زافين قيومجيان: قتلُ الفرادة أخطر ما تفعله الخوارزميات

تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» عن مشاركته في تحكيم مسابقة «فنّ الخطابة» العالمية بلندن

أصحاب الأحلام ومَن يواكبون ولادتها (مسابقة فنّ الخطابة)
أصحاب الأحلام ومَن يواكبون ولادتها (مسابقة فنّ الخطابة)
TT

زافين قيومجيان: قتلُ الفرادة أخطر ما تفعله الخوارزميات

أصحاب الأحلام ومَن يواكبون ولادتها (مسابقة فنّ الخطابة)
أصحاب الأحلام ومَن يواكبون ولادتها (مسابقة فنّ الخطابة)

تبحث مسابقات الخطابة عادةً عن أفضل المتحدّثين، وعن القدرة على الإقناع واختيار الكلمات. وإنما الدورة الـ22 من مسابقة «فنّ الخطابة» التي نظَّمها اتحاد الناطقين باللغة الإنجليزية في لبنان حملت معها طَرحاً من نوع آخر. فبينما كان طلاب الجامعات اللبنانية يتنافسون على تمثيل بلدهم في المسابقة العالمية المقرَّرة في لندن، برزت إشكاليات تتعلَّق بمصير اللغة وموقع الإنسان داخل عالم يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامحه يوماً بعد يوم.

هذه الهواجس رافقت حديث الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان، عضو لجنة تحكيم المسابقة منذ نحو 6 سنوات، الذي يستعدّ هذا العام للمشاركة للمرّة الأولى في لجنة تحكيم نهائياتها العالمية في العاصمة البريطانية. وبينما كان الحدث مُخصّصاً للاحتفاء بفنّ الخطابة، انشغل قيومجيان بما يطرأ على اللغة، وبالاعتماد المُتزايد على الذكاء الاصطناعي، وما يراه تراجعاً في الفرادة الفردية تحت تأثير الخوارزميات.

ضمن لجنة التحكيم التي ضمَّت إعلاميين وأكاديميين وخبراء، جلس قيومجيان يستمع إلى الطلاب وهم يبحثون عن الكلمات الأكثر قدرة على التأثير والإقناع. لكن الحديث معه سرعان ما غادر حدود المسابقة واتّجه نحو التأمُّل في الصوت الفردي والمساحة التي كان الإنسان يترك فيها بصمته الخاصة قبل أن تتسلَّل الآلة.

لقاء بين تجربة طويلة وبداية رحلة جديدة (مسابقة فنّ الخطابة)

يرى زافين في الذكاء الاصطناعي حلقة جديدة من سلسلة التحوّلات الكبرى التي عرفتها البشرية. فكما غيَّرت الثورة الصناعية شكل الحياة، ثم جاءت ثورات الإعلام والإنترنت، يجد الإنسان نفسه اليوم أمام منعطف لا يقتصر تأثيره على الكتابة أو الخطابة. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ما نشهده يتجاوز مسألة الخطابة. نحن أمام تحوّل يطال أسلوب حياتنا وكيفية تواصلنا مع الآخرين. والخطابة تبقى جزءاً صغيراً من هذا التحوّل».

من هذا المنطلق، يرفض تجميد اللغة عند شكل واحد. يراها لا تنفصل عن حركة المجتمعات وتحوّلاتها. فما يُكتب ويُقال الآن لا يشبه ما كُتِبَ وقيل قبل عقود. يستحضر اللغة الأرمنية ويقول إنها لا تزال تُستخدم في بعض مجتمعات الاغتراب بصيغ قريبة من القرن التاسع عشر، فيما تُواصل تطوّرها الطبيعي داخل أرمينيا. ويجد في هذه المقارنة دليلاً على العلاقة الشائكة بين اللغة والهوية، خصوصاً في المجتمعات التي تحيط لغاتها بهواجس قومية وثقافية وسياسية.

وأكثر ما يُثير قلقه هو ما قد يُرافق تغيُّر اللغة من تراجع في الخصوصية الفردية. فبينما يحرص على مواكبة التطوّر التقني والانفتاح على مستجدّاته، يُلاحظ في المقابل اعتماداً متزايداً لدى الطلاب على أدوات الذكاء الاصطناعي في أبسط المَهمّات. ويشير إلى أنّ بعضهم باتوا يتردَّدون حتى في كتابة بريد إلكتروني قصير من دون الاستعانة بهذه الأدوات. ويرى في ذلك مؤشّراً مُقلِقاً.

تتجاوز المسألة حدود التكنولوجيا لتصبح سؤالاً عن الشخصية والفرادة. ويقول إنّ «الذكاء يقتل أيَّ خصوصية فينا. أيَّ تمايز»، مضيفاً أنّ ما يلمسه لدى كثيرين هو خوف متنامٍ من الاختلاف ورغبة في التشبُّه بالمجموعة تفادياً للانتقاد أو التنمُّر. فالخوارزميات التي تتحكَّم بالمنصات الرقمية لا تُكافئ التميُّز برأيه، فتدفع نحو التشابُه وإعادة إنتاج النماذج المُستنسَخة.

لجنة التحكيم أنصتت إلى الكلمات بحثاً عمّا وراءها (مسابقة فنّ الخطابة)

يذهب أبعد حين يصف فقدان الفرادة بأنه أحد أخطر نتائج المرحلة الراهنة. فحتى المناسبات الشخصية التي يفترض أن تحمل بصمةَ أصحابها، أصبحت وفق ملاحظته تتشابه في الصياغة واللغة والمقاربة. «قتلُ الفرادة وحرّية التفكير هما الأخطر»، يقول، مُلخّصاً بذلك هاجسه الأساسي تجاه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.

هذا القلق ينسحب أيضاً على طبيعة التواصل السائدة اليوم. فالمنافسة المحمومة على جذب الانتباه دفعت كثيراً من المنصات والدورات التدريبية إلى التركيز على الثواني الأولى من أيّ محتوى. ومع إقراره بأهمية هذه التحوّلات، فإنه يراها جزءاً من مسار أكبر لم تتّضح ملامحه النهائية بعد. ويشير إلى أنّ الحديث عن الثواني الثلاث الأولى قد يبدو مركزياً اليوم، لكنه قد يتحوّل لاحقاً إلى تفصيل صغير داخل مشهد أشمل.

ولا يختزل الذكاء الاصطناعي في التطبيقات المعروفة التي يتعامل معها الناس كلَّ يوم. يراه منظومة خوارزمية متكاملة تُدير حركة المعلومات والاهتمامات والسلوكيات على الإنترنت. ومن هنا يأتي توصيفه الحاد بأنّ اللغة باتت مُهدَّدة بالتفريغ من معناها بعدما أصبحت الخوارزمية اللاعب الأكثر تأثيراً في صناعة التواصل.

وسط هذه التحوّلات، يجد زافين قيومجيان في مسابقة الخطابة مساحة تمنحه قدراً من التفاؤل. فمنذ نحو 6 سنوات يُشارك في لجنة تحكيمها، ويتابع تجارب طلاب من جامعات لبنانية مختلفة يحاولون التعبير عن أفكارهم ومواقفهم أمام الجمهور. ويبدو فخوراً هذا العام بانتقاله إلى تجربة جديدة، إذ سيُشارك للمرّة الأولى في لجنة تحكيم المسابقة العالمية بلندن، في سابقة تشهد وجود مُحكِّم غير بريطاني ضمن اللجنة.

ولا يخفي فضوله تجاه الفوارق بين التجربتَيْن اللبنانية والعالمية. ففي لبنان تحتلّ اللغة والقدرة على التأثير العاطفي موقعاً محورياً في التقييم، بينما تميل المعايير الدولية أكثر نحو المنطق والعلاقة بين السبب والنتيجة، والقدرة على تقديم الأدلّة وقياس مدى تحقُّق الأهداف المُعلَنة.

وربما تختصر هذه المقارنة جانباً من رؤية زافين ومحاولته التوفيق بين الإنسان والآلة، من دون التفريط بما يجعل البشر مختلفين بعضهم عن بعض. فكلّما ازدادت قدرة التكنولوجيا على إنتاج النصوص والأفكار، ازدادت الحاجة إلى ما لا يمكن استنساخه أو توليده؛ وأيضاً التجربة الشخصية والحسّ النقدي والنظر إلى العالم من زاوية خاصة.


مقالات ذات صلة

شراكات في الذكاء الاصطناعي... تعاون أميركي لتعزيز البنية الرقمية المصرية

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح بعض مشروعات «منصة مصر الرقمية» في نوفمبر الماضي (الرئاسة)

شراكات في الذكاء الاصطناعي... تعاون أميركي لتعزيز البنية الرقمية المصرية

قال نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لانداو إن الولايات المتحدة ترى مصر شريكاً طبيعياً في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
الاقتصاد عامل بجوار روبوتات في معرض الذكاء الاصطناعي العالمي بمدينة شنغهاي الأسبوع الماضي (أ.ب)

الصين تدرس تشديد ضوابط تصدير الذكاء الاصطناعي والرقائق

ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» يوم الثلاثاء، أن السلطات الصينية تدرس تشديد ضوابط التصدير على تقنيات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تحليل إخباري رقاقة أشباه موصلات معروضة في جناح شركة «إس كيه هاينكس» الكورية (رويترز)

تحليل إخباري الطاقة والمياه... عقبتان أمام حلم كوريا الجنوبية في قيادة صناعة الرقائق

تسعى كوريا الجنوبية إلى بناء أحد أكبر مراكز تصنيع أشباه الموصلات في العالم خارج العاصمة سيول، في إطار استراتيجية تستهدف ترسيخ مكانتها في سباق الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا «كيمي كيه - 3» الصيني: هل يهدد تفوق الولايات المتحدة كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي؟

«كيمي كيه - 3» الصيني: هل يهدد تفوق الولايات المتحدة كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي؟

الصين تصدر نسخاً مجانية تحاكي التقنيات الأميركية الرائدة بفارق زمني قد لا يتعدى بضعة أسابيع

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» داخل متحف للابتكار في هسينتشو بتايوان (رويترز)

«تي إس إم سي» تخطط لرفع أسعار صناعة الرقائق حتى 10 في المائة بحلول 2027

تعتزم شركةُ «تي إس إم سي (TSMC)»؛ أضخمُ صانع رقائق إلكترونية بموجب عقود في العالم، زيادةَ أسعار تصنيع الرقائق بنسب تصل إلى 10 في المائة بدءاً من عام 2027...

«الشرق الأوسط» (تايبيه)