هل يمكن رفع العقوبات الأميركية والدولية عن إيران؟

 وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)
TT

هل يمكن رفع العقوبات الأميركية والدولية عن إيران؟

 وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)

بدأت الولايات المتحدة تنفيذ أولى خطوات تخفيف العقوبات على إيران بموجب الاتفاق المؤقت الهادف إلى إنهاء الحرب، لكن تفكيك منظومة العقوبات الأميركية والدولية التي تراكمت على مدى عقود يبقى أكثر تعقيداً بكثير من إصدار إعفاءات مؤقتة أو تعليق بعض القيود.

ويقول خبراء قانونيون واقتصاديون إن أي اتفاق أوسع قد يفتح الباب أمام رفع تدريجي للعقوبات، إلا أن إزالة القيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني والتعاملات التجارية والمالية قد تستغرق سنوات، كما أن عودة الاستثمارات الأجنبية لن تكون فورية حتى في حال التوصل إلى اتفاق نهائي.

عقوبات الأمم المتحدة

ترتبط عقوبات الأمم المتحدة على إيران ببرنامجها النووي وما اعتبره المجتمع الدولي انتهاكاً لالتزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وأصدر مجلس الأمن الدولي سلسلة قرارات عقابية في أعوام 2006 و2007 و2008 و2010، شملت حظر توريد الأسلحة وبعض المواد والتقنيات المرتبطة بالأنشطة النووية، إلى جانب تجميد أصول شركات وأفراد.

كما حظرت تلك القرارات الأنشطة المرتبطة بتطوير أو إنتاج صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية.

ورغم أن العقوبات استهدفت أصولاً مرتبطة بـ«الحرس الثوري» وشركة الشحن الحكومية الإيرانية، فإنها لم تتضمن حظراً على صادرات النفط الإيرانية.

وبعد التوصل إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة» (الاتفاق النووي) عام 2015، وضع مجلس الأمن جدولاً زمنياً لرفع العقوبات المفروضة على إيران.

لكن انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق عام 2018 دفع طهران إلى التراجع عن بعض التزاماتها، قبل أن تُعاد عقوبات الأمم المتحدة العام الماضي عبر آلية «العودة التلقائية».

العقوبات الأميركية

تعود العقوبات الأميركية على إيران إلى عام 1979، عقب أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران.

ومنذ ذلك الحين، توسعت العقوبات بصورة متدرجة لتشمل ملفات متعددة، من بينها البرنامج النووي، وبرامج الصواريخ، ودعم جماعات تصنفها واشنطن منظمات إرهابية.

ويُعد «الحرس الثوري» إحدى أبرز العقبات أمام أي رفع شامل للعقوبات، نظراً لتصنيفه منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، إضافة إلى حضوره الواسع في قطاعات اقتصادية رئيسية داخل إيران.

وتدير وزارة الخزانة الأميركية شبكة العقوبات، إلا أن تعدد القوانين والسلطات القانونية التي تستند إليها يجعل إلغاءها عملية معقدة.

ويستند جزء من هذه العقوبات إلى قوانين تعود إلى سبعينات القرن الماضي تمنح الرئيس الأميركي صلاحيات استثنائية تُجدد سنوياً، إضافة إلى قوانين أخرى أُقرت في عامي 1996 و2017 وتستهدف إيران بصورة مباشرة.

ويستطيع الرئيس الأميركي إلغاء العقوبات التي فرضها بموجب أوامر تنفيذية، وتشمل هذه الإجراءات تجميد أصول إيرانية بمليارات الدولارات، وحظر الأسلحة، ومنع التجارة والاستثمار الأميركيين في إيران، وحظر شراء النفط الإيراني.

لكن رفع العقوبات التي أقرها الكونغرس أكثر تعقيداً، إذ يتطلب في كثير من الحالات إجراءات تشريعية جديدة، كما أن بعضها لا يتضمن استثناءات مرتبطة بتغيير السلوك الإيراني في ملفات مثل حقوق الإنسان أو دعم الجماعات المسلحة.

ويضاف إلى ذلك وجود عدد كبير من المؤسسات والشركات والأفراد المدرجين بصورة منفصلة على لوائح العقوبات، ما يجعل إزالة هذه التصنيفات عملية طويلة ومعقدة.

العقوبات الأوروبية

فرض الاتحاد الأوروبي عام 2012 حظراً على واردات النفط الإيراني، وجمّد أصول البنك المركزي الإيراني، كما قيّد تجارة المعادن النفيسة والمنتجات البتروكيماوية.

وشملت الإجراءات الأوروبية أيضاً قيوداً على التجارة الخارجية والخدمات المالية وقطاعي الطاقة والتكنولوجيا.

وفي العام نفسه، جرى فصل عدد من المصارف الإيرانية عن نظام «سويفت» للمدفوعات الدولية، ما أدى إلى عزل أجزاء واسعة من النظام المالي الإيراني عن الاقتصاد العالمي.

ورغم رفع بعض هذه القيود بعد اتفاق 2015 النووي، فإن كثيراً منها عاد لاحقاً، إلى جانب عقوبات إضافية استهدفت أفراداً وكيانات مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على «الحرس الثوري»، وأقر هذا العام حزمة جديدة من الإجراءات العقابية بعد إغلاق إيران مضيق هرمز خلال الحرب.

عودة الاستثمارات

حتى في حال التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى رفع جزء كبير من العقوبات، فإن عودة الشركات الأجنبية إلى السوق الإيرانية قد لا تكون سريعة.

فالتعقيد القانوني للعقوبات وتعدد الجهات والأفراد المدرجين على القوائم السوداء يجعلان العديد من الشركات الدولية مترددة في العودة خشية التعرض لمخاطر قانونية أو مالية.

ويخشى المستثمرون أيضاً الوقوع في مخالفات غير مقصودة نتيجة التعامل مع شركات أو كيانات لا تزال خاضعة للعقوبات، فضلاً عن احتمال مواجهة دعاوى قضائية مرتبطة بهجمات أو أنشطة تنسبها الولايات المتحدة إلى جهات إيرانية أو حلفائها.

الأصول المجمدة

تحتفظ إيران بعشرات المليارات من الدولارات في حسابات ومصارف خارجية، معظمها ناتج عن عائدات صادرات النفط والغاز.

لكن العقوبات المفروضة على القطاعين المصرفي والنفطي تمنع طهران من الوصول إلى جزء كبير من هذه الأموال.

ومن بين الدول التي توجد فيها أصول إيرانية مجمدة أو مقيدة الحركة كوريا الجنوبية والصين واليابان والعراق ولوكسمبورغ، إضافة إلى أرصدة أخرى موزعة على مؤسسات مالية خارجية مختلفة.

ويرى مراقبون أن الإفراج عن جزء من هذه الأموال بموجب التفاهمات الحالية قد يكون أسهل من رفع منظومة العقوبات بأكملها، التي تراكمت عبر قرارات أممية وتشريعات أميركية وأوروبية متداخلة على مدى أكثر من أربعة عقود.


مقالات ذات صلة

الدوحة تفنّد مزاعم إيرانية: هجماتكم استهدفت أعياناً مدنية

الخليج قطر أكدت أن الحوار والوسائل السلمية يبقيان الطريق الأمثل لحل الخلافات (قنا)

الدوحة تفنّد مزاعم إيرانية: هجماتكم استهدفت أعياناً مدنية

ردّت الحكومة القطرية، على مزاعم إيرانية بأن الضربات التي وجهتها طهران ضد الأراضي القطرية استهدفت مواقع عسكرية ولم تطل أعياناً مدنية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)

طهران تعترف بوطأة العقوبات والحرب

أقرت الحكومة الإيرانية، الجمعة، بأن العقوبات الأميركية والحرب تفرضان ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد ومعيشة السكان، ويواصل الريال الإيراني التراجع إلى مستوى قياسي.

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)

مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

وسط مخاوف من التداعيات الاقتصادية، تتحسب مصر لـ«حرب ممتدة» بالمنطقة، عبر سيناريو حكومي توقع استمرار النزاع حتى عام 2030.

عصام فضل (القاهرة)
شؤون إقليمية بيسنت يصل إلى اجتماع مالي لمجموعة العشرين في كارولاينا الشمالية أمس (أ.ف.ب)

واشنطن توسِّع عقوبات إيران إلى كيانات تركية

وسّعت الولايات المتحدة، الجمعة، حملتها الاقتصادية على إيران بفرض عقوبات على كيانات مقرها تركيا، في أحدث خطوة ضمن مسعى لتشديد الخناق على شبكات طهران المالية.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية شعار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقر المنظمة بفيينا في النمسا (رويترز) p-circle

تحرك غربي لإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن

قال دبلوماسيون، الجمعة، إن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تضغط على مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتمرير قرار يُحيل إيران إلى مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رئيسة كوستاريكا: لم يُتخذ قرار بعد بشأن ترقية مكتب القدس إلى سفارة

صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (د.ب.أ)
صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (د.ب.أ)
TT

رئيسة كوستاريكا: لم يُتخذ قرار بعد بشأن ترقية مكتب القدس إلى سفارة

صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (د.ب.أ)
صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (د.ب.أ)

قالت رئيسة كوستاريكا، ​لورا فرنانديز، اليوم (الجمعة)، إن مسألة ترقية المكتب التابع للدولة الواقعة في ‌أميركا ‌الوسطى ​في مدينة ‌القدس إلى ​سفارة لم يتخذ قرار بشأنها بعد، وإن الأمر لا يزال قيد الدرس، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية، أمس (الخميس)، أنها ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس، لتنضم إلى دول، منها الولايات المتحدة، اتخذت هذه الخطوة الرمزية الداعمة للسيادة الإسرائيلية على المدينة المتنازع عليها.

وعقب زيارة قام بها الرئيس فيليكس - أنطوان تشيسيكيدي، أعلن الجانبان في بيان أنهما سيتخذان خطوات من أجل «نقل سفارة جمهورية الكونغو الديمقراطية من تل أبيب إلى القدس»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة «إهانة» إردوغان

ناشط يحمل صورة الكوميدي التركي دينيز غوكتاش أمام محكمة تركية (أ.ف.ب)
ناشط يحمل صورة الكوميدي التركي دينيز غوكتاش أمام محكمة تركية (أ.ف.ب)
TT

كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة «إهانة» إردوغان

ناشط يحمل صورة الكوميدي التركي دينيز غوكتاش أمام محكمة تركية (أ.ف.ب)
ناشط يحمل صورة الكوميدي التركي دينيز غوكتاش أمام محكمة تركية (أ.ف.ب)

قبلت محكمة في إسطنبول لائحة اتهام بحق الكوميدي التركي دينيز غوكتاش، وتطالب بسجنه مدة تصل إلى 9 سنوات و8 أشهر بسبب نكات ألقاها خلال عرض كوميدي حظي بانتشار واسع، حسبما أفادت وكالة «الأناضول» الرسمية، اليوم الجمعة.

وتتهم لائحة الاتهام، التي أعدها مكتب المدعي العام الرئيسي في إسطنبول، غوكتاش بإهانة الرئيس رجب طيب إردوغان، والتحريض على الكراهية والعداء بين أفراد المجتمع، وتمجيد الجريمة والمجرمين، بسبب تصريحات أدلى بها في عرضه الخاص المنشور على موقع «يوتيوب» في 24 يونيو (حزيران).

وقال المدعون إن التعليقات المتعلقة بإردوغان في العرض «تجاوزت حدود النقد»، و«ألحقت ضرراً بشرف الرئيس وكرامته» في نظر الجمهور.

وقال غوكتاش في عرضه: «لم أحب رجب طيب إردوغان قط، ولو لدقيقة واحدة في حياتي»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويواجه غوكتاش، المحتجز على ذمة المحاكمة منذ 3 يوليو (تموز)، اتهامات أيضاً بسبب نكات تناولت نساء يسبحن في البحر مرتديات ملابس سباحة محتشمة. وقالت لائحة الاتهام، في تهمة منفصلة، إن غوكتاش استخدم عبارات تمجّد جماعة إجرامية. ونفى الكوميدي التركي جميع التهم الموجهة إليه.

وأمرت المحكمة بإبقاء غوكتاش، (32 عاماً)، قيد الاحتجاز وحددت 28 سبتمبر (أيلول) موعداً للجلسة الأولى.

وحصد عرضه الخاص على موقع «يوتيوب» 14 مليون مشاهدة.

وأثار العرض، الذي تضمن أيضاً نكاتاً عن الدين وقضايا اجتماعية وسياسية أخرى، انتقادات حادة من شخصيات مؤيدة للحكومة. وأثارت قضيته احتجاجات من جماعات حقوقية أدانت ما اعتبرته استهدافاً لحرية التعبير واستخدام القضية لقمع المعارضة.


طهران تعترف بوطأة العقوبات والحرب

متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)
متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

طهران تعترف بوطأة العقوبات والحرب

متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)
متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)

أقرت الحكومة الإيرانية، الجمعة، بأن العقوبات الأميركية والحرب تفرضان ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد ومعيشة السكان، ويواصل الريال الإيراني التراجع إلى مستوى قياسي متدنٍ، فيما تعهد البنك المركزي بالتدخل في سوق الصرف لاحتواء «تقلبات غير طبيعية».

وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن السلطات «لا تنكر الضغوط الاقتصادية على الناس ولا حالات النقص»، مشيرة إلى أن العقوبات الأميركية أثرت في تمويل مشروعات البنية التحتية وتنفيذها في أنحاء البلاد.

وقالت مهاجراني إن التأخر في إنجاز المشروعات «لا ينبغي أن يُنسب إلى عدم كفاءة المديرين؛ لأن العقوبات الشديدة أثرت في عملية تأمين الموارد وتنفيذ المشروعات». وأضافت أن الحكومة ستواصل العمل على استكمال المشروعات غير المنجزة رغم القيود القائمة، وفق وكالة «إرنا» الرسمية.

متعامل بالعملات يحمل أوراقاً من فئة 100 دولار في طهران 2 مايو 2026 (رويترز)

الريال يتهاوى

وجاء الاعتراف الحكومي فيما واصل الريال تراجعه في السوق الحرة، ليبلغ نحو 2.2 مليون ريال للدولار، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق، تحت وطأة تشديد العقوبات الأميركية والحصار المفروض على صادرات النفط واضطراب التجارة الخارجية.

وفي المقابل، ظل السعر الرسمي الذي تحدده الحكومة عند نحو 42 ألف ريال للدولار، ما أبقى فجوة واسعة بين السعر الرسمي وذلك المتداول في السوق التي يعتمد عليها معظم الإيرانيين للحصول على العملات الأجنبية.

ومع تصاعد الضغوط على سوق الصرف، تعهد محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي بالتدخل «في الوقت المناسب وبقوة» إذا ابتعدت أسعار العملات عما سماه «الحقائق الأساسية للاقتصاد».

وقال همتي للتلفزيون الرسمي إن الحرب مع الولايات المتحدة تسببت في «تقلبات غير طبيعية في السوق»، من دون أن يعلن إجراءات محددة لوقف تراجع العملة.

وأضاف: «كلما ابتعدت الأسعار عن الحقائق الاقتصادية، سيحدث التدخل حتى لا يعتبر المتعاملون في السوق أن التحركات تسير في اتجاه واحد».

ونفى همتي وجود نقص حاد في العملات الأجنبية المخصصة للاستيراد، وقال إن حجم العملة التي وفرها البنك المركزي للواردات منذ بداية العام تراجع 15 في المائة فقط مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم الحرب والقيود الخارجية واضطراب التجارة.

وبحسب محافظ البنك المركزي، عزز المصرف احتياطياته، ولا تزال الموارد المتاحة «كافية لاستمرار تغطية الاحتياجات التجارية في السيناريوهات المقبلة». وقال أيضاً إن البنك أعد أدوات للتحوط والحفاظ على قيمة الأصول، لتقليص انتقال الطلب الاحتياطي والمضاربي إلى سوق العملات النقدية.

شاشة تعرض أسعار صرف العملات في البازار الكبير بطهران 17 أغسطس 2026 (رويترز)

ضيق قنوات التمويل

وتتطابق تصريحات المسؤولين الإيرانيين مع صورة أكثر صعوبة رسمتها ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى تحدثت إلى «رويترز» عن آثار الحملة الاقتصادية الأميركية.

وقالت المصادر إن أحدث الإجراءات الأميركية أصبحت أشد وطأة على طهران، بعدما تقلص عدد القنوات المتاحة لتأمين العملات الأجنبية وشراء السلع.

وأضافت أن مساعي واشنطن لحرمان إيران من الوصول إلى شبكات التمويل الدولية في دول أخرى باتت تمثل تهديداً «حقيقياً وملحاً»، بعدما اعتمدت طهران على هذه الشبكات لسنوات للحفاظ على تدفق الأموال وتمويل التجارة.

وباتت الضغوط المالية نفسها، بحسب المصادر، تعرقل قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات؛ إذ انخفضت السيولة المتاحة لدفع العلاوات المرتفعة التي تتطلبها شركات الواجهة وناقلات النفط غير المسجلة ومسارات التهريب.

وقال أحد المصادر إن البلاد لا تملك سوى مخزونات من البنزين تكفي لنحو شهرين إضافيين. وتضطر إيران إلى استيراد الوقود رغم إنتاجها النفط الخام بسبب محدودية طاقتها التكريرية.

وتدرك القيادة الإيرانية مخاطر تفاقم الأزمة الاقتصادية وإمكان تجدد الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد في يناير (كانون الثاني)، وقمعتها السلطات، ما أدى إلى مقتل آلاف المتظاهرين.

وقال مسؤول إيراني رفيع إن طهران تراهن على أن تدفع مخاطر التضخم إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى توخي الحذر قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، بينما ترى السلطات الإيرانية أن واشنطن تسعى إلى زيادة الضغوط الداخلية عليها.

لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل حاوية تموين الخميس (رويترز)

انهيار صادرات النفط

ويشكل تراجع مبيعات النفط أحد أبرز مؤشرات الضغوط الجديدة. وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن شحنات الخام الإيراني هبطت هذا الشهر إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل عام.

ولم تعد تغادر الموانئ الإيرانية سوى كميات محدودة، فيما تنقل شحنات أخرى بالشاحنات أو القطارات أو القوارب الصغيرة عبر بحر قزوين.

وقال أحد المصادر إن طهران لا تزال تملك عشرات الملايين من البراميل المخزنة على متن ناقلات خارج منطقة الحصار ويمكنها بيعها، لكن العقوبات الجديدة قد تدفع الوسطاء إلى الانسحاب أو المطالبة بعلاوات أكبر مقابل إتمام الصفقات.

وفي مؤشر آخر على انكماش النشاط التجاري، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن إجمالي حجم التجارة تراجع بما يتراوح بين 25 و35 في المائة، وإن الواردات تضررت بوتيرة أكبر من الصادرات.

وزادت الضغوط بعد إعلان الإمارات في 19 أغسطس (آب) تعليق جميع المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع طهران حتى إشعار آخر، ما عطل إحدى القنوات الرئيسية التي اعتمدت عليها التجارة الإيرانية.

وقال تاجر إيراني يعمل في استيراد السلع إن بقاء هذه القنوات مغلقة يدفع الموردين إلى طلب الدفع نقداً، ويجبر التجار على تمرير الصفقات عبر دول أخرى، ما يؤخر وصول الشحنات ويرفع تكلفتها.

تضخم يضغط على المعيشة

وتنعكس الأزمة مباشرة على مستويات المعيشة. وتشير البيانات الرسمية إلى أن متوسط التضخم خلال الاثني عشر شهراً الماضية بلغ 69.9 في المائة، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بمعدل يقارب مثلي هذه النسبة.

وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 في المائة في الربيع، فيما انخفض عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق، بالتزامن مع تراجع أوسع في معدل المشاركة في سوق العمل.

ولا يكفي متوسط الراتب الشهري، البالغ نحو 125 دولاراً، لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرة، التي تقدر بنحو 450 دولاراً شهرياً، وفق البيانات الرسمية.

وكان الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً من ضعف العملة وارتفاع التضخم قبل الحرب، قبل أن تضيف أشهر القصف أعباء إعادة بناء منشآت صناعية وبنية تحتية متضررة.

عارف يتوعد واشنطن

وفي موازاة اعتراف الحكومة بالضغوط الداخلية، قال النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف إن الهجمات الأميركية الأخيرة غيرت حسابات طهران الأمنية وعقيدتها الدفاعية.

وكتب عارف على منصة «إكس» أن الرد الإيراني سيكون من الآن فصاعداً «غير متكافئ ومتعدد الطبقات ويسلب المعتدي أمنه».

كما وجه تحذيراً اقتصادياً إلى الولايات المتحدة قائلاً: «على الأميركيين التفكير في تخزين البنزين والوقود؛ أشهر سوداء تنتظر الاقتصاد الأميركي».

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونائبه الأول محمد رضا عارف خلال حضورهما اجتماعاً أسبوعياً للحكومة (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

وجاءت تصريحاته في وقت تواجه فيه إيران نفسها ضغوطاً في سوق الوقود، مع ظهور طوابير أمام محطات البنزين، خصوصاً للشاحنات، واستمرار النقاش الداخلي بشأن احتمال رفع أسعار الوقود.

وأثارت مواقف عارف انتقادات في بعض وسائل الإعلام الإيرانية، التي دعته إلى التركيز على التضخم واضطراب الأسواق وإدارة الملف الاقتصادي بدلاً من التحذير من تداعيات اقتصادية على الولايات المتحدة.

عقوبات وحصار

وصعّدت واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة العقوبات الثانوية على المؤسسات والبنوك والشركات التي تتعامل مع إيران، بالتوازي مع الحصار المفروض على صادرات النفط، في محاولة لتقليص قدرة طهران على استخدام الدولار وتمويل وارداتها الحيوية.

وترى الإدارة الأميركية أن تشديد الضغط الاقتصادي قد ينتزع تنازلات لم تحققها ستة أشهر من القتال، بينما حذرت طهران من أنها قد تقابل الضغوط بمزيد من التصعيد العسكري.

ومع تقلص إيرادات النفط وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية، تواجه الحكومة الإيرانية في الوقت نفسه كلفة تمويل الواردات، وتشغيل شبكات الالتفاف على العقوبات، وتمويل الإنفاق الداخلي، وإعادة بناء الأضرار التي خلفتها الحرب.