ما سبب ارتفاع عدد الوفيات بسبب موجة الحر في أوروبا؟

مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)
مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)
TT

ما سبب ارتفاع عدد الوفيات بسبب موجة الحر في أوروبا؟

مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)
مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)

بمجرد انحسار موجة الحر، التي تخطت فيها درجات الحرارة 40 درجة مئوية، ستبدأ أوروبا في حصر ضحاياها.

من المرجح أن تكون درجات الحرارة الاستثنائية التي تجتاح غرب القارة، هذا الأسبوع، قد أودت بحياة المئات، وربما الآلاف، بعد أكثر من عقدين من صيف 2003 القاتل الذي نبه الحكومات إلى مخاطر الحر الشديد.

ومن المرتقب أن يتأثّر 191 مليون شخص على الأقلّ بحرارة أعلى من 35 درجة مئوية في فترة ما من الأحد، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

‌قالت الوكالة الوطنية للصحة العامة في فرنسا، الأحد، إن البلاد سجلت 1000 ​حالة وفاة فوق المعدل الطبيعي خلال موجة الحر الشديد التي تجتاح أوروبا، محذرة من أن العدد الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك.

وبدأت السلطات الفرنسية تحصي الوفيات الإضافية التي من الممكن أن تنسب إلى القيظ التاريخي الذي يخنق البلد منذ 11 يوماً.

يستمتع الناس برش المياه بواسطة مدفع مياه تابع للشرطة عند بوابة براندنبورغ خلال موجة الحر المستمرة في برلين (رويترز)

وأشارت وكالة الصحة العامة في فرنسا إلى أن هذه الظاهرة طالت خصوصاً من هم فوق الخامسة والستين (85 في المائة من الحالات)، لافتة إلى أن الوفيات في المنازل سجلت أعلى زيادة بنسبة 40 في المئة تقريباً، لا سيما في منطقة إيل دو فرانس التي تضم باريس وضواحيها.

ليست المرة الأولى

لا تعد وفاة الأوروبيين من شدة الحر أمراً جديداً، ففي عام 2003، أودى الحر بحياة نحو 70 ألف شخص؛ ما دفع الحكومات إلى وضع خطط عمل عاجلة.

ومع ذلك، وبعد عقدين من الزمن، لا تزال الوفيات الناجمة عن الحر تصل إلى عشرات الآلاف سنوياً. ورغم صعوبة الحصول على بيانات عالمية موثوق بها، تشير التقديرات إلى أن عدد الأوروبيين الذين يموتون بسبب الحر مرتفع بشكل غير متناسب مقارنةً بأجزاء أخرى من العالم.

تغير المناخ... متهم رئيسي

ويُعدّ شيخوخة السكان والتغير المناخي السريع في قارة يندر فيها استخدام مكيفات الهواء من العوامل الرئيسية التي تُسهم في ارتفاع عدد الوفيات في أوروبا. ولكن في جوهر الأمر، فإن الجهود المبذولة لحماية الأوروبيين خلال فصول الصيف التي تزداد حرارةً باستمرار لا تزال متأخرة كثيراً عما ينبغي أن تكون عليه، حسبما أفادت مجلة «بوليتيكو».

تشير مقاييس الحرارة إلى 36 درجة مئوية في وسط وارسو في بولندا (إ.ب.أ)

وفي هذا الصدد، قال هانز كلوج، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، لموقع مجلة «بوليتيكو»: «لا تزال معظم دول أوروبا غير مستعدة بشكل منهجي لما أصبح بالفعل أزمة متكررة. ما زلنا نتعامل مع موجة الحر كظاهرة جوية عابرة بدلاً من كونها تهديداً مزمناً للصحة العامة».

ومع ازدياد تواتر موجات الحر وشدتها نتيجة الاحتباس الحراري، يؤكد الخبراء ضرورة اتخاذ أوروبا إجراءات عاجلة لحماية سكانها.

وتقول فلور موناسو، مسؤولة شؤون أوروبا في مركز المناخ التابع لـ«الصليب الأحمر» و«الهلال الأحمر»: «برزت الحرارة كأخطر وأخطر خطر صحي يهدد أوروبا. إنها مسألة حياة أو موت».

شيخوخة سكان أوروبا

تشكّل موجات الحرّ المتواترة مؤشّراً لا لبس فيه إلى التغيّر المناخي الناجم، خصوصاً عن حرق الوقود الأحفوري. ومن العوامل التي تتسبب في ارتفاع حصيلة الوفيات جراء موجات الحر في أوروبا، شيخوخة سكان القارة. تُشكل الحرارة تهديداً صحياً عالمياً. تُشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن العالم شهد في العقدين الأولين من هذا القرن نحو 489 ألف حالة وفاة سنوياً بسبب الحرارة.

لكن يبدو أن الخسائر في أوروبا فادحة؛ فالقارة تضم أقل من 10 في المائة من سكان العالم، لكنها سجلت أكثر من ثلث وفيات الحرارة المُقدرة من قِبل منظمة الصحة العالمية بين عامي 2000 و2019.

وتُظهر البيانات أن معدل الوفيات المرتبطة بالحرارة قد ارتفع في معظم أنحاء أوروبا منذ عام 2000.

وفقدت أوروبا أكثر من 200 ألف شخص بسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأربع الماضية، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وفي عام 2022، توفي أكثر من 60 ألف أوروبي لأسباب مرتبطة بالحرارة.

منازل أشبه بالأفران

تعاني المباني الأوروبية، حيث يقضي سكان القارة نحو 90 في المائة من وقتهم، من ارتفاع درجة الحرارة.

وصُممت مباني شمال أوروبا للاحتفاظ بالحرارة في الشتاء البارد، لا لتبريدها في الصيف. ومع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، يتحول هذا الأمر إلى خطر صحي.

حذرت لجنة تغير المناخ في المملكة المتحدة من أن 92 في المائة من المنازل القائمة قد ترتفع درجة حرارتها بشكل مفرط بحلول عام 2050. وفي باريس، تُحوّل أسطح الزنك الشهيرة في المدينة الشقق إلى أفران.

ندرة مكيفات الهواء

رغم ازدياد استخدام أجهزة التكييف، فإنها لا تزال غير شائعة في أوروبا، فنحو خُمس المنازل الأوروبية فقط مُجهزة بأجهزة تكييف، مقارنةً بـ 90 في المائة في الولايات المتحدة.

يشقّ المجدفون طريقهم على طول نهر التايمز في ميدنهيد بينما لا يزال ساري المفعول تحذير أحمر نادر من موجة حر شديدة في بريطانيا (د.ب.أ)

ويعزو موناسو ارتفاع معدل الوفيات الناجمة عن الحرارة في أوروبا إلى «مجموعة من العوامل، لكن من المؤكد أن التكييف وسيلة لإنقاذ الأرواح». ويضيف: «في أوروبا، التغطية أقل كثيراً، وهذا يُعد مشكلة خطيرة، وسيُحدث تحسين الوضع فرقاً كبيراً».

ولا يقتصر الأمر على المنازل فحسب، بل تفتقر المصانع والمدارس والقطارات وحتى المستشفيات إلى التبريد الكافي.

وارتفعت الوفيات الناجمة عن الحرارة في أماكن العمل بنسبة 42 في المائة في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2000؛ ما دفع الاتحاد الأوروبي لنقابات العمال إلى دعوة بروكسل إلى تضمين فترات التبريد الإلزامية ودرجات الحرارة القصوى للعمل في تشريعات العمل.

هذا الأسبوع، أُغلقت آلاف المدارس بسبب ارتفاع درجات الحرارة في الفصول الدراسية؛ وأوقفت بلجيكا تشغيل القطارات غير المُكيّفة؛ وأعلنت إحدى العيادات الفرنسية عن وفاة مريض بسبب ارتفاع درجة حرارة غرفته في المستشفى.


مقالات ذات صلة

الجفاف في إنجلترا يُهدد قرع الهالوين

يوميات الشرق ثمار اليقطين ملقاة في حقل بالقرب من دانشتات بألمانيا (إ.ب.أ)

الجفاف في إنجلترا يُهدد قرع الهالوين

مع اقتراب عيد الهالوين، تتزيّن مداخل المنازل في أنحاء البلاد بثمار القرع الكبيرة، المحفورة على هيئة وجوه مخيفة، والمضاءة من الداخل بشموع صغيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر.

«الشرق الأوسط» (شاطئ إيزتوزو (تركيا) )
أوروبا امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا، عازية ذلك إلى «فترة غير مسبوقة من الأحوال الجوية المتطرفة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «إيني» الإيطالية (رويترز)

«إيني» الإيطالية: على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات الكربون

قال كلاوديو ديسالزي الرئيس التنفيذي لشركة «إيني»، الأربعاء، إن على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد صهاريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في منشأة هامرفست بالنرويج (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يؤجل تطبيق قواعد الميثان على واردات النفط والغاز لمدة عام

اقترحت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، تأجيل تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بانبعاثات الميثان الناجمة عن واردات النفط والغاز لمدة عام واحد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

أعطال تضرب عدداً من خدمات «غوغل كلاود» في أوروبا

شعار شركة غوغل (رويترز)
شعار شركة غوغل (رويترز)
TT

أعطال تضرب عدداً من خدمات «غوغل كلاود» في أوروبا

شعار شركة غوغل (رويترز)
شعار شركة غوغل (رويترز)

أفادت شركة غوغل الثلاثاء عبر موقعها الإلكتروني المخصص لمتابعة خدماتها، بأعطال خطرة في خدمات تابعة لـ«غوغل كلاود» في مركز بياناتها الأوروبي الواقع في لندن.

وأعلن مصرف «ريفولت» الرقمي البريطاني عن أعطال تؤثر على عدد من خدماته، عزاها مصدر مطّلع إلى عطل في خدمات «غوغل كلاود»، بينما قالت غوغل في تحديث بهذا الشأن إن «عددا من خدمات غوغل كلاود تشهد ارتفاعاً في معدلات الأخطاء وانقطاعات متقطعة في الشبكة في منطقة غرب أوروبا»، في إشارة إلى مركز بياناتها في لندن، وفقا لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


احتجاجات فرنسا تتحول لموجة نهب تضرب 3 آلاف متجر... والخسائر بمئات الملايين

داخل متجر «كريستيان ديور» بعد تعرضه للنهب (رويترز)
داخل متجر «كريستيان ديور» بعد تعرضه للنهب (رويترز)
TT

احتجاجات فرنسا تتحول لموجة نهب تضرب 3 آلاف متجر... والخسائر بمئات الملايين

داخل متجر «كريستيان ديور» بعد تعرضه للنهب (رويترز)
داخل متجر «كريستيان ديور» بعد تعرضه للنهب (رويترز)

لم تقتصر تداعيات الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا على المواجهات في الشوارع، بل امتدت إلى سرقة متاجر فاخرة، وعلامات تجارية عالمية، من «لويس فيتون» و«هيرميس» إلى «رولكس» و«سيفورا»، في مشاهد تسلط الضوء على تكلفة الاضطرابات على قطاع التجارة الفرنسي.

وبين متاجر تعرضت للنهب وأخرى لحقت بها أضرار مادية، بدأت تتكشف ملامح خسائر واسعة، وسط تقديرات أولية تتحدث عن تضرر أكثر من 3 آلاف متجر، وخسائر قد تصل إلى مئات الملايين من اليوروات.

وبدأت الاحتجاجات في فرنسا منتصف سبتمبر (أيلول)، مع تحركات طلابية احتجاجاً على نقص المدرّسين، واكتظاظ الصفوف، وتردّي تجهيزات المدارس، قبل أن تتسع مع تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار الوقود، وخطط خفض الإنفاق العام.

وبحسب وكالة «أسوشييتد برس»، انضمت نقابات عمالية ومجموعات من حركة «السترات الصفراء» إلى التحركات، التي بلغت ذروتها في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، عندما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في مدن عدة.

ورغم أن غالبية المسيرات بدأت سلمية، اندلعت مواجهات مع الشرطة في باريس، وليون، ومرسيليا، وبوردو، ومدن أخرى، وتخللتها حرائق، وأعمال تخريب، ونهب متاجر، ومبانٍ عامة. واتهمت السلطات مجموعات متطرفة ومشاركين في أعمال شغب باستغلال الاحتجاجات لتنفيذ اعتداءات، فيما عكست التحركات استياءً أوسع من الأوضاع الاقتصادية، وتراجع الخدمات العامة.

«لويس فيتون» و«سيلين» و«ديور» بين المتاجر الفاخرة المستهدفة

وذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن متاجر فاخرة في شارع مونتين بباريس، أحد أبرز شوارع التسوق الراقية، تعرضت للاستهداف خلال أعمال العنف. وأوضحت أن واجهات متاجر «لويس فيتون» (Louis Vuitton) و«جيل ساندر» (Jil Sander) تضررت نتيجة إلقاء مقذوفات، فيما تعرض متجر «سيلين» (Celine) للنهب الكامل في 17 أكتوبر.

وأضافت الصحيفة أن أعمال النهب طالت متاجر «ذا كوبلز» (The Kooples) و«هوغو بوس» (Hugo Boss) و«جوت» (Jott) و«لانسيل» (Lancel) في ليون.

وفي تقرير لوكالة «رويترز» وردت أسماء «لويس فيتون» و«ديور» (Dior) و«سيلين» ضمن العلامات التجارية التي استُهدفت خلال الاضطرابات.

كما أوردت صحيفة «فايننشال تايمز» أن متاجر «هيرميس» (Hermès) و«بربري» (Burberry) كانت من بين العلامات الفاخرة التي طالتها أعمال النهب، أو التخريب، مشيرة إلى محاولات اقتحام متجر «لويس فيتون» في ساحة فاندوم بباريس، وإلى استهداف متاجر أخرى في مرسيليا.

متجر «لوي فيتون» تعرض للتخريب حيث غُطيت نوافذه المحطمة بألواح خشبية (رويترز)

«رولكس» في مرسيليا و«سيفورا» في مدن عدة

كما شملت الاعتداءات أيضاً متاجر ساعات، ومستحضرات تجميل معروفة. وذكرت وكالة «رويترز»، في تقرير عن آثار الاضطرابات في مرسيليا، متجر «رولكس» (Rolex) الذي ظهر محاطاً بحواجز أمنية في اليوم التالي للاشتباكات.

وفيما يتعلق بمتاجر مستحضرات التجميل، ذكر تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن فروع «سيفورا» (Sephora) في ليل وليون وبيربينيان تعرضت للنهب، أو التخريب.

وأشار التقرير إلى أن أعمال النهب طالت أيضاً متاجر «أبل» (Apple) و«كارفور سيتي» (Carrefour City) و«إيتام» (Etam) و«إيف روشيه» (Yves Rocher)، إلى جانب محال أخرى.

وعلى الأثر، أغلقت «سيفورا» شبكة متاجرها في فرنسا اعتباراً من الساعة الخامسة مساء السبت، وأبقت الفروع مغلقة يوم الأحد، بعد تعرض عدد من المتاجر للنهب، ومواجهة الموظفين أعمال عنف.

صورة التُقطت في 18 أكتوبر 2026 لمتجر «سيفورا» (Sephora) بعد تعرضه للنهب في مدينة ليل شمالي فرنسا (أ.ف.ب)

إعلانات لسلع يُشتبه في سرقتها تظهر على منصات البيع؟

لم تتوقف تداعيات أعمال النهب التي شهدتها فرنسا عند المتاجر المتضررة، إذ امتدت إلى منصات بيع السلع المستعملة، حيث ظهرت إعلانات تعرض منتجات يُشتبه في أنها سُرقت خلال الاضطرابات، وفق تقارير صحافية.

وأفادت «رويترز» بأن منصة «فينتد»، وهي منصة إلكترونية أوروبية لبيع وشراء السلع المستعملة بين الأفراد، كثّفت إجراءات المراقبة، وحذفت إعلانات مشبوهة، بعدما دعت السلطات الفرنسية منصات البيع إلى التحرك لمنع تداول السلع المنهوبة عبر الإنترنت.

ورصدت تقارير إعلاناً عن منتجات تجميل من «سيفورا»، وعطور من «ديور»، إلى جانب حقائب، ومنتجات أخرى عُرضت بأسعار منخفضة.

وفي سياق متصل، تناولت وسائل إعلام مقاطع نُشرت على منصات التواصل الاجتماعي، ظهر فيها أشخاص يتباهون بسلع قالوا إنهم استولوا عليها خلال أعمال النهب.

أكثر من 3 آلاف متجر متضرر وخسائر بمئات الملايين من اليوروات

على صعيد الخسائر المالية، نقلت «لوموند» عن ألكسندر بومبار، رئيس الاتحاد الفرنسي للتجارة والتوزيع، والرئيس التنفيذي لمجموعة «كارفور»، تقديره أن الأضرار التي لحقت بالشركات المنضوية في الاتحاد قد تصل إلى مئات الملايين من اليوروات. وأوضح أن التقدير أولي، وأن أكثر من 1500 متجر في أنحاء فرنسا تضررت من أعمال النهب، والتخريب.

ولاحقاً، أفادت «يورونيوز» بأن الحصيلة الحكومية ارتفعت إلى 3 آلاف متجر متضرر على الأقل، بعدما كانت التقديرات الأولية تشير إلى نحو 1500 متجر. ولم تكن شركات التأمين قد حددت بعد القيمة الإجمالية للأضرار، ما يعني أن الحصيلة المالية النهائية لا تزال غير محسومة.

عامل يصلح كاميرا مراقبة معطلة مثبتة على فرع لبنك «كريدي أغريكول» وسط باريس وذلك في أعقاب احتجاجات عمت البلاد (أ.ف.ب)

وبالنسبة إلى «كارفور» وحدها، قدّر بومبار تكلفة الإصلاحات بأكثر من 10 ملايين يورو، مشيراً إلى أن 50 متجراً تابعاً للمجموعة تعرضت للاعتداءات، بينها 19 متجراً للمواد الغذائية وصغيراً تعرضت للنهب، وفقاً لما أوردته «لوموند».

وأضافت الصحيفة أن مجموعة «إنترمارشيه» رصدت أضراراً في نحو عشرة متاجر، تعرض ثلثاها تقريباً لأضرار داخلية، فيما تحدثت مجموعة «غاليري لافاييت» عن تداعيات كبيرة طالت جزءاً واسعاً من شبكتها، خصوصاً المتاجر الكبرى في بوردو، ونانت، ورين وبيربينيان، وتور وشامبيري.

وفي بوردو، نقلت الصحيفة عن رئيس البلدية توماس كازناف أن ما بين 50 و100 متجر من مختلف الأنواع تعرضت للتخريب.

أما وكالة «رويترز»، فأشارت إلى أن الأضرار التي لحقت بالمتاجر أثارت مخاوف اقتصادية إضافية، في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطاً مالية، وسياسية. ولم يكن هناك حتى الآن رقم نهائي شامل للخسائر، إذ كانت التقديرات لا تزال أولية، والجهات المعنية تعمل على حصر الأضرار، وتحديد التعويضات.

تعويضات مرتقبة وسط مخاوف على أصحاب المتاجر الصغيرة

وأشارت «لوموند» إلى أن أصحاب المتاجر والجمعيات المهنية طالبوا بتسريع إجراءات التعويض عن الأضرار، في وقت تعهد فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتقديم دعم حكومي للمتضررين.

وكانت الحكومة قد أعلنت عقد اجتماعات مع ممثلي قطاعات التجارة، والحرف، والمطاعم، والتأمين، لتقييم الأضرار المادية، والتداعيات الاقتصادية، وتحديد التدابير اللازمة لمساعدة الشركات على استئناف نشاطها.

وحذرت الجهات الممثلة للقطاع من أن الأضرار لا تقتصر على البضائع المسروقة، أو إصلاح الواجهات، بل تشمل أيضاً احتمال إغلاق بعض المتاجر لفترات طويلة، وتأثر العاملين فيها.

وبينما تواصل السلطات حصر الأضرار، تبقى تقديرات الخسائر الإجمالية مؤقتة، ولا تتوافر حتى الآن حصيلة نهائية تفصل قيمة البضائع المسروقة عن تكلفة التخريب، والإصلاح، وتوقف النشاط التجاري.


ماذا نعرف عن أسوأ اضطرابات تشهدها فرنسا منذ سنوات؟

نصب الجمهورية الفرنسية (Monument à la République) وقد وُضعت عليه سترة صفراء وذلك في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات في «ساحة الجمهورية» بباريس (رويترز)
نصب الجمهورية الفرنسية (Monument à la République) وقد وُضعت عليه سترة صفراء وذلك في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات في «ساحة الجمهورية» بباريس (رويترز)
TT

ماذا نعرف عن أسوأ اضطرابات تشهدها فرنسا منذ سنوات؟

نصب الجمهورية الفرنسية (Monument à la République) وقد وُضعت عليه سترة صفراء وذلك في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات في «ساحة الجمهورية» بباريس (رويترز)
نصب الجمهورية الفرنسية (Monument à la République) وقد وُضعت عليه سترة صفراء وذلك في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات في «ساحة الجمهورية» بباريس (رويترز)

تشهد فرنسا أسوأ اضطرابات في البلاد منذ سنوات؛ إذ اشتبك مثيرو الشغب مع الشرطة، وأضرموا النار في سيارات، واقتحموا مباني عامة، في حين التهمت النيران مبنى تاريخياً لبلدية إحدى المدن الفرنسية، مع امتداد أعمال العنف والنهب إلى مدن كبرى خلال احتجاجات على مستوى البلاد.

وأعلنت السلطات توقيف نحو 2400 شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيرة إلى تعرض آلاف الشركات والمتاجر للتخريب أو النهب. وطغت أعمال الشغب على مظاهرات خرج فيها مئات الآلاف من الأشخاص سلمياً احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الأوضاع في المدارس.

متظاهرون يركضون عبر «ساحة الجمهورية» بباريس في حين يملأ الغاز المسيل للدموع الأجواء (د.ب.أ)

وندّد الرئيس إيمانويل ماكرون بما وصفه بـ«العنف المنفلت»، الذي قال إنه صادر عن «عناصر تمردية من جماعات اليسار المتطرف، انضم إليها عدد كبير من المجرمين».

وقد تشهد البلاد مزيداً من الاحتجاجات؛ إذ دعت منظمات طلابية في المدارس الثانوية والجامعات إلى تنظيم مظاهرات جديدة يومي الخميس والسبت. وحثت مجموعة التنسيق الوطنية لطلاب المدارس الثانوية الشباب على «النزول إلى الشوارع»، وأيَّدت مواصلة إغلاق المؤسسات وتنظيم المظاهرات.

كما أعلنت مجموعة من الناشطين الساعين إلى إحياء حركة «السترات الصفراء» التي انطلقت عام 2018 احتجاجاً على ما عدّوه ظلماً اجتماعياً، تنظيم مظاهرات في أنحاء البلاد السبت المقبل تحت شعار «يجب أن يرحل ماكرون».

وفرضت السلطات الفرنسية حظر ‌تجوال في أجزاء من مدن عدة، الاثنين، بما في ذلك باريس وليل ونيس، في ظل الضغوط التي تواجهها بسبب الإخفاقات الأمنية عقب أعمال الشغب والنهب.

أعمال العنف تستحضر اضطرابات سابقة

وتُذكّر أعمال العنف بأعمال الشغب التي هزّت فرنسا في العقد الماضي. وقال سيباستيان روش، أستاذ الأبحاث في معهد «ساينس بو غرونوبل» للعلوم السياسية والمتخصص في دراسة عمل الشرطة لوكالة «أسوشييتد برس»، إن حجم الأضرار يقارن بما شهدته احتجاجات «السترات الصفراء» في ذروتها.

وكانت الحركة قد انطلقت في البداية رفضاً لزيادة الضرائب على الوقود، ثم نظمت مظاهرات متكررة ضد حكومة ماكرون. وتحولت بعض هذه الاحتجاجات أعمال عنف، أُحرقت خلالها سيارات ونُهبت متاجر، وتعرَّض قوس النصر في باريس للتخريب خلال اشتباكات.

وقال روش: «من حيث التدمير والأضرار، فإن ما يحدث يقترب على الأرجح مما شهدناه خلال أول عطلتَي نهاية أسبوع من ديسمبر (كانون الأول) 2018».

أشخاص يقفون بالقرب من نوافذ متضررة لأحد فروع مطاعم «ماكدونالدز» في اليوم التالي لاشتباكات وقعت خلال يوم وطني من المظاهرات المنددة بتكلفة المعيشة وارتفاع أسعار الوقود بباريس (رويترز)

وفي يونيو (حزيران) 2023، أدى مقتل شاب يبلغ 17 عاماً على أيدي الشرطة خارج باريس إلى اندلاع اضطرابات استمرت أياماً في أنحاء البلاد. ونهب مثيرو الشغب متاجر وأضرموا النار في مبانٍ عامة، في حين أُلقي القبض على آلاف الأشخاص وأُصيب مئات آخرون. وشهدت فرنسا أيضاً أعمال شغب استمرت ثلاثة أسابيع عام 2005، دفعت الحكومة آنذاك إلى إعلان حالة الطوارئ.

حصيلة إصابات غير مسبوقة

لكن روش، الذي يدرس عمل الشرطة والعنف منذ أكثر من 30 عاماً، يرى أن ما يميز الاضطرابات الحالية هو الإصابات الناجمة عن استخدام الشرطة أسلحتها. وقال: «لدينا حصيلة من الإصابات لم نشهد مثلها خلال الأربعين عاماً الماضية». وأضاف أن ستة أشخاص، بينهم قاصرون، تعرَّضوا لإصابات بالغة خلال ثلاثة أسابيع من الاحتجاجات، أدت إلى فقدانهم أيديهم أو أعينهم.

متظاهر ملثم يسير بجوار سيارة تحترق وسط اشتباكات خلال احتجاج على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود بالقرب من «ساحة الجمهورية» في باريس (رويترز)

وقد خضعت الشرطة لانتقادات وتدقيق شديدين بسبب استخدامها القنابل غير القاتلة وغيرها من الأسلحة المخصصة لتفريق أعمال الشغب خلال المظاهرات الأخيرة.

وقال روش، مستشهداً بقواعد بيانات جامعية تصنّف إسبانيا في المرتبة الثانية بفارق كبير: «لا توجد دولة أخرى في أوروبا تتسبب فيها الشرطة في هذا القدر من التشوهات والإصابات البالغة بين المحتجين».

السلطات تلقي باللوم على «متطرفي اليسار»

حمّلت السلطات مراراً جماعات تصفها بأنها تضم «متطرفين من اليسار المتطرف» مسؤولية جانب من أعمال العنف، تليها مجموعات من المجرمين الذين يستغلون الوضع لنهب المتاجر. ووصف رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ما يجري بأنه «اضطرابات منظمة على نحو غير مسبوق».

واستبعد لوكورنو فرض حظر ​تجول شامل في باريس، لكنه لم يستبعد إعلان حالة الطوارئ، وقال إن من الأنسب في الوقت الحالي تطبيق حظر تجول جزئي في مناطق معينة. وقال، الثلاثاء، إن حظر التجول ‌الذي ‌فُرِض في ​أجزاء ‌من ⁠باريس ​ومدن أخرى، ‌ساعد ‌في ​الحفاظ ‌على ‌الهدوء خلال الليل.

لكن روش قال إن التيار اليساري المتطرف محدود العدد وضعيف التنظيم إلى حد لا يسمح له وحده بتفسير أعمال العنف بهذا الحجم. وأضاف أن أجهزة الاستخبارات الفرنسية تقدّر عدد المنتمين إلى الحركة بنحو 3000 شخص، موزعين على فصائل مختلفة تفتقر إلى هياكل تنظيمية رسمية. وأشار روش إلى أن الناشطين اليساريين المتطرفين الذين يلجأون إلى العنف واللصوص يستهدفون أماكن مختلفة.

وأوضح أن الناشطين يستهدفون عادة رموز الرأسمالية والاقتصاد العالمي، مثل المصارف ومطاعم «ماكدونالدز». أما اللصوص، فيستهدفون متاجر الملابس الرياضية والإلكترونيات للاستيلاء على البضائع، لا للتعبير عن موقف سياسي. وقال: «هدفهم ليس رمزياً، بل هو الاستحواذ على الممتلكات».

ماكرون يتعهد باتخاذ موقف «حازم بلا مساومة»

تعهد ماكرون بأن تتخذ الحكومة موقفاً «حازماً بلا مساومة» في مواجهة مثيري الشغب. وقال إن ممثلي الحكومة في المناطق، المعروفين باسم المحافظين، سيستخدمون كل التدابير اللازمة لحماية الشركات والمباني العامة، بما في ذلك حظر تجمعات معينة إذا اقتضت الحاجة.

كما أمر ماكرون بإجراء تحقيق في أوجه القصور في جمع المعلومات الاستخباراتية والتخطيط، التي ربما دفعت السلطات إلى التقليل من احتمال اندلاع أعمال عنف.

يظهر تمثال «ماريان» ملقى على الأرض داخل مبنى بلدية مارسيليا بعد أن تعرَّض للتلف إثر قيام محتجين بتخريب ردهة المبنى (رويترز)

وقالت السلطات إن نحو 2400 شخص أُلقي القبض عليهم السبت في أنحاء فرنسا، بينهم 855 في منطقة باريس، و101 في مرسيليا، و199 في ليون.

وفي باريس، أسفرت الاعتقالات عن احتجاز 557 شخصاً لدى الشرطة، وكان 78 في المائة منهم من البالغين، وفقاً لمكتب المدعي العام في باريس. وفي مدينة ليموج، كادت النيران أن تدمر مبنى البلدية الذي يعود إلى القرن التاسع عشر.

وقف الناس في وقت تُرش المياه على مبنى بلدية ليموج المحترق والمدمر والذي أُضرمت فيه النيران ودُمّر معظمه في هجوم متعمد وسط مظاهرات فرنسا (رويترز)

وقال الادعاء العام إن معظم القضايا الجنائية تتعلق بإتلاف الممتلكات، والمشاركة في تجمعات تشكلت بقصد ارتكاب أعمال عنف، والاعتداء على أفراد الشرطة.