أجهزة ليزر على القمر لمساعدة المركبات الفضائية في الملاحة

تثبت في حفره المظلمة لضبط الوقت

شكل تصويري بالذكاء الاصطناعي لليزر في حفرة على القمر
شكل تصويري بالذكاء الاصطناعي لليزر في حفرة على القمر
TT

أجهزة ليزر على القمر لمساعدة المركبات الفضائية في الملاحة

شكل تصويري بالذكاء الاصطناعي لليزر في حفرة على القمر
شكل تصويري بالذكاء الاصطناعي لليزر في حفرة على القمر

يحوي القطب الجنوبي للقمر فوهات دائرية تغطيها ظلال دائمة. والآن، يقترح باحثون اميركيون إمكانية استغلال هذه الفوهات كمواقع لأجهزة ليزر فائقة الثبات، يمكن أن تُستخدم يوماً ما باعتبارها معيار زمني قمرِي. ورغم أن الفكرة لا تزال مجرد اقتراح بالوقت الراهن، فإن مثل هذا «المعيار الزمني» سيُزامن الأنشطة على القمر وما وراءه، كما سيمكّن نظام ملاحة شبيه بنظام تحديد المواقع (GPS) للمركبات الفضائية، في مدار القمر والمركبات الجوالة على سطح القمر.

وحسب جون يي، زميل في «معهد جيلا»، (المعروف سابقاً باسم «المعهد المشترك للفيزياء الفلكية المختبرية») ـ معهد بحثي مشترك بين جامعة كولورادو بولدر والمعهد الوطني للمقاييس والتكنولوجيا، فإن هناك الكثير من الأسباب تجعل القمر موقعاً مثالياً لوضع ليزر مستقر، فالقمر غير نشط تكتونياً (زلزاليا)، وبالتالي هناك اهتزازات أقل تؤثر على الليزر، مقارنةً بالأرض. كما أنه يفتقر إلى غلاف جوي يمكن أن يؤثر على مرايا الليزر.

توفر الفوهات القمرية، التي لا تتعرض لضوء الشمس المباشر، مزايا إضافية. وتتسم هذه المناطق، التي تُعد من أحلك وأبرد الأماكن على مستوى النظام الشمسي، بدرجات حرارة شديد الانخفاض تُقارب 50 درجة كلفن(223.1 درجة مئوية تحت الصفر) داخل هذه الفوهات التي تغطيها الظلال دائماً، ما يقلل بدرجة كبيرة أي اهتزازات عشوائية بسبب الحرارة، قد تتعرض لها مرايا الليزر. بجانب ذلك، احتجزت هذه الفوهات مخزوناً كبيراً من جليد الماء على امتداد ملايين السنين، ما يجعلها أساسية في خطط استكشاف القمر على المدى الطويل. وعن ذلك، قال يي: «من الممكن بناء أكثر ليزر ثباتاً في العالم على القمر.»

الساعة الذرية القمرية والملاحة

يمكن لليزر استثنائي الثبات أن يصبح أساساً لمعيار زمني قمري، مبني على ما سيكون أول ساعة ذرية على جرم خارج الأرض. تستخدم الساعات الذرية البصرية حزم ليزر متقاطعة، لحصر ومراقبة الاهتزازات الكمومية للذرات للحفاظ على الزمن بدقة. يقترح يي وزملاؤه أن ليزراً قمرياً مستقراً قد يدعم ساعة زمنية تضاهي أدق الساعات الذرية البصرية على الأرض. وقد نشر العلماء اقتراحهم في الثامن من مايو (أيار)، في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (Proceedings of the National Academy of Sciences).

جدير بالذكر أن أنظمة تحديد المواقع العالمي، وأنظمة الأقمار الصناعية الملاحية الأخرى على الأرض، تعتمد ، على ساعات ذرية موجودة على الأقمار الصناعية، لإرسال إشارات زمنية دقيقة، التي يستخدمها جهاز الاستقبال لتحديد موقعه، عبر دراسة الزمن المستغرق لوصول الإشارات من كل قمر صناعي مرئي. وبطريقة مشابهة، يمكن لساعة ذرية بصرية قمرية أن تضع الأساس لإرسال إشارة شبيهة بـ «جي بي إس» تُساعد في توجيه المركبات الفضائية والمركبات الجوالة على سطح القمر.

وبسب المقترح، فإن غياب التشويش الجوي على القمر، سيزيد سهولة اتصال هذا الليزر بالأقمار الصناعية حول القمر، والأرض ومشاركة تردده المستقر للغاية. وبفضل هذا المرجع المشترك، يمكن للتلسكوبات في هذه النقاط أن تعمل معاً، وكأنها تلسكوب واحد ضخم عبر تكنولوجيا تُعرف بالتداخل مديد القاعد، للتصوير العميق للمساحة واكتشاف موجات الجاذبية. كما يمكن أن يخدم هذا الليزر الرئيس كعمود فقري لشبكات كمومية بالفضاء شبه منيعة في مواجهة الاختراق.

بناء الليزر

لتشييد ليزر ثابت داخل فوهة قمرية مظللة دائماً، يتصور يي أن يتولى رواد الفضاء أولاً تركيب مكون رئيس يُعرف بتجاويف السيليكون، عبارة عن كتلة من السيليكون، تسمح فقط بترددات ضوئية معينة بالانعكاس ذهاباً وإياباً بين مراياٍ في كل طرف من الكتلة. المسافة بين المرآتين تحدد أي الترددات مسموح لها بالتردد. وفي ظل وجود تجويف عالي الاستقرار، تظل تلك المسافة وتلك الترددات عند أدنى حد ممكن من التغيرات.

ويشير الباحثون إلى أنه عبر إشعاع أي حرارة متبقية من التجويف باتجاه برودة الفضاء الخارجي الهائل، يمكن تبريده أكثر حتى 16 كلفن (-257.1 درجة مئوية) ، دون الحاجة إلى أي معدات إضافية. عند هذه الدرجة، لا يتمدد السيليكون ولا ينكمش عند التعرض لتغيرات طفيفة في الحرارة. وهذا يعني أن المسافة بين مرايا التجويف ستبقى ثابتة.

من جهته، قال يي: «في تجاوِيف السيليكون في مختبراتنا، نحتاج إلى مبرد لخفض الحرارة، ومضخة تفريغ لإزالة الهواء من التجويف الفارغ والحفاظ على فراغ عالٍ، ومنصة عزل للاهتزازات. كل هذه الشروط يمكن تلبيتها بطريقة تلقائية في المناطق المظللة دوماً على القمر، من دون استخدام أي آلات فعالة. وكان هذا مرضياً لي للغاية».

بمجرد وضع تجويف السيليكون في مكانه، سيضع رودا الفضاء ليزراً عالي القدرة بالقرب منه، إما على حافة الفوهة أو داخلها. هذا الليزر سيُوجّه بعض ضوئه نحو التجويف، والنبضة المستقرة التي يعيدها التجويف إلى الليزر ستساعد بدورها على تثبيت كل الأشعة الأخرى التي قد يصدرها الليزر.

وأخيراً، فإنه قد يبدو مفهوم بناء ليزر في فوهة قمرية بمثابة «قفزة كبيرة»، لكن وكالة «ناسا» قد اختارت بالفعل مناطق قرب فوهات القطب الجنوبي للقمر باعتبارها مواقع هبوط ببرنامج «أرتميس». ويمكن لمركبة «أرتميس» أن تنقل تجويف السيليكون مُجمَّعًا بالكامل من الأرض إلى القمر، حسبما قال وي تشانغ، مهندس بصريات في مختبر الدفع النفاث التابع لـ»ناسا». وسيستخدم الرواد مركبة قمرية آلية يتحكمون بها عن بُعد، أو ميكانيكياً لخفض التجويف إلى داخل الفوهة.

وهنا، تساءل يي: «السؤال الكبير يتركز حول جدوى هذا المخطط»، مضيفاً «ربما نبدأ أولاً بوضع تجاويف السيليكون على أقمار صناعية في مدار قريب من الأرض».


مقالات ذات صلة

تقنية مبتكرة تسرّع شحن بطاريات السيارات الكهربائية

علوم قلق نفاد الشحن من أبرز العوائق أمام انتشار السيارات الكهربائية على نطاق واسع _رويترز_

تقنية مبتكرة تسرّع شحن بطاريات السيارات الكهربائية

تشهد صناعة السيارات الكهربائية تحولاً غير مسبوق في مشهد النقل العالمي، مدفوعاً بالضغوط البيئية وتنامي الوعي المناخي وتوجهات السياسات الحكومية

محمد السيد علي (القاهرة)
تكنولوجيا يجمع النظام بين هيكل خارجي قابل للارتداء وذراع روبوتية تعاونية لتخفيف الأعباء الجسدية على عمال المصانع (الجامعة)

نظام روبوتي قابل للارتداء يقلل الجهد العضلي لعمّال المصانع بـ65 %

يجمع النظام هيكلاً خارجياً بذراع روبوتية لتحديد وزن القطع وضبط الدعم وتقليل الجهد العضلي في المصانع بنسبة 65 في المائة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رفعت «أبل» أسعار عدد من أجهزة «ماك» و«آيباد» ومنتجاتها المنزلية في السوق الأميركية (أبل)

«أبل» ترفع أسعار «ماك» و«آيباد»... و«آيفون» خارج الزيادة حتى الآن

رفعت «أبل» أسعار أجهزة «ماك» و«آيباد» ومنتجات أخرى مع ارتفاع تكاليف الذاكرة، بفعل الطلب المتزايد من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تختبر النرويج روبوتات ذاتية يمكنها البقاء في قاع البحر وتنفيذ مهام تفتيش متكررة (الجامعة)

روبوتات «مقيمة» في الأعماق لمراقبة الأنابيب والكابلات البحرية

تختبر النرويج روبوتات بحرية ذاتية تعود إلى محطات شحن في الأعماق لمراقبة الأنابيب والكابلات، وتقليل الاعتماد على سفن الدعم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تسمح البنية الجديدة بدمج نحو 100 مليار ترانزستور في شريحة بحجم ظفر الإصبع «آي بي إم»

دعماً لحوسبة الذكاء الاصطناعي...«آي بي إم» تدخل عصر الشرائح دون النانومتر

تكشف «آي بي إم» لأول مرة عن تقنية شرائح دون النانومتر تعد بأداء أعلى وكفاءة طاقة أكبر لدعم الجيل المقبل من حوسبة الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة
TT

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

تمكن فريق دولي من العلماء من تحديد اضطراب وراثي لم يكن معروفاً من قبل، يتسبب في مرض رئوي شديد يبدأ منذ الطفولة المبكرة. وجاء ذلك في اكتشاف يسلط الضوء على أحد الأسباب الخفية للفشل التنفسي لدى الأطفال، ويفتح آفاقاً جديدة للتشخيص والعلاج.

اكتشاف جيني

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة «American Journal of Human Genetics» في 8 يونيو (حزيران) 2026، حيث أظهرت أن المرض الرئوي ينجم عن طفرات تؤدي إلى فقدان وظيفة جين يُعرف باسم TMEM63B. وكشف الباحثون من كلية بايلور للطب الأميركية ومستشفى تكساس للأطفال بالتعاون مع مؤسسات بحثية في آسيا وأوروبا، عن أن الأطفال الذين يرثون نسختين معطوبتين من هذا الجين يعانون مشكلات تنفسية خطيرة منذ الأشهر الأولى من الحياة، إضافة إلى تأخر في النمو.

ويُعدّ هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو فهم أحد الأمراض الوراثية النادرة التي ظلت أسبابها مجهولة لسنوات طويلة.

• رحلة الاكتشاف. بدأت رحلة الاكتشاف مع طفل التحق ببرنامج الشبكة الأميركية للأمراض غير المشخّصة (UDN) في كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال. وكان الأطباء يحاولون تفسير أعراض تنفسية حادة عنده، لم تنجح الفحوص التقليدية في تحديد سببها.

وأظهرت التحاليل الجينية وجود طفرات نادرة في جين TMEM63B. وبعد نشر هذه الملاحظات عبر شبكة الأمراض غير المشخّصة، تمكن الباحثون من العثور على أربعة مرضى آخرين من ثلاث عائلات غير مرتبطة يحملون طفرات مشابهة ويعانون أعراضاً متقاربة.

وبذلك تم التعرف على أول خمس حالات معروفة لهذا الاضطراب الوراثي الجديد.

• أعراض متشابهة. وقد عانى جميع الأطفال ضيق تنفس ومشكلات رئوية ظهرت في وقت مبكر من الحياة، كما أظهرت الفحوص وجود تغيرات غير طبيعية في أنسجة الرئة وتأخر في النمو والتطور. ومن اللافت أن المرضى لم يعانوا نوبات صرع رغم أن طفرات أخرى في الجين نفسه كانت قد ارتبطت سابقاً باضطرابات عصبية تشمل الصرع وتأخر النمو.

جين واحد ومرضان مختلفان

يحمل جين TMEM63B تعليمات إنتاج بروتين يعمل كقناة أيونية، وهي بوابات مجهرية تسمح بمرور الأيونات عبر أغشية الخلايا وتؤدي دوراً مهماً في وظائف الكثير من الأعضاء، بما في ذلك الدماغ والرئتان.

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن بعض الطفرات تجعل هذه القنوات مفرطة النشاط، أي تبقى مفتوحة عندما يفترض أن تكون مغلقة. وقد ارتبط هذا النوع من الطفرات باضطرابات عصبية وظهور نوبات صرع.

أما في الدراسة الحالية، فقد اكتشف الباحثون نوعاً مختلفاً تماماً من الطفرات يؤدي إلى اختفاء القناة الأيونية أو فقدانها وظيفتها بالكامل بسبب وراثة نسختين معطوبتين من الجين واحدة من كل والد. وأكدت التجارب المختبرية أن هذه الطفرات تؤدي بالفعل إلى فقدان كامل لوظيفة البروتين.

• لماذا تتضرر الرئتان أكثر من الدماغ؟ وأحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الدراسة هو أن فقدان وظيفة الجين TMEM63B يؤثر بشدة في الرئتين بينما يبدو أن تأثيره على الدماغ أقل حدة.

ويرجح الباحثون أن الدماغ يمتلك قنوات أيونية أخرى قادرة على تعويض غياب الجين جزئياً في حين لا تملك الرئتان آليات تعويض مماثلة. وبالتالي، يؤدي غياب هذه القناة إلى اضطراب عمليات حيوية ضرورية للحفاظ على وظائف الرئة الطبيعية؛ ما يفسر ظهور الفشل التنفسي الحاد لدى الأطفال المصابين.

كما تتوافق هذه النتائج مع دراسات سابقة على الفئران التي عُدلت وراثياً لتفتقر إلى الجين نفسه، حيث عانت الحيوانات فشلاً تنفسياً شديداً بعد الولادة مباشرة.

• سبب جديد لأمراض الرئة النادرة. يرى الباحثون أن الطفرات في جين TMEM63B قد تمثل سبباً جديداً وغير معروف سابقاً لبعض أنواع أمراض الرئة الخلالية interstitial lung disease لدى الأطفال، وهي مجموعة من الأمراض النادرة التي تؤثر في الأنسجة الدقيقة للرئتين وتعيق عملية التنفس.

وغالباً ما ترتبط هذه الأمراض بخلل في إنتاج أو وظيفة المادة الخافضة للتوتر السطحي الرئوية surfactant، وهي مادة تساعد الرئتين على التمدد والانكماش بسهولة أثناء التنفس.

وقالت الدكتورة كيرين ماشول، قسم علم الوراثة الجزيئية والبشرية كلية بايلور للطب هيوستن تكساس الباحثة المشاركة في الدراسة، إن التعرف على الجين TMEM63B بوصفه سبباً لهذه الحالات قد يساعد الأطباء على تشخيص المرض مبكراً وتقديم الرعاية المناسبة للمرضى وأسرهم.

• أهمية التشخيص الجيني. ومن المتوقع أن تؤثر هذه النتائج في استراتيجيات الفحص الجيني للأطفال الذين يعانون أمراضاً تنفسية مجهولة السبب. فحتى الآن كان هذا الجين معروفاً أساساً بدوره في بعض الاضطرابات العصبية، لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن نوع الطفرة نفسها هو ما يحدد طبيعة المرض، سواء كان عصبياً أو رئوياً.

وقد يساعد ذلك المختبرات والأطباء على التعرف على هذا الاضطراب بشكل أسرع وتقديم تشخيص أكثر دقة للحالات المشابهة مستقبلاً.

ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف ما كان ليتحقق لولا التعاون الدولي وتبادل البيانات بين المراكز الطبية والبحثية حول العالم. فالحالات النادرة غالباً ما تكون موزعة بين دول مختلفة؛ ما يجعل الربط بينها أمراً صعباً. لكن مشاركة المعلومات الجينية والسريرية سمحت للعلماء بجمع الأدلة اللازمة لإثبات العلاقة بين طفرات الجين TMEM63B والمرض الرئوي الشديد.

ورغم أن كثيراً من الأسئلة ما زالت في حاجة إلى إجابات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم أفضل للأمراض الوراثية النادرة التي تصيب الجهاز التنفسي، ويمنح الأمل لعائلات ظلت لسنوات تبحث عن تفسير لمعاناة أطفالها.


تقنية مبتكرة تسرّع شحن بطاريات السيارات الكهربائية

قلق نفاد الشحن من أبرز العوائق أمام انتشار السيارات الكهربائية على نطاق واسع _رويترز_
قلق نفاد الشحن من أبرز العوائق أمام انتشار السيارات الكهربائية على نطاق واسع _رويترز_
TT

تقنية مبتكرة تسرّع شحن بطاريات السيارات الكهربائية

قلق نفاد الشحن من أبرز العوائق أمام انتشار السيارات الكهربائية على نطاق واسع _رويترز_
قلق نفاد الشحن من أبرز العوائق أمام انتشار السيارات الكهربائية على نطاق واسع _رويترز_

تشهد صناعة السيارات الكهربائية تحولاً غير مسبوق في مشهد النقل العالمي، مدفوعاً بالضغوط البيئية وتنامي الوعي المناخي وتوجهات السياسات الحكومية نحو خفض الانبعاثات الكربونية. ورغم الارتفاع الملحوظ في معدلات اعتماد هذه المركبات خلال السنوات الأخيرة، فإن هذا التوسع لا يزال أقل من طموحات استراتيجيات التحول الطاقي، في ظل عوائق تقنية تُبطئ انتشارها.

يأتي في مقدمة هذه العوائق تحدي تخزين الطاقة وشحن البطاريات، الذي يُمثل مصدر قلق رئيسياً للمستهلكين والمصنّعين؛ فرغم التقدم الذي حققته النماذج الحالية من البطاريات عالية السعة، مثل بطاريات السيليكون والليثيوم من حيث كثافة الطاقة، فإنها لا تزال تعاني معضلة جوهرية تتمثل في التعارض بين سرعة الشحن ومتانة البطارية؛ إذ يؤدي الشحن السريع إلى ارتفاع الحرارة وتسريع تدهور الخلايا وتقليل عمرها التشغيلي، ما يضعف موثوقية هذه التقنية على المدى الطويل.

تقنية شحن مبتكرة

وفي محاولة للتغلب على هذا التحدي، توصل باحثون من جامعة أديليد في أستراليا بالتعاون مع جامعة إمبريال كوليدج لندن، إلى استراتيجية جديدة تتيح شحن بطاريات الليثيوم-أيون خلال دقائق معدودة دون التأثير على كفاءتها أو عمرها التشغيلي.

وتمكّن الفريق من تطوير خلايا بطارية تعتمد على تقنية مبتكرة لتحسين التفاعلات الكهروكيميائية عند سطح القطب الكهربائي، وفق النتائج المنشورة بعدد 25 مايو (أيار) الماضي من دورية «Nature Energy».

تقوم فكرة هذه التقنية على تعديل التفاعلات التي تحدث عند سطح القطب الكهربائي داخل البطارية، بدلاً من التدخل في كامل مكونات الإلكتروليت كما هو الحال في الأساليب التقليدية؛ إذ تعمل المواقع التحفيزية على سطح القطب على جذب الأيونات السالبة نحو واجهة التفاعل داخل البطارية؛ ما يسهِم في تسريع التفاعلات الكهروكيميائية المسؤولة عن عملية الشحن.

ومع هذا التفاعل الموجّه، تتكوّن طبقة واقية غير عضوية قوية على سطح القطب الكهربائي، تعمل على حماية البطارية من التدهور الناتج من الشحن السريع، وتُحافظ في الوقت نفسه على استقرارها على المدى الطويل. ووفق الباحثين، تلعب هذه الطبقة دوراً حاسماً في تقليل التفاعلات الجانبية الضارة التي عادةً ما تؤدي إلى ارتفاع الحرارة وتسريع تآكل الخلايا.

وحسب النتائج، تتميز هذه المقاربة عن الطرق التقليدية في هندسة الإلكتروليت بأنها لا تغيّر النظام الكامل للبطارية، بل تركز فقط على «الواجهة البينية»؛ ما يسمح بالحفاظ على موصلية الأيونات داخل البطارية وفي الوقت نفسه تسريع عملية الشحن.

وبفضل هذه الآلية، تمكنت الخلايا التجريبية من تحقيق أداء مرتفع، حيث وصلت إلى أكثر من 85 في المائة من الشحن خلال 6 دقائق فقط، مع تحقيق كثافة طاقة تبلغ نحو 240.4 واط/ساعة لكل كيلوغرام في وقت شحن قصير للغاية.

كما أظهرت نتائج الاختبارات أداءً مميزاً؛ إذ احتفظت الخلايا بنحو 76 في المائة من سعتها بعد 500 دورة شحن سريعة، مدة كل منها 6 دقائق، إضافة إلى إظهارها استقراراً جيداً حتى عند الشحن خلال 10 دقائق.

تقدم مهم

يقول الدكتور شي تشانغ تشياو، الباحث الرئيسي للدراسة في كلية الهندسة الكيميائية بجامعة أديليد، إن هذا الاكتشاف يمثل تقدماً مهماً في مجال بطاريات السيارات الكهربائية لأسباب عدة، أبرزها أنه يعالج مشكلة تاريخية لطالما أعاقت تطور هذا القطاع، وهي التوازن بين الشحن فائق السرعة والحفاظ على كثافة الطاقة وعمر البطارية؛ فقد كان تحقيق شحن يتجاوز 90 في المائة خلال أقل من 10 دقائق دون تدهور كبير في الأداء تحدياً معقداً، ويُعدّ هذا العمل خطوة عملية نحو تجاوزه.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: الأثر الاستراتيجي لهذا التطور كبير؛ إذ يسهِم في معالجة أحد أبرز العوائق أمام انتشار السيارات الكهربائية، وهو «قلق نفاد الشحن»؛ فالوصول إلى زمن شحن يقارب دقائق معدودة يجعل تجربة الاستخدام أقرب إلى تزويد الوقود التقليدي، ما قد يسرّع التحول العالمي نحو النقل المستدام.

ورغم ذلك، أشار إلى أن الانتقال من الخلايا التجريبية إلى حزم بطاريات تجارية كاملة الحجم يواجه تحديات تقنية معقدة، أبرزها التصنيع واسع النطاق؛ إذ لم يتم بعد إثبات إمكانية إنتاج هذه الخلايا بكفاءة واستقرار على مستوى صناعي كبير. كما تُعدّ إدارة الحرارة من أبرز العقبات، حيث يؤدي الشحن السريع إلى توليد حرارة مرتفعة قد تؤثر في سلامة البطارية وتسرّع من تدهورها، وفي الحزم الكبيرة التي تحتوي على مئات أو آلاف الخلايا، تصبح أنظمة التبريد والتحكم الحراري أكثر تعقيداً وأهمية.

وأضاف: لا تزال الحاجة قائمة إلى اختبارات طويلة الأمد في ظروف التشغيل الواقعية، وهو ما لم يُستكمل بعد، ويُعدّ شرطاً أساسياً قبل الانتقال إلى التطبيقات التجارية، مشيراً إلى أن الخطوة التالية للفريق تتمثل في توسيع نطاق التقنية واختبار أدائها على المدى الطويل في ظروف تشغيل واقعية.


أميركا تعتزم إنشاء «مستودع» لحفظ جينات الأنواع المهددة بالانقراض

«المستودع البيولوجي» سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض (رويترز)
«المستودع البيولوجي» سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض (رويترز)
TT

أميركا تعتزم إنشاء «مستودع» لحفظ جينات الأنواع المهددة بالانقراض

«المستودع البيولوجي» سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض (رويترز)
«المستودع البيولوجي» سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض (رويترز)

أعلنت شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية ووكالة حكومية أميركية، الخميس، عن خطة لإنشاء أرشيف للخلايا الحية والجينات لكل ​الأنواع المحمية بموجب قانون الأنواع المهددة بالانقراض في الولايات المتحدة، وذلك في إطار مشروع يهدف إلى حماية ما يقرب من 2300 نوع من الحيوانات والنباتات التي تعد مهددة أو معرضة لخطر الانقراض.

وقالت شركة «كولوسال بيوساينس» ومقرها تكساس إنها توصلت إلى اتفاق مع هيئة الأسماك والحياة البرية الأميركية بشأن هذه ‌المبادرة الطموح للحفاظ ‌على التنوع البيولوجي.

وقال بن لام ​الرئيس ‌التنفيذي ⁠والمؤسس ​المشارك لشركة ⁠«كولوسال» إن المشروع المزمع، الذي يطلق عليه «المستودع البيولوجي»، سيكون بمثابة أرشيف محفوظ بالتبريد الشديد للأنواع المهددة بالانقراض.

وسيتم تخزين الخلايا الحية والأنسجة التناسلية والحمض النووي لهذه الأنواع للحفاظ على العينات قبل أن تنهار أعداد هذه الكائنات إلى درجة لا يمكن معها استعادتها. وقال لام، بحسب وكالة «رويترزر: «تدعم هذه المواد التكاثر بمساعدة تقنية، والإدارة ‌الجينية للمجموعات البرية، وإعادة ‌التوطين في المستقبل في حال انقراض ​نوع ما تماما. ‌ولأول مرة، لدينا التكنولوجيا التي تجعل ذلك ممكنا على ‌نطاق واسع».

وتصف «كولوسال» نفسها بأنها شركة مكرسة لهدف «إعادة الأنواع المنقرضة إلى الحياة». وأعلنت العام الماضي أنها بفضل تكنولوجيا الهندسة الوراثية نجحت في استعادة الذئب الرهيب، وهو كائن ‌مفترس منقرض يعود للعصر الجليدي.

وأوضحت أنها ستنفق عشرات الملايين من الدولارات لبناء وتشغيل «المستودع ⁠البيولوجي»، وأن ⁠مذكرة التفاهم لا تنص على التزام بتخصيص أموال اتحادية.

ومن المقرر أن يكون المستودع موردا عاما دائما يحتوي على عينات موحدة وبيانات حمض نووي متاحة للجميع، يمكن للعلماء في جميع أنحاء العالم الوصول إليها.

وقال مات جيمس كبير مسؤولي شؤون الحيوانات في كولوسال إن هيئة الأسماك والحياة البرية التابعة لوزارة الداخلية الأمريكية تقود هذه الشراكة وستحدد أولويات الحفظ وتوفر الشبكات الميدانية والسلطة التنظيمية التي تجعل جمع العينات ​على هذا النطاق ​أمرا ممكنا، مشيراً إلى أنه لم يتم تحديد موعد نهائي لإنجاز المشروع.