بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: بوتين بين مواصلة حرب مكلفة والقبول بوساطة أميركية بشروط أصعب

صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)
صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)
TT

بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو

صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)
صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)

لم يكن اعتراف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قمة أنكوراج، المدينة التي استضافتها في ولاية ألاسكا، مجرد تصحيح متأخر لرواية دبلوماسية روّج لها الكرملين طوال أشهر. فالاعتراف جاء في وقت تتعرض فيه روسيا لضغط متزامن: تعثر نسبي على خطوط القتال، وتصاعد الضربات الأوكرانية في العمق الروسي، واضطرابات في منشآت الطاقة وإمدادات الوقود، إلى جانب مؤشرات إلى أن واشنطن تعيد تقييم قدرة كييف على الصمود ومواصلة الحرب.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

منذ قمة أغسطس (آب) 2025، تحدث مسؤولون روس عن «روح أنكوراج»، موحين بأن تفاهماً أميركياً روسياً حدد طريق إنهاء الحرب، وأن العقبة الأساسية هي رفض أوكرانيا التخلي عن الأراضي التي تطالب بها موسكو. لكن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو دحض هذه الرواية بقوله إنه لو كان هناك اتفاق لانتهت الحرب، قبل أن يقرّ بوتين بأنه لم تُوقّع وثائق ولم تُبرم اتفاقات رسمية.

أم تدفع عربة أطفال أمام مبنى متضرر ومغطى برسومات فنية في كييف الاثنين (أ.ب)

هذا التراجع لا يعني أن الكرملين تخلى عن شروطه القصوى، لكنه يكشف عن أن موسكو لم تعد قادرة على تقديم قمة أنكوراج بوصفها ضمانة لتسوية قريبة. فالصفقة التي اعتقد بوتين أنه يستطيع فرضها عندما بدت أوكرانيا في موقع أضعف، أصبحت اليوم في حاجة إلى إعادة تفاوض على ضوء ميزان عسكري وسياسي أكثر تعقيداً.

حسابات واشنطن تتغير

ترى الباحثة في الشأن الروسي في معهد واشنطن، آنا بورشيفسكايا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن خيارات بوتين الأساسية تظل الاستمرار في الحرب، أو التفاوض على تسوية، أو الجمع بين المسارين. وتشدد على أن العامل الحاسم ليس رغبة ترمب المعلنة في إنهاء الحرب، بل ما إذا كان سيترجم إحباطه المتزايد من بوتين إلى دعم إضافي لأوكرانيا في هذه المرحلة الحرجة. وتضيف أن خطة الرئيس الأميركي لا تزال غير واضحة، حتى لو بقي هدفه المعلن هو وقف الحرب.

ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وتكتسب هذه القراءة أهمية في ظل تحول نسبي في لهجة واشنطن. فترمب، الذي بدا في مراحل سابقة مقتنعاً بأن أوكرانيا لا تملك أوراقاً كافية، بدأ يتحدث بإيجابية أكبر عن قدرة زيلينسكي والقوات الأوكرانية على الصمود. ولا يعني ذلك أن الإدارة الأميركية تبنت بالكامل الموقف الأوكراني، لكنه يضعف الافتراض الروسي بأن واشنطن ستضغط على كييف وحدها لتقديم تنازلات إقليمية.

من هنا، يصبح اعتراف بوتين بعدم وجود اتفاق سابق محاولة لإعادة فتح الباب أمام وساطة أميركية جديدة، بدل مواصلة التمسك بتفاهمات لم تعترف بها واشنطن أصلاً. فموسكو تحتاج الآن إلى قناة تفاوضية تعكس ميزان القوى الجديد، لا إلى استعادة صيغة أنكوراج القديمة.

رجال إطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع في سوق بالعاصمة كييف عقب هجوم روسي الاثنين الماضي (أ.ب)

ضرب العمق الروسي يرفع التكلفة

تعتمد الاستراتيجية الأوكرانية الجديدة على جعل استمرار الحرب أكثر تكلفة بالنسبة إلى روسيا، بدل السعي إلى اختراقات برية واسعة يصعب توفير القوات والذخائر اللازمة لها. ولهذا ركزت كييف ضرباتها على المصافي ومستودعات الوقود وشبكات النقل ومنشآت الاتصالات العسكرية وخطوط الإمداد المؤدية إلى شبه جزيرة القرم.

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إن القوات الأوكرانية استهدفت مصفاة نفط رئيسية في مدينة أوفا الروسية للمرة الثانية خلال أسبوع. وقد أدت الهجمات البعيدة المدى شبه اليومية على منشآت النفط الروسية إلى خلق أزمة وقود. ومصفاة أوفا تعد واحدة من أكبر المصافي التي تنتج زيوت التشحيم في روسيا، وتقع على بعد أكثر من 1000 كيلومتر (600 ميل) من أوكرانيا. ولم يؤكد المسؤولون الروس وقوع هذه الضربات.

أوكراني يدخن سيجارة أمام منزله الذي أصيب بهجوم روسي على كييف الاثنين (رويترز)

وأدت هذه الضربات إلى اضطرابات في منشآت الطاقة، ونقص في الوقود، وطوابير أمام محطات البنزين، في حين اضطر بوتين إلى التعليق على المشكلة والتعهد بزيادة إنتاج أنظمة الدفاع الجوي وتأمين الإمدادات إلى القرم. كما أظهرت الهجمات على مواقع قريبة من موسكو أن الحرب لم تعد محصورة في الجبهات الأوكرانية، وأن المواطن الروسي بات يشعر بصورة مباشرة ببعض آثارها.

وقال الكرملين، الثلاثاء، إن روسيا الغنية بالموارد، والتي تُعدّ تقليدياً مصدراً للطاقة، تجري محادثات مع دول أخرى بشأن إمكانية استيراد الوقود. ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الروسية» الحكومية (تاس)، قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن هذا قد يحدث إذا تمكنت روسيا من التوصل إلى اتفاقيات بأسعار مقبولة. وأضاف بيسكوف أن هذه ستكون خطوة أخرى نحو استقرار السوق وتهدف إلى درء الشراء المذعور. ولم يذكر دولاً محددة، لكنه قال إن هناك اتصالات قائمة. وكان نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك قد أشار أيضاً إلى الواردات كإجراء محتمل لضمان الاستقرار في سوق الوقود المحلي. وتأتي هذه التصريحات في وقت وسَّعت فيه أوكرانيا، هجماتها بشكل كبير في عمق الأراضي الروسية كجزء من دفاعها.

وتتعرض المصافي للقصف بشكل متكرر وتندلع فيها النيران. وتريد كييف تعطيل إمدادات الوقود للجيش الروسي وخفض عائدات موسكو من صناعة الطاقة، والتي تعد مهمة لتمويل الحرب.

مبنى يحترق في العاصمة الأوكرانية (أ.ب)

وفي الوقت نفسه، أصبح البنزين نادراً في الكثير من المناطق الروسية وفي الأراضي المحتلة. كما اعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً بالمشاكل الناتجة من هجمات الطائرات الأوكرانية المسيّرة، لا سيما على البنية التحتية للطاقة. وقال إنه يمكن ملاحظة نقص معين ولكنه ليس حرجاً.

أظهر تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» لبيانات سلاح الجو الأوكراني، الأربعاء، أن موسكو أطلقت عدداً أقل من الطائرات المسيّرة والصواريخ على أوكرانيا في يونيو (حزيران) مقارنة بالشهر الذي سبق، في وقت كثّفت كييف هجماتها المضادة على روسيا.

يقول الباحث بيتر دوران في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن بوتين كان يعتقد قبل عام أن قمة ألاسكا تمنحه «فرصة ذهبية» لفرض تسوية بشروطه القصوى، لكن هذه الفرصة اختفت. ويرى أن الضربات الأوكرانية المتواصلة على البنية التحتية للطاقة جعلت الروس يواجهون واقعاً لا تستطيع موسكو إخفاءه، وهو أن السيطرة على مسار الحرب تتآكل. وبالنظر إلى إشادة ترمب بصمود الأوكرانيين، يتوقع دوران أن يطالب البيت الأبيض بوتين بتنازلات أكبر في أي مفاوضات مقبلة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال جلسة عامة للمؤتمر الـ23 لحزب «روسيا الموحدة» في ملعب سسكا أرينا بموسكو 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

لكن ارتفاع تكلفة الحرب لا يعني أن المبادرة العسكرية انتقلت بالكامل إلى أوكرانيا. فما زالت روسيا تمتلك تفوقاً في عدد القوات والأسلحة التقليدية والصواريخ الباليستية، وتواصل قصف المدن والبنية التحتية الأوكرانية. التغيير الأهم هو أن هذا التفوق أصبح أكثر تكلفة وأقل قدرة على إنتاج مكاسب إقليمية سريعة.

خيارات بوتين بين التعبئة والاستنزاف

يرى الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، جون هاردي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن استراتيجية كييف تقوم على إقناع الكرملين بأن الحرب أصبحت عديمة الجدوى، وأن أوكرانيا بدأت تحقق نجاحاً في هذا الاتجاه. لكن المشكلة، وفق هاردي، هي أن بوتين ما زال يعتقد، أو يختار أن يعتقد، أن الانتصار في متناول يده، ربما بسبب التقارير المتفائلة التي يقدمها له قادته العسكريون. ولذلك تظل مطالبه القصوى أكبر من النفوذ الذي يمتلكه فعلياً في الميدان.

ويرى هاردي أنه إذا أدرك بوتين أن السيطرة على كامل دونباس لم تعد هدفاً قابلاً للتحقيق بتكلفة مقبولة، فسيكون أمامه عدد من البدائل. أولها قبول وقف غير مرضٍ لإطلاق النار، ولو بصورة مؤقتة، لإعادة بناء القوات الروسية، مع محاولة استغلال مرحلة ما بعد الحرب لإثارة الانقسامات داخل أوكرانيا والضغط عليها اقتصادياً وسياسياً.

دخان يتصاعد من مصفاة نفط في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية في موسكو 18 يونيو 2026 (رويترز)

الخيار الثاني هو إطلاق تعبئة إجبارية جديدة. غير أن المجندين الجدد يحتاجون إلى وقت للتدريب، كما أن إرسال قوات محدودة التدريب إلى الجبهة قد لا يغير الموازين. وتحمل التعبئة كذلك أخطاراً سياسية واقتصادية كبيرة؛ ولهذا يرجّح هاردي ألا يلجأ بوتين إليها إلا إذا واجهت قواته انهياراً ميدانياً واسعاً.

أما الخيار الثالثن فهو إطالة أمد الوضع الراهن: خفض العمليات البرية إلى مستوى يمكن تحمله، ومواصلة ضرب أوكرانيا بالصواريخ والمسيّرات، ومحاولة إقناع كييف بأن روسيا قادرة على خوض حرب طويلة. لكن هذه الاستراتيجية تفترض أن الاقتصاد الروسي يستطيع الصمود أكثر من الدعم الأوروبي لأوكرانيا، وهو افتراض بات أقل يقيناً مع تضرر قطاع الطاقة وارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع تدفق المتطوعين.

سكان يفرّون من مبني سكني تعرض للهجوم فى كييف (أ.ب)

وساطة أميركية بشروط جديدة

يتوقع هاردي أن تعود واشنطن إلى ملف روسيا وأوكرانيا بعد تراجع انشغالها بالأزمة الإيرانية. وقد تحدث الكرملين بالفعل عن زيارة محتملة إلى موسكو يقوم بها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لكن من دون تحديد موعد.

غير أن عودة الوساطة الأميركية لن تعني استئناف المسار السابق من النقطة التي توقف عندها. فالافتراضات التي أحاطت بقمة أنكوراج تغيرت، وقدرة أوكرانيا على الصمود والضرب في العمق الروسي أصبحت عنصراً جديداً في التفاوض. لذلك يرجح هاردي أن تسعى واشنطن إلى تحويل حالة التعادل المكلف إلى وقف لإطلاق النار، مع مطالبة موسكو بالتراجع عن بعض شروطها القصوى، ولا سيما مطالبتها بأراضٍ لم تتمكن قواتها من احتلالها. أما بوتين، فسيراهن على الوقت، وعلى تقلب مواقف ترمب، وعلى احتمال تراجع وحدة الغرب. لكن اعترافه بعدم وجود اتفاق في أنكوراج يكشف حاجته إلى تفاوض جديد بقدر ما يكشف عن خيبة أمله من المسار القديم.

لقد انتقلت الحرب إلى مرحلة لم يعد فيها أي طرف قادراً على فرض نهاية منفردة، في حين أصبحت القدرة على إنهاك الخصم اقتصادياً وسياسياً العامل الأكثر تأثيراً في شكل التسوية المقبلة.


مقالات ذات صلة

من هو ميخايلو دراباتي القائد الجديد للجيش الأوكراني؟

أوروبا اللواء ميخايلو دراباتي يحضر اجتماعاً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف... 20 يوليو 2026 (رويترز)

من هو ميخايلو دراباتي القائد الجديد للجيش الأوكراني؟

تولّى ميخايلو دراباتي قيادة الجيش الأوكراني وسط أزمة سياسية، مدعوماً بسمعة إصلاحية وشعبية واسعة، فيما يواجه تحديات عسكرية وتنظيمية وتوقعات مرتفعة في الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الدخان يتصاعد من مخزن تابع لشركة «وايلدبيريز» الروسية العملاقة بعد هجوم أوكراني يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من فيديو متداول (رويترز)

للمرة الثانية خلال أسبوع... أوكرانيا تضرب أكبر شركة روسية للتجارة الإلكترونية

للمرة الثانية خلال أسبوع، استهدفت مسيّرات أوكرانية، الأربعاء، شركة ضخمة للتجارة الإلكترونية في روسيا، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة 15 آخرين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الجنرال مايكل كلايسون رئيس أركان الجيش السويدي خلال مؤتمر صحافي عام 2024 (أ.ف.ب)

رئيس أركان الجيش السويدي يحذّر من هجوم روسي لاختبار تماسك الناتو

يحذّر رئيس أركان الجيش السويدي من احتمال سعي روسيا إلى اختبار تماسك الناتو، فيما تعزّز السويد وحلفاؤها دفاعات الجبهة الشمالية لأوروبا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا من اليمين القائد الأعلى المعيّن حديثاً للقوات المسلحة الأوكرانية اللواء ميخايلو دراباتي والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والقائد الأعلى للقوات المسلحة المُقال حديثاً الجنرال أولكسندر سيرسكي ووزير الدفاع بالوكالة يفغيني خامارا يقفون لالتقاط صورة بعد اجتماع وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف 22 يوليو 2026 (رويترز)

زيلينسكي يبدّل قيادة الجيش الأوكراني... ورهان على التحديث في مواجهة روسيا

أقال زيلينسكي قائد الجيش الأوكراني وعيّن قيادة جديدة في خطوة تهدف إلى احتواء أزمة داخلية ودفع تحديث المؤسسة العسكرية مع استمرار الحرب مع روسيا.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا أرشيفية لمُسيرة أوكرانية اعتُرضت في بيلغورود الروسية (أ.ف.ب)

أوكرانيا تضرب مجدداً أكبر شركة روسية للتجارة الإلكترونية

استهدفت مسيّرات أوكرانية، الأربعاء، وللمرة الثانية خلال أسبوع، شركة ضخمة للتجارة الإلكترونية في روسيا

«الشرق الأوسط» (موسكو)