شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني أكد أن القبائل ثروة وطنية وستؤدي دوراً محورياً في مسار السلام

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
TT

شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

​قبل أن يغادر مأرب بساعات، كان السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر يستعيد مشاهد أيام قليلة أمضاها في المحافظة التي يزورها للمرة الأولى، بين مخيمات النازحين، ومواقع المشاريع الإنسانية، ولقاءات المسؤولين ومشايخ القبائل، وبدا أن شيئاً واحداً ظل يرافقه في كل محطة: الابتسامة.

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

في محافظة استقبلت ملايين النازحين، ووقفت سنوات على خط المواجهة الأول مع الحرب، وجد الدبلوماسي الألماني صورة مختلفة عما قد توحي به عناوين الصراع والأزمات الإنسانية؛ صورة تختلط فيها التحديات القاسية بروح من التفاؤل والإصرار على الحياة.

داخل فندق «بلقيس» ذي الطراز السبئي، الذي شُيِّد في ثمانينيات القرن الماضي وسط مدينة مأرب، وقبيل مغادرته المحافظة، تحدث شنايدر لـ«الشرق الأوسط» عن زيارة حملت في ظاهرها طابعاً إنسانياً وتنموياً، ولكنها كشفت له أيضاً جانباً سياسياً واجتماعياً يراه مهماً في مستقبل اليمن.

يقول السفير الألماني إن زيارته جاءت للتعبير عن التضامن مع أبناء مأرب ومع اليمنيين عموماً، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، موضحاً أن الوفد الألماني حرص على زيارة عدد من المشاريع الإنسانية ومخيمات النازحين واللاجئين، للاطلاع مباشرة على احتياجات السكان وتقييم أثر البرامج المدعومة من ألمانيا وشركائها الدوليين.

لكن ما لفت انتباهه أكثر من أي شيء آخر -حسب قوله- كان طبيعة العلاقة التي نشأت في مأرب بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية والوكالات الأممية.

ويضيف: «رأينا نموذجاً إيجابياً للتعاون بين الحكومة اليمنية والدول المانحة، والأهم من ذلك التعاون الوثيق بين السلطات المحلية في المحافظة والوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة».

ومن وجهة نظره، لا تكمن أهمية هذه التجربة في حجم المشاريع المنفذة فحسب؛ بل في قدرتها على خلق شراكة حقيقية بين مختلف الأطراف العاملة على الأرض، وهو ما جعل مأرب -حسب وصفه- نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى.

ويتابع: «هذه الشراكة تمثل نقطة بالغة الأهمية، وقد لمسنا أن تجربة مأرب تشكل نموذجاً ناجحاً يمكن الاقتداء به من قبل جميع الأطراف المنخرطة في العمل الإنساني والتنموي».

شنايدر خلال زيارته لمعبد برَّان الأثري بمحافظة مأرب (السفارة الألمانية)

وعلى امتداد سنوات الحرب، تحولت مأرب إلى أكبر مركز لاستقبال النازحين في اليمن؛ حيث استوعبت موجات متتالية من الأسر الفارة من مناطق القتال. ويرى شنايدر أن الطريقة التي تعامل بها أبناء المحافظة مع هذا الواقع تمثل إحدى أبرز قصص النجاح اليمنية خلال سنوات الصراع.

ويقول: «استقبلت مأرب أعداداً كبيرة من النازحين من مختلف أنحاء اليمن، كما استقبلت لاجئين من دول أخرى، وهذا يعكس كرم أهلها وروحهم الإنسانية. شاهدنا نماذج إيجابية للغاية في كيفية التعامل مع هذه التحديات».

وخلال الزيارة، التقى الوفد الألماني عدداً من النازحين واستمع إلى رواياتهم واحتياجاتهم، كما عقد لقاءات مع ممثلي الأمم المتحدة والسلطات المحلية، وهو ما عزز قناعة السفير بأن التنسيق والتواصل المستمر بين مختلف الأطراف يظل العامل الأكثر أهمية في مواجهة التحديات الإنسانية المعقدة.

غير أن أكثر محطات الزيارة خصوصية ربما كانت اللقاء مع مشايخ القبائل في مأرب، ففي بلد غالباً ما تُقرأ القبيلة من زاوية أمنية أو تقليدية، خرج شنايدر بانطباع مختلف؛ إذ رأى في القبائل اليمنية شبكة اجتماعية واسعة تلعب دوراً يتجاوز الأعراف المحلية إلى الإسهام في الحفاظ على تماسك المجتمع والاستقرار، ومستقبل البلاد كلها.

ويقول: «كان الجلوس مع مشايخ القبائل تجربة مهمة للغاية، لمست أنهم لا يؤدون دوراً اجتماعياً فقط؛ بل يمتلكون أيضاً وعياً سياسياً واضحاً بالتحديات التي تواجه اليمن».

ويضيف أن النقاشات التي دارت خلال اللقاء كشفت عن رؤى وأفكار مهمة بشأن مستقبل البلاد، مؤكداً أن القبائل ستكون طرفاً أساسياً في أي عملية سياسية جادة تسعى إلى تحقيق السلام.

ويتابع: «أعتقد أن القبائل ستؤدي دوراً محورياً في أي مسار يقود إلى السلام في اليمن. خرجت من هذه الزيارة بقناعة راسخة بأنها تمثل ثروة وطنية حقيقية، وعنصراً مهماً يمكن البناء عليه لتعزيز الاستقرار».

وبين الرسائل السياسية والإنسانية، ظل الانطباع الشخصي الأكثر حضوراً لدى السفير الألماني مرتبطاً بأهالي مأرب أنفسهم، فعلى الرغم من سنوات الحرب والضغوط الاقتصادية وأعباء النزوح، يقول إنه وجد في كل مكان روحاً متفائلة ونظرة إيجابية إلى المستقبل.

ويضيف: «رأيت في كل مكان بمأرب ابتسامة رغم الظروف الصعبة التي يعيشها السكان. هذه الروح المتفائلة وحفاوة الاستقبال جعلتا من الزيارة تجربة مهمة جداً بالنسبة لي».

ويؤكد أنه سيحمل هذه الصورة معه إلى أولاده وعائلته، وإلى وزارته في برلين، وشركائه في الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية؛ لأن ما شاهده في مأرب -حسب تعبيره- يقدم درساً مهماً في القدرة على الصمود وتجاوز الأزمات.

في نهاية المقابلة، طلبت من السفير تلخيص مأرب في ثلاث كلمات فقط. لم يتردد كثيراً قبل أن يبتسم ويجيب: «الابتسامة... والقهوة... والترحيب».

ثلاث كلمات بدت كأنها تختصر مدينة تقف على تخوم الحرب، ولكنها لا تزال تصر على استقبال ضيوفها بابتسامة، وتقديم القهوة، والإيمان بأن مستقبل اليمن يمكن أن يكون أفضل.


مقالات ذات صلة

إدانة خليجية للإرهاب الحوثي ضد السعودية

الخليج جاسم البديوي أمين عام مجلس التعاون الخليجي (الشرق الأوسط)

إدانة خليجية للإرهاب الحوثي ضد السعودية

أعرب مجلس التعاون الخليجي، الاثنين، عن إدانته واستنكاره بأشد العبارات للهجوم الإرهابي الحوثي بالصواريخ الباليستية الذي استهدف المنطقة الجنوبية في السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم «تحالف دعم الشرعية في اليمن» (الشرق الأوسط)

«التحالف»: التعامل مع تهديد باليستي حوثي

أعلن «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، الاثنين، تعامل الدفاعات الجوية مع تهديد باليستي من ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الجيش اليمني قصف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط (رويترز)

إيران تصعّد ضد سيادة اليمن... وتدفع بالحوثيين لنسف التهدئة

تصعيد جديد بين الحكومة اليمنية والحوثيين بعد استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، مع رفع الجاهزية العسكرية وتحذيرات رئاسية من انتهاك السيادة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي صورة متداولة لطائرة إيرانية في مطار صنعاء (إكس)

تلويح عسكري يمني وتحرك دبلوماسي ضد إيران

صعّدت الحكومة اليمنية موقفها من الرحلات الإيرانية إلى صنعاء ملوحة بالتصدي لأي اختراق جوي بالتزامن مع تحرك دبلوماسي يقوده العليمي قبل جلسة مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون خلال تجمع لهم في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (إ.ب.أ)

تدهور صحة قيادي نقابي معتقل لدى الحوثيين

تتدهور صحة القيادي في نقابة الصحافيين اليمنيين وليد علي غالب المعتقل لدى الحوثيين، وسط حرمانه من العلاج، فيما لا يزال عشرة صحافيين رهن الاعتقال.

محمد ناصر (عدن)

سجّان إسرائيلي يطلق رصاصة على القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي

القيادي في حركة «فتح» مروان البرغوثي أمام محكمة في القدس (أ.ب - أرشيفية)
القيادي في حركة «فتح» مروان البرغوثي أمام محكمة في القدس (أ.ب - أرشيفية)
TT

سجّان إسرائيلي يطلق رصاصة على القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي

القيادي في حركة «فتح» مروان البرغوثي أمام محكمة في القدس (أ.ب - أرشيفية)
القيادي في حركة «فتح» مروان البرغوثي أمام محكمة في القدس (أ.ب - أرشيفية)

قالت زوجة القيادي البارز في حركة «فتح» مروان البرغوثي المعتقل في إسرائيل منذ عام 2002، إن أحد السجانين أطلق رصاصة مطاطية على ساقه الأسبوع الماضي. في حين نفت مصلحة السجون الإسرائيلية ذلك، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المحامية فدوى البرغوثي في منشور على صفحتها الرسمية في «فيسبوك»، الاثنين: «أطلق أحد السجانين رصاصة مطاطية على ساق مروان، ما تسبب له بنزيف وإصابة مؤلمة، في حلقة جديدة من الاعتداءات المتواصلة عليه».

ويحظى مروان البرغوثي (67 عاماً) بشعبية واسعة في استطلاعات الرأي الفلسطينية، تعززها مواصلة اعتقاله في السجون الإسرائيلية.

ويصفه أنصاره بأنه «مانديلا الفلسطيني»، وهو يقضي خمس عقوبات بالسجن المؤبد بتهم القتل ودوره في هجمات مختلفة ضد إسرائيليين خلال الانتفاضة الثانية في عام 2000.

وقال نجله عرب البرغوثي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، إن الحادثة وقعت «في وقت ما من الأسبوع الماضي» في سجن «غانوت» بصحراء النقب في جنوب إسرائيل، مشيراً إلى أن والده لم يتلق العلاج من الإصابة.

وأوضح أن العائلة علمت بالحادثة عبر محامي مروان، أفيغدور فيلدمان، وهو محام إسرائيلي بارز في مجال الحقوق المدنية.

وقال فيلدمان في رسالة أرسلها إلى مصلحة السجون الإسرائيلية واطلعت «وكالة الصحافة الفرنسية» على نسخة منها: «اشتكى موكلي من أنه أُصيب بطلقة في ساقه» عندما تحدثنا في زيارتي الأخيرة له.

وقالت مصلحة السجون الإسرائيلية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الادعاء حول إصابة البرغوثي «كاذب ولا أساس له من الصحة»، وإن طواقمها تعمل وفقاً للقانون وتحت رقابة قضائية مستمرة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال عرب البرغوثي إن والده تعرّض للضرب المبرح على أيدي حرّاس إسرائيليين أثناء نقله بين السجون في سبتمبر (أيلول)، ما أدى إلى كسر أربعة من أضلاعه وإصابته في الرأس.

وفي مقطع فيديو شاركه على وسائل التواصل الاجتماعي في أغسطس (آب) 2025، ظهر وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير وهو يهدد مروان البرغوثي الذي بدا هزيلاً في السجن.

ودعت جامعة الدول العربية في بيان أصدرته الأحد إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية في «الاعتداءات المتكررة» على البرغوثي، و«تقديم الجناة للمحاكمة الدولية».

وفي أكتوبر 2025، استبعدت إسرائيل الإفراج عن البرغوثي ضمن صفقة لتبادل رهائن محتجزين في غزة مقابل أسرى فلسطينيين. وأعيد انتخاب البرغوثي في مايو (أيار) الماضي عضواً في اللجنة المركزية لحركة «فتح»، محققاً أعلى عدد من الأصوات.


أسرار الشهور الأخيرة لمحمد الضيف: نام في شوارع رفح... وتحرك بلا حراسة

صورة تظهر قادة «حماس» يحيى السنوار وإسماعيل هنية ومحمد السنوار ومحمد الضيف (لقطة من فيديو نشرته «كتائب القسام»)
صورة تظهر قادة «حماس» يحيى السنوار وإسماعيل هنية ومحمد السنوار ومحمد الضيف (لقطة من فيديو نشرته «كتائب القسام»)
TT

أسرار الشهور الأخيرة لمحمد الضيف: نام في شوارع رفح... وتحرك بلا حراسة

صورة تظهر قادة «حماس» يحيى السنوار وإسماعيل هنية ومحمد السنوار ومحمد الضيف (لقطة من فيديو نشرته «كتائب القسام»)
صورة تظهر قادة «حماس» يحيى السنوار وإسماعيل هنية ومحمد السنوار ومحمد الضيف (لقطة من فيديو نشرته «كتائب القسام»)

في الثالث عشر من يوليو (تموز) 2024، وعلى مدار 3 دقائق تقريباً، لم تتوقف الطائرات الحربية الإسرائيلية عن إسقاط أطنان من المتفجرات على أرض مفتوحة بداخلها مبنى صغير، في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، الأمر الذي أوحى منذ لحظته الأولى إلى أن الهدف كان مهماً.

ساعات فقط حتى أكدت إسرائيل أن الهدف كان القائد العام لـ «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، محمد الضيف، في وقت كانت تنفي فيه «حماس» بشدة، على أساس أن المكان المستهدف كان ملجأً للنازحين من مناطق متفرقة بقطاع غزة.

دمار بموقع استهدفته إسرائيل في المواصي قرب خان يونس 13 يوليو 2024 في إطار عملية لاغتيال قائدي «القسّام» محمد الضيف ورافع سلامة (أ.ف.ب)

لكن بعد 6 أشهر تقريباً، اعترفت «القسام» في الثلاثين من يناير (كانون الثاني) 2025، باغتيال الضيف إلى جانب قائد لواء خان يونس، رافع سلامة، وقيادات أخرى من بينهم مروان عيسى، نائب الضيف.

«اعتقدوا أنه في مدينة غزة»

تقول 3 مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن النفي الأولي لاغتيال الضيف كان نابعاً من معلومات مسبقة لدى الكثير من قيادات الحركة كانت تعتقد أنه موجود في مدينة غزة، وليس في جنوب القطاع، بينما كانت بعض التأكيدات لدى قيادات معينة أنه كان موجوداً في جنوب القطاع دون معرفة مكانه تحديداً.

ويبدو أن بعض قيادات «حماس» التي خرجت للنفي إعلامياً، كانت تتوقع أنه ربما في أحد الأنفاق، بينما قال أحد المصادر إن «الضيف لم يلجأ إلى الأنفاق منذ بداية الحرب، وربما اضطر مرة واحدة لذلك في إحدى الحالات».

والمكان الذي اغتيل فيه الضيف، كان يعود أصلاً لرافع سلامة، قائد لواء خان يونس والذي اغتيل برفقته، إلى جانب العديد من أبناء سلامة، ورجال أمن يتبعون لـ«القسام».

صورة نشرتها «كتائب القسام» لمحمد الضيف مع نعيه (تلغرام)

غير أن الشهور الأخيرة للضيف قبل اغتياله، وما سبقها من كيفية تنقله في غزة ظلت موضوعات يلفها الغموض، وفي مناسبة مرور عامين على اغتيال الرجل سألت «الشرق الأوسط» مصادر من «حماس» عن معلوماتها بشأن كيفية تحديد إسرائيل لهويته والوصول إليه واغتياله.

وأكد مصدران من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أن قائد «كتائب القسام» كان فعلياً في مدينة غزة مع بدء وانطلاق هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وبقي في المدينة الواقعة شمال القطاع، حتى قبل أيام من سيطرة إسرائيل الكاملة على محور نتساريم خصوصاً شارع الرشيد الساحلي منه الذي بقي مفتوحاً أكثر من أسبوعين عن المدة التي احتلت فيها شقه الشرقي «شارع صلاح الدين».

«حركة بلا حراسة... وتواصل منقطع»

وأكد المصدران المقيمان في غزة واللذان اطلعا على معلومات قدمها مقربون من الضيف أنه غادر مدينة غزة وحده من دون حراسته الخاصة، وتوجه إلى رفح جنوباً في بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

وقال مصدر آخر مطّلع من «حماس»، إن بعض قيادات «كتائب القسام» ومنهم عز الدين الحداد الذي تولى لاحقاً قيادة «القسام» قبل أن تغتاله إسرائيل في مايو (أيار) الماضي «نصحوا الضيف قبل مغادرته مدينة غزة أن يبقى فيها مؤكدين قدرتهم على توفير الحماية الأمنية له، رغم الظروف والملاحقة الأمنية الواسعة له». وأضاف المصدر أن الضيف «فضّل متابعة العمل الميداني وإدارة المعارك، ومتابعة أي تطورات سياسية قد تتعلق بملف المفاوضات التي لم تكن بدأت حينها».

من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي)

ويكشف المصدر نفسه أن «انقطاع التواصل بالطريقة المتبعة أدى لفقدان الاتصال مع الضيف أكثر من 4 أيام، بعدما لم يجد الوسيط الذي كان من المفترض أن ينتظره لنقله إلى أحد الأماكن؛ ما اضطره للتوجه إلى عمق الجنوب باتجاه رفح».

وعلى مدار الأيام الأربعة تقريباً «لم يستطع الضيف الوصول إلى أي خيط يوصله إلى أحد مواقع (القسام) الآمنة، وبسبب غياب صورته الحديثة عن المخابرات الإسرائيلية، وعدم رواج صورته بين الفلسطينيين، تمكن الضيف من النوم في مناطق بشوارع مدينة رفح، ولمرة واحدة في أحد مساجدها دون أن يشعر به أحد»، وفق قول المصدر.

وكانت مدينة رفح في الشهور الأخيرة من عام 2023، موقعاً لنزوح أكثر من مليون و300 ألف نازح فلسطيني، في أكبر حالة اكتظاظ خلال الحرب.

فلسطينيون ينتظرون العبور إلى مصر عند معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر 1 نوفمبر 2023 (إ.ب.أ)

واستكمل مصدر آخر من «حماس» طريقة عودة التواصل مع الضيف بالقول: «تعرف أحد النشطاء الميدانيين في (القسام) على الضيف بشكل مفاجئ، ونقله لمكان آمن، قبل أن ينقله إلى خان يونس، ومن هناك نُقل عبر وسيط آخر إلى المكان الذي كان يوجد فيه رافع سلامة، قبل أن ينتقلا معاً إلى أكثر من مكان، قبل استقرارهما في المكان الذي اغتيلا فيه».

صورة مجهولة عن قائد «القسام»

ويقول المصدر إنه رغم أن «الضيف على مدار السنوات الأخيرة كان أكثر ظهوراً بين قيادات «القسام» وكذلك عبر زياراته للمواقع العسكرية وغيرها، فإن المخابرات الإسرائيلية لم تتمكن من معرفة أي معلومات أو تشكل صورة حقيقية عنه، وكانت كل ما تعرفه أنه مصاب ومبتور على الأقل في قدمه، أو يعاني من إصابة شديدة في إحداها أو في يده».

ويوضح المصدر أنه «لفترات عندما أصيب الضيف، بجروح خطيرة في حدثين، كانت هناك محاولات لإخراجه خارج قطاع غزة لتلقي العلاج بهوية مزورة؛ إلا أن تلك الجهود لم تنجح، كما أنه كان يصر على البقاء في غزة». لكن مصدراً آخر قال: «يبدو أنه في ظرف معين، خرج الضيف للعلاج لفترة قصيرة، ثم عاد إلى غزة»، وهو أمر لم يؤكده المصدر الآخر أو مصادر أخرى.

وبحسب 3 مصادر من «حماس»، فإن إسرائيل لم تستطع معرفة مصير الضيف الصحي، ولا حتى معرفة صورته بشكل دقيق إلا بعد عثورها على «مقاطع مصورة وصور من مناسبات لقيادات في (القسام)، كان يشارك فيها قائد الكتائب، وعثر عليها داخل مواقع في عمق القطاع بعد توغل القوات الإسرائيلية».

أوضحت المصادر أن تلك الوثائق نُقلت إلى المخابرات الإسرائيلية التي حللتها، وجندت مئات المتخابرين معها لمحاولة الوصول إليه وتوزيع صورته عليهم، إلى جانب تحليلها عبر الذكاء الاصطناعي، وتغذية أدوات استخباراتية مثل الطائرات المسيرة بمعلومات منها صوته في آخر المشاهد له قبل الحرب بوقت قصير في أثناء التجهيز لهجوم السابع من أكتوبر، وهو «الأمر الذي تسبب في الوصول إليه واغتياله» بحسب تقديرات تلك المصادر.


الهجري يجدد المطالبة بـ«انفصال» السويداء أو الانضمام لدولة أخرى

الشيخ حكمت الهجري يتوسط أتباعه من عناصر «الحرس الوطني» (السويداء 24)
الشيخ حكمت الهجري يتوسط أتباعه من عناصر «الحرس الوطني» (السويداء 24)
TT

الهجري يجدد المطالبة بـ«انفصال» السويداء أو الانضمام لدولة أخرى

الشيخ حكمت الهجري يتوسط أتباعه من عناصر «الحرس الوطني» (السويداء 24)
الشيخ حكمت الهجري يتوسط أتباعه من عناصر «الحرس الوطني» (السويداء 24)

أطلق الرئيس الروحي للطائفة الدرزية الشيخ حكمت الهجري، الاثنين، تصريحات بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء، تحدث فيها عن مستقبل المحافظة، وأكد المضي في مشروع «الاستقلال»، موضحاً أن المحافظة «قد تكون مستقبلاً تحت رعاية دولة أخرى أو تنضم إلى دولة أخرى».

مصدر محلي مناهض لسياسات الهجري يقيم في مدينة السويداء، عبَّر عن رفضه تصريحات الهجري؛ لأن أهالي السويداء «ليس لهم إلا دولتهم رغم كل الظروف الحالية الصعبة التي يعيشونها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «المعروف أن إسرائيل والأردن ليس لديهما هذا التوجه؛ فإسرائيل أعلنت صراحة على لسان أكثر من مسؤول «أنها لا تدعم موضوع انفصال السويداء»، مضيفاً أن المزاج العام وأغلبية الأهالي «لن يتخلوا عن سوريتهم».

وتشهد مناطق سيطرة الهجري في السويداء منذ عدة أيام تجمعات لإحياء الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء التي جرت منتصف يوليو (تموز) الماضي، وأسفرت عن مقتل المئات من السكان البدو ومسلحي الفصائل الدرزية المحلية والمدنيين وعناصر من الجيش والأمن.

وأوضح المصدر المحلي أن المشاركة في هذه التجمعات هي من «عموم الأهالي؛ لأن الأغلبية لديهم ضحايا ومصابون، وآخرون مهجرون، والوجع ألمَّ بالجميع، بينما مشاركة اتباع الهجري ضعيفة». وبيّن أن استعادة الأهالي للذكرى هو استنكار لفظاعة المصيبة وليس لها أي بُعد سياسي، كالمطالبة بالانفصال.

وكان الهجري قد التقى، الأحد، وفداً من غرفة عمليات مدينة شهبا التابعة لما يعرف بـ«الحرس الوطني» في بلدة قنوات، تزامناً مع الذكرى السنوية لأحداث يوليو 2025.

ووفق تسجيل مصور نشرته منصات عديدة، أكد الهجري أن «الهدف هو الاستقلال (لدولة باشان)»، وأن ذلك قد يكون عبر إقامة دولة مستقلة، أو إقليم تحت رعاية دولة أخرى، أو الاندماج مع دولة أخرى، «وفق ما تقتضيه مصلحة أبناء المنطقة»، على حد تعبيره.

عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)

ووجّه الهجري أيضاً الشكر لإسرائيل، معتبراً أنها وقفت إلى جانب السويداء، لافتاً إلى قربها الجغرافي في سياق ثنائه لمواقفها خلال الفترات الماضية.

من جهتها، نشرت محافظة السويداء بياناً عن مرور سنة على أحداث السويداء ببيان بدأته بالقول: «تمر ذكرى أحداث تموز، حاملةً في الذاكرة وجعاً ترك أثره في نفوس أبناء محافظة السويداء، وفي وجدان السوريين عامة، بعد أن حصدت تلك الأحداث أرواحاً بريئة، وخلفت خسائر وآلاماً لا تزال حاضرة في وجدان المجتمع.

من جانبها، ذكرت ميساء العبد الله المقيمة في مدينة السويداء، أن المحافظة منذ بداية يوليو الحالي، تعيش «حالة حزن وألم على ضحايا فقدناهم».

وقالت العبد الله لـ«الشرق الأوسط»، إنه رغم مرور عام على الأحداث «لكن الأهالي لا تزال مهجرة من قراها، وهناك 135 شخصاً مغيبون مصيرهم غير معروف، وهناك موقوفون في سجن عدرا بريف دمشق رغم أنهم مدنيون»، موجهة الاتهام للسلطة والمحافظة بعدم الاكتراث، وفي هذا السياق، نوهت باستمرار أزمة طلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية، إذ لم يتمكن من التقدم للامتحانات من أصل 14 ألف طالب، سوى نسبة قليلة جداً.

جولة تفقدية لقائد الأمن الداخلي في السويداء العميد حسام الطحان قرب نقاط شهدت محاولات اعتداء على مواقع الأمن الداخلي 5 يوليو (حساب فيسبوك)

أضافت المتحدثة أنه «حتى هذه اللحظة يتمسك أغلبية الأهالي بانتمائهم الوطني السوري والعربي، لكن السلطة «تدفع الأهالي باتجاه رفض فكرة الانتماء السوري»، بحسب قولها.

صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)

من جهة ثانية، قال مدير أمن مدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، في حسابه على «فيسبوك»، إن التحقيقات الأولية في انفجار مركبة على طريق دمشق – السويداء، الأحد، أظهرت أن الانفجار وقع من داخل السيارة، نافياً وجود مؤشرات على تعرضها لإطلاق نار أو استهداف من الخارج.

وأوضح عبد الباقي أن فرق المباحث الجنائية لم ترصد آثار إطلاق نار أو أضراراً ناجمة عن استهداف خارجي للمركبة، مبيناً أن نتائج التحقيق الأولية تشير إلى أن مأمون طلال كحل، المنتمي إلى ما يُعرف بـ«ميليشيا الحرس الوطني»، كان يحاول زرع عبوة ناسفة على طريق دمشق - السويداء قبل أن تنفجر داخل مركبته.

أضاف أن شهوداً كانوا يعملون في الأراضي الزراعية المجاورة أفادوا بأن السيارة شوهدت وهي تتحرك ذهاباً وإياباً في المنطقة الواقعة بين بلدتي الصورة الكبيرة وبراق، قبل وقوع الانفجار.

ونفى عبد الباقي الروايات التي تحدثت عن تعرض السيارة لإطلاق نار على الطريق، مؤكداً أن التحقيقات الأولية لم تُظهر ما يدعم تلك الادعاءات، لافتاً إلى أن طريق دمشق - السويداء لم يشهد في اليوم نفسه أي اعتداءات، وأن المسافرين الداخلين إلى المحافظة والخارجين منها تجاوز عددهم 2230 شخصاً من أبناء السويداء.

وشدّد مدير أمن السويداء على أن نتائج التحقيق الأولية، في حال تأكيدها، تكشف عن خطورة هذه العمليات، مشدداً على ضرورة التعامل «بحزم» مع أي محاولات تستهدف زعزعة أمن المحافظة أو تعريض حياة المدنيين للخطر.