صادق الصبّاح: مسلسل «ممكن» إثراءٌ لا إثارة و«المدّاح» عائد

المنتج اللبناني يروي تفاصيل تدمير بيته في الجنوب ويكشف عن أعمال رمضان 2027

الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)
الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)
TT

صادق الصبّاح: مسلسل «ممكن» إثراءٌ لا إثارة و«المدّاح» عائد

الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)
الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)

كل الأعمال الدراميّة التي تُنتجها شركة «الصبّاح إخوان – سيدرز آرت»، وأَحدثُها مسلسل «ممكن»، هي بمثابة محرّكٍ للاقتصاد اللبناني. توظّف مئات الأيادي العاملة محاوِلةً ترميم القليل ممّا هدّمته الحروب المتعاقبة على وطن الأرز.

ثم تشاء الحرب التي تُلاصق لبنان كقَدرٍ محتوم، أن تضربَ عقرَ دار المُنتج صادق أنور الصبّاح وتسوّيَ أرضاً البيتَ الوالديّ في الجنوب.

منزل عائلة الصبّاح في النبطية جنوب لبنان قبل استهدافه وبعده منذ أسبوع (صور صادق الصبّاح)

«إعادة بناء البيت ممكنة، لكن كيف نعيد بناء الذكريات ولمسات أبي وأمّي فيه؟». سؤالٌ يهجسُ به الصبّاح كلّما تراءى له الركام الذي دُفنت تحته 40 سنةً من عُمر العائلة. يخبر «الشرق الأوسط» أنّ «مقاتلين اختبأوا في المنزل» المواجه لتلّة علي الطاهر الاستراتيجية في النبطيّة، بعد تعرّضهم لنيران إسرائيلية. ثم بدأوا يطلقون النار من الداخل فاستُهدف المكان فوراً ليلتحق بمئات المنازل المدمّرة.

«لعلّه راحَ فِداءً لِما تبقّى من بيوتٍ في المنطقة»، يقول الصبّاح لكنه يتساءل عن الضمانة التي تتيح التفكير في إعادة البناء وسط حالة عدم الاستقرار في الجنوب اللبناني. «أحمدُ الله أنّ مدفنَ والدي لم يُصَب بأذى. ثم أتذكّر أولادي وأولاد العائلة والأحفاد متحلّقين حولنا في حديقة المنزل، وأسأل نفسي عما إذا كان بالإمكان بعد تكرار مشهد هكذا».

إعادة بناء البيت ممكنة لكن كيف نعيد بناء الذكريات (صادق الصبّاح)

صادق الصبّاح أكثرُ العارفين أنّ الحياة ليست سينما ولا شاشة تلفزيون، وأنّ مَشاهدَها التي تمضي تذهبُ إلى غير رجعة. هو الباحثُ دوماً عن حكاياتٍ تنطبعُ في ذاكرة الجمهور العربي «ولا تستخفّ بعقلِه»، يُبدي رِضاه عن أحدثِ إنتاجات الشركة، مسلسل «ممكن»، رغم بعض الهفوات التقنية الناتجة عن الاضطرار إلى تسليم الحلقات بسرعة.

فاجأ المسلسل متابعيه لأسبابٍ عدّة، بدءاً بجرأة الطرح شكلاً ومضموناً، مروراً ببُنية الـ21 حلقة غير المعهودة في الدراما، وليس انتهاءً بالقصة التي تجعل المستحيل ممكناً.

انتهى عرض «ممكن» قبل أيام بعد تأجيله من رمضان إلى صيف 2026 (شركة الصبّاح إخوان)

«جوهر الحكاية هو أنه لا يجب إطلاق الأحكام المتسرّعة على البشر»، يقول المنتج اللبناني. على قاعدة أنّ الجميع يستحقّ فرصةً من الحياة، تجدُ بائعة الهوى «ميراج» واسمُها الحقيقي «نور» (الممثلة نادين نسيب نجيم) الحبَّ إلى جانب الطبيب «زياد» (الممثل ظافر العابدين)، الذي ارتكبَ هو الآخر خطأً قاتلاً خلال عملية جراحية.

تتآمرُ كل الظروف عليهما لتحولَ دون التقاء الحبيبَين. ويدور الجزء الأكبر من الحركة وسط ملهىً لَيليّ، بما فيه من إيحاءات جنسية وشرورٍ بشريّة.

تتآمر الظروف على بائعة الهوى «نور» والطبيب «زياد» لتحول دون استمرار حبّهما (شركة الصبّاح إخوان)

نادراً ما تغوص الدراما العربية في عالم مهنة الدعارة تحديداً، مضيئةً على تفاصيله وكواليسه كما يفعل «ممكن». يرى الصبّاح في تلك الجرأة ثراءً لا يبغي إثارة الجدل، بِقَدرِ ما يتوسّلُ طرحَ الأمور كما هي. «من واجب الدراما أن تحكي عن كل شيء» بما أنها مرآة للمجتمع؛ هذه هي قناعتُه، مع الأخذ في الاعتبار عدم الغرق في الابتذال. ويرى المُنتج أنّ المُشاهدين العرب يملكون ما يكفي من جاهزيّة لتلقّي المحتوى الجريء.

لكن انطلاقاً من الحرص على عدم خَدش مشاعر الجمهور، جاء قرار تأجيل عرض المسلسل من رمضان 2026 إلى الآن، وفق ما يوضح الصبّاح. «عندما شاهدت الحلقات الـ3 الأولى منه، شعرت بأنه غير لائق للشهر الكريم. فارتأينا بالتنسيق مع إدارة شبكة «إم بي سي»، تأجيلَه واقتصار الحلقات على 21 بدل 30 تفادياً للحشو مع الحفاظ على النهايات المشوّقة لكل حلقة».

المُشاهدون العرب جاهزون لتلقّي المحتوى الجريء (صادق الصبّاح)

بعض الرهانات في مسلسل «ممكن» كان محسوباً، كاختيار نادين نجيم وظافر العابدين لأداء الشخصيتَين الرئيسيتَين. وإذ يذكّر الصبّاح بأنّ «شهادته بنادين مجروحة»، يجيب على التساؤلات التي دارت حول انتقاء ممثلٍ تونسيّ وليس لبنانياً أو سورياً لتقديم شخصية «الدكتور زياد».

«أولاً، شركتُنا عربية وغير مَعنيّة بالتصنيفات الضيقة. ثم إنّ في ظافر كل المواصفات المطابقة لدور (زياد)»، يوضح الصبّاح. «بدءاً بالوسامة، وصولاً إلى الباع الطويل في الدراما العابرة للحدود، ولا سيّما تلك اللبنانية في مسلسل (عروس بيروت) حيث أتقنَ اللهجة»، ويلفت إلى أنّ العابدين كان ملائماً جداً للشخصية كما أنّ عدم ارتباطه بعملٍ آخر خلال تصوير «ممكن» شكّل عاملاً إضافياً لاختياره.

في ظافر العابدين كل المواصفات المطابقة للشخصية بما في ذلك الإطلالة واللهجة اللبنانية (صادق الصبّاح)

مثلُه مثلُ كثيرٍ من المُشاهدين، تلقّى المنتِج مفاجآتٍ إيجابية لم تكن من ضمن الرهانات. على رأس القائمة، الممثل آلان سعادة بشخصية «مازن»، مدير الملهى الليليّ حيث تعمل «ميراج».

«أعتقد أن آلان هو البطل الحقيقي للمسلسل»، يقول الصبّاح بثقة مضيفاً أنه لم يكن يعرف الممثل قبل «ممكن». «اكتشفتُ نجماً جديداً في الوطن العربي»، في إشارة واضحة إلى استمرارية التعاون بين «سيدرز آرت» وسعادة الآتي من عالم المسرح؛ مثلُه مثل أنجو ريحان التي أبدعت في شخصية بائعة الهوى «سلمى»، ومروى خليل بدَور شقيقة الدكتور زياد، وغيرهما من الوجوه المعروفة على الخشبة البيروتيّة.

الممثل آلان سعادة بشخصية مازن هو البطل الحقيقي للمسلسل (صادق الصبّاح)

يُقرّ الصبّاح بأنّ هذا اللقاء بين أهل المسرح ونجوم الدراما الذي حصل في «ممكن» بطلَبٍ من المخرج أمين دُرّة، شكّل عنصر إثراءٍ للمسلسل. كذلك فعلت بعض الوجوه الجديدة التي قدّمت أداءً آسراً، ويذكر الصبّاح من بينها الممثلة السورية روان مجر بشخصية «نسرين».

«أفضل ما في بعض ممثلي الجيل الصاعد أنهم قادرون على صناعة مَحاور وعلى تحويل الشخصيات الثانوية إلى أساسية»، يلفت الصبّاح.

قدّمت الممثلة السورية الصاعدة روان مجر أداءً مميّزاً في مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)

إلّا أنّ المواهب التمثيلية الجديدة لا تتلاقى والجيل الصاعد من الكتّاب، حيث تكمن كبرى الأزمات التي تعاني منها شركة الصبّاح وسائر شركات الإنتاج العربية.

في «ممكن» جرت الاستعانة بكتّاب مخضرمين من مصر ولبنان، وقد تولّى القصة والسيناريو كلٌّ من منى الشيمي ومجدي أمين، لتأتيَ النتيجة نصاً سلِساً وقريباً من لغة الناس. لكن في المقابل، «ما زلنا نعاني أزمة كتّاب في المنطقة العربية، لأنّ الأقلام الجديدة غير قادرة على التقاط الأمزجة المطلوبة في الدراما».

ما زالت شركات الإنتاج تعاني أزمة كتّاب شباب في العالم العربي (صادق الصبّاح)

مزاج الشارع هو الأساس، وهو الذي يحدّد هويّات المسلسلات. ولكلِ منطقةٍ مزاجها. في مصر مثلاً، أكثر ما هو مرغوب منذ مدّة هي حكايات الأبطال الطالعين من البيئة الشعبية. وعلى هذا الأساس، تستعدّ شركة الصبّاح لمسلسلٍ رمضانيّ ضخم يؤدّي بطولته الممثل محمد رمضان، وهو من كتابة أحمد مراد وبيتر ميمي، بدعمٍ من الهيئة العامة للترفيه في المملكة العربية السعودية.

أما المفاجأة المصرية الثانية فموسم سابع من «المدّاح» على الرغم من الإعلان سابقاً عن انتهاء المسلسل. ويوضح الصبّاح أنّ المسلسل لم يقُل كلمته الأخيرة بعد لأنّ الجمهور والمنصّات على حدٍ سواء لا يريدونه أن يصمت.

يتجدّد مسلسل «المدّاح» في موسم سابع بعد الإعلان سابقاً عن نهايته (شركة الصبّاح إخوان)

على قائمة الأعمال الرمضانية كذلك، مسلسل «هلال رمضان» من بطولة الفنان السوري تيم حسن، الذي يجري تصويره في دمشق إلى جانب مسلسل آخر.

أما في منطقة القصيم السعودية، فينشغل النجم ناصر القصبي والمخرج سامر البرقاوي بتصوير حكاية تتّخذ خلفيةً لها تاريخ العقيلات، وهم رحّالة اشتهروا بالتجارة بين الجزيرة العربية وبلاد الشام.

وبانتظار دراما رمضان 2027، تنشغل شركة الصبّاح كذلك بمسلسلاتٍ أخرى خارج السباق الرمضاني، بما أنّ تجربة «ممكن» أثبتت أنّ المنصات كما المشاهدين، متعطّشون دائماً لمحتوى جديد.


مقالات ذات صلة

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

يوميات الشرق الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

تفتح الفنانة المصرية دُنيا سمير غانم صفحة غنائية جديدة في مسيرتها كونها مطربة عبر أحدث ألبوماتها «الدلال».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق كندة علوش - حسابها على فيسبوك

كندة علوش: شخصية الأم المسيطرة في «خمسين خمسين» استهوتني

قالت الفنانة السورية كندة علوش إن شخصية «رانيا» التي تجسدها في مسلسل «خمسين خمسين» جذبتها لما تحمله من تناقضات.

أحمد عدلي (القاهرة)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق آر جيه ميت (أرشيفية - أ.ب)

وفاة الممثل آر جيه ميت نجم «بريكنغ باد» عن عمر 34 عاماً

توفي الممثل الشاب آر جيه ميت المعروف بشخصية والتر وايت جونيور في المسلسل التلفزيوني الشهير «بريكنغ باد»، عن عمر ناهز 34 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)

منى زكي تعود إلى منطقتها الدرامية المفضلة عبر «طالع نازل»

تعود الفنانة المصرية منى زكي لمنطقتها الدرامية المفضلة لتناقش مجدداً هموم وقضايا المرأة عبر مسلسل «طالع نازل- الحب اللي كان».

انتصار دردير (القاهرة)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.