للمرة الأولى تغيب فرنسا عن هيئةٍ مهمتُها مراقبة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل. وقد حصل ذلك مع الإعلان عن إطلاق «خلية فض الاشتباك» الخاصة بلبنان التي تضم الولايات المتحدة الأميركية وإيران ولبنان، والتي أنشئت بمناسبة المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي جرت في سويسرا، نهاية الأسبوع الماضي، بوساطة باكستانية وقطرية. ومن المفترض أن تحل هذه «الخلية» محل آلية الرقابة على وقف إطلاق النار أو «الميكانيزم» الخماسية التي ترأَّسها ضابط أميركي. وأعربت مصادر فرنسية رفيعة المستوى، في عدة مناسبات، عن «دهشتها» لانسحاب الأميركي منها ودعت لإعادة تفعيلها، وهو ما كانت بيروت تطالب أيضاً به.
بيد أن هذا الاستبعاد لن يحول دون مواصلة الاهتمام الفرنسي بالملف اللبناني، على أعلى المستويات، والدليل على ذلك إصرار باريس على أن يكون لبنان مادة نقاشات رئيسية في قمة مجموعة السبع في إيفيان، وأن يتضمن البيان الرئيسي الصادر عن القمة بنداً عن لبنان يشدد على «دعم الجهود التي تبذلها السلطات اللبنانية لنزع سلاح (حزب الله)، وتحقيق حصرية السلاح بيد الدولة ومن أجل حماية سيادة لبنان وسلامة أراضيه، من خلال توفير ضمانات أمنية دولية مناسبة». وتجدر الإشارة إلى أنها المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن ضمانات من هذا النوع، بينما التركيز الحالي يتناول إنهاء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» والبحث في كيفية إيجاد بديل عن قوة «اليونيفيل» التي ينتهي انتدابها مع نهاية العام الحالي.

وفيما تواصل الحكومة الإسرائيلية تأكيد أن قواتها لن تخرج من الأراضي التي تحتلها في لبنان، والتي تساوي 6 في المائة من مساحته، فقد ورد في البيان الصادر عن قصر الإليزيه عقب الاتصالات التي أجراها الرئيس ماكرون مع المسؤولين اللبنانيين الثلاثاء أنه «لإرساء وقفٍ متين لإطلاق النار، يتعين على جميع الأطراف احترامه، يجب أن يتيح إطلاق عملية متزامنة لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وإعادة انتشار القوات المسلحة اللبنانية، بما يضمن ممارسة الدولة لاحتكار السلاح». والعنصر الرئيسي في هذه الفقرة تناول الربط بين الانسحاب الإسرائيلي من جهة ونشر الجيش ونزع سلاح (حزب الله) من جهة أخرى».
ويضيف بيان الإليزيه أن فرنسا «مستعدة لمواكبة هذه العملية بشكل عملي وملموس، ولحشد المجتمع الدولي خلال الأسابيع المقبلة، إلى جانب الحكومة اللبنانية، من أجل دعم القوات المسلحة اللبنانية والاستجابة لاحتياجات السكان النازحين». ومن أجل اكتمال الصورة، كان بالإمكان إضافة أن باريس تعمل مع مجموعة من الدول الأوروبية ومع الأمم المتحدة والولايات المتحدة على استكشاف الخيارات المتاحة لتشكيل قوة دولية تحل محل «اليونيفيل»، وهي ترى أنه يتعين «استعجال الخطى» باعتبار أن الاستحقاق لم يعد بعيداً زمنياً.
وترى مصادر رفيعة في باريس أن عنصرين رئيسيين من شأنهما تهديد مصير الاتفاقات التي توصل إليها الطرفان الأميركي والإيراني: الأول مصير مضيق هرمز، والثاني الحرب في لبنان. والسبب يعود لنجاح إيران في الربط في الاتفاق - الإطار بين وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وبقائها داخل الاتفاق.
وبالنظر لتعقيدات الوضع في الجنوب اللبناني، ترى باريس أن الانسحاب الإسرائيلي يفترض به أن يندرج في إطار مسار بحيث يحصل بشكل متدرج ومتسلسل، ولكن بالتوازي مع عدد من الإجراءات من الجانب الآخر، والمقصود بها المباشرة بنزع سلاح «حزب الله»، والسير نحو احتكار الدولة وقواتها الشرعية للسلاح في لبنان.
وترى باريس أن إسرائيل تقدم الحجج والذرائع لـ«حزب الله» كي يرفض نزع سلاحه. وما تقترحه باريس وما لمح إليه بيان الإليزيه أي حصول خطوات موازية ومتدرجة، يمكن أن يشكل طريقاً للخروج من الانسداد والدوران داخل مدارات مغلقة عملاً بقاعدة البراغماتية السياسية والعملانية.
وترى مصادر أخرى أن ما تروج له الولايات المتحدة من إطلاق مناطق «نموذجية» تنسحب منها إسرائيل ويدخلها الجيش اللبناني ويفرض سيطرته عليها، يمكن أن يشكل ترجمة لمبدأ التدرج والتوازي. وتتوقع باريس أن ينجم عن اجتماعات واشنطن الراهنة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية اتفاق على حصول انسحاب إسرائيلي ما وحلول الجيش اللبناني محله في البلدات والأراضي التي قد ينسحب منها.

في الجانب الآخر، تعجل باريس اتصالاتها العربية والدولية من أجل برمجة المؤتمر الخاص بدعم الجيش والقوات الأمنية الأخرى الذي كان مقرراً عقده في شهر مارس (آذار) الماضي. لكن باريس وبيروت توافقتا على تأجيله بسبب عودة الحرب.
وتؤكد أوساط مطلعة على الاتصالات الجارية راهناً، أن الغرض يقوم على برمجة المؤتمر في الأسابيع القليلة المقبلة للاستفادة من الاهتمام المستجد بالملف اللبناني، بما في ذلك أميركيا، ومع المراهنة على صمود اتفاق وقف إطلاق النار.
الجديد بالنسبة لهذا المؤتمر أن الرئيس ماكرون أضاف إلى جانب دعم القوى الشرعية ملف النازحين بسبب الحرب؛ إذ جاء في البيان الرئاسي أن فرنسا «مستعدة لمواكبة هذه العملية بشكلٍ ملموس، ولحشد المجتمع الدولي خلال الأسابيع المقبلة، إلى جانب الحكومة اللبنانية، من أجل دعم القوات المسلحة اللبنانية وتلبية احتياجات السكان النازحين». ويضاف إلى ما سبق أن الملف اللبناني سيكون أحد المواضيع التي سيبحثها الرئيس ماكرون خلال زياته المرتقبة إلى دمشق، حيث تؤكد أوساط مطلعة أنها يمكن أن تحصل بداية الأسبوع الثاني من شهر يوليو (تموز) المقبل.





