«بليز»... كوميديا سوداء عن هوس الإنسان بقبول الآخرين

مخرجا الفيلم الفرنسي تحدثا لـ«الشرق الأوسط» عن كواليس إنتاج العمل

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «كان» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «كان» (الشركة المنتجة)
TT

«بليز»... كوميديا سوداء عن هوس الإنسان بقبول الآخرين

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «كان» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «كان» (الشركة المنتجة)

في عالم يزداد انشغالاً بالصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه، أكثر من انشغاله بذاته الحقيقية، يختار فيلم الرسوم المتحركة الفرنسي «بليز» تناول هذا القلق اليومي من زاوية تبدو ساخرة في ظاهرها، لكنها تكشف تدريجياً عن قدر كبير من المرارة.

فالشخصيات لا تواجه أزمات استثنائية، ولا تعيش صراعات كبرى، وإنما تنهكها رغبة مستمرة في أن تكون مقبولة، وأن تمر من الحياة دون أن تثير اعتراض أحد، ومن هذه الفكرة البسيطة يبني الفيلم عالماً كاملاً تتحول فيه المجاملات اليومية والصمت والتردد إلى محرّكات درامية تكشف هشاشة الإنسان أمام أحكام الآخرين.

لا يقدم «بليز» بطله بوصفه مراهقاً يبحث عن ذاته فحسب، بل بوصفه نموذجاً لجيل يخشى إعلان رأيه، ويجد في الموافقة الدائمة وسيلة للنجاة. وبين أم تسعى إلى كسب حب موظفيها مهما كان الثمن، وأب يشعر بأن المجتمع لا يمنحه التقدير الذي يستحقه، تتحول الأسرة بأكملها إلى صورة مكبّرة لمجتمع يعيش تحت ضغط القبول الاجتماعي، حيث يصبح الخوف من الاختلاف أقوى من الرغبة في قول الحقيقة.

ومن خلال هذه الشخصيات، يمزج الفيلم بين الكوميديا السوداء والسخرية الاجتماعية، دون أن يتخلى عن حس إنساني يجعل الضحك وسيلة للتأمل أكثر منه غاية في ذاته، وهو ما جعل الفيلم يواصل حضوره بالمهرجانات السينمائية بعد عرضه الأول ضِمن فعاليات مهرجان «كان السينمائي» في نسخته الماضية، ليُعرَض مؤخراً في مهرجان «آنسي الدولي لأفلام الرسوم المتحركة».

عمل مُخرجا الفيلم على إنجاز الفيلم برؤية مشتركة (الشركة المنتجة)

ويستند الفيلم إلى سلسلة القصص المصوّرة التي ابتكرها المُخرج ديميتري بلانشون، قبل أن تتحول في عام 2016 إلى مسلسل رسوم متحركة قصير عُرض على إحدى المحطات، ليعود بطله، هذه المرة، في فيلم طويل يقدم حكاية مستقلة لا تتطلب مشاهدة المسلسل أو قراءة القصص المصوَّرة.

وفي مقابلة مشتركة عبر «زووم»، تحدّث مخرجا الفيلم ديميتري بلانشون وجان بول غيغ، لـ«الشرق الأوسط»، عن تفاصيل التحضيرات للفيلم. وقال ديميتري بلانشون إن فكرة فيلم «بليز» لم تنطلق من الرغبة في تحويل القصص المصورة إلى فيلم طويل، بالمعنى التقليدي، وإنما من العودة إلى الشخصيات نفسها وإعادة اكتشافها في سياق جديد.

وأشار بلانشون إلى أن كل مرحلة من مراحل المشروع، سواء أكانت القصص المصوَّرة أم المسلسل التلفزيوني أم الفيلم، تمتلك عالمها المستقل، ولا تعتمد على ما سبقها، لافتاً إلى أن «ما يجذبه دائماً هو هذه الأسرة التي تعيش هاجساً دائماً يتمثل في نظرة الآخرين إليها، أكثر من اهتمامها بحياتها الحقيقية».

وأضاف بلانشون أن الشخصيات الثلاث؛ الأم والأب والابن، ظلت تمثل جوهر المشروع منذ البداية؛ لأنها تعكس حالة إنسانية يراها منتشرة في المجتمع، حيث يصبح الإنسان منشغلاً بالصورة التي يقدمها للآخرين، وبكيفية اندماجه داخل الجماعة، أكثر من انشغاله بما يؤمن به أو يريده بالفعل، مؤكداً أن بطل الفيلم لا يمثل مجرد مراهق يعاني ارتباكاً طبيعياً في هذه المرحلة العُمرية، وإنما يجسد شخصاً يخشى اتخاذ أي موقف قد يثير اعتراض الآخرين، لذلك يوافق الجميع باستمرار، ويتجنب الصدام مهما كانت نتائجه.

أُعيد تقديم الشخصية الرئيسية في فيلم سينمائي (الشركة المنتجة)

وأشار بلانشون إلى أن الكوميديا في الفيلم لا تقوم على النكات المباشرة، ولكنْ تنبع من التناقض بين الشخصيات والعالم الذي تعيش فيه؛ لأن الشخصيات المرتبكة أو غير القادرة على التأقلم كانت دائماً مصدر إلهامه؛ لكونها تكشف، بطريقة ساخرة، هشاشة الإنسان وعجزه عن التكيف مع توقعات المجتمع، مما يجعل الضحك وسيلة لفهم هذه الشخصيات، وليس مجرد رد فعل على المواقف الكوميدية.

وأضاف أن كثيراً من أعمال السينما الفرنسية في سبعينات القرن الماضي، إلى جانب عدد من صُناع الكوميديا المعاصرين، شكّلت مصدراً مهماً لإلهامه؛ لأنهم جميعاً كانوا ينطلقون من شخصيات تبدو خارجة عن السياق أو عاجزة عن الانسجام مع العالم، وهو ما يخلق مفارقات إنسانية تتجاوز حدود الكوميديا التقليدية.

من جانبه، قال جان بول غيغ إن الانتقال إلى الفيلم الطويل منح صُناع العمل مساحة أكبر للتعمق في الشخصيات، مؤكداً أن الهدف لم يكن إنتاج نسخة مطوَّلة من المسلسل الذي قدّموه من قبل، وإنما تقديم فيلم سينمائي يمتلك إيقاعه الخاص وبناءه الدرامي المستقل، فالفريق تعامل مع المشروع بوصفه تجربة جديدة، حتى وإن استند إلى الشخصيات نفسها؛ لأن اختلاف الوسيط الفني يفرض بالضرورة لغة مختلفة في السرد والإيقاع.

مخرجا الفيلم (الشركة المنتجة)

وأضاف بلانشون أن العمل على فيلم رسوم متحركة بهذا الأسلوب استغرق سنوات طويلة من التنفيذ، إذ جرى بناء المشاهد تدريجياً، مع الحرص على أن تبدو الحركة طبيعية، رغم اعتماد الشخصيات على عدد محدود من العناصر التعبيرية، فالهدف لم يكن إبهار المُشاهد بالحركة الكثيفة، بل الوصول إلى إيقاع بصري يمنح كل نظرة أو إيماءة وزناً درامياً لتصبح التفاصيل الصغيرة جزءاً أساسياً من السرد.

وأوضح أن مراحل الإنتاج لم تكن منفصلة عن بعضها، وإنما سارت بصورة متوازية، وجرى تعديل الإيقاع باستمرار بين التسجيل الصوتي والرسوم المتحركة والموسيقى، حتى يصل الفيلم إلى صورته النهائية، وعدَّ أن هذه الطريقة جعلت عملية الإنتاج أكثر فاعلية؛ لأن كل عنصر يتأثر بالعناصر الأخرى طوال فترة التنفيذ.

وأكد جان بول غيغ أن محدودية حركة الشخصيات لم تكن عائقاً أمام التعبير، بل تحولت إلى عنصر أساسي في اللغة البصرية للفيلم، لافتاً إلى أن الشخصيات لا تمتلك سوى عدد محدود من أدوات التعبير، مثل حركة العينين والحاجبين والفم، لذلك ركز فريق العمل على أدق التفاصيل، ولا سيما النظرات والاهتزازات البسيطة في العين، بوصفها الوسيلة الأساسية لنقل المشاعر والانفعالات.


مقالات ذات صلة

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

يوميات الشرق محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

مع الاحتفال بانتصارات السادس من أكتوبر في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

أعلنت «استوديوهات MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق اختار المخرج أن تكون الطبيعة بطلة فيلمه الجديد (الشركة المنتجة)

ديربورانس: «زمن الحيوانات»... رحلة سينمائية داخل عالم الحياة البرية

قال المخرج السويسري فينسنت شابلوز إن علاقته بمنطقة ديربورانس في بلده تعود إلى طفولته، وإن معرفته الطويلة بالمكان دفعته إلى تقديمه في فيلمه الوثائقي.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق العلا تنتظر عشاق الأفلام في تجربة سينمائية جديدة (الشرق الأوسط)

في العلا... حكايات «السينما عن قرب»

في العلا السعودية، حيث تحمل الصخور والواحات طبقات من الحكايات، تفتح السينما نافذة أخرى تطل على المكان، وتجمع الجمهور بصنّاع الأفلام حول قصصهم وتجاربهم...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق تصوير الفيلم في القدس مر بصعوبات عدة (الشركة المنتجة)

مُؤيد عليان: «حوار مع البحر» وُلد من واقعة عاشتها عائلة زوجتي

قال المخرج الفلسطيني مؤيد عليان إن فيلمه «حوار مع البحر» لم يبدأ من فكرة سينمائية مجردة، وإنما خرج من واقعة حقيقية عاشتها عائلة زوجته.

أحمد عدلي (القاهرة)

هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
TT

هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)

تخيّل شخصاً ما، سياسياً مشهوراً أو صديقاً من أيام الطفولة، يتمتع بشخصية آسرة؛ شخصاً يُنير المكان والقلوب بمجرد حضوره. ما سر جاذبيته؟ هل يكمن في مظهره، أم طريقة حركته وكلامه، أم شخصيته وسلوكه، أم إنجازاته؟

الكاريزما، التي تعني في اليونانية «هبة إلهية»، لطالما أحاط بها الغموض. قبل قرن من الزمان، وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة. ورغم غموضها وصعوبة تحديدها، فإننا ندرك سحرها بسهولة، سواء على شاشاتنا أو في حياتنا اليومية.

يُجري جون أنطوناكيس، من جامعة لوزان، أبحاثاً حول الكاريزما منذ أكثر من عقد، ويسعى إلى تبسيط مفهومها وجعله في متناول الجميع. وقد يبدو تحليل ما يُعد غامضاً وتحويله إلى عناصر بسيطة أشبه بإضاءة الأنوار في عرض سحري، لكن أنطوناكيس توصل إلى استنتاج لافت: الكاريزما مهارة يمكن اكتسابها.

أهمية الرابطة العاطفية

فبدلاً من كونها هبة مقدسة حكراً على «أشخاص مميزين»، يستطيع معظمنا تعزيز جاذبيته الشخصية من خلال بعض الأساليب البسيطة. والأهم أن هذه الأساليب، المعروفة بأساليب القيادة الكاريزمية، أثبتت فاعليتها في المختبرات البحثية كما في الواقع العملي، سواء في قاعات الدراسة أو مجالس الإدارة أو الحملات الانتخابية الرئاسية.

ويبحث أنطوناكيس، بالتعاون مع زملائه، في كيفية تأثير طريقة كلامنا ومضمونه على الكاريزما، وفق موقع «سيكولوجي توداي»، والفرضية بسيطة: إذا أراد شخص ما، لنسمّه «س»، أن يشعل شرارة الكاريزما، فهو يحتاج إلى مستمع، لنسمّه «ص». ولكسب انتباه «ص» وثقته واحترامه، يتعيّن على «س» إيصال أفكاره بطريقة تساعد المستمع على فهم الرسالة والتفاعل معها وتذكرها.

بعبارة أخرى، يجب على المتحدث أن يُنشئ رابطاً عاطفياً مع مستمعه. وهنا تبرز أهمية أساليب التواصل. فمن خلال إثراء الكلام بالاستعارات والقصص والصور، وإلقائه بالصوت والإيماءات المناسبة، يستطيع المتحدثون تعزيز جاذبيتهم وإظهار سحر طبيعي في نظر جمهورهم.

أسرار مجهولة عن الكاريزما

ورغم أن العلم قطع شوطاً طويلاً في استكشاف سحر الكاريزما، لا يزال الكثير من أسرارها مجهولاً. فمن المذهل أن نكتسب رؤى حول سيكولوجية الإلهام، وأن نرى كيف تستمر فلسفة أرسطو القائمة على الأخلاق والعاطفة والمنطق في لعب دور في جذب انتباه الجمهور، وأن نتعلم أساليب للتواصل والتأثير وإثارة المشاعر وغرس الأحلام وتغيير حياة الناس بالكلمات.

ومع ذلك، لا يسع المرء إلا أن يتمنى لو أن بعض الأمور المتعلقة بإنسانيتنا وجاذبيتنا والسحر الذي يمكن أن نلقيه بعضنا على بعض تظل غامضة؛ تماماً مثل ساحر وأسراره، أو مثل «خاريس»، إلهة السحر في الأساطير اليونانية وجمالها.

ما الذي يجعل شخصاً ما يتمتع بالكاريزما؟

تتعدد مصادر الكاريزما، ومنها المظهر والسلوك والكلام. فالممثلات، مثل مارلين مونرو، قد يتمتعن بالكاريزما في المقام الأول بفضل مظهرهن. وقد يبدو الرياضيون جذابين بفضل قدراتهم الاستثنائية في الملعب.

حتى معرفة أداء شخص ما في الماضي، سواء إنجازاته أو إبداعه، قد تجعله يبدو أكثر جاذبية، كما في حالة ستيف جوبز. ويعتمد الأمر إلى حد كبير على مقدار ما تعرفه عن الشخص.

فإذا لم تكن لديك معلومات كافية عنه، يلعب المظهر وإشارات الأداء دوراً كبيراً. أما إذا كنت تعرف عنه معلومات كافية، كما هو الحال مع المرشحين خلال الانتخابات، يصبح الكلام أكثر أهمية، وقد يتفوق حتى على المظهر.

هل الكاريزما سمة شخصية أم مهارة أم موهبة؟

إنها مزيج من الطبيعة والتنشئة. فبينما قد يمتلك بعض الأشخاص قدرة فطرية على أن يكونوا أكثر جاذبية، ينظر أنطوناكيس إلى الكاريزما باعتبارها «إشارة قيادية عاطفية ورمزية وقائمة على القيم».

فعندما نلتقي الآخرين للمرة الأولى، نعتمد على هذه الإشارات للتعبير عن كفاءتنا وثقتنا، ولتقريب وجهات النظر بيننا. وهذه الآليات الإشارية قابلة للتدريب.

فقد يتعلم بعض الأشخاص أساليب متنوعة من خلال التجارب والقدوة، ويستخدمونها دون أن يدركوا ذلك، في حين يحتاج آخرون إلى مزيد من التدريب والممارسة.

ورغم أن الذكاء والانفتاح على الآخرين من العوامل المساعدة، ترتبط الكاريزما ارتباطاً وثيقاً بالتحدث بطريقة تجذب انتباه الآخرين.

أما بشأن ما إذا كانت الكاريزما «موهبة»، فيرى أنطوناكيس أنها موهبة قابلة للتعلم وليست هبة إلهية، إذ أصبح الباحثون قادرين على دراستها وقياسها وتطويرها، كما باتت برامج الحاسوب قادرة على تحديد مدى براعة الأفراد في استخدام مهارات الخطابة ولغة الجسد.

هل يمكن اكتساب الكاريزما؟

لا يقتصر صقل الكاريزما على القادة، إذ يمكن الاستفادة من هذه المهارات في مختلف المجالات والمهن التي تعتمد على بناء روابط عاطفية مع الآخرين.

وفي برنامجه التدريبي، يطلب أنطوناكيس من المشاركين إلقاء خطاب حول موضوع محدد. وبعد ذلك، وبعد شرح نظرية الكاريزما وتوضيحها بالتفصيل، يُعاد صياغة الخطابات لتشمل أساليب التواصل العاطفي. ثم يتدرب المشاركون على إلقائها مرة أخرى، هذه المرة بالاستعانة بأساليب التواصل غير اللفظية.

كيف تُقاس الكاريزما؟

لقياس الكاريزما، يحلل باحثون مثل أنطوناكيس الطريقة التي يتحدث بها الأشخاص. ويدرسون، جملةً جملة، مدى استخدامهم أساليب الكاريزما التسعة، كما ينظرون إلى طريقة الكلام نفسها، بما في ذلك الصوت والإيماءات وتعبيرات الوجه.

ووجد أنطوناكيس أن قوة الكلمات تتفوق على السلوكيات غير اللفظية عندما يتعلق الأمر بالكاريزما. ويقول: «يمكنني أن ألوّح بيدي بعنف، لكن إذا كنت أتحدث بكلام فارغ، فلن أبدو شخصاً كاريزماتياً».

ويشير إلى قادة مثل المهاتما غاندي ومارغريت ثاتشر ونيلسون مانديلا وكوفي عنان، الذين يُنظر إليهم على نطاق واسع باعتبارهم شخصيات كاريزمية، رغم محدودية استخدامهم للسلوكيات غير اللفظية في خطاباتهم.

ويوضح أنطوناكيس: «كان عنان يتحدث بصوت رتيب، وكان من الصعب سماع غاندي وهو يتحدث، ولم يكن مانديلا أفضل المتحدثين من حيث النطق، في حين كانت ثاتشر هادئة ومتزنة ولم تكن تستخدم الإيماءات كثيراً. ومع ذلك، عندما كانوا يتحدثون، كانوا يتركون جمهورهم مفتوناً».

كيف تعرف ما إذا كنت تتمتع بالكاريزما؟

يقترح أنطوناكيس النظر إلى مقدار تأثيرك في الآخرين. لكنه يشير إلى أن عنصراً أساسياً في تأثير الكاريزما يتمثل في وجود توافق في القيم.

فحتى إذا كنت تتمتع بقدر كبير من الكاريزما، لن يكون من السهل بالضرورة إقناع الآخرين إذا كانوا يختلفون معك في القيم. ويمكن للقادة الكاريزماتيين أن يكونوا محبوبين من جانب الأشخاص الذين يشاركونهم قيمهم، ومكروهين من جانب من لا يشاركونهم تلك القيم.


فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
TT

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

هواة المسلسلات المقتبسة عن أعمالٍ أدبيّة من العيار الثقيل، سيستمتعون من دون أدنى شكّ بـ«شرق عدن» East of Eden على «نتفليكس». يُعيد العمل الدراميّ بحلقاته الـ7 رواية الكاتب الأميركي الحائز على جائزة نوبل جون ستاينبيك (1902- 1968) إلى الشاشة، متعاملاً معها بوفاءٍ وسخاء. فنحن أمام مسلسلٍ ما عاد يُصنَع الكثير من طرازه الهوليووديّ الرفيع؛ بدءاً بالنص المقتبس بأناقةٍ عن الكتاب، وبالحقبة التاريخية المنقولة بحذافيرها (1862 - 1918)، إلى الصورة المحترفة تقنياً وجماليّةً، مروراً بالمواقع والأزياء والموسيقى، وليس انتهاءً بأداء الممثلين الذي يُثري الشاشة بعيداً عن أي مبالغةٍ أو استفاضة.

من بين هؤلاء، تلمع فلورنس بيو كشهبٍ لاهبٍ يمتدّ من أول المسلسل إلى آخره، صانعةً من كل ما لا يمتُّ للبطولة بصِلة بطولةً بحدّ ذاتها. ففي شخصيتها، تحمل «كاثي» جميع مقوّمات البطلة المضادّة أو ما يُعرَف بـanti hero، غير أنّ الممثلة البريطانية تجعلها مضيئةً رغم سوادها، ومُبهرةً رغم وحشيّتها، وبرّاقةً رغم تشوّهاتها الكثيرة، ومحبوبةً رغم كل أسباب الكُره التي تجتمع فيها.

كاثي هي أوّل صوتٍ يُسمَع في المسلسل. تقول: «أعتقد أن هناك وحوشاً تُولَد في هذا العالم لأبوين بشريَين. قد يولد الطفل سليماً تماماً، لكنه يفتقر إلى الطيبة أو الضمير». لن نستنتج سوى لاحقاً أنها كانت تتحدّث عن نفسها، وهي مرميّة كجثّة مضرّجة بالدماء عند عتبة عائلة «تراسك».

في البيت المعتم في ولاية كونيتيكت، والذي أضنته سنواتٌ من الصراع الصامت حيناً والصارخ أحياناً بين الأخوَين «آدم» و«تشارلز» الشبيهَين بنسخةٍ مستحدثة عن قاييل وهابيل، تستعيد كاثي عافيتها تدريجياً. بعنايته ورقّته وحبّه النقيّ، يُعيدها الأخ البكر آدم تراسك إلى الحياة، بينما يحذّره أخوه غير الشقيق تشارلز من الاسترسال في حبّها لأنه يبصر ما هو مخبّأ خلف ملامحها الملائكيّة البريئة.

على شفير الموت وغارقةً في دمها تصل كاثي إلى منزل آل تراسك (نتفليكس)

يجب الانتظار بضع حلقات لاكتشاف ما الذي حلّ بكاثي فوصلت غارقةً في دمها إلى منزل آل تراسك. كما ترفع الحلقات التالية تدريجياً الغطاء عن ماضيها، منذ الطفولة التي تحمل آثار صدمةٍ لا يُشار إليها سوى تلميحاً، مروراً بعلاقتها بأستاذها في المدرسة والذي انتحر بسببها، وصولاً إلى حَرقها بيت والدَيها والقضاء عليهما عن سابق تصوّر وتصميم، قبل أن تهرب إلى مكانٍ مجهول.

هذه كاثي في الـ14 من عمرها. ارتكبت كل ذلك وهي بعدُ طفلةً بوجهِ ملاك. أما عندما تحلّ ضيفةً على بيت الشقيقَين، فهي شابّة في سن الـ19، تحمل كل أسرار الكون في عينيها المتقلّبتَين بين أقصى الخير وأقصى الشرّ. وفلورنس بيو بارعةٌ في أداء تلك التقلّبات، كما لو كانت شيطاناً وملاكاً في آن، تفصل بينهما بلمحةِ بصر. تسكن كاثي في رأس الممثلة، تتلبّس روحَها، وكأنّ بيو تستمتع بكلِ كلمةٍ تنطقها بلسان الشخصية، وبكل حركة من جسمها، وبكل لفتة عين، وحتى بكلّ دقيقة صمت.

هي العروس في بيت تراسك، المحبوبة التي تتسبّب بمزيدٍ من الشرخ بين أخوَين أمضيا طفولتهما وشبابهما في منافسةٍ على إرضاء والدَيهما. وعندما رحلَ الأب الديكتاتور، دخل البيتَ من هو أكثر منه توحُّشاً: كاثي، زوجة آدم.

كاثي في صورة الزفاف التي تجمعها بعريسها آدم وشقيقه تشارلز (نتفليكس)

بين كاثي والشرّ عقدٌ مفتوح، لا تنتهي مدّة صلاحيّته. في كاليفورنيا التي يقصدُها الثنائيّ بحثاً عن بدايةٍ جديدة، تفتتح الرحلة بمحاولة إجهاض نفسها. ثم تغرق في اكتئابٍ حادّ بعد فشل المحاولة. تدّعي الإصابة بمرضٍ متوارث عندما يسألها الطبيب عن سبب فعلتها، وفي اليوم الذي تضع توأمها لا تلتفتُ حتى إليهما. ترفض إرضاعهما ورعايتهما قاطعةً أي صلةٍ بينها وبين الأمومة. وما إن تجدَ الظرف مواتياً، حتى توضّب حقيبتها وتغادر البيت هاجرةً طفليها وزوجها المصاب برصاصة أطلقتها هي.

مع كل فصلٍ جديد من فصول كاثي، يظنّ المُشاهد أنها بلغت أقصى الوحشيّة وأنّ طريق التوبة لا بدّ سيبدأ. غير أنها تغرق في المزيد، كأن تختار بملء إرادتها العودة إلى عالمٍ لطالما انتمت إليه، وهو عالم بائعات الهوى. تدخل بيتاً للدعارة مع مخطّطٍ للتخلّص من مالكتِه واحتلال مكانها. لا شرّ يستعصي على كاثي، فكلّ ما يسهّل الوصول مبرَّرٌ بالنسبة إليها.

تهجر كاثي زوجها وطفلَيها للعمل في بيت دعارة (نتفليكس)

في حواراتها الداخلية، تقدّم كاثي تبريراتٍ لكلّ أفعالها، وأغرب ما في الأمر أنّ المُشاهد سيَجد نفسَه متورّطاً معها إلى درجة التصديق والتعاطف. أداء فلورنس بيو المغناطيسيّ يوثّق تلك العلاقة بين الجمهور وكاثي، كما أنّ ماضيها الأشبَه بلُغز وطفولتها المجروحة يغطّيان «خطاياها» جزئياً. يُضاف إلى ذلك كَمٌّ هائلٌ من الصدق والصراحة، فكاثي لا تُنكر أمام الآخرين ولا أمام نفسها أنها امرأةٌ بلا قلب. هي متصالحة مع الشرّ الذي يسكنها والذي أوصلها في أحد الأيام إلى الاقتراح على زوجها أن يرمي طفليهما في البئر.

لا توفّر سُمّاً ولا تزويراً ولا سلاحاً للوصول إلى هدفها: تريد أن تصبح امرأةً مستقلّة مادياً، لا تستندُ إلى أي رجلٍ كي تعيش.

في عالم كاثي... الغاية تبرّر الوسيلة حتى لو كانت الوسيلة سُمّاً تقتل به ضحاياها (نتفليكس)

إذا كان معظم شخصيات الحكاية قد ورثَ وحشيّته عن الآباء والأجداد، فإنّ المفارقة شاءت أن ترث كاتبة العمل ومخرجتُه زوي كازان هي الأخرى مهمة إحياء القصة عن جدّها المخرج المخضرم إيليا كازان.

عام 1955، قدّم كازان الجدّ رواية ستاينبيك على هيئة فيلم سينمائي من بطولة جيمس دين. وبعد أكثر من 70 سنة، أعادت الحفيدة الحكاية إلى الشاشة مع تعديلاتٍ ليس أوّلها وضع شخصية كاثي في الصدارة، بعد أن كانت مهمّشة في الفيلم. فقد تعمّدت زوي كازان عصرنة السرديّة بما يتماشى مع الزمن الحاليّ. رغم حفاظها على الإطار التاريخي ووفائها لتفاصيل الكتاب، فقد ألقت الضوء على زوايا جديدة آخذةً في الاعتبار النسويّة التي يجسّدها تَحَرُّر كاثي، وإن بشكلٍ مشبوه. كما منحت المخرجة بُعداً إنسانياً حتى للشخصيات الأكثر شراً، وذلك من خلال إثارة التعاطف معها على قاعدة أنّ كل شرّيرٍ هو في الأساس ضحيّة لشرٍ أكبر منه.

الصراع الأبدي بين الخير والشرّ في قلب الحكاية (نتفليكس)

حاز مسلسل East of Eden على ثناء النقّاد وإعجاب المُشاهدين، بدليل أنه تَصدّر فوراً قوائم «نتفليكس» للأعمال الأكثر مشاهدةً. إنها دراما ناجحة شكلاً ومضموناً، لكن فلورنس بيو منحتها مزيداً من البريق. يكفي أن تغيب كاثي عن مشهد حتى يبهت، مهما كانت أحداثه مثيرة.


استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
TT

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

مع الاحتفالات المصرية بانتصارات السادس من أكتوبر (تشرين الأول) في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب، ومن قبلها حرب السنوات الست المعروفة بـ«حرب الاستنزاف»، وظهر اسم الفنان المصري محيي إسماعيل ضمن استطلاع «سوشيالي» حول أفضل الممثلين الذين جسّدوا دور «الضابط الإسرائيلي».

ولمع اسم محيي إسماعيل تحت الأضواء «السوشيالية»، وتصدر «الترند» على «إكس» في مصر، الاثنين، مع نشر مقاطع من أفلام سينمائية وأخرى وثائقية عن حرب أكتوبر، ونشر صور أربعة فنانين قدموا دور «الضابط الإسرائيلي» في السينما، وهم: محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي»، ويحيى الفخراني في فيلم «إعدام ميت»، وشريف منير في فيلم «أولاد العم»، وإياد نصار في فيلم «الممر».

وجاءت أغلبية التعليقات مرجحة كفة الفنان محيي إسماعيل باعتباره أكثرهم إتقاناً للدور، وكتب أحد المتابعين: «طبعاً كهيئة وأسلوب محيي إسماعيل استطاع أن يقنع المشاهدين بدوره كضابط إسرائيلي لدرجة أني كنت معتقداً وأنا صغير أنه إسرائيلي بالفعل؛ لتشابهه الكبير معهم، وخاصة في الأنف المعقوف».

وكتب متابع آخر: «رغم أن يحيى الفخراني من أقوى الممثلين، فإن الدور لم يناسبه ولم يكن مقنعاً إطلاقاً بسبب تكوينه الجسدي، ولم تشفع له عيونه الملونة»، مضيفاً: «محيي إسماعيل رهيب في التقمص والتجسيد، وساعده في ذلك هيئته الجسدية وشكله، بينما إياد نصار وكذلك شريف منير ممثلين كويسين لكن بيمثلوا».

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «الأفلام التي تم إنتاجها في السنوات التالية لحرب أكتوبر كان لها وقع حماسي على الجمهور في وقتها، لكنها إلى الآن تأخذ منحى آخر، ربما هناك جيل جديد لا يعرف عن محيي إسماعيل سوى لقطاته الكوميدية، ولا يعرف قدراته التمثيلية الكبيرة».

الفنان محيي إسماعيل اشتهر بالأدوار المركبة (فيسبوك)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه المناسبات والاستطلاعات من شأنها إعادة تسليط الضوء على مواهب كبيرة في هذه المناسبات مثل الفنان أحمد زكي الذي قدم دور الجندي أكثر من مرة، وغيره من الفنانين، لتكون بمنزلة إعادة تقييم أو رد اعتبار لفنانين موهوبين لم يحظوا بفرص كبيرة تبرز حجم موهبتهم».

ويرى المتخصص في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي معتز نادي أن «الاستطلاعات على (السوشيال ميديا) يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في إعادة أسماء فنية وأعمال قديمة إلى دائرة الاهتمام؛ لأنها تحول الذاكرة الجماعية إلى تفاعل مباشر وقابل للقياس»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تسأل الجمهور مثلاً عن أفضل ممثل جسّد الدور الفلاني في الذكرى الفلانية، أو عن الفيلم الأكثر ارتباطاً بحرب أكتوبر، فأنت لا تجمع أصواتاً فقط؛ فهي محاولة لدفع الناس إلى استدعاء مشاهد وأسماء ربما غابت عن التداول لسنوات».

ويلفت نادي إلى أن «قوة هذه الاستطلاعات تكمن في أنها قد تعيد ممثلاً قديماً إلى واجهة النقاش، وتدفع جيلاً أصغر إلى البحث عنه ومشاهدة أعماله، فتتحول الذكرى إلى دورة محتوى جديدة تشمل فيديوهات قصيرة (ريلز)، ومقاطع أرشيفية، وقصصاً عن النجوم، ومقارنات بين اختيارات الأجيال».

ويقترح نادي التعامل مع النتائج باعتبارها مؤشراً على المزاج والتفاعل، لا استطلاعاً علمياً ممثلاً للمجتمع كله، فـ«القيمة الحقيقية أنها تكشف ما الذي لا يزال حياً في الذاكرة الشعبية، وما الذي يمكن إعادة تقديمه رقمياً بلغة تناسب الجمهور الحالي، في ظل سعي البعض للتعامل مع الذكرى بأدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمكن ملاحظته على (تايم لاين) المنصات هذا العام كـ(ترند) تحطيم خط بارليف بخراطيم المياه»، على حد تعبيره.