السعودية وتركيا تحصّنان سلاسل الإمداد بممر بري يطوّق حصار المضائق

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: الشريان الجديد يقلص زمن الشحن في مواجهة قفزة تكاليف التأمين البحري بـ300 %

وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
TT

السعودية وتركيا تحصّنان سلاسل الإمداد بممر بري يطوّق حصار المضائق

وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)

في وقت يفرض فيه الانسداد شبه الكامل لمضيق هرمز، وتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، واقعاً جيوسياسياً معقداً على سلاسل الإمداد العالمية منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، ينبثق من قلب هذا الحصار البحري ممر بري استراتيجي واعد يعيد رسم خريطة النقل والتجارة الدولية. فبين الرياض وأنقرة، يمتد اليوم حراك لوجستي مكثف يتجاوز حدود التفاهمات الثنائية التقليدية ليقود صياغة بديل بري آمن ومستدام لتدفقات الطاقة والسلع وغذاء المنطقة نحو الأسواق العالمية.

وجاء التوقيع الرسمي يوم الثلاثاء بين وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح الجاسر، ونظيره التركي، عبد القادر أورال أوغلو، على مذكرات التفاهم الشاملة للسكك الحديدية والعمليات والتكنولوجيا اللوجستية، ليضع حجر الأساس التنفيذي لهذا التحول؛ حيث يتجاوز الاتفاق مجرد تسهيل حركة البضائع الآنية، إلى بناء منظومة ربط عابرة للحدود تمثل خط دفاع تشغيلياً ضد الأزمات البحرية الجارية. وفق الوزير التركي، فإن مشروع الربط السككي يستند إلى بنية تحتية قائمة بالفعل في كل من السعودية وتركيا، مبيناً أن الجانب السعودي أنجز الجزء الخاص به حتى الحدود الأردنية، فيما تمتد شبكة السكك الحديدية التركية إلى الأراضي السورية. وأشار إلى احتمالية انضمام العراق إلى المشروع لاحقاً.

كيف تترابط الشبكة؟

من الناحية الفنية والتشغيلية، يتشكل هذا الممر اللوجستي العملاق عبر شبكة سككية متصلة ومدروسة جغرافياً؛ حيث ينطلق الخط من إسطنبول ليربط الشبكة التركية المتطورة بالعمق العربي، عابراً الحدود الجنوبية لتركيا نحو سوريا عبر النقطة الرئيسية في حلب، ثم ينساب جنوباً ليصل إلى دمشق بوصفها قطب ارتكاز أوسط للمشروع. ومن العاصمة السورية، يمتد المسار مباشرة ليعبر الحدود نحو الأردن مروراً بعمّان، وصولاً إلى الحدود السعودية عند منفذ «الحديثة»، وهو النقطة الاستراتيجية التي تلتقي فيها الشبكات السورية والتركية بالبنية التحتية المتطورة لـ«شبكة الخطوط الحديدية السعودية (سار)».

وداخل الأراضي السعودية، يكتسب المسار أبعاداً تنموية بالغة الجدوى؛ إذ يمر بخطوطه الرئيسية والفرعية بمشروعات كبرى، مثل ميناء نيوم بوصفه ممراً لوجستياً مستقبلياً لربط موانئ البحر الأحمر، ويتجه مباشرة ليربط الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، قبل أن يتكامل هيكلياً مع مشروع «شبكة القطار الخليجية الموحدة». هذا الامتداد الخليجي يفتح المجال أمام مستهدفات الخط بعيدة المدى للوصول إلى سلطنة عُمان وبحر العرب؛ مما يمنحه صفة «الممر البري الشامل» العابر للقارات الذي يطوق كل نقاط الاختناق المائي التقليدية.

تحويل المملكة محورَ عبور واختصار زمن الشحن

وفي تحليل لأبعاد هذا المشروع، يرى الخبير اللوجستي نشمي الحربي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن مذكرات التفاهم الموقعة «تترجم بشكل عملي رؤية إنشاء ممر بري يربط الخليج بأوروبا مباشرة عبر الأردن وسوريا وتركيا». وأوضح الحربي أن التكامل بين امتلاك المملكة منفذين بحريين على البحر الأحمر والخليج العربي، وأن تركيا البوابة البرية الطبيعية لأوروبا، «يحوّل السعودية من نقطة نهاية لوجستية إلى محور عبور استراتيجي حقيقي يربط 3 قارات».

وأضاف الحربي أن «القيمة المضافة لمرونة سلاسل الإمداد تكمن في الاستفادة من دروس اضطرابات البحر الأحمر، التي أثبتت أن التنوع في الممرات بات ضرورة ملحة لا ترفاً اقتصادياً، حيث ينشئ المشروع مسارات برية بديلة تعزز مرونة النقل بين آسيا وأوروبا، وتكون بمنأى تام عن التأثر بإغلاق المضائق المائية أو تقلبات تكاليف التأمين البحري»، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات المطلوبة لهذا الخط تُقدَّر بنحو 5.5 مليار دولار.

وأكد الخبير اللوجستي أن هذا التوجه «ينسجم تماماً مع الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، الرامية إلى ترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً عالمياً، ويغذي محورَي الربط الإقليمي وتوطين صناعة السكك الحديدية، مستنداً إلى أرضية صلبة، لا سيما أن المملكة حققت مسبقاً المركز الـ5 عالمياً في سرعة مناولة الحاويات». ولفت الحربي إلى أن «الأثر العملي للمشروع، الذي يتضمن تبادل أفضل الممارسات في الشحن وخدمات المِيل الأخير وتطوير المراكز اللوجستية المشتركة، سيثمر تخفيض زمن عبور الشحنات بين الخليج وأوروبا من أكثر من 30 يوماً عبر المسارات البحرية التقليدية، إلى أقل من أسبوعين براً فور اكتمال المشروع».

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)

بدائل تشغيلية بمواجهة قفزة تكاليف الشحن

من جانبه، أكد الخبير اللوجستي حسن آل هليل، لـ«الشرق الأوسط»، أن مذكرات التفاهم بين المملكة وتركيا تمثل «خطوة استراتيجية تعزز دور المملكة بوصفها مركزاً رئيسياً لإعادة التصدير وتوزيع البضائع». ولفت آل هليل إلى أن هذا التحرك يأتي في توقيت دقيق تواجه فيه التجارة العالمية تحديات متصاعدة؛ «حيث تسببت الاضطرابات الجيوسياسية في الممرات البحرية الحيوية خلال الأشهر الماضية في قفزات قياسية لتكاليف الشحن والتأمين البحري، تجاوزت حاجز 300 في المائة، مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة؛ نتيجة اضطرار السفن إلى ارتياد مسارات التفافية أطول وأعلى مخاطرة».

وأوضح آل هليل أن الممر اللوجستي السعودي - التركي يمنح الموردين والمصدرين «خيارات نقل متعددة الوسائط، تجمع بين الشحن البحري عبر الموانئ السعودية، والنقل البري والسككي الممتد عبر تركيا نحو عمق الأسواق الأوروبية وآسيا الوسطى. هذا التنوع التشغيلي يسهم مباشرة في خفض التكاليف المرتبطة بالتخزين وإعادة المناولة، ويحد من الاعتماد على مسار بحري أحادي؛ مما يضمن استقرار تدفقات السلع والمنتجات بكفاءة تنافسية عالية تعظّم الاستفادة من الاستثمارات الضخمة التي ضختها المملكة في بنيتها التحتية المينائية»، وفق ما قاله.

فوارق جوهرية

وبشأن مقارنة هذا الشريان بمشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط (آي إم إي سي - IMEC)»، حدد الحربي 3 فوارق جوهرية حسمت الأفضلية للمسار السعودي -التركي؛ «أولها المسار الجغرافي الذي يمر عبر سوريا والأردن وصولاً إلى تركيا، بدلاً من مرور (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط) عبر إسرائيل. وثانيها طبيعة الوضع التنفيذي؛ حيث يرتكز المشروع الحالي على مذكرات موقعة بخريطة طريق فنية واضحة، مقابل مشروع (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط) المعلق منذ عام 2023. أما الفارق الثالث، فيكمن في الأبعاد الجيوسياسية؛ إذ إن تركيا، التي انتقدت سابقاً تجاوز الممر أراضيها، تعود عبر هذا المسار الجديد بقوة إلى قلب خريطة الربط الأوروآسيوي الاستراتيجي».

وفي هذا السياق، يضيف حسن آل هليل فارقاً تشغيلياً حاسماً، موضحاً أن مشروع «آي إم إي سي (IMEC)» يُصنف «مشروعاً استراتيجياً طويل الأجل يتطلب استثمارات هيكلية ضخمة»، في حين يرتكز التعاون السعودي - التركي الحالي على «تعظيم الاستفادة من البنى التحتية القائمة بالفعل» والربط التشغيلي الفوري بين شبكتين لوجستيتين متطورتين؛ مما يجعله قادراً على تحقيق نتائج تشغيلية ملموسة على الأرض في المدى المنظور وبوتيرة أسرع بكثير لتلبية احتياجات السوق الراهنة».

من جهته، قال جوزيف سالم، الشريك ومسؤول ممارسات قطاع السفر والنقل والضيافة في آرثر دي ليتل" الشرق الأوسط: «يشكل إحياء سكة حديد الحجاز واحداً من أبرز مشاريع البنية التحتية في التاريخ الحديث للمنطقة. كما أن مذكرتي التفاهم الموقعتين في الرياض بين السعودية وتركيا - إحداهما للخدمات اللوجستية والأخرى لتكنولوجيا السكك الحديدية - تقربان المشروع خطوة إضافية نحو التنفيذ».

وأوضح أن وجود خط عامل من شأنه أن يوفر للخليج ممراً تجارياً برياً مباشراً إلى أوروبا، بما يحد من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، في وقت أصبحت فيه مرونة سلاسل التوريد أولوية استراتيجية متزايدة.

وقال إن «التحدي الأهم يظل في التنفيذ، سواء على مستوى التمويل، أو استقرار مسارات العبور، أو تحويل دراسات الجدوى المنتظر استكمالها بحلول نهاية العام إلى استثمارات فعلية... وتنبع أهمية هاتين المذكرتين من كونهما تتناولان الركائز الأساسية لأي مشروع سكك حديدية عابر للحدود، بما يشمل توحيد المواصفات التقنية، ومعايير الإشارات، والمواءمة التنظيمية». أضاف: «إذا ما توافرت هذه المقومات، فقد تستعيد سكة حديد الحجاز مكانتها خلال العقد المقبل بوصفها أحد أهم الممرات البرية الاستراتيجية التي تربط بين أوروبا والخليج».

إحياء «إرث قرن»

هذا الشريان البري الصاعد ليس وليد اليوم، بل هو إعادةُ إحياءٍ طَموحٌ وبعقلية استثمارية حديثة لإرث تاريخي يعود لأكثر من قرن من الزمان؛ إذ يمثل امتداداً لـ«خط سكة حديد الحجاز» الذي بدأ تشغيله الفعلي عام 1908 ليربط إسطنبول بالمدينة المنورة ومكة المكرمة عبر سوريا والأردن. في تلك الحقبة، كانت دمشق تمثل نقطة ارتكاز رئيسية تتفرع منها الخطوط شمالاً وجنوباً، إلى جانب امتدادات فرعية حيوية كانت تصل إلى لبنان - لا سيما العاصمة بيروت، وميناء حيفا الفلسطيني تاريخياً - مما جعله شبكة إقليمية متكاملة تضمن ترابط المنطقة، قبل أن يتفكك الخط إبان الحرب العالمية الأولى.

قطار «سار» للشحن (واس)

من «نيوم» إلى الحدود

تأتي هذه الاتفاقيات بعد استكمال أطراف خط الربط خطوات تشغيلية متقدمة؛ حيث أعلنت أنقرة تفعيل مذكرة تفاهم ثلاثية مع سوريا والأردن لتحديث الشبكات وربط خط السكك الحديدية بين تركيا وحلب، ومن ثم دمج خط «حلب - دمشق - الأردن». وفي المقابل، أشار وزير النقل السعودي، صالح الجاسر، إلى أن الشبكة الحديدية السعودية تمتد حالياً بالفعل حتى الحدود الأردنية عبر منفذ «الحديثة»؛ مما يمنح المشروع مرونة فائقة للتنفيذ، لافتاً إلى أن الدراسات الفنية المشتركة ستُكتمل بحلول نهاية العام الحالي لتعزيز نظام نقل بري مستدام.

ووفقاً للمعلومات الفنية، فإن مسار الخط الجديد سيمر بميناء «نيوم» ليربط المشروعات العملاقة للمملكة بقلب أوروبا عبر تركيا.

تمويلات دولية وضغوط تشغيلية

وفي سياق متصل يعزز من جاهزية هذا الشريان، أعلن «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (إيه دي بي - ADB)» موافقته الرسمية على تقديم قرض بقيمة 645.83 مليون يورو (ما يعادل نحو 750 مليون دولار) حزمةً أولى للإسهام في تمويل إنشاء خط سكة حديد أخضر جديد بطول 127 كيلومتراً في تركيا. ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يحمل اسم «مشروع عبور سكة حديد شمال إسطنبول»، إلى تجاوز المنطقة الحضرية المزدحمة في إسطنبول، وتوفير وصلة برية عالية السعة للشحن والركاب عبر مضيق إسطنبول؛ مما يسهم مباشرة في فك اختناقات سلاسل الإمداد الدولية، وربط أكبر مطارين في تركيا بشبكة القطارات.

وتُقدر التكلفة الإجمالية الاستراتيجية للمشروع التركي بنحو 8.27 مليار دولار، بمشاركة «البنك الدولي» ومؤسسات تمويل دولية أخرى لرفع حصة النقل السككي الأوروآسيوي.

في المحصلة، فإن هذا التحرك السككي المشترك يؤسس لثورة غير مسبوقة في مفاهيم الشحن الإقليمي، من خلال إزاحة المعوقات الزمنية والجغرافية التي فرضتها اضطرابات البحار؛ إذ إن اختصار زمن وصول البضائع لأقل من أسبوعين يعيد توجيه البوصلة الاستثمارية نحو هذا الشريان البري الصاعد على حساب المسارات التقليدية والبدائل المعلقة.


مقالات ذات صلة

حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

الاقتصاد أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)

حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

حذَّر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الحرب، وتجدد الاضطرابات في إنتاج الطاقة ومسارات الشحن والبنية التحتية الحيوية يمثلان أكبر المخاطر على اقتصادات المنطقة.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)

التضخم السعودي يحافظ على تماسكه رغم اضطرابات الملاحة

استقر معدل التضخم السنوي في السعودية عند 1.9 في المائة خلال سبتمبر (أيلول)، بينما لم تسجل أسعار المستهلك تغيراً على أساس شهري.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

الجدعان: استثمارات السعودية في المسارات البديلة تضمن استمرار إمدادات الطاقة والتجارة

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن استثمارات المملكة في المسارات البديلة أسهمت في ضمان استمرار إمدادات الطاقة وتدفق التجارة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد موظفون يعملون على أجهزة حواسيب (الهيئة الوطنية للأمن السيبراني)

سوق الأمن السيبراني في السعودية تتجاوز 4.3 مليار دولار خلال 2025

كشف تقرير حديث عن بلوغ حجم سوق الأمن السيبراني في المملكة نحو 16.3 مليار ريال (4.3 مليار دولار) خلال العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)

مؤشر السوق السعودية يغلق على تراجع بـ1.74 %

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) جلسة الأربعاء، منخفضاً بنسبة 1.74 في المائة، ليغلق عند مستوى 10138 نقطة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

بنك اليابان يمهد لمزيد من رفع الفائدة

مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يمهد لمزيد من رفع الفائدة

مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

تزداد المؤشرات على احتمال استمرار بنك اليابان في تشديد سياسته النقدية خلال الأشهر المقبلة، بعدما حذرت عضو مجلس إدارته جونكو كويدا، الخميس، من المبالغة في الحذر بشأن رفع أسعار الفائدة، في ظل استمرار المخاطر الصعودية للتضخم وضعف الين وارتفاع تكاليف المواد الخام.

تأتي تصريحات كويدا قبل اجتماع البنك المركزي المقرر يومي 29 و30 أكتوبر (تشرين الأول)، الذي سيُصدر خلاله توقعات محدَّثة للنمو والتضخم، وسط ترقب المستثمرين إشارات بشأن توقيت الزيادة المقبلة في أسعار الفائدة، بعد رفعها الشهر الماضي إلى أعلى مستوى منذ 31 عاماً.

وأكدت كويدا أن الأوضاع الاقتصادية والمالية في اليابان لا تزال تسمح بمزيد من التشديد النقدي، مشيرةً إلى أن سعر الفائدة المحايد، الذي لا يحفز النشاط الاقتصادي ولا يقيده، يقع في تقديرها عند مستوى أعلى بكثير من 1 في المائة.

ويبلغ سعر الفائدة الرئيسي لبنك اليابان حالياً 1.25 في المائة، مما يشير إلى وجود مجال لزيادات إضافية، إذا استمرت الضغوط التضخمية ولم تظهر مؤشرات واضحة على تراجع النشاط الاقتصادي.

وقالت كويدا، خلال كلمة أمام قادة أعمال في مدينة كوماموتو بجنوب اليابان، إن البنك المركزي ينبغي أن يعدل أسعار الفائدة في الوقت المناسب، مع مراعاة تطورات الاقتصاد والأسعار والتقديرات المتعلقة بالمستوى المحايد للفائدة.

وأضافت أن استمرار الظروف المالية الميسرة، إلى جانب المخاطر الكبيرة لارتفاع الأسعار، يعني أن البنك يجب ألا يتردد بصورة مفرطة في اتخاذ قرارات التشديد النقدي.

وتعكس هذه التصريحات تحولاً تدريجياً في أولويات السياسة النقدية اليابانية، بعدما ركز البنك المركزي لسنوات طويلة على مواجهة ضعف التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي من خلال أسعار فائدة شديدة الانخفاض.

أما المرحلة الحالية، فتتميز بازدياد القلق من استمرار ارتفاع الأسعار فوق المستوى المستهدف، مما يدفع صناع السياسة إلى البحث عن توازن جديد بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.

وأشارت كويدا إلى أن الطلب العالمي القوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وضعف الين، عوامل تسهم في زيادة تكاليف المواد الخام والسلع المستوردة، ومن ثم انتقال الضغوط إلى الأسعار المحلية.

ويؤدي تراجع العملة اليابانية إلى ارتفاع تكلفة الواردات المقومة بالدولار، خصوصاً الطاقة والمواد الأولية، وهو ما ينعكس على نفقات الشركات وأسعار المنتجات النهائية.

كما أن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة العالمية قد يزيد الضغوط على الاقتصاد الياباني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود والموارد الطبيعية.

ورغم هذه التحديات، أكدت كويدا أن الاقتصاد الياباني أظهر قدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية الأخيرة، بما فيها ارتفاع الرسوم الجمركية الأميركية وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت إن استمرار ارتفاع أسعار مجموعة واسعة من السلع الاستهلاكية يشير إلى أن التضخم الأساسي بات يترسخ تدريجياً بالقرب من المستوى المستهدف للبنك المركزي، البالغ 2 في المائة.

ويكتسب هذا التقييم أهمية خاصة، لأنه يعكس انتقال التضخم من ظاهرة مرتبطة ببعض السلع المستوردة إلى ضغوط أكثر انتشاراً في الاقتصاد المحلي.

وفي مثل هذه الظروف، قد يصبح تأخير رفع الفائدة عاملاً يزيد صعوبة السيطرة على التضخم لاحقاً، إذا استمرت الشركات في تمرير ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى المستهلكين.

وأكدت كويدا أن الأوضاع المالية في اليابان لا تزال ميسرة رغم الزيادات السابقة في أسعار الفائدة، مع عدم ظهور مؤشرات قوية على أن ارتفاع تكاليف الاقتراض ألحق ضرراً ملموساً بإنفاق الأسر أو أنشطة الشركات.

ويعزز هذا التقييم وجهة النظر الداعية إلى مواصلة تطبيع السياسة النقدية تدريجياً، بدلاً من الإبقاء على مستويات فائدة منخفضة لفترة طويلة.

وكان بنك اليابان قد رفع سعر الفائدة الرئيسي في سبتمبر (أيلول) إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، مع الإشارة إلى اهتمام متزايد بمنع التضخم الأساسي من تجاوز المستوى المستهدف بصورة مستدامة.

وأدى القرار إلى تعزيز توقعات الأسواق بإمكانية اتخاذ خطوات إضافية قبل نهاية العام.

ونقلت «رويترز» عن مصادر أن البنك قد يفضل تثبيت الفائدة خلال اجتماع أكتوبر، مع إصدار إشارات تميل إلى التشديد النقدي، بما يدعم توقعات رفعها في ديسمبر (كانون الأول).

لكن القرار النهائي سيعتمد على البيانات الاقتصادية الجديدة، لا سيما اتجاه التضخم والأجور والإنفاق الاستهلاكي، فضلاً عن تأثير التطورات الخارجية في النشاط الاقتصادي.

وأعادت تصريحات كويدا الاهتمام بمفهوم سعر الفائدة المحايد، الذي يمثل مرجعاً مهماً لتحديد مدى اقتراب السياسة النقدية من المستوى الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يضغط عليه.

وتشير تقديرات أعدها موظفو بنك اليابان إلى أن سعر الفائدة المحايد الاسمي يقع ضمن نطاق يتراوح بين 1.1 و2.5 في المائة.

غير أن البنك حذر من التعامل مع هذه التقديرات بوصفها مستويات دقيقة أو نهائية، نظراً إلى أن سعر الفائدة المحايد لا يمكن رصده مباشرة، ويتأثر بالافتراضات والبيانات المستخدمة في حسابه.

وبالنسبة إلى الأسواق المالية، فإن استمرار رفع الفائدة قد يدعم الين من خلال تقليص فجوة العوائد بين اليابان والاقتصادات الكبرى، لكنه قد يزيد في المقابل تكاليف التمويل على الشركات والأسر.

كما قد يضغط ارتفاع الفائدة على أسعار السندات الحكومية القائمة، في حين يمنح المستثمرين عوائد أعلى على الإصدارات الجديدة.

وتبرز أهمية هذا التحول بالنسبة إلى شركات التأمين والمؤسسات المالية اليابانية، التي بدأت تعيد تقييم جاذبية السندات المحلية بعد سنوات من توجيه استثمارات ضخمة إلى الخارج بحثاً عن عوائد أفضل.

وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة تحدياً مالياً يتمثل في ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام إذا استمرت العوائد في الصعود، خصوصاً مع خطط الإنفاق وخفض الضرائب التي تتبناها حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي.

وتكشف هذه التطورات عن معادلة معقدة أمام بنك اليابان؛ إذ يتعين عليه احتواء التضخم ودعم استقرار العملة، دون التسبب في تشديد مالي مفرط يضعف الاستهلاك والاستثمار.

وفي المحصلة، تعزز تصريحات كويدا التوقعات بأن دورة رفع الفائدة اليابانية لم تصل إلى نهايتها، حتى إذا قرر البنك المركزي التريث خلال اجتماعه المقبل.

وستكون توقعات النمو والتضخم التي سيصدرها البنك في نهاية أكتوبر، إلى جانب تصريحات محافظه وأعضاء مجلس إدارته، مؤشرات حاسمة لتحديد ما إذا كانت الزيادة المقبلة ستأتي قبل نهاية العام، ومدى استعداد الاقتصاد الياباني لتحمل مزيد من ارتفاع تكاليف الاقتراض.


حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
TT

حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)

تضع تداعيات الحرب اقتصادات الشرق الأوسط أمام معادلة صعبة، إذ تتقاطع اضطرابات إمدادات الطاقة والتجارة مع توقعات التعافي، في حين يظل مسار النمو رهناً بمدة الصراع وسرعة عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته. وفي هذا السياق، حذَّر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الحرب، وتجدُّد الاضطرابات في إنتاج الطاقة ومسارات الشحن والبنية التحتية الحيوية يُمثِّلان أكبر المخاطر على اقتصادات المنطقة، متوقعاً انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان 1.3 في المائة في 2026، يعقبه نمو قوي بنسبة 6.6 في المائة في 2027، وإن كان التعافي متفاوتاً بين دول المنطقة.

وتأتي هذه التوقعات بعد نمو اقتصادات المنطقة بنسبة 3.3 في المائة في 2025، بما يعكس حجم الصدمة المنتظَرة خلال العام الحالي، قبل الارتداد المتوقع في العام المقبل. غير أن التوقعات الإجمالية تخفي تفاوتاً كبيراً بين الاقتصادات، تبعاً لمدى تأثرها باضطرابات الطاقة والتجارة وقدرتها على استيعاب تداعيات الحرب.

وقال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، خلال مؤتمر صحافي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك، إن تأثير الحرب يتفاوت بشدة بين اقتصادات المنطقة، مع تعرُّض الدول المتضررة مباشرة من اضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة لضغوط أكبر. وأوضح أن مسار التعافي يعتمد بدرجة أساسية على سرعة عودة إنتاج الطاقة والتجارة إلى طبيعتهما، وقدرة الحكومات على الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت، الخميس، 2.2 في المائة إلى 103.78 دولار للبرميل، في جلسة عكست استمرار حساسية أسواق الطاقة للمخاطر الأمنية واضطرابات الإمدادات. ورغم أن الأسعار المرتفعة توفر دعماً لبعض الموازنات العامة والمراكز الخارجية للدول المصدرة للنفط، فإن هذا الأثر لا يعوّض بالضرورة خسائر تعطل الإنتاج أو تراجع كميات التصدير.

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (أ.ف.ب)

تعافٍ مشروط

وتفترض توقعات الصندوق استئناف حركة التجارة والشحن بصورة طبيعية خلال الرُّبع الأول من 2027، على أن تعود الصادرات تدريجياً إلى مستوياتها المعتادة بحلول منتصف العام، مع بقاء أسعار النفط أعلى. ويظل هذا المسار مشروطاً بعدم تجدد الاضطرابات، إذ إن استمرار الحرب أو اتساع الأضرار التي تطول إنتاج الطاقة وطرق الشحن والبنية التحتية الحيوية قد يعرقلان التعافي المتوقع.

وأوضح أزعور أن الدول المصدرة للنفط التي تأثرت مباشرة بالحرب مرشحة لانكماش ملحوظ في 2026، يعقبه انتعاش قوي في العام التالي مع عودة الإنتاج والتجارة تدريجياً إلى طبيعتهما. لكنه أشار إلى أن الناتج سيظل دون المسار الذي كان الصندوق يتوقعه على المدى المتوسط قبل الحرب، بما يعكس الآثار الممتدة للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية.

وتتفاوت حدة الصدمة الاقتصادية بين الدول المصدرة للطاقة في المنطقة، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الكويتي 16.7 في المائة، والعراقي 16 في المائة، والقطري 15.6 في المائة في 2026، مقابل 3.3 في المائة للسعودية و3.9 في المائة للإمارات، بينما يُنتظَر أن تسجِّل اقتصادات هذه الدول انتعاشاً قوياً في 2027 مع عودة الإنتاج والصادرات تدريجياً إلى طبيعتها. وتشير توقعات الصندوق إلى نمو الاقتصاد السعودي 7.9 في المائة، والقطري 18.8 في المائة، والكويتي 17.1 في المائة، والعراقي 19 في المائة في العام المقبل، في تعافٍ يعكس جزئياً الانخفاض الحاد المتوقع في العام الحالي، لكنه يظل مشروطاً بتراجع اضطرابات الطاقة والتجارة والشحن.

ويعكس هذا الارتداد جزئياً الانخفاض الحاد المتوقع في العام الحالي، كما يرتبط بعودة الإنتاج والصادرات تدريجياً إلى طبيعتها. وتبرز هذه الأرقام مدى اختلاف أثر الحرب بين الدول، وفق حجم الاضطرابات التي تعرضت لها أنشطتها الاقتصادية وقدرتها على الحفاظ على تدفقات الطاقة والتجارة.

في المقابل، أظهرت الاقتصادات المستوردة للنفط قدراً أكبر من المتانة في مواجهة الصدمة، وفق أزعور، الذي أشار إلى أن مسار التعافي سيظل متفاوتاً بين دول المنطقة تبعاً لمدى تأثرها بالحرب وقدرتها على استيعاب تداعياتها.

سفن في مضيق «هرمز» كما تُرى من مسندم في عُمان (رويترز)

هوامش الأمان تتقلص

وقال أزعور إن الفوائض المتاحة قبل الحرب، واللجوء إلى مسارات تصدير بديلة، والتكيف في الطلب على الطاقة، والسحب من المخزونات، ساعدت على احتواء جانب من الصدمة. إلا أن هذه الهوامش ليست بلا حدود، في ظلِّ تراجع المخزونات وانخفاض الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة لتحركات حادة في الأسعار إذا تجدَّدت الاضطرابات.

ولا تقتصر المخاطر على أسواق الطاقة، إذ حذَّر الصندوق من أن تشديد الأوضاع المالية العالمية قد يضعف الطلب ويرفع تكاليف الاقتراض ويزيد الضغوط على العملات، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه احتياجات كبيرة لتمويل الدين السيادي أو تعتمد على التمويل الخارجي. وتظلُّ الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر، في ظلِّ اعتمادها على واردات الغذاء ومحدودية الحيز المالي، بالتزامن مع تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية.

وفي سياق إقليمي أوسع، توقَّع الصندوق تباطؤ نمو اقتصادات القوقاز وآسيا الوسطى إلى 5.2 في المائة في 2026 و5 في المائة في 2027، مقارنة بنمو بلغ 6.2 في المائة في 2025، مع استمرار تراجع التضخم من مستوياته المرتفعة.

أولوية الاستقرار المالي

ودعا أزعور الحكومات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار وإعادة بناء الهوامش المالية التي تآكلت بفعل الصدمات، وتعزيز القدرة على التعامل مع اضطرابات مستقبلية. ويشمل ذلك تجنب الدعم الواسع وغير الموجّه، والاعتماد بدلاً منه على مساعدات مؤقتة ومحددة للفئات الأكثر تضرراً، بما يحد من تكلفة التدخلات على المالية العامة.

وشدَّد على أهمية إعادة بناء الهوامش المالية لمواجهة الصدمات المستقبلية، من خلال تعزيز الإيرادات المحلية ورفع كفاءة الإنفاق وتطوير الأطر المالية. كما حذَّر من اللجوء إلى الدعم الواسع النطاق، مفضِّلاً تقديم مساعدات نقدية مؤقتة وموجّهة إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما يحد من تكلفة التدخلات ويحافظ على استدامة المالية العامة.

وعلى المدى الطويل، أكد أهمية المؤسسات القوية والأطر النقدية الموثوقة واستقلالية البنوك المركزية، إلى جانب تنويع التجارة وتعميق التكامل الإقليمي وتعزيز القدرة على تبنّي التقنيات الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لرفع الإنتاجية ودعم النمو.

وأشار أزعور إلى أن صندوق النقد الدولي وافق، منذ 2020، على تمويل بنحو 48 مليار دولار لدول المنطقة، كما نفّذ خلال السنة المالية 2026 نحو 437 مشروعاً للمساعدة الفنية وبناء القدرات في 31 دولة.

ومن المقرر أن يصدر الصندوق تقريره الإقليمي عن آفاق الاقتصاد في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في دبي في 22 أكتوبر (تشرين الأول)، متضمناً تقييماً أوسع لتداعيات الحرب ومسارات النمو والتضخم والسياسات الاقتصادية في المنطقة.


بنوك «وول ستريت» تواجه تباطؤاً في أسواق المال بعد أداء قوي خلال النصف الأول

صورة مركبة تُظهر شعارات 6 من أكبر البنوك الأميركية (رويترز)
صورة مركبة تُظهر شعارات 6 من أكبر البنوك الأميركية (رويترز)
TT

بنوك «وول ستريت» تواجه تباطؤاً في أسواق المال بعد أداء قوي خلال النصف الأول

صورة مركبة تُظهر شعارات 6 من أكبر البنوك الأميركية (رويترز)
صورة مركبة تُظهر شعارات 6 من أكبر البنوك الأميركية (رويترز)

أظهرت النتائج الفصلية لأكبر بنوك «وول ستريت»، الصادرة هذا الأسبوع، أن حتى كبرى المؤسسات المالية وأكثرها متانة لا تزال عرضة لتقلبات الأسواق. وتباطأ نشاط إبرام الصفقات، الذي يتسم بطبيعته بالدورية، خلال الربع الثالث، ما انعكس سلباً على قطاع الخدمات المصرفية الاستثمارية.

وأدى ارتفاع عوائد السندات، والتقلبات في قطاع الذكاء الاصطناعي، والمخاوف الجيوسياسية إلى زيادة قلق المستثمرين ومجالس إدارات الشركات على حد سواء، ما أرجأ مجدداً التعافي المرتقب لعمليات الاندماج والاستحواذ والطروحات العامة الأولية.

وفيما يلي نظرة عامة، مدعومة بالرسوم البيانية، على نتائج أكبر 6 بنوك أميركية، التي افتتحت موسم إعلان نتائج الشركات الأميركية للربع الثالث.

نتائج دون التوقعات لبنكين... وتفاعل محدود من الأسواق

سجّل بنك «جي بي مورغان تشيس» أرباحاً دون التوقعات، للمرة الأولى منذ الربع الأخير من عام 2023، وفقاً لبيانات «إل إس إي جي». كما جاءت نتائج منافسه الأبرز «بنك أوف أميركا» دون توقعات السوق.

أما البنوك الأربعة الكبرى الأخرى فتجاوزت نتائجها التوقعات، لكن أسهمها تراجعت، أو لم تسجل تفاعلاً إيجابياً يُذكر، إذ رأى المستثمرون أن حجم التفوق على توقعات الأرباح كان أقل مما شهدته الأرباع السابقة.

تباطؤ في إبرام الصفقات

وكان العاملون في مجال إبرام الصفقات يتطلعون إلى عام استثنائي، لكن الزخم بدأ يتراجع منذ الصيف. فقد دفعت تقلبات الأسواق والاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع عوائد سندات الخزانة، إلى جانب المخاوف بشأن استدامة الطفرة في قطاع الذكاء الاصطناعي، الشركات إلى تبني نهج أكثر حذراً وترقباً.

كما تباطأ نمو إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية بصورة ملحوظة مقارنة بالربع السابق، في ظل تأثير رفع أسعار الفائدة، وتأجيل عدد من الطروحات العامة الأولية البارزة على معنويات السوق. ورغم ذلك، أكد مسؤولون تنفيذيون للمستثمرين أن هذه الصفقات لم تُلغَ، بل تأجَّل تنفيذها فحسب.

تباين أداء تداول الأسهم وأدوات الدخل الثابت

وكشفت النتائج الفصلية عن تباين واضح في أداء أنشطة التداول لدى البنوك الكبرى؛ إذ استفادت أقسام تداول الأسهم من ازدهار نشاط الأسواق، في حين جاء أداء أقسام أدوات الدخل الثابت دون التوقعات.

وعادةً ما تؤدي تقلبات الأسواق إلى تنشيط عمليات التداول، إذ يسعى العملاء إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية والتحوط من المخاطر.

الخدمات المصرفية للأفراد: محرك مستقر

ارتفع صافي دخل الفوائد، الذي يُمثل الفرق بين الإيرادات التي تحققها البنوك من القروض والفوائد التي تدفعها على الودائع، وسط توقعات المحللين بأن يوفر رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول) دعماً إضافياً لهذا الدخل.

وأشار مسؤولون تنفيذيون في القطاع المصرفي إلى استمرار مرونة الإنفاق الاستهلاكي والاقتراض، ما خفف المخاوف من أن يؤدي استقرار التضخم وارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة الضغوط على ميزانيات الأسر. وفي مؤشر إيجابي آخر، واصل الطلب على القروض نموه.

وفي ملخص تغطية «رويترز» لنتائج أكبر 6 بنوك أميركية، سجّل «جي بي مورغان تشيس» أرباحاً دون التوقعات، وسط تباطؤ نشاط إبرام الصفقات وتداول السندات، في حين تجاوز «غولدمان ساكس» توقعات أرباح الربع الثالث بدعم من قوة سوق الأسهم.

كما تجاوز «ويلز فارغو» توقعات الأرباح، رغم مجيء صافي دخل الفوائد والإيرادات دون التوقعات، في حين حقق «سيتي» نتائج أفضل من المتوقع بفضل ارتفاع إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية والخدمات وإدارة الثروات. كذلك تجاوز «مورغان ستانلي» توقعات الأرباح بدعم من الأداء القوي لوحدات تداول الأسهم، في حين أخفق «بنك أوف أميركا» في تحقيق توقعات الأرباح، بسبب ضعف سوق رأس المال، وسجل خسارة بقيمة 1.2 مليار دولار.