في الطابق الثاني من فندق «ويستن كوبلي بليس» بحي باك باي في مدينة بوسطن، لا يدور الحديث عن الخطط التكتيكية أو تدريبات اليوم الأخير قبل مواجهة فرنسا في ختام دور المجموعات، بل عن وجبة الغداء.
وبحسب شبكة The Athletic فهناك يقف ثلاثة طهاة يرتدون الزي الأبيض، يتحركون بين المواقد والثلاجات وألواح التقطيع منذ ساعات الصباح الأولى، استعداداً لإطعام بعثة المنتخب النرويجي، وفي مقدمتها الهداف إرلينغ هالاند، خلال كأس العالم.
في ذلك اليوم كانت البعثة تعيش يومها التاسع والعشرين داخل المعسكر، وهو ما يعني إعداد أربع وجبات يومياً لما لا يقل عن 61 شخصاً، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو 70 بعد وصول رئيس الاتحاد النرويجي لكرة القدم وعدد من المسؤولين الإداريين.
ومع ضمان التأهل إلى دور الـ32 ومواجهة كوت ديفوار، بدأ الحلم يكبر داخل المعسكر. فإذا واصل المنتخب طريقه حتى المباراة النهائية في التاسع عشر من يوليو (تموز)، فإن الطهاة سيكونون مطالبين بالبقاء 54 يوماً متواصلة، وإعداد 216 وجبة كاملة.
لكن هذا السيناريو لا يثير أي قلق لديهم.
فالمنتخب لم يصل إلى الولايات المتحدة معتمداً على الأسواق المحلية، بل جاء محملاً بإمدادات غذائية ضخمة نُقلت من النرويج قبل انطلاق البطولة.
يقول كبير الطهاة آرون إسبيلاند إن الفريق أحضر معه نحو 300 كيلوغرام من سمك السلمون والسلمون القطبي والهلبوت والسلمون المرقط، إضافة إلى مائة كيلوغرام من جبن «يارلسبيرغ» إلى جانب ثمانين كيلوغراماً من الجبن البني النرويجي الشهير.
ومع بلوغ المنتخب الأدوار الإقصائية، تقرر طلب شحنة جديدة من الأسماك، في حين ستُنقل الكميات المتبقية من مقر المعسكر في مدينة غرينسبورو بولاية كارولاينا الشمالية إلى دالاس عبر رحلة تستغرق أربع ساعات، باستخدام مجمدات خاصة تحافظ على درجات حرارة تتراوح بين أربع درجات مئوية تحت الصفر وخمس عشرة درجة تحت الصفر.

«واغيو البحار»
الإصرار على استخدام المنتجات النرويجية لم يكن بدافع الحنين إلى الوطن فحسب.
فسلمون النرويج يُعرف داخل البلاد بلقب «واغيو البحار»، في إشارة إلى جودته الفائقة، ولذلك أمضى الطهاة أشهراً طويلة في التخطيط لكيفية تأمين إمدادات طازجة خلال البطولة.
ولم تكن العملية معقدة بالنسبة لهم، فالنرويج تعد ثاني أكبر مصدر للمأكولات البحرية في العالم، كما تمثل هذه الصناعة ما يقارب عشرة في المائة من اقتصاد البلاد.
ويؤكد إسبيلاند أن لديهم شبكة واسعة من العلاقات داخل قطاع تصدير الأسماك، الأمر الذي جعل شحن المنتجات إلى الولايات المتحدة يتم بسهولة ووفق المواصفات المطلوبة.
ويضيف أن الهدف لم يكن مجرد توفير الطعام، بل ضمان أفضل جودة ممكنة، لأن لاعبي المنتخب يحرصون على تناول أطعمة نظيفة وصحية طوال البطولة.

ثلاثة طهاة خلف أحلام هالاند
يتولى مهمة إعداد الطعام ثلاثة طهاة هم آرون إسبيلاند، وإيريك توفته، وكريستيان كارلسون.
إسبيلاند وتوفته يخوضان تجربتهما الأولى مع منتخب كرة قدم، لكنهما يمتلكان سيرتين مهنيتين لافتتين.
فإسبيلاند سبق أن أحرز الميدالية الذهبية للنرويج في تحدي الطهاة الشباب العالمي عام 2022، بينما عمل توفته في عدد من أشهر المطاعم الحاصلة على نجوم ميشلان داخل النرويج.
أما كارلسون، فهو الأكثر خبرة داخل المعسكر.
انضم إلى الجهاز الإداري للمنتخب منذ خريف عام 1998، بعد أشهر قليلة من انتهاء مونديال فرنسا، وكان قد انتقل إلى النرويج من فنلندا عام 1996 في إقامة كان يفترض ألا تتجاوز ستة أشهر، لكنها تحولت إلى مسيرة حياة كاملة.
ويقول إنه لم يكن يتوقع أن ينتظر كل هذه السنوات حتى يشارك في أول كأس عالم، كما لم يتخيل أن يصبح اللاعبون بهذه الدرجة من الاهتمام بما يدخل إلى أجسادهم.
ويستعيد الماضي قائلاً إن اللاعبين كانوا يطلبون في السابق برغر أو بيتزا وينتهي الأمر، أما اليوم فهم يدركون أن أجسادهم هي رأس مالهم الحقيقي، ولذلك أصبحوا يتعاملون مع الطعام بوصفه جزءاً من عملهم اليومي.

لاعبون يحسبون كل لقمة
يؤكد الطهاة أن بعض لاعبي المنتخب يمتلكون معرفة دقيقة بالتغذية.
فلاعب الوسط فريدريك أورسنيس يطرح أسئلة كثيرة حول مكونات الوجبات، ليس لأنه يجهل الإجابة، وإنما للتأكد من صحة معلوماته.
أما باتريك بيرغ فيلتزم بنظام غذائي صارم للغاية، بعد أن اكتشف أن أداء جسده يتحسن عندما يتجنب الغلوتين ومنتجات الحليب.
لكن أكثر اللاعبين اهتماماً بالطعام يبقى إرلينغ هالاند.
فمهاجم مانشستر سيتي كشف عبر قناته الخاصة عن عاداته الغذائية، التي تتضمن استهلاك نحو ستة آلاف سعرة حرارية يومياً، وإقامة حفلات شواء حتى أثناء هطول الأمطار، وزيارات متكررة للجزار لشراء أنواع متعددة من اللحوم، مثل شرائح التوماهوك والريب آي والأضلاع وشرائح الفيليه، إضافة إلى قلب البقر والكبد.
كما يشرب العسل الخام والحليب الخام، وهذا من عاداته الغذائية المفضلة.
لكن هذا الأمر لا يمكن تطبيقه داخل الولايات المتحدة.
ويبتسم إسبيلاند وهو يوضح أن الحليب الخام محظور هناك بسبب اللوائح الصحية المتعلقة بالبكتيريا، ولذلك يستخدم الطهاة الحليب الخالي من اللاكتوز مع اللاعبين الذين يشعرون بأن أجسادهم تستجيب له بصورة أفضل.

هالاند يفكر في وجبته المقبلة
تمزح إيزابيل يوهانسن، صديقة هالاند، في إحدى الحلقات المصورة بأن المهاجم النرويجي لا يفكر إلا في وجبته التالية.
ويؤكد كارلسون أن في الأمر كثيراً من الحقيقة.
فبحسب قوله، يحب هالاند الطعام كثيراً لأنه يحتاج إلى طاقة هائلة تمكنه من الجري والاحتكاك بالمدافعين طوال المباراة.
بل إن هالاند وعدداً من زملائه طلبوا بالفعل من الطهاة تزويدهم بوصفات بعض الأطباق التي أُعدت لهم خلال المعسكر، بعدما أعجبتهم بساطتها وجودتها.
ولم تكن علاقة الطهاة بهالاند وليدة هذه البطولة.
فكارلسون يعرفه منذ أن كان لاعباً في منتخبات الفئات السنية، بينما تجمع إسبيلاند وهالاند علاقة أقدم، إذ ينحدران من بلدة برينه الصغيرة في جنوب غرب النرويج، التي لا يتجاوز عدد سكانها خمسة عشر ألف نسمة.
ويقول إسبيلاند إنه كان أكبر من هالاند بأربع سنوات، ولعب أيضاً في فرق الناشئين بالنادي نفسه، لكنه لم يكن يتخيل يوماً أنه سيترك كرة القدم، ويختار المطبخ، ليصبح بعد سنوات الشخص المسؤول عن إعداد الطعام لأشهر لاعب خرج من تلك البلدة.
في صباح أحد الأيام، كان الطهاة يجهزون وجبة الغداء التي ستُنقل إلى مركز تدريبات نادي نيو إنغلاند ريفولوشن في مدينة فوكسبورو.
القائمة لم تكن عادية، بل ضمت سلموناً مع صلصة بونزو، والمانجو، والفول الأخضر، والأفوكادو، وبذور السمسم، ومايونيز الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والأرز الأبيض.
لكن هذه الوجبة لم تُعد لإبهار اللاعبين، وإنما لتلبية احتياجاتهم البدنية بدقة.
فالطهاة يعملون يومياً بالتنسيق مع الجهاز الطبي واختصاصيي الأداء البدني، لضمان أن تحتوي كل وجبة على التوازن المطلوب بين البروتينات عالية الجودة لإصلاح العضلات، والكربوهيدرات لتعويض الطاقة، وأحماض أوميغا 3، وفيتامين «د»، والكالسيوم، والحديد، والمغنيسيوم، إضافة إلى الفواكه والخضراوات التي تمد اللاعبين بالفيتامينات ومضادات الأكسدة.
ويؤكد كبير الطهاة آرون إسبيلاند أن الهدف ليس مطاردة العناصر الغذائية منفردة، وإنما إعداد وجبات متكاملة تساعد اللاعبين على تقديم أفضل أداء والتعافي سريعاً.
كما أن توقيت تناول الطعام لا يقل أهمية عن مكوناته، إذ تختلف الوجبات التي تُقدم قبل التدريبات والمباريات عن تلك التي تُقدم بعدها، حيث يتحول التركيز إلى تعويض السوائل والطاقة وتسريع الاستشفاء ولم يكن الاهتمام بالترطيب أمراً ثانوياً.
فبعد معاناة عدد من لاعبي النرويج من التشنجات العضلية خلال مواجهة السنغال، أجرى المدرب ستاله سولباكن والجهاز الطبي اختبارات للبول لقياس مستويات الترطيب لدى اللاعبين.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح الطهاة يضيفون كميات إضافية من الملح إلى الطعام لتحفيز اللاعبين على شرب كميات أكبر من المياه، خصوصاً في ظل درجات الحرارة المرتفعة التي تُقام فيها البطولة.
ورغم كل هذا الانضباط، لا يحرم المنتخب نفسه من بعض المتعة.
فمرة واحدة كل أسبوع، يخصص الطهاة وجبة مفتوحة تضم البيتزا أو البرغر أو أطباق التاكو، لكسر الروتين الغذائي.
ويقول إسبيلاند إن اللاعب إذا تناول النوع نفسه من الطعام يومياً سيشعر بالملل، تماماً كما يحدث في الفنادق الشاملة، حيث تبدو الوجبات رائعة في الأيام الأولى ثم يبدأ الجميع في البحث عن التغيير.
ولهذا السبب، تشاور الطهاة مع قائدي المنتخب قبل البطولة لمعرفة الأطعمة التي يفضلها اللاعبون، إدراكاً منهم أن المعسكر قد يمتد لأسابيع طويلة إذا واصل الفريق تقدمه.
ويضيف أنهم يحاولون إعداد الطعام بكثير من العناية والاهتمام، مستفيدين من خبرة كريستيان كارلسون الطويلة داخل المنتخب.

طعام يعيد اللاعبين إلى منازلهم
يقول كارلسون إن معظم لاعبي المنتخب يعيشون خارج النرويج بسبب احترافهم في أندية أوروبية، ولذلك يشعرون عند انضمامهم إلى المنتخب وكأنهم يعودون إلى منازلهم.
ومن هنا جاءت فكرة تقديم أطباق تحمل ذكريات الطفولة.
أحضر الطهاة معهم آلة خاصة لصنع الوافل، كما جلبوا الجبن البني النرويجي، ومربى التوت الأحمر والفراولة، وصلصة الطماطم، وكافيار «بولار»، وشوكولاتة «نوغاتي» التي تعد النسخة النرويجية من نوتيلا، إضافة إلى صلصة بنية تقليدية وطبق غراتان السمك.
لكن الطبق الأقرب إلى قلوب اللاعبين هو عصيدة الشوفان التي يشتهر بها كارلسون.
تُطهى بالحليب لمدة ساعة كاملة، ثم تُزين بالموز أو المكسرات أو التوت أو العسل أو القرفة أو السكر.
وأصبحت هذه الوجبة الإفطار الأساسي للاعبين طوال المعسكر، لأنها توفر طاقة تدوم لساعات طويلة بفضل الكربوهيدرات المعقدة.

حتى القهوة جاءت من النرويج
إذا كان هناك أمر غير قابل للنقاش بالنسبة للاعبي كرة القدم الحديثة، فهو جودة القهوة.
ولذلك لم يكتف الطهاة بالاعتماد على ما توفره الفنادق، بل أحضروا معهم حبوب البن الخاصة بهم، وأربع ماكينات للقهوة، اثنتين للإسبريسو واثنتين للقهوة المفلترة.
بل إن الظهير الأيمن يوليان رايرسون أحضر ماكينته الخاصة أيضاً.
وكان الطهاة يدركون أن تناول أربع وجبات جماعية يومياً قد يتحول إلى عبء نفسي، لذلك حاولوا جعل وقت الطعام مناسبة اجتماعية أكثر منه واجباً يومياً.
فبدلاً من تقديم أطباق موحدة لكل لاعب، أقاموا محطات بوفيه متعددة تضم نوعين من الأسماك، ونوعين من اللحوم، والأرز والمعكرونة، وثلاثة أصناف من الخضراوات، والبطاطس، وركناً خاصاً بالسلطات.
كما وضعوا طاولتين طويلتين، واحدة للاعبين وأخرى للجهاز الفني والإداري، بهدف تشجيع الجميع على الحديث وترك الهواتف المحمولة جانباً.
ويقول إسبيلاند إن الطهاة أنفسهم يتولون تقطيع الطعام وتقديمه، حتى يتمكنوا من الحديث مع اللاعبين ومعرفة آرائهم في كل وجبة.
ويضيف أن الضغوط التي يعيشها اللاعبون كبيرة للغاية، ولذلك إذا نجحت قطعة وافل مع الجبن في إدخال شيء من الراحة إلى نفوسهم، فإنهم يعتبرون أنهم أنجزوا جزءاً مهماً من مهمتهم.

تفاصيل صغيرة تصنع الفارق
خلال تنقل المنتخب بين غرينسبورو وبوسطن ونيوجيرسي، اضطر الطهاة للعمل في مطابخ مختلفة.
وفي فندق بوسطن كانوا يستخدمون مطبخاً يخدم أكثر من سبعمائة غرفة، بعد أن غادره المنتخب الاسكوتلندي.
لكنهم فوجئوا بطريقة إعداد السمك.
فقد كان الطهاة في الفندق يطبخونه حتى يفقد كل عصائره.
ويروي كارلسون أنهم اضطروا لإيقافهم قائلين إن السمك مطهو أكثر من اللازم، فجاءهم الرد بأن لاعبي اسكوتلندا كانوا يفضلونه بهذه الطريقة.
أما إسبيلاند فشرح الأمر علمياً، موضحاً أن تحول السلمون إلى اللون الأبيض يعني خروج البروتينات والعصائر منه، بينما يفضل النرويجيون أن تصل حرارة مركز السمكة إلى أربعين درجة مئوية فقط، حتى تبقى طرية وغنية بالنكهة.

ماذا يأكل هالاند قبل المباريات؟
يبدأ يوم الطهاة عند السابعة صباحاً.
وفي أيام المباريات، يتناول اللاعبون أولى وجباتهم قبل نحو خمس ساعات من انطلاق اللقاء، بينما يتأخر البدلاء في تناول الطعام حتى ثلاث ساعات قبل البداية.
ويكشف إيريك توفته أن هالاند يعشق المعكرونة، خصوصاً قبل المباريات، شأنه شأن معظم زملائه الذين يحرصون على زيادة مخزون الكربوهيدرات.
وبعض اللاعبين يفضلون عصيدة الشوفان، بينما يختار آخرون اللازانيا أو السباغيتي أو الخبز مع الجبن والسلامي، إلى جانب الدجاج أو السلمون.
كل شيء بسيط، لكنه محسوب بدقة.
أما الوجبة التي نالت إعجاب اللاعبين أكثر من أي طبق آخر خلال البطولة، فكانت سلمون تاتاكي مع صلصة الزبدة البنية، وصلصة الصويا البيضاء، واليوزو، والعسل.
ويبتسم إسبيلاند وهو يروي أن إعدادها جاء على عجل، إذ تكفل هو وكارلسون بشواء السلمون، بينما ابتكر إيريك توفته الصلصة في دقائق قليلة.
وعندما سأله عن مكوناتها، أجاب ضاحكاً: «وضعت فيها الكثير من الأشياء الجيدة».
ولا يقتصر دور الطهاة على إعداد الطعام فقط.
فإذا صادف عيد ميلاد أحد اللاعبين، يصنعون له قالب حلوى خاصاً، كما يشاركون اللاعبين في وضع قوائم الطعام، ويستجيبون لرغباتهم كلما كان ذلك ممكناً.
ويقول توفته إن كل لاعب يختلف عن الآخر، ولذلك يحاولون الاستماع إلى الجميع وتقديم ما يناسب احتياجاته.
وبعد أكثر من شهر بعيداً عن الوطن، أصبحت المهمة الأصعب هي الحفاظ على التنوع والابتكار.
لكن الطهاة لا يمانعون ذلك، لأنهم يأملون أن يكون السبب هو استمرار المنتخب في الفوز، ومواصلة رحلته في كأس العالم إلى ما بعد كل التوقعات.
