أعاد إعلان بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا توصُّل اللجنة المشتركة المصغرة (4 + 4) إلى توافق حول قانون الانتخابات الرئاسية بصيصاً من الآمال بإمكانية تحريك الجمود، الذي عطَّل الاستحقاق الانتخابي منذ انهيار خطة تنظيم الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول) 2021.
ومع نهاية الأسبوع الماضي، استضافت البعثة في مكتبها بتونس، الجولة الرابعة من مشاورات اللجنة، لكنها أحاطت نتائجها بسرية تامة، وتزامن توقيت إعلان الاجتماع مع حراك سياسي وإقليمي ودولي متسارع.
وأثارت الجولة تساؤلات بشأن ما إذا كان الأمر يمثِّل اختراقاً فعلياً في أحد أكثر الملفات تعقيداً، أم أنَّه يعكس خطوةً شكليةً أو ربما محاولة من الأطراف الليبية لاستعادة زمام المبادرة وسط مسارات سياسية دولية ومحلية أخرى بدأت تتبلور مؤخراً؟

وحتى اللحظة، لم تكشف البعثة الأممية أو أعضاء اللجنة عن طبيعة التفاهمات التي تمَّ التوصُّل إليها، واكتفت بالحديث عن «أجواء إيجابية وبنَّاءة»، رغم أنَّ أبرز نقاط الخلاف التي عطَّلت القوانين الانتخابية خلال السنوات الماضية تمثَّلت في شروط الترشُّح للانتخابات الرئاسية، لا سيما ملفَي الجنسية المزدوجة وترشُّح العسكريين. وهاتان القضيتان ارتبطتا بالجدل حول إمكانية ترشُّح القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.
واكتفى أحد أعضاء اللجنة بالإعراب عن ارتياحه لما تَحقَّق خلال الاجتماعات الأخيرة، بينما أكد هو وعضو آخر لـ«الشرق الأوسط» أن المشاركين «اتفقوا على إبقاء تفاصيل التفاهمات طي الكتمان إلى حين استكمال الإجراءات اللازمة والإعلان عنها بصورة رسمية».
وتضم اللجنة ممثلين عن حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني».
لكن هذا التكتُّم أثار انتقادات داخل الأوساط السياسية، إذ قال عضو البرلمان الليبي فهمي التواتي إنه «من غير الطبيعي أن تكون أعمال اللجنة سرية»، مشدداً لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة الإعلان بوضوح عن مضمون التفاهمات، حتى يتسنَّى تقييمها وإحالتها إلى مجلس النواب؛ لمناقشتها وإقرارها، أو تعديلها بما يضمن قابليتها للتنفيذ».

وجاء إعلان هذا التوافق في وقت كانت فيه الأنظار تتجه إلى المبادرة التي أعلنتها رئاسات المجالس الثلاثة (الرئاسي، والنواب، والأعلى للدولة)، والتي تضمَّنت وثيقة مبادئ لـ«خريطة طريق»، تنصُّ على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، في موعد أقصاه 17 فبراير (شباط) 2027، استناداً إلى القوانين التي تنجزها لجنة «6 + 6».
وزاد من تعقيد المشهد السياسي الزخم، الذي أحدثته مبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، التي تستهدف إعادة ترتيب السلطة التنفيذية عبر تولي نائب قائد «الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل إسناد رئاسة الحكومة إلى عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الحالي.
وفي ظلِّ تداخل هذه المسارات، برزت تساؤلات داخل الأوساط السياسية بشأن ما إذا كانت لجنة «4 + 4» تتحرَّك ضمن مسار تفاوضي مستقل، أم أنَّها تُمثِّل محاولةً لإعادة الملف الانتخابي إلى طاولة التفاهمات، التي ترعاها الأمم المتحدة، بالتوازي مع المبادرات التي تقودها المؤسسات الليبية؟
ويتعامل تيار من الساسة في غرب ليبيا بحذر مع هذا التوافق، وفي هذا السياق يرى المستشار السياسي السابق للمجلس الأعلى للدولة، أشرف الشح، أن «تجاوز اللجنة النقاط الخلافية لا يعني بالضرورة اقتراب إجراء الانتخابات، بقدر ما يعكس إدراك الأطراف أنَّ الأولوية ربما تتَّجه نحو تسوية سياسية أوسع، قد تسبق الاستحقاق الانتخابي أو تُؤجِّل حسمه».

وعدّ الشح، في تصريحات تلفزيونية نقلتها وسائل إعلام محلية، أنَّ «استمرار التكتم على تفاصيل الاتفاق يعزِّز هذا الانطباع»، مشيراً إلى أنَّ إعلان التوافق قبل الكشف عن مضمونه «يذكِّر بما جرى في ملفات أخرى، من بينها اتفاق الميزانية الموحدة».
في المقابل، نفى التواتي أن يكون تعدد المبادرات السياسية «أمراً سلبياً»، عادّاً أن «التنافس بين المسارات المختلفة ربما أسهم في دفع أعضاء اللجنة إلى تسريع التفاهمات، وتقديم تنازلات متبادلة، لإثبات قدرة هذا المسار على تحقيق اختراق في الملف الانتخابي».
وربط التواتي أيضاً بين ما تحقَّق داخل اللجنة والحراك الإقليمي والدولي المكثَّف، الذي شهدته ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة، مشيراً إلى الزيارات التي أجراها رؤساء أجهزة المخابرات المصرية والتركية والإيطالية إلى طرابلس وبنغازي، عقب اجتماع ضم وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، مع مستشار الرئيس الأميركي.
وتضم اللجنة ممثلين عن أبرز الأطراف السياسية في شرق ليبيا وغربها، إلى جانب عضوَين من مجلس النواب ومثلهما من «الأعلى للدولة». وكانت قد نجحت خلال جولات سابقة في التوصُّل إلى تفاهمات بشأن قانون الانتخابات البرلمانية، وآلية تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، ما يعزِّز الرهان على إمكانية تحقيق اختراق جديد في هذا المسار.
ويرى المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أنَّ ما أعلنته اللجنة يُمثِّل «مؤشراً إيجابياً على إمكانية إحراز تقدم في الملف الانتخابي»، متوقعاً «استكمال ما تبقى من تفاهمات خلال جلسة أو جلستين إضافيتين»؛ مستنداً في ذلك إلى محدودية عدد المشاركين، وهو ما يجعل فرص الوصول إلى توافقات أكبر، مقارنة بمسارات الحوار الموسعة، التي كثيراً ما اصطدمت بتعدد الأطراف وتضارب المصالح.

لكن العبدلي لا يفصل هذا التطور عن الحراك الدولي المتزايد، ويعتقد، بحسب تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ لجنة (4 + 4) تُمثِّل امتداداً عملياً للمقاربة التي طرحها بولس، والقائمة على التوصُّل إلى تفاهمات بين القوى الأكثر نفوذاً في شرق ليبيا وغربها، بوصفها الأطراف القادرة على ضمان تنفيذ أي تسوية سياسية.
وإلى حين انعقاد الجولة الخامسة من مشاورات لجنة (4 + 4) خلال النصف الأول من الشهر المقبل، تبقى التساؤلات معلقةً بشأن تفاصيل التفاهمات الخاصة بقانون الانتخابات الرئاسية.


