هل تدفع بورصة كوريا فاتورة التفاؤل المفرط بـ«طفرة الرقائق»؟

من قمة الـ9 آلاف نقطة إلى قواطع الدائرة المعلقة للتداول في جلسة الثلاثاء العاصفة

تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
TT

هل تدفع بورصة كوريا فاتورة التفاؤل المفرط بـ«طفرة الرقائق»؟

تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)
تراقب متداولة العملات أسعار الصرف بينما تعرض شاشة إلكترونية مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في مقر بنك هانا (أ.ف.ب)

عندما يتحدث خبراء المال عن «معجزة نهر هان» - وهو التعبير الشهير الذي يصف التحول الاقتصادي المذهل لكوريا الجنوبية من بلد دمرته الحروب في منتصف القرن الماضي إلى عملاق تكنولوجي وصناعي عالمي - فإنهم يشيرون ضمناً إلى قلب هذا التحول النابض: بورصة كوريا الجنوبية. واليوم، لم تعد هذه البورصة مجرد سوق محلية لتبادل الأسهم؛ بل تحولت إلى مرآة تعكس نبض التكنولوجيا العالمية، ومؤشر حساس لشهية الاستثمار في قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

لكن هذا القلب النابض عاش يوم الثلاثاء في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، واحدة من أكثر الجلسات دراماتيكية في التاريخ المالي الحديث للبلاد. وجاء ذلك بعدما اجتاحت موجة بيع ذعرية وعنيفة قاعات التداول، لتطيح بالمكاسب القياسية التي سجلتها أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على مدار الأشهر الماضية، وتضع الأسواق العالمية في حالة ترقب وتأهب للمرحلة المقبلة من الدورة الاقتصادية لقطاع الرقائق الإلكترونية.

ولم تكن هذه الصدمة مجرد تراجع عابر في أسعار الأسهم؛ بل شكلت اختباراً حقيقياً لصلابة البنية التحتية المالية لكوريا الجنوبية، وأثارت تساؤلات عميقة حول مدى ارتباط الأسواق الآسيوية بتقييمات شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، ودور الرافعة المالية والتداول بالهامش في تضخيم حدة الانهيارات السعرية عند حدوث الهزات الاقتصادية.

مفتاح الاقتصاد

تُعدّ بورصة كوريا الجنوبية، والمعروفة اختصاراً بـ«كي آر إكس»، بمثابة المظلة الرسمية والوحيدة لتداول الأسهم والسندات والمشتقات المالية، حيث تدمج تحت لوائها الشركات الصناعية والتقنية الكبرى.

ويُمثل مؤشر «كوسبي» (Kospi) الرئيسي في هذه البورصة المقياس العام لأداء كبرى الشركات العائلية العملاقة، أو ما يُعرف محلياً بـ«التشيبول»، مثل «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» و«هيونداي».

وتتميز البورصة بهيكل فريد يجمع بين التدفقات النقدية الضخمة للمؤسسات والصناديق الاستثمارية الأجنبية من جهة، والنشاط الاستثماري الكثيف والمضاربي للمستثمرين الأفراد المحليين من جهة أخرى، مما يمنحها سيولة عالية وحساسية شديدة للأخبار الاقتصادية العالمية.

متداول عملات يتمدد بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في بنك هانا (أ.ب)

لماذا يراقب العالم مؤشر «كوسبي»؟

تتجاوز أهمية بورصة كوريا الجنوبية حدودها الجغرافية لتصبح مؤشراً حيوياً يعكس صحة الاقتصاد العالمي وشهية المخاطرة لدى المستثمرين في قطاع التقنية؛ فالبلاد تُعدّ المصدر الأول عالمياً لشرائح الذاكرة المتقدمة وأشباه الموصلات، وهي المكونات الأساسية لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.

وعندما يتحرك مؤشر «كوسبي»، فإن الصناديق الاستثمارية في نيويورك ولندن وطوكيو تراقب هذا التحرك بدقة، كونه يُعطي قراءة مبكرة ومباشرة لمستويات الطلب العالمي على الأجهزة والعتاد التكنولوجي. ولذلك، فإن أي اضطراب يصيب هذه السوق يمتد سريعاً عبر سلاسل الإمداد العالمية، ليوجه ضربة لثقة المستثمرين في قطاع التكنولوجيا بأسره.

تفاصيل يوم عصيب

بدأت القصة عندما افتتحت البورصة تداولاتها يوم الثلاثاء على تراجع حاد ومفاجئ، مدفوعاً بضغوط بيع مكثفة قادها مستثمرون أجانب ومؤسسات دولية قررت التخلص من حيازاتها في أسهم الرقائق الثقيلة. ومع تسارع وتيرة الهبوط، عمّق مؤشر «كوسبي» خسائره ليتراجع بنسبة تزيد على 8 في المائة خلال ساعات الصباح الأولى، مما نشر حالة من الهلع بين المتداولين الأفراد.

وأمام هذا التدهور المتسارع والتقلبات العنيفة، تدخلت إدارة بورصة كوريا لتفعيل آلية «قواطع الدائرة» القانونية، حيث تقرر تعليق التداول مؤقتاً لمدة 20 دقيقة، في محاولة لامتصاص الصدمة وإتاحة الفرصة للمستثمرين لمراجعة مراكزهم المالية. لكن هذه الخطوة الحمائية لم تمنع السوق من مواصلة الانزلاق عقب استئناف الجلسة، ليرتفع حجم التراجع ويغلق المؤشر على انخفاض حاد بلغ 10 في المائة، مقارنة بأعلى مستوى قياسي كان قد سجله في وقت سابق من هذا الشهر عند تجاوزه حاجز 9000 نقطة للمرة الأولى في تاريخه.

وطالت موجة البيع القاسية هذه أسهم الصدارة التكنولوجية بشكل مباشر؛ حيث هبط سهم شركة «إس كيه هاينكس» - ثاني أكبر مصنع لرقائق الذاكرة في العالم - بنسبة تجاوزت 12 في المائة، في حين لحق به سهم العملاق «سامسونغ إلكترونيكس» ليتراجع بنسب حادة ومؤثرة، مسبباً خسائر بمليارات الدولارات من القيمة السوقية للشركتين في جلسة واحدة.

يحتفل الموظفون أمام شاشة ببنك هانا بسيول بعد قفزة مؤشر «كوسبي» التاريخية في 18 يونيو (إ.ب.أ)

خلفيات الانفجار

يرى المحللون الماليون أن هذا التراجع العنيف لم يكن وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تراكم عوامل عدة أوصلت السوق إلى مرحلة «التشبع الشرائي المفرط». وكانت أسهم شركة «إس كيه هاينكس» قد حققت مكاسب فلكية بلغت نحو 350 في المائة منذ مطلع العام، مدفوعة بسلسلة صعود استمرت لـ8 أيام متتالية، مما جعل أسعار الأسهم ترتفع بمعدلات تفوق بكثير تقييماتها العادلة وتوقعات أرباحها على المدى القريب.

وتزامنت هذه التقييمات المرتفعة مع تغير ملموس في شهية المستثمرين العالمية تجاه أسهم التقنية والذكاء الاصطناعي خلال التداولات الأخيرة في الأسواق الأميركية، التي شهدت تراجعاً لأسهم شركات كبرى مثل «سبايس إكس». وزاد من عمق الأزمة وجود تقارير محلية تتحدث عن عزم الشركات الكورية مراجعة وتعديل خططها التوسعية الطموحة لإنتاج شرائح الذاكرة المتقدمة، خوفاً من حدوث تخمة في المعروض مستقبلاً.

ترقب عالمي

وعلاوة على المخاوف الهيكلية، يعيش المتداولون حالة من حبس الأنفاس والترقب الشديد لما ستسفر عنه نتائج الأعمال الربع سنوية لشركة أشباه الموصلات الأميركية العملاقة «ميكرون تكنولوجي». ويُنظر إلى هذه النتائج على نطاق واسع في الأوساط المالية باعتبارها «الاختبار الحقيقي والمباشر» الذي سيحدد ما إذا كانت الطفرة الحالية في عتاد الذكاء الاصطناعي تمتلك ركائز حقيقية للاستمرار، أم أن الأسواق قد بالغت في تقدير حجم الأرباح المستقبلية.

وفي غضون ذلك، برزت معضلة أموال التداول بالهامش (الرافعة المالية) بوصفها عاملاً رئيسياً في تسريع وتيرة الانهيار؛ إذ تشير البيانات إلى أن حجم هذه القروض الاستثمارية في كوريا الجنوبية، قد قفز إلى مستوى قياسي غير مسبوق يناهز 38.5 تريليون وون (ما يعادل نحو 25 مليار دولار). وتكمن خطورة هذه الأداة المالية في كونها سلاحاً ذا حدين؛ فهي تتيح للمستثمرين شراء كميات من الأسهم تفوق قدراتهم المالية الفعلية عبر الاقتراض من شركات الوساطة، وهو ما يضخم الأرباح في أوقات الصعود، ويخلق طلباً اصطناعياً يدفع مؤشرات السوق نحو مستويات فلكية. لكن المعضلة الحقيقية تنفجر عند حدوث أي تراجع مفاجئ؛ حيث تصبح الأسعار غير قادرة على دعم حجم الديون المتراكمة، مما يضطر الوسطاء آلياً إلى تفعيل أوامر «التصفية القسرية» لبيع الأسهم بهدف استرداد أموالهم المغلوبة. هذا البيع الإجباري يولد سيلاً جارفاً من أوامر البيع المتلاحقة دون وجود قوى شرائية مقابلة، مما يحول التصحيح الهادئ إلى انهيار رأسي سريع وخارج عن السيطرة، وهو ما حدث بالفعل في فترة ما بعد الظهر، حيث تدفقت أوامر البيع بشكل آلي ومكثف أدى إلى تهاوي الأسعار دون وجود قوى شرائية مقابلة، رغم دخول بعض المستثمرين الأفراد للشراء بهدف اقتناص الفرص.

رئيس بورصة كوريا جيونغ إيون بو يتحدث خلال حفل أقيم في مقر البورصة بمدينة بوسان (إ.ب.أ)

تداعيات وتحذيرات

دفعت هذه التطورات غير العادية السلطات التنظيمية والرقابية في سيول، إلى الخروج عن صمتها والتدخل لتهدئة المخاوف؛ حيث أعلن رئيس هيئة الرقابة المالية الكورية، لي تشان جين، أن الجهات المختصة تتابع من كثب وبقلق بالغ، تأثير الرافعة المالية في تضخيم وتعميق التحركات السعرية السلبية بالسوق. وحذر من أن السوق باتت شديدة الحساسية والصدمات نتيجة للتشبع المفرط في المراكز الاستثمارية المركزة.

وتدرس الهيئات الحكومية حالياً إمكانية تطبيق حزمة من إجراءات التهدئة والتدخل المؤقت للحد من التأثيرات الحادة التي تفرضها صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بأسهم «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس»، بهدف حماية صغار المستثمرين، ومنع تكرار مثل هذه الهزات العنيفة التي قد تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي العام للبلاد في حال استمرارها.


مقالات ذات صلة

انكماش قطاع الخدمات البريطاني بأسرع وتيرة منذ يناير 2023

الاقتصاد يعبر الناس جسر ميلينيوم وخلفهم يظهر الحي المالي لمدينة لندن (رويترز)

انكماش قطاع الخدمات البريطاني بأسرع وتيرة منذ يناير 2023

أظهر مسح نُشر يوم الثلاثاء أن قطاع الخدمات في بريطانيا، المحرك الرئيسي للاقتصاد، انكمش هذا الشهر بأسرع وتيرة له منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مشاة في أحد ميادين مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو في الخلفية شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)

أسهم الصين تتراجع مع ازدياد توقعات رفع الفائدة الأميركية

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ يوم الثلاثاء، متأثرة بضعف أداء نظيراتها الإقليمية، وسط ازدياد التوقعات برفع «الاحتياطي الفيدرالي» الفائدة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

«نيكي» يتراجع لأدنى مستوى خلال أسبوع مع جني الأرباح

انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم إلى أدنى مستوى له في أسبوع يوم الثلاثاء، متراجعاً بعد موجة صعود قوية دفعت بالمؤشر إلى مستويات قياسية متتالية...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد متداولا عملات يتحدثان أمام شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية ببنك هانا في سيول (أ.ف.ب)

بورصة كوريا الجنوبية تهوي 10% وتُوقف التداول وسط انهيار أسهم الرقائق

شهدت الأسهم الكورية الجنوبية واحدة من أعنف موجات التراجع في تاريخها الحديث، بعدما هبط مؤشر «كوسبي» بنسبة 10 في المائة من أعلى مستوى قياسي له.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد متداول عملات يمر أمام شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية في بنك هانا بسيول (أ.ف.ب)

وسط موجة بيع... هبوط حاد في بورصة كوريا الجنوبية بأكثر من 6 %

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية بشكل حاد، يوم الثلاثاء، مع هبوط مؤشر «كوسبي» بأكثر من 6 في المائة خلال الجلسة.


الكرملين: لا أسباب للتشكيك في استقرار الاقتصاد الروسي بوجه «تذبذبات النفط»

رجلا أمن روسيان بجوار شاحنة صغيرة مزوَّدة بمدفع رشاش بالقرب من الكرملين (رويترز)
رجلا أمن روسيان بجوار شاحنة صغيرة مزوَّدة بمدفع رشاش بالقرب من الكرملين (رويترز)
TT

الكرملين: لا أسباب للتشكيك في استقرار الاقتصاد الروسي بوجه «تذبذبات النفط»

رجلا أمن روسيان بجوار شاحنة صغيرة مزوَّدة بمدفع رشاش بالقرب من الكرملين (رويترز)
رجلا أمن روسيان بجوار شاحنة صغيرة مزوَّدة بمدفع رشاش بالقرب من الكرملين (رويترز)

أكّد المتحدث باسم «الرئاسة الروسية (الكرملين)»، ديميتري بيسكوف، أن الاستقرار المالي والاقتصادي لبلاده مضمون تماماً، على الرغم من موجة التقلبات العنيفة التي تجتاح أسواق النفط والطاقة العالمية في الوقت الراهن، مشدداً على عدم وجود أي مبرر للتشكيك في المؤشرات الكلية للاقتصاد الروسي.

وقال بيسكوف، في تصريحات للصحافيين نقلتها وكالة الأنباء الروسية «إنترفاكس» يوم الثلاثاء، إن «استقرار الاقتصاد الروسي مؤمّن بالكامل، كما أن الاستقرار المالي الكلي مضمون تماماً، ولا يملك أحد أي سبب للتشكيك في ذلك».

وأضاف المتحدث باسم الكرملين: «نعم؛ إن الوضع في سوق الطاقة العالمية متقلب للغاية، وهو أمر يؤثر على جميع الدول دون استثناء، ولكن لا يوجد حالياً أي سبب يدعو للشك في متانة الاستقرار المالي الكلي ببلدنا».

وأشار بيسكوف إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد مراراً على صلابة الاقتصاد الوطني خلال الاجتماعات الاقتصادية المتعاقبة، وهو ما شدد عليه أيضاً رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين.

وبشأن ملف الطاقة، أوضح بيسكوف: «بالنسبة إلى تقلبات سوق النفط؛ نعم، هذا واقع ملموس ويؤثر على الاقتصاد العالمي بأكمله بطريقة أو بأخرى، كما يمتد تأثيره إلى اقتصادنا أيضاً؛ فالإيرادات النفطية لا تزال تقدم إسهاماً كبيراً في ميزانية الدولة، ولكن على الرغم من ذلك، فإن حصة الإيرادات غير النفطية في نمو مستمر».


انكماش قطاع الخدمات البريطاني بأسرع وتيرة منذ يناير 2023

يعبر الناس جسر ميلينيوم وخلفهم يظهر الحي المالي لمدينة لندن (رويترز)
يعبر الناس جسر ميلينيوم وخلفهم يظهر الحي المالي لمدينة لندن (رويترز)
TT

انكماش قطاع الخدمات البريطاني بأسرع وتيرة منذ يناير 2023

يعبر الناس جسر ميلينيوم وخلفهم يظهر الحي المالي لمدينة لندن (رويترز)
يعبر الناس جسر ميلينيوم وخلفهم يظهر الحي المالي لمدينة لندن (رويترز)

أظهر مسح نُشر يوم الثلاثاء أن قطاع الخدمات في بريطانيا، المحرك الرئيسي للاقتصاد، انكمش هذا الشهر بأسرع وتيرة له منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، مما يشير إلى ضغوط متزايدة على النشاط الاقتصادي، في وقت تتصاعد فيه التحديات السياسية والاقتصادية.

وتراجع مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات البريطاني، الصادر عن مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 48.7 نقطة في يونيو (حزيران)، مقارنة بـ49.3 نقطة في القراءة السابقة الأولية، مسجلاً أدنى مستوى له منذ يناير (كانون الثاني) 2023، ودون توقعات استطلاع «رويترز» التي أشارت إلى تحسن محتمل إلى 50.1 نقطة.

وتُشير القراءات دون مستوى 50 نقطة إلى انكماش في النشاط الاقتصادي، حيث أظهر المسح تراجعاً حاداً في كل من الطلبات الجديدة ومستويات التوظيف، مع هبوط الأخيرة إلى أضعف مستوياتها منذ يناير 2021.

ويأتي هذا التراجع في أعقاب يوم من إعلان رئيس الوزراء كير ستارمر استقالته، ليعكس المؤشر صورة أكثر قتامة للتحديات الاقتصادية التي قد يواجهها عمدة مانشستر الكبرى السابق، أندي بيرنهام، في حال توليه رئاسة الحكومة، في ظل عدم ترشح منافسين بارزين من حزب العمال.

وسيواجه بيرنهام، في حال توليه المنصب، بيئة اقتصادية صعبة تتسم بنمو متذبذب، ومعدلات تضخم أعلى مقارنة بالاقتصادات المتقدمة الكبرى، إلى جانب ضغوط متزايدة على المالية العامة.

وأظهرت بيانات رسمية صادرة في وقت سابق من الشهر الحالي انكماش الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.1 في المائة في مايو (أيار)، فيما تتوقع «ستاندرد آند بورز غلوبال» انكماشاً مماثلاً في يونيو، مما يشير إلى احتمال دخول الاقتصاد في حالة ركود خلال الربع الثاني، بعد بداية قوية لعام 2026.

وفي المقابل، شكّل تباطؤ ضغوط التكاليف نقطة إيجابية نسبية في بيانات يونيو، بعد أن كانت قد تسارعت عقب اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة. فقد تراجعت أسعار النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، بعد أن تجاوزت 120 دولاراً في بداية الأزمة، عقب هدنة أولية بين الولايات المتحدة وإيران، مما أبقى على تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز، رغم بقائها أعلى بنحو 10 دولارات مقارنة بمستويات ما قبل النزاع.

ومع ذلك، حذّرت «ستاندرد آند بورز غلوبال» من أن الضغوط التضخمية لا تزال مرتفعة نسبياً.

وقال كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، كريس ويليامسون، إن ارتفاع التكاليف، إلى جانب ضعف توقعات نمو الأعمال للعام المقبل، يضغطان على سوق العمل، مما أدى إلى استمرار تراجع التوظيف بوتيرة مقلقة.

وأضاف أن حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي أثّرت سلباً على ثقة بعض الشركات، مشيراً إلى أن الاقتصاد يحتاج إلى فترة من الهدوء النسبي لدعم تعافي النمو.

وفي قطاع التصنيع، أظهر المسح تباطؤاً في وتيرة التوسع؛ إذ تراجع مؤشر مديري المشتريات إلى 53.1 نقطة في يونيو مقارنة بـ53.9 نقطة في مايو، وهو أدنى مستوى في ثلاثة أشهر.

كما انخفض المؤشر المركب الذي يجمع بين قطاعَي الخدمات والتصنيع إلى 49.4 نقطة، مقابل 49.7 نقطة في الشهر السابق، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2025.


أسهم الصين تتراجع مع ازدياد توقعات رفع الفائدة الأميركية

مشاة في أحد ميادين مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو في الخلفية شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
مشاة في أحد ميادين مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو في الخلفية شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
TT

أسهم الصين تتراجع مع ازدياد توقعات رفع الفائدة الأميركية

مشاة في أحد ميادين مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو في الخلفية شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
مشاة في أحد ميادين مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو في الخلفية شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ يوم الثلاثاء، متأثرة بضعف أداء نظيراتها الإقليمية، وسط ازدياد التوقعات برفع «الاحتياطي الفيدرالي» (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة، بينما تابع المستثمرون أيضاً تطورات محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران. وعند استراحة منتصف النهار، انخفض مؤشر «شنغهاي المركب» القياسي بنسبة 0.4 في المائة، بينما خسر مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية 1.5 في المائة.

وتراجعت الأسهم الآسيوية بشكل عام، واستعادت أسعار النفط قوتها، بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن إيران، في حين واجه المتداولون ازدياد التوقعات بأن يتخذ «الاحتياطي الفيدرالي» إجراءات أكثر حزماً لمكافحة التضخم. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية؛ حيث لامست عوائد السندات لأجل عامين، الحساسة لأسعار الفائدة، أعلى مستوى لها في 16 شهراً، مع استعداد المتداولين لاحتمال رفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام.

وتعزز الدولار الأميركي وضغط على أسعار الذهب وأسهم المعادن غير الحديدية؛ حيث انخفض مؤشر فرعي يتتبع أداء القطاع بنسبة 6.6 في المائة في تعاملات الصباح. وقال وي خون تشونغ، استراتيجي الاقتصاد الكلي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك نيويورك: «لا تزال البيانات الاقتصادية الكلية الضعيفة والتدقيق التنظيمي على شركات التكنولوجيا يهيمنان على المشهد». وأضاف: «مع ذلك، يكمن محرك النمو بوضوح في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة... يجب على المستثمرين التركيز على مواطن النمو بدلاً من مواطن التباطؤ».

وفي هونغ كونغ، انخفض مؤشر «هانغ سينغ» القياسي بنسبة 1.1 في المائة، وتراجعت أسهم شركات التكنولوجيا في المدينة بنسبة 2.2 في المائة.

وجاء ضعف أسهم التكنولوجيا متماشياً مع أداء نظيراتها الإقليمية، مثل كوريا الجنوبية؛ حيث انخفض مؤشر «كوسبي» القياسي بأكثر من 6 في المائة في وقت من الأوقات، مع جني المستثمرين للأرباح بعد المكاسب الحادة الأخيرة في أسهم شركات تصنيع الرقائق. وظل الاستهلاك في ثاني أكبر اقتصاد في العالم ضعيفاً.

واختُتم مهرجان التسوق «618» الصيني، الذي كان يُعدُّ في السابق منصة لعرض ازدهار قطاع التجارة الإلكترونية في البلاد، بهدوء ودون ضجة كبيرة؛ حيث أدت الخصومات المطولة وحذر الأسر إلى الحد من تأثير أحد أكبر فعاليات البيع بالتجزئة في العالم. كما انخفضت أسهم شركة «علي بابا»، عملاق التجارة الإلكترونية، في هونغ كونغ، بنسبة 3 في المائة لتسجل أدنى مستوى لها منذ أبريل (نيسان) 2025.

اليوان يترقب الفائدة

ومن جانبه، حام اليوان قرب أدنى مستوى له في أسبوعين مقابل الدولار يوم الثلاثاء، متأثراً بقوة الدولار الأميركي المدعومة بازدياد توقعات المستثمرين بتشديد السياسة النقدية من قبل «الاحتياطي الفيدرالي»، وضعف سعر الفائدة الأساسي الذي يحدده البنك المركزي الصيني.

وتحت ضغط الدولار القوي، انخفض اليوان الصيني في السوق المحلية إلى 6.7779 يوان للدولار عند الساعة 03:00 بتوقيت غرينيتش، وهو ليس ببعيد عن أدنى مستوى له في أسبوعين تقريباً عند 6.7793 يوان الذي سجله في اليوم السابق. أما سعر صرفه في السوق الخارجية فقد بلغ 6.7797 يوان للدولار.

وقبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني سعر الصرف المتوسط عند 6.8171 يوان للدولار، وهو أضعف سعر منذ 8 يونيو (حزيران). ويُسمح لليوان بالتداول الفوري بنسبة 2 في المائة أعلى أو أسفل سعر الصرف المتوسط المحدد يومياً.

وقال محللون في بنك «بينغ آن» في مذكرة: «على المدى القريب، سنراقب من كثب توجيهات البنك المركزي بشأن سعر الصرف المتوسط، وسنظل متيقظين للطلب الموسمي على العملات الأجنبية المرتبط بتوزيعات الأرباح، والذي قد يُضعف زخم اليوان الصعودي قصير الأجل»، متوقعين أن يتداول اليوان في نطاق يتراوح بين 6.75 و6.8 يوان للدولار هذا الأسبوع. ويتعين على الشركات الصينية المدرجة في بورصة هونغ كونغ عادة توزيع أرباح على مساهميها الأجانب بين شهري مايو (أيار) وأغسطس (آب) من كل عام، ومن المتوقع أن يؤدي هذا الطلب الموسمي على العملات الأجنبية إلى انخفاض قيمة اليوان.

ومن المرجح أن يبلغ موسم توزيع الأرباح ذروته هذا العام في يونيو، مع طلب متوقع على العملات الأجنبية بقيمة 24 مليار دولار. وتشير بيانات الإفصاحات التنظيمية وحسابات «رويترز» وتقديرات المحللين إلى أنه سيتم تحويل ما يقارب 60 مليار دولار من العملات الأجنبية بين يونيو وأغسطس. ومن بين أكبر توزيعات الأرباح، سيتصدر بنك التعمير الصيني القائمة بتوزيع أرباح بقيمة 7.144 مليار دولار، والمقرر صرفها في 21 أغسطس. وتحتل شركة «تشاينا موبايل» المرتبة الثانية بتوزيع أرباح بقيمة 6.677 مليار دولار، والمقرر صرفها في 24 يونيو.

وبناءً على تحديد سعر الصرف المتوسط يوم الثلاثاء، ارتفعت القيمة المرجحة للتجارة لليوان مقابل شركائه التجاريين الرئيسيين، وفقاً لمؤشر سلة اليوان الصادر عن مركز تداول السلع الآجلة الصيني، إلى 102.32 نقطة، وهو أعلى مستوى لها منذ 14 سبتمبر (أيلول) 2022، بزيادة قدرها 4.4 في المائة منذ بداية العام، وفقاً لحسابات «رويترز» المستندة إلى بيانات رسمية.

وفي غضون ذلك، تعزز اليوان بنحو 3.1 في المائة حتى الآن هذا العام، مدعوماً بقوة الصادرات وفائض تجاري كبير.

وقال رومان زيروك، كبير محللي السوق في «إيبوري»، وهي شركة عالمية للخدمات المالية ومتخصصة في سوق الصرف الأجنبي: «إن تحول (الاحتياطي الفيدرالي) نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، وما تبعه من ارتفاع في قيمة الدولار، مكَّن اليوان من التفوق على معظم نظرائه في الأسواق الناشئة».

وأضاف متداولو العملات أنهم سيولون اهتماماً بالغاً للبيانات الأميركية في وقت لاحق من هذا الأسبوع، بما في ذلك مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر مايو، المقرر صدوره يوم الخميس (وهو المقياس الرئيسي للتضخم لدى «الاحتياطي الفيدرالي») والذي قد يقدم مزيداً من المؤشرات حول توقعات السياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي.