مارك روته والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال مؤتمر صحافي يوم 1 يوليو 2026 في وزارة الدفاع بالعاصمة الألمانية برلين (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا تعتزم إبرام اتفاقيات لإنتاج أسلحة أميركية على أراضيها

من اليسار: الأمين العام لحلف الناتو مارك روته والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال مؤتمر صحافي يوم 1 يوليو 2026 في وزارة الدفاع بالعاصمة الألمانية برلين (أ.ف.ب)
من اليسار: الأمين العام لحلف الناتو مارك روته والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال مؤتمر صحافي يوم 1 يوليو 2026 في وزارة الدفاع بالعاصمة الألمانية برلين (أ.ف.ب)

أعلن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، الأربعاء، أنّ ألمانيا ترغب في أن تنتج على أراضيها المزيد من الأسلحة الأميركية التي يحتاج إليها جيشها، في وقت تسعى إلى تطوير التعاون العسكري الصناعي الألماني الأميركي، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

تأتي تصريحات بيستوريوس قبل أيام من انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في السابع والثامن من يوليو (تموز) في تركيا، التي سيكون تعزيز الجيوش الأوروبية محور نقاشاتها، وذلك بينما يتعيّن على الأوروبيين، بضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بذل المزيد من الجهد لتعزيز أمنهم الخاص وإنفاق المزيد على الصعيد الدفاعي.

وقال بيستوريوس للصحافيين إلى جانب المستشار الألماني فريديريش ميرتس والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الذي كان ضيفاً في اجتماع مجلس الوزراء في برلين: «نعرف أنّ القدرات الإنتاجية الأميركية محدودة وأن من الضروري زيادتها».

وأضاف: «لهذا السبب نحن مهتمون بتصنيع أنظمة معيّنة، أو مكوّنات أنظمة، هنا في ألمانيا».

وارتفع الطلب على بعض المعدات الأميركية، خصوصاً الصواريخ والأنظمة الدفاعية مثل «باتريوت»، في مواجهة الأزمات والحروب المتزايدة في العالم، فيما تبقى المخزونات محدودة لهذه الأسلحة التي استُخدمت بأعداد كبيرة في أوكرانيا وفي الحرب في الشرق الأوسط.

وتسعى ألمانيا ودول أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي إلى تطوير صناعاتها العسكرية بالتوازي، في حين يهدد ترمب باستمرار بالتخلي عن التزاماته إزاء شركائه الأوروبيين، ويخطط لتقليص الوجود العسكري الأميركي في القارة.

وقال وزير الدفاع الألماني: «لا أحد، من خلال الدعوة إلى مزيد من الاستقلال، يريد التخلي عن الأنظمة الأميركية»، مشيراً إلى أنّ هناك أسلحة تنتجها أوروبا «ونحن بحاجة ماسة إليها في السنوات الخمس إلى العشر المقبلة».

من جانبه، رحّب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي بجهود ألمانيا لتعزيز جيشها، مؤكداً أنّ قمة الحلف ستتناول خصوصاً كيفية «تعزيز صناعاتنا الدفاعية بشكل كبير».

وأكد أنّه حتى لو انتهت الحرب في أوكرانيا «ستظل روسيا تشكل تهديداً طويل الأمد للأمن الأوروبي-الأطلسي».


ستارمر: العنصرية والتعصب تفاقما في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجوابه في «مجلس العموم البريطاني» بلندن يوم 1 يوليو 2026 (د.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجوابه في «مجلس العموم البريطاني» بلندن يوم 1 يوليو 2026 (د.ب.أ)
TT

ستارمر: العنصرية والتعصب تفاقما في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجوابه في «مجلس العموم البريطاني» بلندن يوم 1 يوليو 2026 (د.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجوابه في «مجلس العموم البريطاني» بلندن يوم 1 يوليو 2026 (د.ب.أ)

قال رئيس الوزراء البريطاني المستقيل، كير ستارمر، الأربعاء، إن العنصرية والتعصب تفاقما في البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة، محذّراً بأن ذلك يضر بالتماسك الاجتماعي، ويثني الناس عن المشاركة في الحياة العامة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت هذه التصريحات بعد يوم من تقرير نشرته «رويترز» أفاد بأن بعض البريطانيين من الأقليات العرقية يخشون عودة مظاهر العنصرية المرتبطة بالخطاب المناهض للمهاجرين والتركيز السياسي على الجريمة، في أعقاب اضطرابات شهدتها البلاد، من بينها احتجاجات اندلعت في ساوثهامبتون بعد واقعة قتل، وأعمال شغب في بلفاست أعقبت هجوماً بسكين.

ورداً على أسئلة في البرلمان، قال ستارمر: «العنصرية والتعصب متفشيان في كل مكان».

وكان ستارمر يرد على أحد النواب عبّر عن قلقه من أن العنصرية، والتحريض على العنف المرتبط بها، أصبحا أمراً عادياً، بما في ذلك من قبل بعض السياسيين.

وقال ستارمر: «علينا التعامل مع هذه المشكلة؛ لأنها تمزق مجتمعاتنا... وينبغي على كل شخص يعمل في السياسة على أي مستوى في هذا البلد أن يندد بها».

وأشار تقرير «رويترز» الصادر الثلاثاء إلى تحذيرات من نقابات وهيئات مهنية بشأن ازدياد الإساءات العنصرية في أماكن العمل والحياة العامة، إلى جانب تصاعد التوتر في أعقاب الاضطرابات التي شهدتها بريطانيا.