فرنسا وألمانيا أخفقتا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس

نكسة أوروبية على طريق بناء صناعات دفاعية مشتركة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي سابق في برلين
(رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي سابق في برلين (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا أخفقتا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي سابق في برلين
(رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي سابق في برلين (رويترز)

إذا كان الأوروبيون يسعون لبناء دفاع مشترك، وتعزيز قدراتهم العسكرية وموقعهم داخل الحلف الأطلسي، وتخفيف الاعتماد على المظلة الأميركية ـ الأطلسية، فإن ما جرى بين فرنسا وألمانيا لجهة التخلي عن مشروع تصنيع طائرة القتال المشتركة المستقبلية يعد نكسة رئيسية للطموحات العسكرية الأوروبية.

وما جرى ليس حدثاً عادياً؛ فباريس وبرلين تعدان، منذ ولادة المشروع الأوربي، قاطرته الرئيسية. الأولى تمثل القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي، والثانية تتمركز في المقام الاقتصادي الأول. وعندما يعجز الطرفان عن السير بمشروع عسكري استراتيجي مشترك أطلق قبل 9 سنوات، وعلى خلفية التخوف من خطط عدوانية روسية، ومن تراجع الاهتمام الأميركي بالقارة القديمة وبالحلف الأطلسي، فإن ذلك يعد بمنزلة جرس إنذار للطموحات الدفاعية الأوروبية.

مجسم بالقياسات الحقيقية لطائرة المستقبل الفرنسية ـ الألمانية التي أجهض مشروعها الأسبوع الماضي بسبب الخلافات بين باريس وبرلين (أ.ف.ب)

لم يكن من قبيل المصادفة أن تكون برلين أول من كشف عن تخلي المستشار فريدريش ميرتس عن مشروع الطائرة القتالية المشتركة مع باريس؛ فمنذ أشهر، عبَّر الأخير عن تشاؤمه إزاء المشروع، وعن انزعاجه من سعي الشريك الفرنسي ممثَّلاً بشركة «داسو للطيران» للفوز بحصة الأسد بحجة أنها تمتلك المهارات والقدرات لقيادته استناداً إلى نجاح ورواج مقاتلتها «رافال».

بالمقابل، فإن الشريك الألماني «ومعه الإسباني الذي انضم إليه لاحقاً في إطار الجناح العسكري لشركة (إيرباص)» رفض نزعة الهيمنة لدى «داسو للطيران». ورغم تشكيل لجنة عملت لعدة أشهر لتسوية النزاعات بين الطرفين، فإن مساعيها لم تكلل بالنجاح. من هنا، فإن الاجتماع المطول الذي عقده ماكرون وميرتس، على هامش قمة البلقان ــ الاتحاد الأوروبي أفضى إلى خلاصة مفادها استحالة الاستمرار في مشروع طموح كانت تكلفته ستصل إلى 100 مليار يورو، وفهم من الجانب الفرنسي أن ميرتس هو من أوحى للرئيس ماكرون بالتخلي عن هذا المشروع الطموح.

«اليوروفايتر» في سلاح الجو الألماني خلال الاحتفال بيوم القوات المسلحة الألمانية (أ.ف.ب)

كان مقدراً للمشروع أن يبدأ بإنتاج طائرة المستقبل في عام 2040 التي كان يُفترض أن تحل محل «الرافال» في فرنسا و«اليوروفايتر» في ألمانيا وإسبانيا، وأن تصبح لاحقاً أحد أعمدة الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. وقالت مصادر قصر الإليزيه، ليلاً، إن ماكرون وميرتس «عبَّرا عن أسفهما لعجز الشركات الصناعية (المعنية بالمشروع) عن التوافق فيما بينها لمواصلة السير به». وأضافت الرئاسة أن السلطات الألمانية رأت أنه «لم يعد بالإمكان مواصلة الضغط على الشركات المعنية» بالمشروع؛ ما يُفْهَم منه أن باريس تلقي باللوم على الشريك الألماني في إجهاض مشروع يتم العمل عليه من 9 سنوات، وصرفت من أجله أموال هائلة.

حقيقة الأمر أنه بالإضافة إلى الخلافات حول الهيمنة على المشروع المشترك والمواصفات التكنولوجية لطائرة المستقبل، كانت لدى الجانبين رؤيتان متباعدتان حول المهام الرئيسية المنتظر أن تلبيها. فمن جانب تريد باريس، وفق أوساطها طائرة ثقيلة قادرة على حمل السلاح النووي، وقادرة على الإقلاع والهبوط على حاملة طائرات، والحال أن ألمانيا لا تملك حاملة طائرات كما أنه ليس لديها صواريخ وقنابل نووية.

طائرات مقاتلة من طراز رافال على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية في قاعدة تشانغي البحرية في سنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

واللافت أن أمراً كهذا يتناول «وظيفية» طائرة المستقبل كان يُفترض به أن يكون موضع اتفاق قبل انطلاق السير بالمشروع. وبحسب الجانب الألماني، فإن ميرتس الراغب في دفع ألمانيا لتكون القوة العسكرية الكلاسيكية الأولى في أوروبا من خلال الارتقاء بميزانية الجيش التي ستصل إلى 150 مليار العام المقبل «أي ضعف الميزانية الفرنسية» ليس مقتنعاً بالتصور الفرنسي، ويريد طائرة خفيفة متعددة المهام لسلاح الجو في بلاده. وتفيد معلومات متوافرة في باريس بأن برلين على تواصل مع شركاء «آخرين» كبريطانيا وإيطاليا للسير في برنامج بديل للاستحواذ على طائرة من الجيل السادس.

طائرات مقاتلة من طراز رافال على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية في قاعدة تشانغي البحرية في سنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

رغم ما سبق، فإن الرئاسة الفرنسية لا تزال متمسكة بالشراكة مع ألمانيا. وجاء في بيان الإليزيه أن باريس «ما زالت ترى أن التعاون الفرنسي ـ الألماني ضروري للبلدين ولشركائهما الأوروبيين في قطاع الأمن والدفاع». ويضيف البيان أن السلطات الفرنسية ستواصل تشجيع شركاتها وقواتها المسلحة على «البحث عن السبل والوسائل لإطلاق مشاريع أوروبية طموحة ومتلائمة مع مصالح الأمن القومي» الفرنسي.

وتجدر الإشارة إلى أن العاصمتين أطلقتا مؤخراً حواراً حول البعد الأوروبي للقوة النووية الفرنسية، وكيفية إفادة ألمانيا منها في سياق البحث في تعزيز الدفاع الأوروبي، بيد أن خطة كهذه تحتاج لكثير من النقاشات للتوصل إلى تفاهمات واتفاقيات حول أشكال التعاون، خصوصاً أن باريس متمسكة بأن يكون قرار اللجوء إلى السلاح النووي محصوراً بها في المقام الأخير.

الرئيس الفرنسي ماكرون يلتقي مع طاقم حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال زيارة لقبرص (أ.ب)

يبقى أن الدفاع الأوروبي المشترك غير محصور بفرنسا وألمانيا وحدهما؛ فالقمة الأوروبية التي التأمت في مدينة فرساي الشهيرة (غرب باريس) والقمم اللاحقة أقرت مجموعة من الخطط لتعزيز المشاريع الدفاعية المشتركة سواء في المسيّرات التي فرضت نفسها في الحرب الحديثة أو الحرب الفضائية والقدرات السيبرانية... وغيرها كثير. وبالنسبة لباريس وبرلين، فثمة مشروع دفاعي رئيسي آخر يتناول صناعة دبابة المستقبل، وتعمل عليه شركة مشتركة للطرفين متساوية الحصص بينهما تسمى «KNDS». وبعكس الخلافات التي أفضت إلى إجهاض مشروع طائرة المستقبل، فإن التفاهم يبدو تاماً «حتى اليوم» بين الشريكَيْن الفرنسي والألماني الراغبَيْن في الاستحواذ على السوق الأوروبية لدبابة المستقبل.


مقالات ذات صلة

ألمانيا ستحمل روسيا مسؤولية هجوم المطار بمسيّرة وتستعد لفرض عقوبات

أوروبا طائرة شحن تابعة لشركة «دي إتش إل» الألمانية في «مطار لايبزيغ - هاله» شرق ألمانيا (رويترز)

ألمانيا ستحمل روسيا مسؤولية هجوم المطار بمسيّرة وتستعد لفرض عقوبات

ألمانيا ستحمل روسيا مسؤولية هجوم المطار بمسيرة، وتستعد لفرض عقوبات ووزراء دفاع وخارجية الاتحاد الأوروبي يجتمعون في آيرلندا للبحث في دعم كييف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا ردود فعل أشخاص في موقع غارة جوية روسية بطائرة مسيّرة على مبنى سكني في كييف بأوكرانيا في الأول من سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وتيرة التقدّم الروسي في أوكرانيا تسارعت في شهر أغسطس

أظهر تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» لبيانات معهد دراسات الحرب الأميركي، أن وتيرة التقدّم الروسي في شرق أوكرانيا تسارعت في شهر أغسطس (آب).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا «قمة شنغهاي» بين مسعى تعدد الأقطاب وتحدي مواجهة الأزمات

قمة شنغهاي: «إعلان بيشكيك» يرفض «الهيمنة الأحادية» ويتجاهل الصراع في أوكرانيا

قمة شنغهاي: «إعلان بيشكيك» يرفض «الهيمنة الأحادية» ويتجاهل الصراع في أوكرانيا وبوتين يذكر العالم بـ«السيد لا» وشي يؤكد استعداد بلاده للمساهمة في تسوية الأزمات

رائد جبر ( موسكو )
الاقتصاد منظر عام لمحطة نفط في منطقة إيركوتسك بروسيا (رويترز)

روسيا تخفض توقعات إنتاج النفط في 2026 لأدنى مستوى منذ 17 عاماً

خفضت روسيا توقعاتها لإنتاج النفط لهذا العام إلى أدنى مستوى منذ 17 عاماً، وعدَّلت توقعات صادرات الوقود لعامي 2026 و2027 بسبب الحرب مع أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا سيارات طوارئ تابعة للشرطة متوقفة في مطار لايبزيغ/هاله (د.ب.أ)

ألمانيا ستحمّل روسيا المسؤولية عن محاولة هجوم على مطار بمسيّرة

قال مصدران، الثلاثاء، إن ألمانيا تعتزم تحميل روسيا مسؤولية محاولة الهجوم بطائرة مسيّرة على طائرة شحن أوكرانية.

«الشرق الأوسط» (برلين )

ألمانيا ستحمل روسيا مسؤولية هجوم المطار بمسيّرة وتستعد لفرض عقوبات

يظهر مسار دخان (على اليمين) من قذيفة خلال هجوم جوي روسي في كييف في وقت مبكر من يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
يظهر مسار دخان (على اليمين) من قذيفة خلال هجوم جوي روسي في كييف في وقت مبكر من يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ستحمل روسيا مسؤولية هجوم المطار بمسيّرة وتستعد لفرض عقوبات

يظهر مسار دخان (على اليمين) من قذيفة خلال هجوم جوي روسي في كييف في وقت مبكر من يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
يظهر مسار دخان (على اليمين) من قذيفة خلال هجوم جوي روسي في كييف في وقت مبكر من يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

تعتزم ألمانيا تحميل روسيا مسؤولية محاولة الهجوم بطائرة مسيرة على طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ/هاله في أغسطس (آب) الماضي. وأكد مصدران طلبا عدم الإفصاح عن هويتهما التقارير التي نشرتها وسائل الإعلام الألمانية بأن الحكومة ستقول إن موسكو كانت وراء المحاولة الفاشلة، لكنهما لم يكشفا عن تفاصيل العقوبات الجديدة المقترحة، والتي ستتم بالتنسيق مع حلفائها.

ويعد مطار لايبزيغ/هاله مركزاً رئيسياً للشحن المدني والعمليات اللوجستية التابعة لحلف شمال الأطلسي في ‌شرق ألمانيا، كما يضم ‌عدداً من طائرات ​الشحن ‌الأوكرانية ⁠العملاقة من ​طراز «⁠أنتونوف أن-124».

طائرة شحن تابعة لشركة «دي إتش إل» الألمانية في «مطار لايبزيغ - هاله» شرق ألمانيا (رويترز)

وعُثر وقتها على مسيّرة مفخخة في المنطقة الآمنة لعمليات الشحن في المطار، على مقربة من طائرات شحن أوكرانية، بينما يُعتقد أن طائرة مسيّرة ثانية اصطدمت بطائرة شحن تابعة لشركة «دي إتش إل» بعد دقائق قليلة.

ولم يؤكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول هذه التقارير بشكل صريح، الثلاثاء، خلال زيارة إلى الجزائر، لكنه أشار إلى أن اتخاذ إجراءات جديدة ضد روسيا محل بحث. وسيعقد لدى عودته في وقت لاحق، الثلاثاء، إلى ألمانيا مؤتمراً صحافياً مع وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت. وقال فاديفول، كما نقلت عنه رويترز: «لا نبالغ في ردود أفعالنا، لكننا نرد عندما نتعرض للهجوم... يجب أن تدرك روسيا أن ألمانيا قوة استقرار في أوروبا، وهي قوة مستعدة دائماً للتفاوض، لكنها لن ترضخ لأي شكل من أشكال الترهيب».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس مترئساً الاجتماع الحكومي... ويبدو إلى جانبه نائبه ووزير الداخلية (أ.ف.ب)

ولم تعلق موسكو حتى الآن على التقارير، لكنها نفت في وقت سابق الاتهامات المتعلقة باحتمال تورطها، ووصفتها بأنها «استفزاز ملفق» و«موجة جديدة من الهستيريا المعادية لروسيا في ألمانيا».

الاتحاد الأوروبي

على صعيد آخر، يناقش وزراء دفاع وخارجية الاتحاد الأوروبي في آيرلندا، يومَي الثلاثاء والأربعاء، سبل دعم أوكرانيا بصواريخ دفاع جوي تطالب بها كييف بشدة، في ظلّ تنامي المخاوف من مساعي روسيا لزعزعة استقرار هذه الدول. واستفادت موسكو من تراجع مخزون أوكرانيا من صواريخ الدفاع الجوي الأميركية الصنع لتكثيف هجماتها على البلاد، بينما ردّت كييف باستهداف بنى تحتية روسية عبر ضربات بعيدة المدى.

وأسفرت ضربات روسية استهدفت كييف ومحيطها، ليل الاثنين إلى الثلاثاء، عن مقتل ما لا يقلّ عن 12 شخصاً، تزامناً مع استعداد الطلاب للعودة إلى المدارس، بينما دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي شركاءه إلى تزويد بلاده بمزيد من القدرات الدفاعية.

ومع انطلاق يومين من المحادثات في مدينة ويكلو الآيرلندية، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس للصحافيين إن «روسيا تصعّد هجماتها لإلحاق أكبر قدْر ممكن من الأذى بالشعب الأوكراني وكسْر إرادته».

ومن المقرّر أن يعقد وزراء الدفاع الذين اجتمعوا، الثلاثاء، قبل اجتماع وزراء الخارجية الأربعاء، محادثات مع وزير الدفاع الأوكراني بالوكالة يفغيني خمارا.

زعماء أوروبيون يحضرون مراسم إحياء الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا أمام «كاتدرائية القديسة صوفيا» في كييف (أ.ف.ب)

إلا أن خيارات الدول الأوروبية تبدو محدودة لجهة إمداد أوكرانيا بالصواريخ الاعتراضية التي تحتاج إليها؛ إذ لن يكون أمامها سوى الضغط على الدول الأوروبية التي لا تزال تمتلك مخزونات دفاعية، وحثّ دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية على تقديم مزيد من الدعم.

في هذا الجانب، قالت كالاس، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعلم أن لدى بعض الدول صواريخ اعتراضية ستنتهي صلاحيتها قريباً، وسيكون من الجيد جداً نقلها إلى أوكرانيا».

ومع تصعيد روسيا حملتها الجوية ضدّ أوكرانيا، تبرز مخاوف من سعي موسكو إلى صرف الأنظار عن مشكلاتها في ساحة المعركة عبر تكثيف ما يُعرف بالعمليات «الهجينة» في الداخل الأوروبي.

وتعزّزت المخاوف في شأن النوايا الروسية بعد الزيارة المفاجئة التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) جون راتكليف إلى موسكو، الأسبوع الماضي، مع إفادة وسائل إعلام أميركية بأنه حذّر روسيا من مهاجمة أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام يمر بجوار مركبات روسية مدمرة معروضة في المدينة القديمة بكييف الاثنين (أ.ف.ب)

في المقابل، يستبعد مسؤولون أوروبيون أن تكون موسكو في وارد شن هجوم عسكري مباشر يستهدف دولاً أوروبية في المستقبل القريب، وإنْ كانوا يتوقّعون مزيداً من الحوادث الهجينة. وصرّح وزير الدفاع الإستوني هانو بيفكور بأنهم يختبرون دائماً الحدّ الفاصل، ويتساءلون أين يقع الخط الأحمر». وأضاف: «لكننا نحافظ أيضاً على هدوئنا ووضوح رؤيتنا، ولن نبالغ في ردّ فعلنا ما دام الأمر لا يتعلّق بهجوم عسكري».

عقوبات وأصول وإصلاحات

في غضون ذلك، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى رفع تكلفة الحرب على روسيا عبر تشديد العقوبات ضدها وزيادة الدعم لأوكرانيا، وكانت بروكسل قد اقترحت إضافة 1600 شركة وشخص إلى قائمة العقوبات.

في الوقت نفسه، عاد النقاش حول إمكانية استخدام نحو 200 مليار يورو (235 مليار دولار) من أصول البنك المركزي الروسي المجمدة لتمويل أوكرانيا، بعدما تعثّر اقتراح مماثل، العام الماضي، بسبب معارضة بلجيكا التي تحتفظ بمعظم تلك الأصول.

ودفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى توفير قرض بقيمة 90 مليار يورو لكييف من موارده الخاصة، إلا أن ثمة شعوراً متزايداً بأن ذلك المبلغ قد لا يكفي للفترة المقررة، ما قد يضطر التكتُّل عاجلاً لإيجاد آلية لاستخدام الأموال الروسية المجمدة.

وكتب وزراء خارجية هولندا وبولندا وإسبانيا والسويد في رسالة الأسبوع الماضي «مع كل يوم يمر، ترتفع تكلفة الحرب». وينضمّ وزيرا خارجية بريطانيا إد ميليباند وأوكرانيا أندري سيبيها إلى نظرائهما الأوروبيين في الاجتماعات التي تستضيفها آيرلندا في إطار رئاستها الدورية للاتحاد الأوروبي.

وفي وقت تمتدّ فيه الأزمات من أوكرانيا إلى إيران، سيفتتح الوزراء الأوروبيون أيضاً نقاشاً في شأن إصلاح آليات العمل الدبلوماسي للتكتُّل؛ سعياً إلى تعزيز تأثيره في عالم يزداد اضطراباً.

وبينما يدعو بعض المسؤولين إلى إعادة هيكلة الجهاز الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي تحت إشراف كايا كالاس، يرى آخرون أن الوقت ليس مناسباً، وأن الأولوية يجب أن تكون لتحسين التنسيق بين الدول الأعضاء.

قالت روسيا، الثلاثاء، إنها ستعلن عن تعيين سفير جديد لها لدى بريطانيا في الوقت المناسب، وذلك بعد أسابيع من مغادرة مبعوثها السابق لندن في وقت يشهد توتراً استثنائياً في العلاقات بين البلدين. وأثار رحيل أندريه كيلين في يوليو (تموز)، بعد أكثر من 7 سنوات في منصبه، تكهنات إعلامية نفتها السفارة، عن خفض موسكو مستوى العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا، بسبب دور لندن بوصفها أحد أكبر داعمي أوكرانيا.

اشتداد الهجمات ضد كييف

ميدانياً، قالت السلطات الأوكرانية إن غارات جوية روسية أسفرت عن مقتل 12 على الأقل، وإصابة كثيرين في كييف والمناطق المحيطة بها في وقت مبكر من صباح اليوم الثلاثاء، وذلك في سادس يوم على التوالي من الهجمات على العاصمة الأوكرانية.

أعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، الثلاثاء، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 5 صواريخ باليستية، و5 صواريخ «كروز» من طراز «كاليبر»، وصاروخين من طراز «إس-8000 بانديريل»، و187 من أصل 218 طائرة مسيّرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم على أوكرانيا خلال الليل.

أعلنت وزارة الدفاع الروسية توجيه ضربة واسعة لقطاع الطاقة واللوجستيات في مقاطعتي كييف وأوديسا في أوكرانيا، طالت مواقع تجميع المسيرات ومخازن الوقود ومحطات الكهرباء والموانئ.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

ووفقاً للبيان العسكري فقد طالت الضربات المركزة موقع «آيرو بافونا» في كييف لتصنيع المناطيد المستخدمة في إسقاط المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى، بما فيها من طراز «خورنت» ومركزاً لتجميع وتجهيز وتخزين القوارب المسيرة في بلدة خوتوف بمقاطعة كييف، ومحطة للطاقة الحرارية و3 محطات فرعية للكهرباء في أوديسا وضواحيها، كانت تؤمن تشغيل البنية التحتية للموانئ، فضلاً عن مواقع لتجميع الطائرات المسيرة.

وأشير في البيان إلى أن موانئ أوديسا وتشورنومورسك على البحر الأسود استُخدمت لتسلّم وتخزين الشحنات العسكرية والمحروقات للقوات الأوكرانية. وفي بيان، منفصل أعلنت الوزارة إسقاط 516 مسيرة أوكرانية، الليلة الماضية، في مقاطعات جنوب غربي البلاد.

رجال الإنقاذ الأوكرانيون يعملون على إخماد حريق اندلع في مركز تجاري متضرر عقب غارة جوية على زابوريجيا أول من أمس (أ.ف.ب)

سياسياً، نقلت وكالة «إنترفاكس» للأنباء الروسية عن نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو قوله، الثلاثاء، إن روسيا ترى أن التوصل إلى هدنة لوقف الهجمات في البحر الأسود، وهو طريق رئيسي لتجارة الحبوب، لن يعزّز فرص التوصل إلى تسوية سلمية لإنهاء الحرب.


الاتحاد الأوروبي يحذّر صربيا من تكريم مجرم الحرب ملاديتش

قائد القوات الصربية في البوسنة حينها الجنرال راتكو ملاديتش يتحدث إلى جندي صربي في 15 فبراير 1994 في ثكنات لوكافيتسا على مشارف سراييفو... لُقّب ملاديتش بـ«جزار البوسنة» لدوره في مذبحة سربرينيتشا عام 1995 خلال حرب البوسنة (أ.ف.ب)
قائد القوات الصربية في البوسنة حينها الجنرال راتكو ملاديتش يتحدث إلى جندي صربي في 15 فبراير 1994 في ثكنات لوكافيتسا على مشارف سراييفو... لُقّب ملاديتش بـ«جزار البوسنة» لدوره في مذبحة سربرينيتشا عام 1995 خلال حرب البوسنة (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يحذّر صربيا من تكريم مجرم الحرب ملاديتش

قائد القوات الصربية في البوسنة حينها الجنرال راتكو ملاديتش يتحدث إلى جندي صربي في 15 فبراير 1994 في ثكنات لوكافيتسا على مشارف سراييفو... لُقّب ملاديتش بـ«جزار البوسنة» لدوره في مذبحة سربرينيتشا عام 1995 خلال حرب البوسنة (أ.ف.ب)
قائد القوات الصربية في البوسنة حينها الجنرال راتكو ملاديتش يتحدث إلى جندي صربي في 15 فبراير 1994 في ثكنات لوكافيتسا على مشارف سراييفو... لُقّب ملاديتش بـ«جزار البوسنة» لدوره في مذبحة سربرينيتشا عام 1995 خلال حرب البوسنة (أ.ف.ب)

حذّرت مارتا كوس، مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي، صربيا بشكل غير مباشر من تنظيم جنازة عسكرية رسمية لمجرم الحرب راتكو ملاديتش، الذي توفي في السجن، الأسبوع الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت، اليوم الثلاثاء، في المنتدى الاستراتيجي في منتجع بليد في جبال الألب السلوفينية: «إن تمجيد مجرمي الحرب ليس له مكان في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، ولا في دولة مرشحة».

وأكدت: «آمل أن تعرف الحكومة في بلغراد ما هو على المحك».

وتوفي ملاديتش، الخميس، عن عمر يناهز 84 عاماً في مستشفى السجن في لاهاي. وكانت محكمة دولية قد حكمت عليه بالسجن المؤبد لارتكابه جرائم حرب خلال حرب البوسنة (1992 - 1995).

راتكو ملاديتش القائد العسكري السابق لصرب البوسنة في أثناء جلوسه في قفص الاتهام قبل جلسة النطق بالحكم النهائي في الاستئناف ضد إدانته بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في مذبحة سربرينيتشا عام 1995... 8 يونيو 2021 (أ.ف.ب)

ومن بين الفظائع الأخرى التي أدانته المحكمة بارتكابها، كانت مذبحة سربرينيتشا في يوليو (تموز) 1995، والتي قتلت فيها ميليشيات صرب البوسنة الخاضعة لقيادته أكثر من 8 آلاف شخص، معظمهم من الرجال والصبية المراهقين.

كان ملاديتش من صرب البوسنة، لكنه حصل على راتبه وبعد ذلك معاشه التقاعدي من القوات المسلحة الصربية.

وبعد وفاته، ذكر وزير صربي أنه قد يتم منحه جنازة رسمية في بلغراد. ولم يتم تحديد موعد لجنازته بعد.

وتتفاوض صربيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2014. ولم يتم إحراز أي تقدّم منذ عدة سنوات في عهد رئيسها ألكسندر فوتشيتش، حيث يُنظر إليه على أنه يحكم بطريقة استبدادية.

ويقول المراقبون إن الوضع فيما يتعلّق بالديمقراطية وسيادة القانون في صربيا قد تدهور بالفعل.


وتيرة التقدّم الروسي في أوكرانيا تسارعت في شهر أغسطس

ردود فعل أشخاص في موقع غارة جوية روسية بطائرة مسيّرة على مبنى سكني في كييف بأوكرانيا في الأول من سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
ردود فعل أشخاص في موقع غارة جوية روسية بطائرة مسيّرة على مبنى سكني في كييف بأوكرانيا في الأول من سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

وتيرة التقدّم الروسي في أوكرانيا تسارعت في شهر أغسطس

ردود فعل أشخاص في موقع غارة جوية روسية بطائرة مسيّرة على مبنى سكني في كييف بأوكرانيا في الأول من سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
ردود فعل أشخاص في موقع غارة جوية روسية بطائرة مسيّرة على مبنى سكني في كييف بأوكرانيا في الأول من سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أظهر تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» لبيانات معهد دراسات الحرب الأميركي، أن وتيرة التقدّم الروسي في شرق أوكرانيا تسارعت في شهر أغسطس (آب) بعد أشهر من التباطؤ، لكنها ما زالت أبطأ مقارنة بالسنوات الماضية.

ومع تعثّر محادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة وإصرار الكرملين على السيطرة على ما تبقى من منطقة دونيتسك، شهدت الحرب المستعرة منذ 4 سنوات ونصف سنة تصعيداً في الصيف الحالي مع ارتفاع عدد الضحايا المدنيين.

وأظهرت بيانات شهر أغسطس أن الجيش الروسي حقق مكاسب صافية تُقدّر بنحو 90 كيلومتراً مربعاً، وهي أكبر مساحة يسيطر عليها منذ فبراير (شباط).

وتُعد هذه الوتيرة أسرع بمرتين إلى 3 مرات مقارنة بشهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز)، لكنها لا تزال أبطا من وتيرة التقدّم الروسي في السنوات السابقة من الحرب.

ففي عام 2025 كانت روسيا تسيطر على ما ما معدّله 400 كيلومتر مربع من الأراضي كل شهر. أما هذا العام، فلم يتباطأ التقدّم فحسب، بل خسرت 400 كيلومتر في شهري أبريل ومايو (أيار).

ناتاليا وابنتها إيليا البالغة من العمر 6 سنوات تجلس في موقع مبنى سكني تضرر جراء ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في بلدة بوريسبيل الأوكرانية في الأول من سبتمبر 2026 (رويترز)

وشدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرات عدّة على أن موسكو عازمة على السيطرة على ما تبقى من شرق أوكرانيا، مع تركيز جهودها بشكل خاص على منطقة دونيتسك.

وفي شهر أغسطس الماضي، استولت على 73 كيلومتراً مربعاً في دونيتسك، ونحو 330 كيلومتراً مربعاً في خاركيف شمالاً.

ورغم أن روسيا تسيطر على جيوب من منطقة خاركيف، فإنها لم تعلن رسمياً ضمها أو المطالبة بها.

وحققت موسكو مكاسب محدودة في منطقة زابوريجيا الجنوبية خلال الشهر الماضي.

في المقابل، سجّلت كييف مكاسب صغيرة في أغسطس في 3 مناطق، بينها منطقة دنيبروبيتروفسك التي اخترقت القوات الروسية حدودها الصيف الماضي. وتستعيد أوكرانيا أراضي فيها منذ بداية عام 2026.

وتسيطر روسيا حالياً على ما يزيد قليلاً على 19 في المائة من أراضي أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم والمناطق التي كانت خاضعة بالفعل لسيطرة الانفصاليين قبل بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير 2022.

وقد تحقق معظم المكاسب الروسية خلال الأسابيع الأولى من الحرب.