24.7 مليون ناخب أمام امتحان المشاركة في تشريعيات الجزائر

«أزمة الثقة» وغربال الترشيحات يربكان عملية اختيار 407 برلمانيين

وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
TT

24.7 مليون ناخب أمام امتحان المشاركة في تشريعيات الجزائر

وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)

تنظم الجزائر، الخميس، انتخابات برلمانية، التحدي الأكبر فيها مدى اقتناع 24.7 مليون ناخب بالتوجه إلى الصندوق، بالنظر للبرود الشديد الذي ميز الحملة الانتخابيةـ وإقصاء المئات من المترشحين في بداية العملية من قِبل هيئة الانتخابات، بناءً على التقارير الأمنية والقضائية المتعلقة بشبهات «المال الفاسد» أو «عدم الأهلية».

دعوات للاقتراع

دعت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، الأربعاء، عبر رسائل هاتفية قصيرة، «كافة الناخبات والناخبين إلى المشاركة الواسعة في انتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني يوم 2 يوليو (تموز) 2026»، مرفقة ذلك بخطاب دعائي جاء فيه: «كن شريكاً وفاعلاً في صناعة القرار... صوت وشارك».

التصويت بمكاتب الانتخاب المتنقلة بالصحراء (سلطة الانتخابات)

ويفهم من هذه الرسالة، ومن تكرارها في الأيام السابقة، أن هيئة الانتخابات والسلطة التنفيذية المشرفة على التنظيم المادي للاستحقاق، تخشيان عزوفاً كبيراً عن الصندوق شبيهاً بالمقاطعة الكبيرة التي شهدها اقتراع 2021، حيث بلغت نسبة التصويت 23 في المائة فقط، مقابل عزوف اقترب من 77 في المائة.

وبحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن سلطة الانتخابات، فقد بلغ إجمالي عدد الناخبين المسجلين في اللائحة الانتخابية 24.7 مليون ناخبٍ، منهم 23.8 مليون داخل البلاد، و854 ألف ناخبٍ من أفراد الجالية الوطنية المقيمة بالخارج، الذين انطلقت عملية تصويتهم، السبت الماضي.

أطر سلطة الانتخابات تضع آخر اللمسات على العملية الانتخابية (سلطة الانتخابات)

ويتنافس نحو 10 آلاف مترشح على 407 مقاعد بـ«المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، في حين يتطلب الحصول على الأغلبية المطلقة حصد 204 مقاعد. وينتمي أغلبية المتنافسين إلى ثمانية أحزاب كبيرة. أربعة منها موالية للحكومة، وهي: «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني». وأربعة أحزاب معارضة، ثلاثة منها غابت عن الموعد الانتخابي السابق لأسباب مرتبطة بموقف الحراك الشعبي الرافض له، وهي: «جبهة القوى الاشتراكية»، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، و«حزب العمال»، و«حركة مجتمع السلم»، التي كانت الحزب الوحيد ضمن كتلة المعارضة المنخرطة في استحقاق 2021، وظلت طيلة خمس سنوات الصوت المعارض الوحيد لسياسات الحكومة في البرلمان، وسط أغلبية كبيرة، كانت سنداً قوياً للسلطة بخصوص تمرير نصوص تشريعية، أثارت جدلاً كبيراً بسبب تعارضها مع الحقوق والحريات.

مشاهد من ختام حملة «حركة مجتمع السلم» (إعلام حزبي)

وخلال الحملة التي دامت ثلاثة أسابيع، فضَّلت الأحزاب ومرشحوها ما سُمي بـ«التواصل الجواري» مع الناخبين في القرى والمدن، بدلاً من المهرجانات الشعبية المألوفة، لعلمهم المسبق أن غالبية الجزائريين غير متحمسين للاستحقاق، ولذلك تفادت مشاهد القاعات والفضاءات الفارغة. وقد واجه بعض قادة الأحزاب مواقف محرجة عند نزولهم إلى الميدان، خصوصاً عندما كانوا يُسألون: «من أنتم؟» أو «ماذا تفعلون هنا؟»، أو «أنتم تسعون فقط من أجل راتب البرلماني».

وعشية انطلاق التصويت، أدلى الرئيس بالنيابة للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، كريم خلفان، بانطباعاته الأولى حول انتخاب الجزائريين المقيمين بالخارج، مؤكداً للتلفزيون العمومي «مشاركة مقبولة في الدوائر الانتخابية الثمانية، التي تغطي الجالية الوطنية بالخارج»، مستشهداً على وجه الخصوص بباريس وليل ومرسيليا في فرنسا، وتونس وواشنطن والدوحة وبروكسل ومدريد. وقال بهذا الخصوص: «رغم درجات الحرارة المرتفعة جداً في عدة بلدان، فإن المواطنين الجزائريين المقيمين بالخارج يواصلون الاستجابة بشكل إيجابي لواجبهم الانتخابي».

«مقصلة الشبهة»

عرفت مرحلة إعداد قوائم الترشيحات إبعاد 3 آلاف مترشح، رفضهم غربال التحقيقات الأمنية، الذي فعّل في ملفاتهم نصاً في قانون الانتخابات فجّر استياء كبيراً داخل الأحزاب، حيث حرمهم من كفاءات مهمة، يتعلق أساساً بارتباط الشخص المعني «بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين، وحسن سير العملية الانتخابية».

المركز الدولي للمؤتمرات حيث سيتابع الصحافيون نسب التصويت خلال يوم الانتخاب (سلطة الانتخابات)

وأكدت المعارضة أن هذا المبرر ينطوي على تحكم السلطة بشكل كامل في العملية الانتخابية، فرغم أن ما تم الإعلان عنه هو محاربة «المال الفاسد»، و«عدم الأهلية»، وهي معايير بدت قانونية وإصلاحية في ظاهرها، فإن النص يشير، حسب المحتجين، إلى تقليص الهامش الديمقراطي، وتصفية مسبقة لقوائم الترشيحات، مما أسهم في تقديرهم في تعميق برود الحملة الانتخابية.

وفي محاولة لتفكيك المشهد الانتخابي، يقول المحلل السياسي بشير حسني تهامي: «يظل الرهان الحقيقي للاقتراع مرتبطاً بمدى قدرة الأحزاب على كسر الطوق الرمزي لما يُعرف بحزب العزوف وحزب الأوراق الملغاة؛ إذ أظهرت القراءات التحليلية لانتخابات 2021 كيف تفوقت كتلة الإلغاء والامتناع على مجموع أصوات خمسة أحزاب مجتمعة، محولةً الصندوق إلى شاهد على عمق الرفض، والمطالبة بإصلاح حقيقي لا يقتصر على توزيع المقاعد والكراسي».

مرشحون من «جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

وبحسب المحلل، «ليست الأرقام الانتخابية في الجزائر بعد الحراك الشعبي (2019) مجرد نسب فنية باردة، بل هي مؤشرات سياسية كثيفة، تكشف عن عمق الفجوة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية. ومن يقرأ نتائج الانتخابات التشريعية الماضية، لا يقرأ فقط ترتيب أحزاب داخل البرلمان، بل يقرأ قبل ذلك خريطة صامتة لفقدان الثقة، وانكماش الأمل في إمكان إصلاح سياسي حقيقي من داخل الآليات القائمة».


مقالات ذات صلة

ترتيبات دبلوماسية مكثفة بين الجزائر وباريس لإنهاء «أزمة القنصلي»

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

ترتيبات دبلوماسية مكثفة بين الجزائر وباريس لإنهاء «أزمة القنصلي»

تبدي السلطات الجزائرية تحفظاً شديداً حيال ما تصفه «سياسة لي الذراع» بخصوص مساعي الإفراج عن الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز.

شمال افريقيا الجيش الجزائري ينزغ ألغاماً بغرب البلاد (وزارة الدفاع)

الجزائر تنقل مخلفات ألغام الاستعمار إلى واجهة النقاش الدولي

بعد مرور أكثر من 64 عاماً على استقلال الجزائر، لا يزال ملف الألغام المضادة للأفراد الموروثة عن الحقبة الاستعمارية يشغل حيزاً بارزاً في سياستها الخارجية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية منتخب مصر أحد 3 منتخبات عربية تأهلت إلى دور الـ32 بالمونديال (أ.ب)

«مونديال 2026»: قلوب المشجعين العرب تتحول إلى المغرب ومصر والجزائر

لا تزال آمال المتابعين العرب للمونديال معلقة بـ3 منتخبات تخوض منافسات دور الـ32 الذي لا يعرف سوى منطق الفوز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون حملة الانتخابات في أوساط المهاجرين بالخارج (السلطة)

انتخابات الجزائر... حملة «بلا حشود» تبحث عن الناخب المفقود

بدأ أفراد الجالية الجزائرية في الخارج، السبت، التصويت في انتخابات البرلمان المقررة الخميس المقبل داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة سعودية رياض محرز خلال مباراة الجزائر والأردن (د.ب.أ)

مصادر لـ «الشرق الأوسط»: رياض محرز يريد الاستمرار مع الأهلي لسنة رابعة

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن النجم الجزائري رياض محرز يريد الاستمرار مع النادي الأهلي، وإكمال عقده حتى نهايته.

«الشرق الأوسط» (جدة)

الجيش السوداني ينقل المعركة مجدداً إلى دارفور

أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)
أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني ينقل المعركة مجدداً إلى دارفور

أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)
أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)

تجددت المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في عدة محاور بإقليم دارفور غربي البلاد، في تطور ميداني يأتي بالتزامن مع تصاعد التوترات حول مدينة الأُبيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تشهد استعدادات عسكرية متزايدة من الطرفين.

ونفذ الجيش السوداني والقوات المشتركة المتحالفة معه من حركات الكفاح المسلح، خلال اليومين الماضيين، عمليات عسكرية في ولايتي غرب وشمال دارفور، استهدفت مناطق حدودية واستراتيجية، في إطار مساعٍ لتعزيز نفوذها الميداني وفتح جبهات جديدة للقتال، وتشير مصادر محلية إلى أن قوات الجيش تقترب من مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، تحت غطاء جوي من الطيران الحربي الذي نفذ غارات استهدفت عدداً من المواقع العسكرية داخل المدينة. ويُعد هذا التحرك من أبرز التطورات العسكرية التي يحققها الجيش السوداني في إقليم دارفور منذ أشهر، في ظل استمرار المعارك واتساع رقعة المواجهات بين الطرفين في مناطق متفرقة من البلاد.

نساء نازحات من جنوب كردفان هرباً من الحرب يجلسن على الأرض في مدينة الأبيض 15 يناير (رويترز)

وتأتي المعارك في دارفور في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مدينة الأُبيِّض، التي تشهد تصعيداً عسكرياً متزايداً، مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة وتكثيف الحشود العسكرية على الأرض، رغم الدعوات الدولية المطالبة بوقف العمليات العسكرية وتجنب اتساع رقعة النزاع.

وقال رئيس هيئة أركان الجيش السوداني السابق، هاشم عبد المطلب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الجيش والقوات المتحالفة معه نفذوا ما وصفه بـ«مناورة ناجحة» أعادت المعارك إلى إقليم دارفور، معتبراً أن هذه الخطوة تعكس تطوراً في إدارة العمليات العسكرية. وأضاف عبد المطلب أن الجيش تمكن من استعادة زمام المبادرة، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة تطورات ميدانية جديدة في دارفور، مشيراً إلى أن التقدم الأخير في غرب وشمال الإقليم يأتي ضمن خطط عسكرية أعلن عنها سابقاً مساعد القائد العام للجيش، الفريق ياسر العطا.

وكانت القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش قد أعلنت، الاثنين، سيطرتها على مدينة كلبس بولاية غرب دارفور، الواقعة على الحدود مع تشاد، فيما أكدت استمرار سيطرتها على مناطق الطينة وكرنوي وأمبرو في شمال الإقليم.

وفي المقابل، أعلن الجيش السوداني تنفيذ عمليات عسكرية في عدة محاور بدارفور وكردفان والنيل الأزرق، قال إنها أسفرت عن إلحاق خسائر كبيرة بـ«قوات الدعم السريع»، بينما لم يصدر تعليق فوري من الأخيرة بشأن تلك العمليات.

الجنينة في الأفق

وفي السياق ذاته، قالت «تنسيقية لجان مقاومة الفاشر»، وهي مجموعة محلية، في بيان نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك»، إن قوات الجيش السوداني تقترب من مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، تحت غطاء جوي من الطيران الحربي الذي نفذ غارات استهدفت عدداً من المواقع العسكرية داخل المدينة.

وكانت «قوات الدعم السريع» قد أحكمت سيطرتها على مدينة كلبس وعدد من البلدات المحيطة بها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وتقع المدينة على بعد نحو 140 كيلومتراً من مدينة الجنينة.

من جانبه، قال الخبير العسكري عبد الله محمد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن تجدد القتال في إقليم دارفور من شأنه إطالة أمد الصراع وتوسيع نطاقه، بما قد يدفع الحرب إلى مرحلة جديدة تتسم بمزيد من العنف والتصعيد العسكري. وأضاف أن أحد الأهداف الرئيسية في الحروب يتمثل في حرمان الخصم من خطوط الإمداد والمواقع الاستراتيجية التي يعتمد عليها في الدعم العسكري، مشيراً إلى أن تحركات الجيش في غرب دارفور قد تندرج ضمن مساعيه لاستعادة السيطرة على المناطق الحدودية مع تشاد.

في المقابل، رأى المتحدث باسم «حركة جيش تحرير السودان»، محمد الناير، أنه من المبكر الحديث عن انتقال المعارك بشكل كامل إلى إقليم دارفور، موضحاً أن ما جرى في مدينة كلبس تمثل، بحسب وصفه، في عملية توغل نفذتها مجموعات تابعة للقوات المشتركة المتحالفة مع الجيش، استمرت لساعات قبل أن تنسحب عقب وصول تعزيزات كبيرة لـ«قوات الدعم السريع» وحلفائها إلى المنطقة.

وأشار الناير إلى أن الهدف من هذه العمليات يتمثل في إشغال «قوات الدعم السريع» بمعارك استنزاف داخل مناطق سيطرتها في دارفور، بما يحد من قدرتها على مواصلة عملياتها العسكرية في إقليمي كردفان والنيل الأزرق.

من جهتها، حذرت «حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي تسيطر على مناطق في جبل مرة وشمال دارفور، من أن الهجمات التي تشنها القوات المتمركزة في منطقتي الطينة وأمبرو قد تدفع «قوات الدعم السريع» إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة تستهدف القضاء على تلك القوات في معاقلها والسيطرة على مناطق نفوذها.

وفي موازاة ذلك، بثت «قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي أظهرت انتشار عناصرها في منطقة جبل مون، التي كانت القوات المشتركة قد أعلنت في وقت سابق السيطرة عليها.

وتفرض «قوات الدعم السريع» سيطرتها على الولايات الخمس لإقليم دارفور، منذ إحكام قبضتها على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور أواخر العام الماضي، باستثناء جيوب محدودة لا تزال تحت سيطرة القوات المشتركة أو مجموعات محلية، فيما تواصل عملياتها العسكرية في إقليمي كردفان والنيل الأزرق.


مصر: «حريق ناصر» يجدد جدل احتضان مناطق سكنية لمنشآت تجارية

منظر عام لمبانٍ قريبة من منشأة ناصر في القاهرة (رويترز)
منظر عام لمبانٍ قريبة من منشأة ناصر في القاهرة (رويترز)
TT

مصر: «حريق ناصر» يجدد جدل احتضان مناطق سكنية لمنشآت تجارية

منظر عام لمبانٍ قريبة من منشأة ناصر في القاهرة (رويترز)
منظر عام لمبانٍ قريبة من منشأة ناصر في القاهرة (رويترز)

جدد حريق في «مخزن أخشاب» داخل عقار سكني بحي منشأة ناصر في القاهرة الحديث عن احتضان مناطق سكنية لمنشآت تجارية، بعدما تسبب الحادث في مصرع قائد الحماية المدنية، وآخرين.

يأتي هذا في وقت تشدد فيه محافظة القاهرة على الأحياء بـ«ضرورة الالتزام بتطبيق اشتراطات السلامة الإنشائية، واتخاذ الإجراءات الوقائية كافةً التي تضمن حماية الأرواح، والممتلكات».

وتسببت الواقعة في وفاة مدير إدارة الحماية المدنية بالقاهرة اللواء محمد الشربيني، والنقيب بالإدارة عبد الرحمن العدوي، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد، وإصابة 7 آخرين.

وشهد حي «منشأة ناصر»، الثلاثاء، حريقاً هائلاً اندلع داخل ورشة أخشاب بالطابق الأرضي لعقار سكني، ما أدى إلى انتشار النيران بشكل سريع بسبب المواد القابلة للاشتعال. وأسفر عن انهيار العقار المكون من أربعة طوابق بالكامل.

ودفعت قوات الحماية المدنية بعشرات من سيارات الإطفاء بالتنسيق مع أجهزة الحي، وشرطة المرافق، وسيارات الإسعاف، حيث استمرت عمليات الإخماد لساعات قبل السيطرة على الحريق، فيما تواصلت أعمال التبريد وإزالة الأنقاض بمحيط العقار المنهار.

وتتكرر حوادث اشتعال النيران في منشآت تجارية بمناطق سكنية بالقاهرة الكبرى، ففي مارس (آذار) الماضي وقع حريق في أحد «مخازن الخردة» بحي منشأة ناصر، وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت منطقة المرج الجديدة (شرق العاصمة) حريقاً ضخماً في عدد من المحال التجارية أمام محطة «مترو الأنفاق»، بسبب انفجار أسطوانة غاز.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وقررت السلطات المصرية، الأربعاء، تشكيل لجنة هندسية عاجلة لمعاينة العقارات المجاورة لموقع الانهيار، للتأكد من سلامتها الإنشائية، وعدم تأثرها بالحريق، حفاظاً على أرواح السكان.

كما باشرت النيابة العامة التحقيقات في الواقعة، وانتقل فريق من أعضائها لمعاينة موقع الحريق، وأمرت بانتداب خبراء المعمل الجنائي لبيان الأسباب التي أدت إلى اندلاع النيران داخل ورشة الأخشاب.

وأكد مصدر أمني مطلع «ضرورة إعادة النظر في إجراءات الحماية المدنية المطبقة في المنشآت التجارية، والعامة، والتفتيش عليها بشكل أكثر صرامة، خصوصاً أن هناك أماكن يُفترض أن يُفعَّل بها الإطفاء الذاتي فور اشتعال الحرائق». ودعا إلى «التعامل بحزم مع مخالفات اشتراطات الحماية المدنية، وتشديد عمليات المراقبة، والتفتيش، للحد من الحرائق، وخسائرها».

وبحسب تقرير «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» لحوادث الحريق في مصر عام 2024، فإن «عدد حوادث الحريق عـلى مستـوى ربوع البلاد بلغ نحو 47 ألف حادثة مقابل 45 ألف حادثة عام 2023 بنسبة ارتفاع قدرها 3.2 في المائة».

ووفق التقرير فإن «الحريق العارض» جاء في المرتبة الأولى بعـدد يقترب من 10 آلاف حادثة بنسبة 20.9 في المائة، يليه «الإهمال» بنسبة 10.4 في المائة خلال عام 2024.

سيارات إطفاء بعد إخماد حريق كبير في منطقة العتبة عام 2024 (رويترز)

وشددت محافظة القاهرة في مارس الماضي على «تكثيف الحملات الميدانية للمرور على المخازن، والأنشطة ذات الخطورة، خصوصاً مخازن الخردة، والمواد القابلة للاشتعال، للتأكد من توافر وسائل الأمان، وعدم وجود مخالفات تهدد السلامة العامة».

وتعهدت حينها بأن «أي تقصير في تنفيذ التعليمات، أو التراخي في التعامل مع المخالفات سيُقابَلان بإجراءات حاسمة»، وشددت على «ضرورة المتابعة الدورية والمستمرة من قبل رؤساء الأحياء، وعدم الانتظار حتى وقوع حوادث».

وكانت منطقة العتبة القريبة من منشأة ناصر قد شهدت في 2024 عدة حرائق خلفت خسائر مالية كبيرة، على خلفية «وجود كميات كبيرة من المواد القابلة للاشتعال مُخزنة في شقق سكنية تستخدم مخازن، بالإضافة لغياب وسائل الإطفاء الأولية التي تُمكن من السيطرة على الحرائق»، بحسب مراقبين.

ويُلزم القانون المحلات التجارية بتوفير أجهزة إطفاء بالبودرة الكيميائية بحسب مساحة المحل، كما يُلزم باستخدام نظام إنذار آلي للحريق، مع وجود مضخة تتيح ضخ المياه من النوع المصمم لأغراض الحريق، مع إجراء عمليات الصيانة بشكل دوري كل 3 أشهر.

وتعاطف مصريون على منصات التواصل الاجتماعي، الأربعاء، مع الضحايا الذين سقطوا أثناء قيامهم بالتعامل مع تداعيات الحريق، وتداولوا لقطات مصورة أثناء تعاملهم مع إطفاء الحريق، وسط مطالب بضرورة «وجود إجراءات عاجلة لمنع استمرار المنشآت التجارية في مناطق سكنية».

كما نعت جهات رسمية عدة ضحايا إدارة الحماية المدنية بالقاهرة. وقال الأزهر في إفادة رسمية، الأربعاء، إن «هؤلاء الأبطال جسَّدوا أسمى معاني الشجاعة، والإخلاص، والتفاني». وأضاف أن «تضحياتهم ستظل محل فخر واعتزاز، ورمزاً للفداء، وتحمل المسؤولية، وإنكار الذات، ونموذجاً يحتذى به في أداء الواجب بإخلاص».


بغياب سوري وإسرائيلي... السيسي يعتمد 17 سفيراً جديداً لدى مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتسلم أوراق اعتماد سفير دولة قطر بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتسلم أوراق اعتماد سفير دولة قطر بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

بغياب سوري وإسرائيلي... السيسي يعتمد 17 سفيراً جديداً لدى مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتسلم أوراق اعتماد سفير دولة قطر بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتسلم أوراق اعتماد سفير دولة قطر بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

تسلم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، أوراق اعتماد 17 سفيراً جديداً، لم يكن بينهم تمثيل لإسرائيل أو سوريا، بعدما انتهت مدة آخر سفير إسرائيلي قبل عامين، فيما شهدت العلاقات المصرية - السورية تحركات دبلوماسية خلال الأشهر الأخيرة تمهيداً لاعتماد بعثة دبلوماسية جديدة لدمشق في القاهرة.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن غياب السفير الإسرائيلي له دلالة على توتر العلاقات في ظل رفض حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إقامة دولة فلسطينية وتوسعه في الاستيطان ووجود خطط معلنة لضم الضفة الغربية والاعتداءات الإسرائيلية على دول عربية.

أما غياب السفير السوري، فربما يعود إلى تقديم دمشق قائماً بأعمال السفير وليس سفيراً، وهذا لا يستدعي تقديم أوراق اعتماد، بحسب المعلقين.

واعتمدت مصر سفراءً جدداً لدول قطر وبيرو وموريشيوس وغانا وغواتيمالا وكمبوديا ومالي وناميبيا وإندونيسيا والكونغو وكوريا والفلبين ومالطا ومنغوليا والبرتغال ومولدوفا وباراغواي.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتسلم أوراق اعتماد سفير إندونيسيا بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وأشار المتحدث باسم الرئاسة، محمد الشناوي، إلى أن السيسي رحب بالسفراء الجدد، مؤكداً اعتزاز مصر بعلاقاتها الثنائية مع دولهم، وحرصها على دفع وتطوير كل جوانب علاقات التعاون الثنائي معها.

الظروف «غير مواتية»

في مارس (آذار) من العام الماضي، أشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن مصر قررت تأجيل تعيين سفير جديد لها في إسرائيل، ورفضت تعيين أوري روتمان سفيراً جديداً لإسرائيل في القاهرة، خلفاً للسفيرة أميرة أورون التي انتهت فترة ولايتها في شتاء 2024.

ونظمت الرئاسة المصرية حفل استقبال لعدد من السفراء الجدد في مارس 2025، وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية آنذاك إن «الحكومة المصرية لم توجه الدعوة للسفير الإسرائيلي الجديد أوري روتمان لحضور حفل استقبال السفراء»؛ مشيرة إلى أن هذا يأتي في إطار التوترات الحالية بين البلدين، وذكرت أن مصر لم تمنح بعد الموافقة الرسمية على تعيين روتمان، رغم تقديم إسرائيل طلباً رسمياً.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، الذي شغل أيضاً منصب مدير إدارة إسرائيل في وزارة الخارجية سابقاً، أن الظروف الحالية «غير مواتية» لتعيين سفير إسرائيلي لأسباب منها «استمرار السياسات الإسرائيلية العدوانية، وإعلان نتنياهو عدم قبوله بحل الدولتين، واستمرار الإجراءات القمعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإعلان عدد من الوزراء الإسرائيليين عن نوايا لضم الضفة الغربية والتوسع في الاستيطان، إلى جانب الاعتداءات المتتالية على الدول العربية».

وتابع متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «تعيين سفير إسرائيلي ليس مطروحاً في الوقت الحالي مع وجود أحاديث من داخل إسرائيل تتحدث عن احتمالات نشوب حرب مع مصر خلال 15 عاماً، والتعامل مع التقارب المصري - التركي على أنه عداء مباشر لإسرائيل، وبالتالي فإن الأجواء السياسية غير مواتية لإحداث تقارب دبلوماسي».

وقبل أسبوع تقريباً تحدث رئيس مركز «هيروت» الإسرائيلي، أمياد كوهين، خلال مؤتمر سنوي عُقد في القدس لمناقشة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية والتحديات التي تواجهها، عن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين إسرائيل ومصر خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة، وحذَّر مما وصفه بـ«تنامي القوة العسكرية للجيش المصري»، بالتزامن مع حملات ضد مصر في الإعلام العبري.

ترشيح يحيى دياب

وفيما يتعلق بغياب السفير السوري، قال هريدي: «الأمر يرجع إلى الجهات الرسمية العليا في البلدين»، لكنه شدد على أنه في حال كان ترشيح دمشق لسفيرها «قائماً بأعمال السفير»، فإن ذلك لا يتطلب تقديم أوراق اعتماد، إذ إن الإجراء يتعلق فقط بالسفراء.

الرئيسان المصري والسوري خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

وفي 15 يونيو (حزيران) 2026، صرح مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السورية لـ«الشرق الأوسط» بأن مصر أبلغت سوريا بموافقتها على ترشيح السفير يحيى دياب على رأس البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة، بعد تحفظاتها على مرشح سابق، لكنه كشف أيضاً أن ترشيح دياب سيكون «قائماً بأعمال السفير».

وقال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، أشرف حربي، إن تعيين قائم بالأعمال «يكون مؤقتاً ولا يحتاج إلى اعتماد أو موافقة، وهو يبقى رئيساً بالإنابة للبعثة الدبلوماسية، وليس رئيساً فعلياً لها».

وأوضح خطوات اعتماد السفراء قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «عملية اعتماد السفراء تمر بخطوات عديدة، تبدأ بتقديم أوراق السفير المرشح للاعتماد، ثم يتم عرض هذا الملف على رئاسة الجمهورية، وبعد الموافقة عليه يتم إبلاغ الحكومات بإيفاد السفير إلى الدولة المضيفة وتحضير أوراق اعتماده، وتُقدَّم صورة منها لوزارة الخارجية على أن يتم تقديم أصل الاعتماد إلى الرئيس في مراسم خاصة بقبول السفراء الجدد».