إذا سبق لك قضاء بعض الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي، فمن المرجح أنك شاهدت المقطع الشهير الذي ظهر قبل سنوات، عندما واجه 3 من لاعبي المنتخب الياباني؛ هوتارو ياماغوتشي، وهيروشي كيوتاكي، ويوسوكي إيديغوتشي، 100 تلميذ على ملعب كرة قدم كامل، وذلك وفقاً لشبكة «The Athletic».
تبدو الفكرة ساخرة وغير منطقية، لكن المقطع يثير الفضول بشكل لافت. والأكثر إثارة فيه أن اللاعبين الدوليين الثلاثة تمكنوا بالفعل من تبادل التمريرات في المساحات الخالية، متغلبين على الاحتمال الكبير بأن يعترض أحد الأطفال طريق الكرة، حتى ولو من باب المصادفة.
كان سر نجاحهم بسيطاً؛ فالأطفال كانوا ينجذبون جميعاً نحو جهة الكرة، ما يتيح للاعبين نقل اللعب باستمرار إلى الجهة المقابلة، حيث يكون أحدهم من دون رقابة.
وبطبيعة الحال، كان الأطفال يفتقرون إلى الانضباط التكتيكي، وربما يكفي هذا القدر من التحليل لذلك المشهد.
لكن عند مشاهدة المنتخب الياباني الحالي أمام 10 لاعبين بالغين، يصعب أحياناً تجاهل التشابه مع تلك الفكرة، فهذه هي هوية اليابان.
يعتمد المنتخب على خطة 3 - 4 - 3، التي تتحول عند الاستحواذ إلى 5 لاعبين في الخط الأمامي، وهو ما يربك المنافسين باستمرار عبر إيجاد لاعب حر يدخل منطقة الجزاء من الجهة العكسية لدفاع المنافس، مستفيداً من تغيير اتجاه اللعب بسرعة.
وإذا كانت هذه الطريقة قد نجحت أمام 100 منافس، فربما يكون تطبيقها أمام 10 لاعبين أقل صعوبة بكثير.

سر ظهيري الجنب في المنتخب الياباني
ما يميز ظهيري الجنب في اليابان أنهما ليسا من النوع التقليدي الذي يكتفي بالوصول المتأخر إلى القائم البعيد، كما يفعل الكولومبي دانييل مونيوز، أو الهولندي دينزل دومفريس.
بإمكانهما القيام بذلك، لكن لديهما قدرات إضافية؛ فالظهير الأيمن ريتسو دوان يلعب بالقدم اليسرى، بينما يعتمد الظهير الأيسر كيتو ناكامورا على قدمه اليمنى، لذلك يستطيعان التوغل إلى العمق والتسديد، كما فعل ناكامورا عندما سجل في مرمى هولندا، كما يمكنهما الدخول إلى الداخل، وتمرير الكرة بزاوية لتغيير اتجاه اللعب بسرعة.

لقطة تختصر فلسفة اليابان
إحدى الهجمات في بداية الشوط الثاني من مباراة اليابان أمام السويد، التي انتهت بالتعادل 1 - 1، قدمت نموذجاً واضحاً لفلسفة الفريق.
تحرك لاعب الوسط دايتشي كامادا إلى الجهة اليسرى، ثم عاد إلى قدمه اليمنى وأرسل كرة عرضية عميقة باتجاه الظهير يوكيناري سوغاوارا، الذي شارك بدلاً من دوان المريح، لكن الكرة سقطت قبل أن يتمكن من تسديدها مباشرة.
أبعد الدفاع السويدي الكرة بشكل جزئي، لكنها وصلت إلى آو تاناكا، الذي أعاد تغيير اتجاه اللعب فوراً نحو الجهة اليسرى، حيث وجد كامادا نفسه دون رقابة ليسدد مباشرة، إلا أن الحارس تصدى لمحاولته؛ هذه هي اليابان.
هناك دائماً لاعب حر عند القائم البعيد، ويبحث الفريق باستمرار عن الوصول إليه عبر تحويل اللعب في اللحظة المناسبة.

لماذا قد تنجح هذه الخطة أمام البرازيل؟
قبل مواجهة البرازيل، تبدو هذه الطريقة واعدة للغاية، لأن نقطة الضعف الأوضح لدى المنتخب البرازيلي تتمثل في مركزي الظهيرين؛ فالظهير الأيمن دانيلو سيبلغ الـ35 مع نهاية البطولة، ولم يعد يملك السرعة والحيوية اللتين اعتادت البرازيل على وجودهما في هذا المركز.
أما الظهير الأيسر دوغلاس سانتوس، فلم يثبت نفسه يوماً بوصفه أحد أفضل لاعبي العالم في مركزه.
في المقابل، يمتلك المنتخب البرازيلي ثنائي قلب دفاع قوياً يتمثل في ماركينيوس وغابرييل، ولذلك؛ فإن إرسال الكرات الهوائية نحوهما ليس الخيار الأمثل.
الحل الأفضل هو تجاوزهما عبر تغيير اتجاه اللعب بسرعة، واستهداف المساحات خلف الظهيرين.

سؤال تكتيكي أمام أنشيلوتي
من الصعب أيضاً معرفة كيف ستتعامل البرازيل مع التحركات المقبلة من الجهة البعيدة.
معظم المنتخبات التي واجهت اليابان لجأت إلى إشراك لاعب إضافي في الخط الخلفي، لتكوين 5 مدافعين أمام 5 مهاجمين.
هذا ما فعلته هولندا عندما عاد فرينكي دي يونغ من الوسط إلى الخط الخلفي، ما منح الظهيرين حرية البقاء على الأطراف وإغلاق المساحات التي تستغلها اليابان.
لكن من سيقوم بهذا الدور في البرازيل؟ وهل سيتراجع كاسيميرو بالطريقة نفسها؟ أم سيُطلب من رايان، قليل الخبرة، تنفيذ هذا الواجب الدفاعي؟ وهل يرى المدرب كارلو أنشيلوتي أصلاً أن هذه المشكلة تستحق البحث عن حل؟

مباراة قد تغيّر تاريخ اليابان
تبدو هذه المواجهة أكبر من مجرد مباراة في البطولة الحالية؛ فعلى الرغم من أن كرة القدم تحب تقديم نفسها بوصفها لعبة عالمية، فإن بطولات كأس العالم ظلت تاريخياً تحت هيمنة منتخبات أوروبا الغربية وأميركا الجنوبية.
أما اليابان، فقد بدت دائماً المرشح الأبرز لكسر هذا الاحتكار؛ فالمنتخب يمتلك بنية تحتية متطورة، وجودة فنية وتكتيكية عالية، كما يحظى بإعجاب المدربين بسبب انسجامه الجماعي.
ومع ذلك، لم يسبق له أن حقق أي انتصار في الأدوار الإقصائية لكأس العالم، أما إذا نجح في إقصاء البرازيل، صاحبة التاريخ الأعظم في البطولة، فسيكون ذلك أحد أكبر الإنجازات في تاريخ كرة القدم اليابانية، وربما يؤكد طريقته التكتيكية أنها السلاح المثالي لتحقيق هذه المفاجأة.


